Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
قوله تعالى : إنما يؤمن بآياتنا . سورة السجدة .
إََّاءُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُّكُواْ بِهَا خُّواْ ◌ُّدًا وَسَُّواْ مَهْدِ رَبِهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ ﴿﴾ تَ جُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (٦﴾
وفى تفسير الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله ( فذوقوا بما نسيتم لقاء) لقاء يحتمل أن يكون منصوباً بذوقوا، أى
ذوقوا لقاء يومكم بما نسيتم ، وعلى هذا يحتمل أن يكون المنى هو الميثاق الذى أخذ منهم بقوله
( ألست بربكم قالوا بلى ) أو بما فى الفطرة من الوحدانية فينسى بالإقبال على الدنيا والاشتغال بها
ويحتمل أن يكون منصوباً بقوله (نسيتم) أتى بما نسيتم لقاء هذا اليوم ذوقوا، وعلى هذا لو قال
قائل النسيان لا يكون إلا فى المعلوم أولا إذا جهل آخراً نقول لما ظهرت براهينه فكأنه ظهر
وعلم، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر كمن ينكر
أمراً كان قد علمه .
المسألة الثانية) قوله تعالى هذا يحتمل ثلاثة أوجه (أحدها ) أن يكون إشارة إلى اليوم،
أى فذوقوا بما نسيتم لقاء هذا اليوم ( وثانيها) أن يكون إشارة إلى لقاء اليوم، إى فذوقوا بما
نسيتم هذا اللقاء ( وثالثها ) أن يكون إشارة إلى العذاب، أى فذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء
يومكم، ثم قال إنا نسيناكم، أى تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعله الناسى قطعاً لرجائكم،
ثم ذكر ما يلزم من تركه إياهم كما يترك الناسى وهو خلود العذاب، لأن من لا يخلصه الله فلا
خلاص له ، فقال (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون)
ثم قال تعالى إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم
لا يستكبرون
قوله تعالى ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم
لا يستكبرون) إشارة إلى أن الإيمان بالآيات كالحاصل، وإنما ينساه البعض فإذا ذكر بها خر
ساجداً له ، يعنى انقادت أعضاؤه له ، وسبح بحمده، يعنى ويحرك لسانه بتنزيهه عن الشرك، وهم
لا يستكبرون، يعنى وكان قلبه خاشعاً لا يتكبر ومن لا يستكبر عن عباده فهو المؤمن حقاً.
ثم قال تعالى : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وما رزقناهم ينفقون﴾
يعنى بالليل قليلا ما يهجعون وقوله (يدعون ربهم) أى يصلون، فإن الدعاء والصلاة من باب واحد
فى المعنى أو يطلبونه وهذا لا ينافى الأول لأن الطلب قد يكون بالصلاة، والحمل على الأول أولى

١٨٢
قوله تعالى : فلا تعلم نفس . سورة السجدة
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ◌َآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
لأنه قال بعده ( ومما رزقناهم ينفقون) وفى أكثر المواضع التى ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها
كقوله تعالى (ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) وقوله (خوفاً وطمعاً) يحتمل أن يكون
مفعولا له ويحتمل أن يكون حالا ، أى خائفين طامعين كقولك جاؤنى زوراً أى زائرين، وكأن
فى الآية الأولى إشارة إلى المرتبة العالية وهى العبادة لوجه الله تعالى مع الذهول عن الخوف
والطمع بدليل قوله تعالى (إذا ذكروا بها خروا ) فانه يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم
السعود وإن لم يكن خوف وطمع. وفى الآية الثانية إشارة الى المرتبتين الأخيرتين وهى العبادة
خوفا كمن يخدم الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعاً فى بره، ثم بين ما يكون لهم
جزاء فعلهم .
قوله تعالى : ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾
يعنى مما تقر العين عنده ولا تلتفت إلى غيره يقال إن هذا لا يدخل فى عينى، يعنى عينى تطلع إلى
غيره، فإذا لم يبق تطلع للعين إلى شىء آخر لم يبق للعين مسرح إلى غيره فتقرجزاء بحكم الوعد، وهذا فيه
لطيفة وهى أن من العبد شيئاً وهو العمل الصالح، ومن الله أشياء سابقة من الخلق والرزق وغيرهما
وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فقه تعالى أن يقول جزاء الإحسان إحسان، وأنا أحسنت
أولا والعبد أحسن فى مقابلته، فالثواب تفضل ومنحة من غير عوض، وله أن يقول جعلت
الأول تفضلا لا أطلب عليه جزاء، فإذا أتى العبد بالعمل الصالح فليس عليه شىء لأنى أبرأته مما
عليه من النعم فكان هو آتياً بالحسنة ابتداء، وجزاء الإحسان إحسان، فأجعل الثواب جزاء كلاهما
جائز، لكن غاية الكرم أن يجعل الأول هبة ويجعل الثانى مقابلا وعوضاً لأن العبد ضعيف لوقيل
له بأن فعلك جزاء فلا تستحق جزاء، وإنما اللّه يتفضل يثق ولكن لا يطمئن قلبه، وإذا قيل له
الأول غير محسوب عليك والذى أتيت به أنت به باد ولك عليه استحقاق ثواب يثق ويطمئن
ثم إذا عرف أن هذا من فضل الله فالواجب من جانب العبد أن يقول فعلى جزاء نعم الله السابقة
ولا أستحق به جزاء ، فإذا أثابه الله تعالى يقول الذى أتيت به كان جزاء، وهذا ابتداء إحسان من
الله تعالى يستحق حمداً وشكراً فيأتى بحسنة فيقول الله إنى أحسنت إليه جزاء فعله الأول
وما فعلت أولا لا أطلب له جزاء فيجازيه ثالثاً فيشكر العبد ثالثاً فيجازيه رابعاً وعلى هذا لا تنقطع
المعاملة بين العبد والرب، ومثله فى الشاهد اثنان تحابا فأهدى أحدهما إلى الآخرهدية ونسيها والمهدى
اليه يتذكرها فأهدى إلى المهدى عوضاً فرآه المهدى الأول ابتداء لنسيانه ما أهداه اليه جازاه بهدية
فقال المحب الآخر ما أهديته كان جزاء لهديته السابقة ، وهذه هدية ما عوضتها فيعوض ويعوض

