Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى : منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة . سورة الروم .
مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣٦) مِنَ الَّذِينَ
فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِبِعًا كُلّ ◌ِرْبٍ بِمَا لَيْهِمْ فَرِحُونَ (
فان الله فطر الناس عليه حيث أخذهم من ظهر آدم وسألهم (ألست بربكم)؟ فقالوا بلى، وقوله
تعالى ( لا تبديل لخلق الله) فيه وجوه، قال بعض المفسرين هذه تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عن
الحزن حيث لم يؤمن قومه فقال هم خلقوا للشقاوة ومن كتب شقياً لا يسعد، وقيل (لا تبديل
لخلق الله) أى الوحدانية مترسخة فيهم لا تغير لها حتى إن سألتهم من خلق السموات والأرض
يقولون اللّه، لكن الإيمان الفطرى غير كاف. ويحتمل أن يقال خلق الله الخلق لعبادته وم كلهم
عبيده لا تبديل لخلق الله أى ليس كونهم عبيداً مثل كون المملوك عبداً لإنسان فإنه ينتقل عنه إلى
غيره ويخرج عن ملكه بالعتق بل لاخروج للخلق عن العبادة والعبودية ، وهذا لبيان فساد قول
من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف ، وقول المشركين
إن الناقص لا يصلح لعبادة الله، وإنما الانسان عبد الكواكب والكوا كب عبيد الله، و قول
النصارى إن عيسى كان يحل اللّه فيه وصار إلهاً فقال (لا تبديل لخلق الله) بل كلهم عبيد لاخروج
لهم عن ذلك .
ثم قال تعالى ( ذلك الدين القيم) الذى لاعوج فيه (ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن
ذلك هو الدين المستقيم .
ثم قال تعالى: ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين
فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ .
لما قال حنيفاً أى مائلا عن غيره قال ( منيبين إليه ) أى مقبلين عليه، والخطاب
فى قوله ( فأقم وجهك ) مع النبى والمراد جميع المؤمنين ، وقوله (واتقوه) يعنى إذا أقبلتم عليه
وتركتم الدنيا فلا تأمنوا فتتركوا عبادته