١٨٣
قوله تعالى : أَفْمنّ كان مؤمنا كمن كان فاسقا . سورة السجدة .
أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
١٨
أَقَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ
الصَّالِحَتِ فَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى نُلََّ بِمَا كَانُوايَعْمَلُونَ ثَلَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَأْوَنَهُمُ
النَّارُ كُّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أَعِيدُواْ فِيهَ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ الَّارِ الَّذِى
كُنْتُ بِهِ، تُكَذِبُونَ
٢٠
عنه المحب الآخر ويتسلسل الأمر بينهما ولا ينقطع التهادى والتحاب ، بخلاف من أرسل إلى واحد
هدية وهو يتذكرها فاذا بعث اليه المهدى إليه عوضاً يقول المهدى هذا عوض ما أهديت اليه
فيسكت ويترك الإهداء فينقطع، واعلم أن التكاليف يوم القيامة، وإن ارتفعت لكن الذكر
والشكر والعبادة لا ترتفع بل العبد یعبد ربه فى الجنة أ کثر ما یعبده فى الدنيا ، و کیف لا وقد
صار حاله مثل حال الملائكة الذين قال فى حقهم ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون) غاية ما فى
الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هى بمقتضى الطبع ومن جملة الأسباب الموجبة لدوام
نعيم الجنة هذا وكيف لا وخدمة الملوك لذة وشرف فلا تترك وإن قرب العبد منه بل تزداد لذتها.
قوله تعالى: ﴿أفن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون، أما الذين أمنوا وعملوا الصالحات
فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا فأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا
منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون }
لما بين حال المجرم والمؤمن قال للعاقل هل يستوى الفريقان ، ثم بين أنهما لا يستويان، ثم
بين عدم الاستواء على سبيل التفصيل، فقال ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى)
إشارة إلى ما ذكرنا أن الله أحسن ابتداء لا لعوض فلما آمن العبد وعمل صالحاً قبله منه كأنه
ابتداء فازاه بأن أعطاه الجنة ثم قال تعالى (نزلا ) إشارة إلى أن بعدها أشياء لأن النزل ما يعطى
الملك النازل، وقت نزوله قبل أن يجعل له راتباً أو يكتب له خبزاً وقوله ( بما كانوا يعملون)
يحقق ما ذكرنا وقوله تعالى ( وأما الذين فسقوا فأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها) إشارة
إلى حال الكافر، وقد ذكرنا مراراً أن العمل الصالح له مع الايمان أثر أما الكفر إذا بها.
فلا التفات إلى الأعمال ، فلم يقل وأما الذين فسقوا وعملوا السيآت لأن المراد من فسقوا كفروا
ولو جعل العقاب فى مقابلة الكفر والعمل ، لظن أن مجرد الكفر لا عقاب عليه ، وقوله فى حق
المؤمنين ( لهم) بلام التمليك زيادة إكرام لأن من قال لغيره أسكن هذه الدار يكون ذلك محمولا
على العارية وله استرداده ، وإذا قال هذه الدار لك يكون ذلك محمولا على نسبة الملكية اليه وليس

١٨٤
قوله تعالى : ولنذيقهم من العذاب الأدني . سورة السجدة .
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىِ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(
له استرداده بحكم قوله وكذلك فى قوله (لهم جنات) ألا ترى أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان
فى علمه أنه يخرجه منها قال ( اسكن أنت وزوجك الجنة) ولم يقل لكما الجنة وفى الآخرة لما لم
يكن للمؤمنين خروج عنها قال (لكم الجنة) و(لهم جنات) وقوله ( كاما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا
فيها وقيل لهم ذوقوا) إشارة إلى معنى حكمى، وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق
به شعور تام ولهذا قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحى البلغمية نسبة النار إلى
الماء المسخن، ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من به الخى البلغمية لتمكن الدق
وقرب العهد بظهور حرارة الخى البلغمية ، وكذلك الانسان إذا وضع يده فى ماء بارد يتألم من
البرد ، فإذا صبر زمانًطويلا تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه، إذا علمت هذا
فقوله (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) إشارة إلى أن الإله لا يسكن عنهم بل يرد عليهم
فى كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله ( ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون) يقرر ما ذكرنا
ومعناه أنهم فى الدنيا كانوا يكذبون بعذاب النار، فلما ذاقوه كان أشد إيلاماً لأن من لا يتوقع
شيئاً فيصيبه يكون أشد تأثيراً ، ثم إنهم فى الآخرة كما فى الدنیا يجزمون أن لاعذاب إلا وقد وصل
إليهم ولا يتوقعون شيئاً آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب أشد من الأول ، وكانوا يكذبون به
بقولهم لاعذاب فوق مانحن فيه فاذن معنى قوله تعالى (ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون)
ليس مقتصراً على تكذيبهم الذى كان فى الدنيا بل (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) وقيل
لهم ذوقوا عذاباً كذبتم به من قبل. أما فى الدنيا بقولكم لا عذاب فى الآخرة، وأما فى الآخرة
فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه .
ثم لما هددهم قال تعالى ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلمهم
يرجعون
يعنى قبل عذاب الآخرة نذيقهم عذاب الدنيا . فان عذاب الدنيا لانسبة له إلى عذاب الآخرة
لأن عذاب الدنيا لا يكون شديداً ، ولا يكون مديداً فان العذاب الشديد فى الدنيا يهلك فيموت
المعذب ويستريح منه فلا يمتد، وإن أراد المعذب أن يمتد عذاب المعذب لا يعذبه بعذاب فى غاية
الشدة ، وأما عذاب الآخرة فشديد ومديد، وفى الآية مسألتان :
﴿ إحدايهما) قوله تعالى (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) فى مقابلته العذاب الأقصى والعذاب
الأكبر فى مقابلته العذاب الأصغر، فما الحكمة فى مقابلة الأدنى بالأ كبر؟ فنقول حصل فى عذاب
الدنيا أمران: (أحدهما) أنه قريب والآخر أنه قليل صغير وحصل فى عذاب الآخرة أيضاً
أمران (أحدهما) أنه بعيد والآخر أنه عظيم كثير، لكن القرب فى عذاب الدنيا هو الذى يصلح

١٨٥
قوله تعالى : لعلهم يرجعون . سورة السجدة .
للتخويف به ، فان العذاب العاجل وإن كان قليلا قد يحترز منه بعض الناس أكثر مما يحترز من
العذاب الشديد إذا كان آجلا ، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب
العظيم الآجل ، وأما فى عذاب الآخرة فالذى يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد
لما بينا فقال فى عذاب الدنيا ( العذاب الأدنى) ليحترز العاقل عنه ولو قال ( لنذيقنهم من العذاب
الأصغر) ما كان يحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلا وقال فى عذاب الآخرة الأكبر لذلك
المعنى، ولو قال دون العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه بالكبر،
وبالجملة فقد اختار الله تعالى فى العذابين الوصف الذى هو أصلح للتخويف من الوصفين الآخرين
فيهما لحكمة بالغة
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (لعلهم يرجعون) لعل هذه الترجى واللّه تعالى محال ذلك عليه
فما الحكمة فيه؟ نقول فيه وجهان (أحدهما) معناه لنذيقنهم إذاقة الراجين كقوله تعالى ( إنا
نسيناكم) يعنى تركناكم كما يترك الناسى حيث لا يلتفت إليه أصلا، فكذلك ههنا نذيقهم على
الوجه الذى يفعل بالراجى من التدريج ( وثانيهما) معناه نذيقهم العذاب إذاقة يقول القائل لعلهم
يرجعون بسببه، ونزيد وجهاً آخر من عندنا، وهو أن كل فعل يتلوه أمر مطلوب من ذلك الفعل
يصح تعليل ذلك الفعل بذلك الأمر ، كما يقال فلان اتجر ليريح ، ثم إن هذا التعليل إن كان فى موضع
لا يحصل الجزم بحصول الأمر من الفعل نظراً إلى نفس الفعل. وإن حصل الجزم والعلم بناء على
أمر من خارج فانه يصح أن يقال يفعل كذا رجاء كذا، كما يقال يتجر رجاء أن يربح، وإن حصل
للتاجر جزم بالربح لا يقدح ذلك فى صحة قولنا يرجو لما أن الجزم غير حاصل نظراً إلى التجارة
وإن كان الجزم حاصلا نظراً إلى الفعل ، لا يصح أن يقال يرجو وإن كان ذلك الجزم يحتمل خلافه
كقول القائل فلان حز رقبة عدوه رجاء أن يموت، لا يصح لحصوله الجزم بالموت عقيب الحز
نظراً إليه وإن أمكن أن لا يموت نظراً إلى قدرة الله تعالى، ويصحح قولنا قوله تعالى فى حق
إبراهيم (والذى أطمع أن يغفر لى خطيقتى) مع أنه كان عالماً بالمغفرة لكن لما لم يكن الجزم
حاصلاً من نفس الفعل أطلق عليه الطمع وكذلك قوله تعالى (وارجوا اليوم الآخر) مع أن
الجزم به لازم إذا علم ما ذكرنا فنقول فى كل صورة قال اللّه تعالى (لعلهم) فان نظرنا إلى الفعل
لا يلزم الجزم ، فان من التعذيب لا يلزم الرجوع لزوماً بيناً فصح قولنا يرجو وإن كان علمه حاصلا
بما يكون غاية ما فى الباب أن الرجاء فى أكثر الأمر استعمل فيما لا يكون الأمر معلوماً فأوهم
أن لا يجوزالإطلاق فى حق الله تعالی ولیس کذلك بل الترجی يجوز فى حق الله تعالى، ولا يلزم
منه عدم العلم ، وإنما يلزم عدم الجزم بناء على ذلك الفعل وعلم اللّه ليس مستفاداً من الفعل فيصح
حقيقة الترجى فى حقه على ما ذكرنا من المعنى.

١٨٦
قوله تعالى : ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه . سورة السجدة .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِّنْ ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ ثُمْ أَعْرَضَ عَنْهَاَ إِنَّ مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِرَةٍ مِنِ لِقََّبِّهِ وَجَعَهُ هُدًى لِّبَنِّ
إِسْرَِّيلَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّ صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِعَايَئِنَا يُعِنُونَ
٢٤
قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ، إنا من المجرمين منتقمون،
ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه وجعلناه هدى لبنى إسرائيل، وجعلنا منهم
أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾
قوله تعالى (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) يعنى لنذيقنهم ولا يرجعون
فيكونون قد ذكروا بآيات الله من النعم أولا والنقم ثانياً ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم أحد، لأن من
يكفر بالله ظالم فان الله لذوى البصائر ظاهر لا يحتاج المستنير الباطن إلى شاهد يشهد عليه بل هو
شهيد على كل شىء كما قال تعالى (أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد) أى دليلك الله لا تحتاج
ما نير الباطن إلى دليل على الله، ولهذا قال بعض العارفين رأيت الله قبل كل شىء فمن لم يكفه الله
فسائر الموجودات سواء، كان فيها نفع أو ضركاف فى معرفة الله كما قال تعالى (سنريهم آياتنا فى
الآفاق وفى أنفسهم) فإن لم يكفهم ذلك فبسبغه عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، فالأول الذى لا يحتاج
إلى غير الله هو عدل والثانى الذى يحتاج إلى دليل فهو متوسط والثالث الذى لم تكفه الآفاق ظالم
والرابع الذى لم تقنعه النعم أظلم من ذلك الظالم وقد يكون أظلم منه آخر ، وهو الذى إذا أذيق
العذاب لا يرجع عن ضلالته ، فأن الأكثر كان من صفتهم أنهم إذا مسهم ضر دعوا ربهم منيبين
إليه فهذا لما عذب ولم يرجع فلا أظلم منه أصلا فقال (ومن أظلم من ذكربآيات ربه ثم أعرض عنها) .
ثم قال تعالى: ﴿ إنا من المجرمين منتقمون﴾ أى لما لم ينفعهم العذاب الأدنى فأنا منتقم منهم
كبر.
بالعذاب الأ
ثم قال تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب ) لما قرر الأصول الثلاثة على مابيناه عاد إلى الأصل
الذى بدأ به وهو الرسالة المذكورة فى قوله (لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير ) وقال ( قل ما كنت
بدءاً من الرسل ) بل كان قبلك رسل مثلك واختار من بينهم موسى لقربه من التى طب ووجود
من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود
ما كانوا يوافقون على نبوته. وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام فتمسك

١٨٧
قوله تعالى : إن ربك هو يفصل بينهم . سورة السجدة .
٠٠٠١٠/١
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (يَ أَوَلَمْ
يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَمْا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَئِكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَ يَتِ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
٢٠
بالمجمع عليه، وقوله ( فلا تكن فى مرية من لقائه ) قيل معناه فلا تكن فى شك من لقاء موسى
فانك تراه وتلقاه، وقيل بأنه رآه ليلة المعراج وقيل معناه فلا تكن فى شك من لقاء الكتاب فانك
تلقاه كما لقى موسى الكتاب ويحتمل أن تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبى عليه السلام
فانه لما أتى بكل آية وذكر بها وأعرض عنها قومه حزن عليهم، فقيل له تذكر حال موسى
ولا تحزن فإنه لقى ما لقيت وأوذى كما أوذيت. وعلى هذا فاختيار موسى عليه السلام لحكمة،
وهى أن أحداً من الأنبياء لم يؤذه قومه إلا الذين لم يؤمنوا به، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه
غير قوم موسى فان لم يؤمن به آذاه مثل فرعون وغيره ومن آمن به من بنى إسرائيل أيضاً آذاه
بالمخالفة وطلب أشيا منه مثل طلب رؤية الله جهرة ومثل قولهم (اذهب أنت وربك فقاتلا ) ثم
بين له أن هدايته غير خالية عن المنفعة كما أنه لم تخل هداية موسى ، فقال ( وجعلناه هدى لبنى
إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) فحيث جعل الله كتاب موسى هدى وجعل منهم أئمة
یہدون کذلك يجعل کتابك ھدی و جعل من أمتك صحابة بهدون كما قال عليه السلام « أصحابى
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر ، فقال ( لما صبروا وكانوا بآياتنا
يوقنون) فكذلك اصبروا وآمنوا بأن وعد الله حق.
قوله تعالى: ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، أو لم يهد لهم كم
أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون
قوله: ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) هذا يصلح جواباً لسؤال:
وهو أنه لما قال تعالى ( وجعلنا منهم أئمة يهدون ) كان لقائل أن يقول كيف كانوا يهدون وهم
اختلفوا وصاروا فرقاً وسبيل الحق واحد، فقال فيهم هداة والله بين المبتدع من المتبع كما يبين
المؤمن من الكافر يوم القيامة ، وفيه وجه آخر ، وهو أن الله تعالى بين أنه يفصل بين المختلفين من
أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم فينبغى أن لا يأمن من آمن وإن لم يجتهد ، فان المبتدع
معذب كالكافر ، غاية ما فى الباب ، أن عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم .
ثم قال تعالى (أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون) قد ذكرنا أن قوله تعالى (ولقد
آتينا موسى الكتاب) تقرير أساله محمد عي الهم وإعادة لبيان ما سبق فى قوله ( لتنذر قوماً ما أتاهم

١٨٨
قوله تعالى : او لم يروا أنا نسوق الماء . سورة السجدة .
أَوَ لَمْ يَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْخُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْءًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَقَلاَ يُبْصِرُونَ (﴾ وَيَقُولُونَ مَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إَِدُهُمْ وَلَ هُمْ يُنْظُرُونَ (
من نذير من قبلك) ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد، فقال تعالى ( أو لم يهد لهم كم
أملكنا من قبلهم) وقوله ( يمشون فى مساكنهم) زيادة إبانة، أى مساكن المهلكين دالة على
حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها، وقوله تعالى ( إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون) اعتبر فيه
السمع، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم، فقال أفلا يسمعون ، يعنى
ليس لهم درجة المتعلم الذى يسمع الشىء ويفهمه .
قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم
وأنفسهم أفلا يبصرون، ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين؟
قوله تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجزر) لما بين الإهلاك وهو الإماتة
بين الإحياء لميكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله، والجرز الأرض اليابسة التى لا نبات فيها
والجرز هو القطع وكأنها المقطوع عنها الماء والتّبات. ثم قال تعالى (فتخرج به زرعاً تأكل منه
أنعامهم وأنفسهم) قدم الأنعام على الأنفس فى الأكل لوجوه (أحدها) أن الزرع أول ما ينبت
يصلح للدواب ولا يصلح للانسان (والثانى) وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو لا بد منه . وأما
غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان، فكأن الحيوان يأكل الزرع، ثم الإنسان يأكل من الحيوان
(الثالث) إشارة إلى أن الأكل من ذوات الدواب . والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة
العقلية فکاله بالعبادة .ثم قال تعالى ( أفلا يبصرون ) لأن الأمر یری بخلاف حال الماضین ، فانها
كانت مسموعة، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر بقوله تعانى (ويقولون مى هذا الفتح
إن كنتم صادقين ) إلى آخر السورة، فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة
فى أولها بقوله ( لتنذر قوماً) وفى آخرها بقوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب) وذكر التوحيد
بقوله ( الذى خلق السموات والأرض) وقوله (الذی أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان
من طين) وفى آخر السورة ذكره بقوله (أو لم يهد لهم) وقوله (أو لم يروا أنا فسوق) وذكر
الحشر فى أولها بقوله ( وقالوا: أهذا ضالنا فى الأرض) وفى آخرها بقوله ( ويقولون متى
هذا الفتح).

١٨٩
قوله تعالى : فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون . سورة السجدة .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
قوله تعالى: ﴿ قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون ﴾ أى لا يقبل إيمانهم
فى تلك الحالة، لأن الإيمان المقبول هو الذى يكون فى دار الدنيا، ولا ينظرون، أى لا يمهلون
بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا فيقبل إيمانهم، ثم لما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم ينفعهم . قال
تعالى (فأعرض عنهم) أى لا تناظر هم بعد ذلك وإنما الطريق بعد هذا القتال . وقوله ( وانتظر
إنهم منتظرون) يحتمل وجوهاً (أحدها) وانتظر هلا كهم فانهم ينتظرون هلاكك، وعلى هذا
فرق بين الانتظارين، لأن انتظار التى يتم بأمر الله تعالى بعد وعده وانتظارهم بتسويل أنفسهم
والتعويل على الشيطان (وثانيها) وانتظر النصر من الله فانهم ينظرون النصر من آلهتهم وفرق
بين الانتظارين (وثالثها) وانتظر عذابهم بنفسك فانهم ينتظرونه بلفظهم استهزاء، كما قالوا (فأتنا
بما تعدنا، وقالوا متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) إلى غير ذلك، والله أعلم بالصواب وإليه
المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبى وآله وصحبه أجمعين،
وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين .

١٩٠
قوله تعالى: سورة الأحزاب . الآية
(٣٣) سُوْرَة الأَجَزَاتُ مَدَنَةْ
وَآيَانهانَلَاتُوَسَبْعُونَ
اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بسـ
يَأَيُّهَا النَِّّ أَتَّقِ اللهَ
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: ﴿ يا أيها النى إتق الله ﴾. فى تفسير الآية مسائل:
﴿ الأولى ) فى الفرق بين النداء والمنادى بقوله يارجل ويا أيها الرجل، وقد قيل فيه ما قيل
ونحن نقول قول القائل يارجل يدل على النداء وقوله يا أيها الرجل يدل على ذلك أيضاً وينبىء عن
خطر خطب المنادى له أو غفلة المنادى ( أما الثانى) فذكور (وأما الأول) فلأن قوله ( يا أى)
جعل المنادى غير معلوم أولا فيكون كل سامع متطلعاً إلى المنادى فاذا خص واحداً كان فى ذلك
إنباء الكل لتطلعهم إليه، وإذا قال يا زيد أو يا رجل لا يلتفت إلى جانب المنادى إلا المذكور
إذا علم هذا فنقول (يا أيها) لا يجوز حمله على غفلة النبى لأن قوله (النبى) ينافى الغفلة لأن النبى عليه
السلام خبير فلا يكو غافلا فيجب حمله على خطر الخطب .
المسألة الثانية) الأمر بالشىء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به إذ لا يصلح
أن يقال للجالس اجلس والساكت اسكت والنبى عليه السلام كان متقياً فما الوجه فيه؟ نقول فيه
، وجهان: (أحدهما) منقول وهو أنه أمر بالمداومة فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس
ههنا إلى أن أجيئك ، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أى دم على ما أنت عليه
( والثانى) وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقى منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من
عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبى لم يؤمر بالتقوى بالمعنى الأول
ولا بالمعنى الثانى، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام فى الدنيا. وكيف والأمور الدنيوية شاغلة
والآدمى فى الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على مالا بد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة
بقوله ( إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى) يعنى يرفع الحجاب عنى وقت الوحى ثم أعود اليكم كأنى
متكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور ( الوجه الثانى) هوأن النبى عليه الصلاة والسلام كل
حطة کان یزداد علهومر تبتهحتی کان حاله فيما مضىبالنسبة إلىماهو فيه ترکا للافضل، فكان له فىكل
ساعة تقوى متجددة فقوله (اتق الله) على هذا أمربما ليس فيه وإلى هذا أشار عليه الصلاة السلام بقوله

١٩١
قوله تعالى : ولا تطع الكافرين والمنافقين . سورة الأحزاب .
وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيماً ﴾
«من استوی یوماه فهو مغبون)) ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه بهزيادة العلمحیث قال(وقل رب
زدنى علماً) وأيضاً إلى هذا وقعت الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام («إنه ليغان على قلبى فأستغفر
الله فى اليوم سبعين مرة) يعنى يتجدد له مقام يقول الذى أتيت به من الشكر والعبادة لم يكن شيئاً،
إذا علم هذا فالنبى صلى الله عليه وسلم بحكم (إنما أنا بشر مثلكم ) كان قد وقع له خوف ما يسير من
جهة ألسنة الكفار والمنافقين ومن أيديهم بدليل قوله تعالى (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)
فأمره الله بتقوى أخرى فوق ما يتقيه بحيث تنسيه الخلق ولا يريد إلا الحق وزاد الله به درجته
فكان ذلك بشارة له ، فى (يا أيها النبى) أنت مابقيت فى الدرجة التى يقنع منك بتقوى ، مثل تقوى
الآحاد أو تقوى الأوتاد بل لا يقنع منك إلا بتقوى تنسيك نفسك ألا ترى أن الإنسان إذا
كان يخاف فوت مال إن حجم عليه غاشم يقصد قتله يذهل عن المال ويهرب ويتركه ، فكذلك
النبى عليه الصلاة والسلام أمر بمثل هذه التقوى ومع هذه التقوى لا يبقى الخوف من أحد غير
الله وخرج هذا مخرج قول القائل لمن يخاف زيد أو عمراً خف عمراً فان زيداً لا يقدر عليك إذا
كان عمرو معك فلا يكون ذلك أمراً بالخوف من عمرو فانه يخافه وإنما يكون ذلك نهياً عن
الخوف من زيد فى ضمن الأمر بزيادة الخوف من عمرو حتى ينسيه زيداً .
ثم قوله تعالى ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ يقرر قولنا أى اتق الله تقوى تمنعك من
طاعتهم.
المسألة الثالثة﴾ لم خص الكافرين والمنافقين بالذكر مع أن النبى صلى الله عليه وسلم ينبغى
أن لا يطيغ أحداً غير الله؟ نقول لوجهين (أحدهما) أن ذكر الغير لاحاجة إليه لأن غيرهما
لا يطلب من النبى عليه الصلاة والسلام الاتباع، ولا يتوقع أن يصير النبى عليه السلام مطيعاً له
بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعا ( والثانى) هو أنه تعالى لما قال ( ولا تطع الكافرين
والمنافقين ) منعه من طاعة الكل لأن كل من طلب من النبى عليه الصلاة والسلام طاعته فهو كافر
أو منافق لأن من يأمر النبى عليه الصلاة والسلام بأمر أمر إيجاب معتقداً على أنه لو لم يفعله
يعاقبه بحق يكون كافراً .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان عليما حكيما﴾ إشارة إلى أن التقوى ينبغى تكون عن صميم قلبك
لا تخفى فى نفسك تقوى غير الله كما يفعله الذى يرى من نفسه الشجاعة حيث يخاف فى نفسه
ويتجلد فان التقوى من اللّه وهو عليم، وقوله (حكيما) إشارة إلى دفع وهم منوهم وهو أن متوهما
لو قال إذا قال اللّه شيئاً وقال جميع الكافرين والمنافقين مع أنهم أقارب النبى عليه الصلاة والسلام
شيئاً آخر ورأوا المصلحة فيه وذكروا وجهاً معقولا. فاتباعهم لا يكون إلا مصلحة فقال الله

١٩٢
قوله تعالى : واتبع ما يوحي إليك من ربك. سورة الأحزاب.
وَأَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَبِكَ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِراً (﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الَهِ
وَكَفَ بِاللهِ وَكِيلًا ﴾ مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّنْ قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ
أَزْ وَجَكُ الَّعِى تُظَهِرُونَ مِنْنَّ أَمَّهَِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُرَّ ذَلِكُمْ
قَوْلُُّ بِأَقْوَإِنِّ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَيَهْدِى الَّبِيلَ ﴾
تعالى إنه حكيم ولا تكون المصلحة إلا فى قول الحكيم، فإذا أمرك الله بشىء فاتبعه ولو منعك
أهل العالم عنه .
قوله تعالى: ﴿واتبع مايوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً، وتوكل على الله
وكفى بالله وكيلا، ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه وما جعل أزواجكم أدعياءكم أبناءكم
ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل
يقرر ما ذكرنا من أنه حكيم فاتباعه هو الواجب، ثم قال تعالى ( إن الله كان بما تعملون
خبيراً ) لما قال إنه عليم بما فى قلوب العباد بين أنه عالم خبير بأعمالكم فسووا قلوبكم وأصلحوا
أعمالكم. ثم قال تعالى (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) يعنى اتق الله وإن توهمت من أحد
فتوكل على الله فانه كفى به دافعاً ينفع ولا يضر معه شىء وإن ضر لا ينفع معه شىء.
ثم قال تعالى ( ماجعل الله لرجل من قلبين فى جوفه) قال بعض المفسرين الآية نزلت فى أبى
معمر كان يقول لى قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد فرد اللّه عليه بقوله (ماجعل
ألله لرجل من قلبين فى جوفه، وقال الزمخشرى قوله ( وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن
أمهاتكم) أى ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين ، وكلاهما ضعيف بل الحق
أن يقال إن الله تعالى لما أمر النبى عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله (يا أيها النبى اتق الله)
فكان ذلك أمراً له بتقوى لا يكون فوقها تقوى ومن يتقى ويخاف شيئاً خوفاً شديداً لا يدخل فى
قلبه شىء آخر ألا ترى أن الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكان اللّه تعالى قال
يا أيها النبى اتق الله حق تقاته، ومن حقها أن لا يكون فى قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له
قلبان حتى يتقى بأحدهما الله وبالآخرة غيره فان اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن
جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقى الذى يدعى أنه يتق الله حق تقاته، ثم ذكر للنبى عليه
الصلاة والسلام أنه لا ينبغى أن يتقى أحداً ولا مثل ما اتقيت فى حكاية زينب زوجة زيد حيث
قال الله تعالى ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) يعنى مثل تلك التقوى لا ينبغى أن تدخل فى

١٩٣
قوله تعالى : ذلكم قولكم بأفواهكم. سورة لاحزاب.
قلبك ثمّ لمنا ذكر النبى عليه الصلاة والسلام بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء. فقال ( وما
جعل أدعياء كم أبناء كم) أى وما جعل الله دعى المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوى على أندفاع
القبح وهو قوله ( وماجعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم) أى أنكم إذا قلتم لأزواجكم
أنت على كظهر أمى فلا تصير هى أماً بإجماع الكل ، أما فى الاسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء.
وأما فى الجاهلية فلأنه کان طلاقاً حتی کان يجوز للزوج أن یتزوج بها من جديد ، فاذا كان قول
القائل لزوجته أنت أمى أو كظهر أمى لا يوجب صيرورة الزوجة أماً كذلك قول القائل الدعى
أنت ابى لا يوجب كونه ابناً فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم يكن لأحد أن يقول فى ذلك شيئاً
فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمراً مخوفا ما كان يجوز أن تخاف غير الله أو
ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغى أن تخاف أحداً
ثم قال تعالى ( ذلكم قولكم بأفواهكم) فيه لطيفة وهو أن الكلام المعتبر على قسمين (أحدهما)
كلام يكون عن شىء كان فيقال (والثانى) كلام يقال فيكون كما قيل والأول كلام الصادقين الذين
يقولون ما يكون والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئاً جعله الله كما قالوه وكلاهما صادر عن
قلب والكلام الذى يكون بالفم حسب هو مثل نهيق الحمار أو نباح الكلب، لأن الكلام المعتبر هو
الذى يعتمد عليه والذى لا يكون عن قلب وروية لا اعتماد عليه، والله تعالى لما كرم ابن آدم
وفضله على سائر الحيوانات ينبغى أن يحترز من التخلق بأخلاقها، فقول القائل : هذا ابن
فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلاماً فإن الكلام فى الفؤاد وهذا فى الفم لا غير ، واللطيفة هى أن الله
تعالى ههنا قال (ذلكم قولكم بأفواهم) وقال فى قوله ( وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم
بأفواههم ) يعنى نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل
أيضاً فى قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
ثم قال تعالى ( والله يقول الحق ) إشارة إلى معنى لطيف وهوان العاقل ينبغى أن يكون قوله
إما عن عقل أو عن شرع فإذا قال فلان ابن فلان ينبغى أن يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع
بأن يكون ابنه شرعا وإن لم يعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولداً وكانت الزوجة
من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولدمنه فانا نلحقه بالزوج الثانى لقيام الفراش ونقول
إنه ابنه وفى الدعى لم توجد الخفيفة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق
لأن أباه مشهور ظاهر ووجه آخر فيه وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن فتحرم وقال الله تعالى
هى لك حلال ، وقولهم لا اعتبار به فانه بأفواههم كاصوات البهائم ، وقول الله حق فيجب اتباعه
وقوله ( وهو يهدى السبيل) يؤكد قوله ( والله يقول الحق) يعنى يجب اتباعه لكونه حقاً
ولكونه مادياً وقوله تعالى ( ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق) فيه لطيفة وهو أن الكلام
الذى بالفم بحسب يشبه صوت البهائم الذى يوجد لا عن قلب ، ثم إن الكلام الذى بالقلب قد
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ١٣

١٩٤
قوله تعالى: ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله. سورة الأحزاب.
أَدْعُوهُمْ ◌ِّ بَابِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِ لَّمْ تَعْلَمُوَاْءَ ابَآءَ هُمْ فَإِخْوُكُمْ فِى
الّذِيْنِ وَمَوَّلِكُمْ وَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاحٌ فِمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَنْكِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكٌُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
يكون حقاً وقد يكون باطلا ، لأن من يقول شيئاً عن اعتقاد قد يكون مطابقاً فيكون حقاً، وقدلا
يكون فيكون باطلا ، فالقول الذى بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قديكون حقاً وقديكون باطلا
لأنه يتبع الوجود، وقول الله حق لأنه يتبعه الوجود فانه يقول عما كان أو يقول فيكون، فإذن
قول الله خير من أقوالكم التى عن قلوبكم فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التى بأفواهكم، فاذن
لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغى وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبي
عليه الصلاة والسلام بزينب لم يكن حسناً يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم.
ثم قال تعالى (وهو يهدى السبيل) إشارة إلى أن اتباع ما أنزل الله خير من الأخذ بقول الغير.
ثم بين الهداية وقال ﴿ادعوهم لآباتهم هو أقسط عند اللّه فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم فى
الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورارحيما)
قوله تعالى (ادعوهم لآ بائهم) أرشدوقال (هو أقسط عند اللّه) أى أعدل فانه وضع الشى
فى موضعه وهو يحتمل وجهين (أحدهما ) أن يكون ترك الإضافة للعموم أى أعدفى كل كلام
كقول القائل الله أكبر (وثانيهما) أن يكون ما تقدم منوياً كأنه قال ذلك أقسط من قولكم هو
ابن فلان ثم تم الإرشاد وقال ( فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم فى الدين ومواليكم ) يعنى قولوا لهم
إخواننا وأخو فلان فان كانوا محررين فقولوا مولى فلان، ثم قال تعالى ( وليس عليكم جناح فيما
أخطأتم به) يعنى قول القائل لغيره يابنى بطريق الشفقة، وقول القائل لغيره يا أبى بطريق التعظيم،
فإنه مثل الخطأ ألا ترى أن اللغو فى اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان فكذلك سبق اللسان فى قول
القائل ابنى والسهو فى قوله ابنى من غير قصد إلى إثبات النسب سواء، وقوله ( ولكن ماتعمدت
قلوبكم) مبتدأ خبره محذوف يدل عليه ماسبق وهو الجناح يعنى ما تعمدت قلوبكم فيه جناح (وكان
الله غفوراً رحيما) يغفر الذنوب ويرحم المذنب وقد ذكرنا كلاماً شافياً فى المغفرة والرحمة فى
مواضع ، ونعيد بعضها ههنا فنقول المغفرة هو أن يسترد القادر القبيح الصادر بمن تحت قدرته حتى
أن العبد إذا ستر عيب سيده مخافة عقابه لا يقال إنه غفر له، والرحمة هو أن يميل إليه بالإحسان
لعجز المرحوم إليه لالعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه، وكذا من أحسن
إلى غيره رجاء فى خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال رحمه ، إذا علم هذا

١٩٥
قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين. سورة الأحزاب.
١٠٠= ول ٠٠٤٠١١٠٠٠٠٠٠١١
النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَتُهُمْ وَأَوْلُوا الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ
بِبَعْضِ فِي كِتَلْبِ الَّهِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَنِينَ إلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إَِ أَوْلِيَتَ بِكُمْ
مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا ﴾﴾
فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه سترعيبه ثم رآه. مفلساً عاجزاً فرحمه وأعطاه
ما كفاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك
عقابه ولم يقتصر عليه بل ستر ذنوبه .
قوله تعالى: ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم
أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك
فى الكتاب مسطوراً
قوله تعالى (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم) تقرير لصحة ما صدر منه عليه الصلاة
والسلام من التزوج بزينب وكأن هذا جواب عن سؤال، وهو أن قائلا لو قال هب أن الأدعياء
ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابناً إذا كان لدعيه شىء حسن لا يليق بمروءته أن يأخذه
منه ويطعن فيه عرفاً فقال الله تعالى النبى أولى بالمؤمنين جواباً عن ذلك السؤال وتقريره هو أن
دفع الحاجات على مراتب؛ دفع حاجة الأجانب ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشى النسب
ثم دفع حاجة الأصول والفصول ثم دفع حاجة النفس، والأول عرفا دون الثانى و كذلك شرعا
فإن العاقلة تتحمل الدية عنهم ولا تتحملها عن الأجانب والثانى دون الثالث أيضاً وهو ظاهر
بدليل النفقة والثالث دون الرابع فان النفس تقدم على الغير وإليه أشار النبى عليه الصلاة والسلام
بقوله (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)) إذا علمت هذا فالإنسان إذا كان معه ما يغطى به إحدى الرجلين
أو يدفع به حاجة عن أحد شقي بدنه، فلو أخذ الغطاء من أحدهما وغظى به الآخر لا يكون لأحد
أن يقول له لم فعلت فضلا عن أن يقول بئسما فعلت ، اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف
من الآخر مثل ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذى هو معدن حواسه
ويترك رجله تبرد فانه الواجب عقلا، فمن يعكس الأمر يقال له لم فعلت، وإذا تبين هذا فالنبي صلى
الله عليه وسلم أولى بالمؤمن من نفسه فلو دفع المؤمن حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله مثل
من يدهن شعره ويكشف رأسه فى برد مفرط قاصداً به تربية شعره ولا يعلم أنه يؤذى رأسه الذى
لا نبات لشعره إلا منه، فكذلك دفع حاجة النفس لفراغها إلى عبادة الله تعالى ولا علم بكيفية
العبادة إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام، فلو دفع الإنسان حاجته لا للعبادة فهو ليس

١٩٦
قوله تعالى : وازواجه أمهاتهم. سورة الأحزاب.
دفعاً للحاجة لأن دفع الحاجة ما هو فوق تحصيل المصلحة وهذا ليس فيه مصلحة فضلا عن
أن يكون حاجة واذا كان للعبادة فترك النبى الذى منه يتعلم كيفية العبادة فى الحاجة
ودفع حاجة النفس مثل تربية الشعر مع أعمال أمر الرأس، فتبين أن النبى صلى الله عليه وسلم
إذا أراد شيئاً حرم على الأمة التعرض إليه فى الحكمة الواضحة .
ثم قال تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ تقريراً آخر، وذلك لأن زوجة التى تجمع ما جعلها الله
تعالى فى حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبى عليه الصلاة والسلام ، فإذا تعلق
عاطره بامرأة شاركت الزوجات فى التعلق حرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره ، فلو قال
قائل كيف قال (وأزواجه أمهاتهم). وقال من قبل ( وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن
أمهاتكم) إشارة إلى أن غير من ولدت لا تصير أماً بوجه، ولذلك قال تعالى فى موضع آخر
( إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم) فنقول قوله تعالى فى الآية المتقدمة ( والله يقول الحق وهو يهدى
السبيل) جواب عن هذا معناه أن الشرع مثل الحقيقة ، ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار
الحقيقة إلى الشريعة . كما أن امرأتين إذا ادعت كل واحدة ولداً بعينه ولم يكن لهما بينة وحلفت
إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد، وإن تبين أن التى حلفت دون البلوغ أو بكر بينة لا يحكم
لها بالولد، فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع، لا بل فى بعض المواضع على
الندور تغلب الشريعة الحقيقة ، فإن الزانى لا يجعل أباً لولد الزنا. إذا ثبت هذا فالشارع له الحكم
فقول القائل هذه أمى قول يفهم لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة. وأما قول الشارع [فهو]حق
والذى يؤيده هو أن الشارع به الحقائق حقائق فله أن يتصرف فيها، ألا ترى أن الأم ما صارت
أماً إلا بخلق الله الولد فى رحمهاً ، ولو خلقه فى جوف غيرها لكانت الأم غيرها ، فإذا كان هو
الذى يجعل الأم الحقيقية أماً فله أن يسمى امرأة أماً ويعطيها حكم الأمومة، والمعقول فى جعل
أزواجه أمهاتنا، هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الإبن، لأن الزوجة محل الغيرة
والتنازع فيها، فان تزوج الإبن بمن كانت تحت الأب يفضى ذلك إلى قطع الرحم والعقوق، لكن
النبى عليه الصلاة والسلام أشرف وأعلى درجة من الأب وأولی بالإرضاء، فإن الأب یربی فی
الدنيا فحسب، والنبى عليه الصلاة والسلام يربى فى الدنيا والآخرة، فوجب أن تكون زوجاته
مثل زوجات الآباء، فإن قال قائل: فلم لم يقل إن التى أبوكم ويحصل هذا المعنى، أو لم يقل إن
أزواجه أزواج أبيكم. فنقول لحكمة ، وهى أن النبى لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة
وجب عليه تركها ليتزوج بها النبى عليه الصلاة والسلام، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات
المؤمنين على التأييد. ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله عليه
الصلاة والسلام ((ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)) ولذلك فان المحتاج إلى القوت لا يجب عليه صرفه
إلى الأب، ويجب عليه صرفه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إن أزواجه لهم حكم زوجات

١٩٧
قوله تعالى : وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم. سورة الأحزاب.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِنَاقَّهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِسَى
أَبْنِ مَرْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِنْتَقًّا غَلِكَايَ
الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن، وإن كان الكل يحرمن فى
الأم الحقيقية والرضاعية .
ثم قال تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين
إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك فى الكتاب مسطوراً﴾ إشارة إلى الميراث، وقوله
( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم) معروفاً إشارة إلى الوصية، يعنى إن أوصيتم فغير الوارثين أولى ،
وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميرائكم وبما تركتم ، فان قيل فعلى هذا أى تعلق الميراث والوصية
بما ذكرت نقول تعلق قوى خفى لا يتبين إلا لمن هداه الله بنوره، وهو أن غير النبى عليه الصلاة
والسلام فى حال حياته لا يصير له مال الغير ، وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته، والنبى عليه
الصلاة والسلام فى حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته ،
كأن الله تعالى عوض النبى عليه الصلاة والسلام عن قطع ميراثه بقدرته على تملك مال الغير
وعوض المؤمنين بأن ماتركه يرجع إليهم، حتى لا يكون حرج على المؤمنين فى أن النبى مؤلّ إذا
أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم ولا يرجع إليهم فقال تعالى ( وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض) يعنى بينكم التوارث فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبى لا توارث
بينه وبين أقاربه فينبغى أن يكون له بدل هذا أنه أولى فى حياته بما فى أيديكم ( الثانى) هو أن
الله تعالى ذكر دليلا على أن النبى عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين وهو أن أولى الأرحام
بعضهم أولى ببعض، ثم إذا أراد أحد براً مع صديق فيوصى له بشىء فيصير أولى من قريبه وكأنه
بالوصية قطع الإرث وقال هذا مالى لا ينتقل عنى إلا إلى من أريده، فكذلك اللّه تعالى جعل
لصديقه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره وقوله ((كان ذلك فى الكتاب مسطوراً)) فيه
وجهان (أحدهما) فى القرآن وهو آية المواريث والوصية ( والثانى) فى اللوح المحفوظ.
ثم قال تعالى: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى
ابن مريم وأخذناً منهم ميثاقا غليظاً
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن اللّه تعالى لما أمر النبى عليه الصلاة والسلام بالإتقاء بقوله
(يا أيها النبى اتق الله) وأكده بالحكاية التى خشى فيها الناس لكى لا يخشى فيها أحداً غيره وبين
أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله ( النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أكده بوجه آخر
وقال (وإذ أخذنا من النبيين) كأنه قال اتق الله ولا تخف أحداً واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين
فى أنهم يبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع وفيه مسائل:

١٩٨
قوله تعالى : ليسأل الصادقين عن صدقهم. سورة الأحزاب.
لِيَسْعَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَّ لِلْكَِّفِرِ ينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ يَأْيُهَا الَّذِينَ
ج
ءَنُواْ أَذْ كُوأَنِعْمَةَ اللهِ عَيْكُمْ إِذْ جَ تْكُمْ جُنُودٌ فَرْسَنَ عَلَيْهِمْ رِيحً وَجُنُودًاأَرْتَزَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٤) إِذْ جَاءُ وَكُ مِنِ فَوْفِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ
المسألة الأولى﴾ المراد من الميثاق المأخوذ من النبيين إرسالهم وأمرهم بالتبليغ.
المسألة الثانية) خص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن
موسى وعيسى كان لهما فى زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم كان العرب
يقولون بفضله وكانوا يتبعونه فى الشعائر بعضها، ونوحاً لأنه كان أصلا ثانياً للناس حيث وجد
الخلق منه بعد الطوفان، وعلى هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فتقول خلق آدم كان
العمارة ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن فى زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب ، وأما
نوح فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للانذار ولهذا أهلك قومه وأغرقوا .
{ المسألة الثالثة) فى كثير من المواضع يقول الله (عيسى بن مريم، والمسيح بن مريم) إشارة
إلى أنه لا أب له إذ لو كان لوقع التعريف به ، وقوله ( وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) غلظ الميثاق هو
سؤالهم عما فعلوا فى الإرسال كما قال تعالى (ولنسألن المرسلين) وهذا لأن الملك إذا أرسل
رسولاً وأمره بشىء وقبله فهو ميثاق ، فاذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله فى أفعاله وأقواله يكون ذلك
تغليظاً للميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص فى الرسالة، وعلى هذا يمكن أن يقال بأن المراد من
قوله تعالى ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) هو الإخبار
بأنهم مسؤلون عنها كما قال النبى عليه الصلاة والسلام ((كلكم راع وكلكم مسئول)) وكما أن الله
تعالى جعل الرجال قوامين على النساء جعل الأنبياء قاتمين بأمور أمتهم وإرشادهم إلى سبيل الرشاد.
ثم قال تعالى: ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذاباً أنيماً.
يعنى أرسل الرسل وعاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب، لأن الصادق محاسب والكافر
معذب ، وهذا ما قال على عليه السلام ((الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب)) وهذا بما
يوجب الخوف العام فيتأكد قوله ( يا أيها النبى اتق الله).
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم
ربحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرً، إذا جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ

١٩٩
قوله تعالى : وتظنون بالله الظنون. سورة الأحزاب.
زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الُْنُونَاْ
١٠
زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا
تحقيقاً لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك لأن فى واقعة
إجتماع الأحزاب واشتداد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم
ونزلوا على المدينة وعمل النبى عليه السلام الخندق، كان الأمر فى غاية الشدة والخوف بالغاً إلى
الغاية واللّه دفع القوم عنهم من غير قتال وآمنهم من الخوف فينبغى أن لايخاف العبد غير ربه فانه
كاف أمره ولا يأمن مكره فانه قادر على كل يمكن فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع
أنهم كانوا ضعفاء كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم، وقوله ( فأرسلنا عليهم ريحاً
وجنوداً لم تروها ) إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم فى ليلة شاتية وإرسال
الملائکة-وقذف الرعب فى قلوبهم حتی کان البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل فى جوف
الليل والحكاية مشهورة، وقوله ( وكان اللّه بما تعملون بصيراً) إشارة إلى أن اللّه علم التجاءكم
إليه ورجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداء، وهذا تقرير لوجوب الخوف وعدم
جواز الخوف من غير الله فان قوله (فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها) أى اللّه يقضى حاجتكم
وأنتم لا ترون ، فان كان لا يظهر لكم وجه الأمن فلا تلتفتوا إلى عدم ظهوره لكم لأنكم لا ترون
الأشياء فلا تخافون غير الله (والله بصير بما تعملون) فلا تقولوا بأنا نفعل شيئاً وهو لا يبصره
(فانه بكل شىء بصير) وقوله (إذا جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم) بيان لشدة الأمر وغاية
الخوف، وقيل ( من فوقكم) أى من جانب الشرق (ومن أسفل منكم) من جانب الغرب وم
أهل مكة وزاغت الأبصار أى مالت عن سنتها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته ( وبلغت القلوب
الحناجر ) كناية عن غاية الشدة ، وذلك لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقاص
فيلتصق بالحنجرة وقد يفضى إلى أن يسد مجرى النفس فلا يقدر المرء يتنفس ويموت من الخوف
ولمثله قوله تعالى(حتى إذا بلغت الروح الحلقوم) وقوله (وتظنون بالله الظنونا) الألف واللام يمكن
أن يكونا بمعنى الاستغراق مبالغة يعنى تظنون كل ظن لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً
ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة، لأن المعهود من المؤمن ظن الخير باللّه كما قال عليه السلام
«ظنوا بالله خیراً )، ومن الكافر الظن السوء كما قال تعالى ( ذلك ظن الذین کفروا) وقوله( إن
يتبعون إلا الظن) فإن قال قائل المصدر لا يجمع ، فما الفائدة فى جمع الظنون؟ فنقول لاشك فى أنه
منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال ضربته سياطاً وأدبته مراراً فكأنه
قال ظننتم ظناً بعد ظن أى ما ثبتم على ظن فالفائدة هى أن الله تعالى لو قال: تظنون ظناً ، جاز
أن يكونوا مصيين فإذا قال: ظنوناً، تبين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها

٢٠٠
قوله تعالى : هنالك ابتلى المؤمنون. سورة الأحزاب.
هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَّ شَدِيدًا (﴾ وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَنَا اللهُ وَرَسُولُهُوَ إِلَّا غُرُورًا (٨٦) وَإِذْ قَالَتْ طَآئِفَةٌ
مِنْهُمْ بَأْهْلَ يَغْرِبَ لَ مُقَامَ لَكُمْ فَارِْعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ الَِّّ يَقُولُونَ
إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوَرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّ فِرَارًاً.
١٣
وقد يكذب بعضها إذا كانت فى أمر واحد مثاله إذا رأى جمع من بعيد جسما وظن بعضهم أنه زيد
وآخرون أنه عمرو وقال ثالث إنه بكر ، ثم ظهر لهم الحق قد يكون الكل مخطئين والمربى شجر
أو حجر. وقد يكون أحدثم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله ( الظنونا ) أفاد أن
فيهم من أخطأ الظن، ولو قال تظنون بالله ظناً ما كان يفيد هذا .
ثم قال تعالى: ﴿ هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً ﴾.
أى عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق، والامتحان من الله ليس الاستبانة
الأمر له بل لحكمة أخرى وهى أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من
الملائكة والأنبياء، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته وعندهغيره من
العبيد وغيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه يخالفه فيبين الأمر عند الغير فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه
حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من قلة حلم وقوله ( وزلزلوا) أى أزعجوا وحر كوا فمن ثبت منهم
كان من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى، وهم المؤمنون حقاً.
ثم قال تعالى: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ماوعدنا الله ورسوله إلا غروراً،
وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لامقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبى يقولون إن
بيوتنا عورة وما هى بعورة إن يريدون إلا فراراً﴾.
فسر الظنون وبينها ، فظن المنافقون أن ماقال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراًحيث
قطعوا بأن الغلبة واقعة وقوله ( وإذ قالت طائفة منهم ياأهل يثرب لامقام لكم) أى لاوجه لإقامتكم
مع محمد كما يقال لا إقامة على الذل والهوان أى لا وجه لها ( ويثرب) اسم البقعة التى هى المدينة
فارجعوا أى عن محمد، واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان ثم السامعون عزموا على الرجوع
واستأذنوه وتعللوا بأن بيوتنا عورة أى فيها خلل لا يأمن صاحبها السارق على متاعه والعدو على
أتباعه ثم بين الله كذبهم بقوله ( وما هى بعورة) وبين قصدهم وما تكن صدورهم وهو الفرار
وزوال القرار بسبب الخوف.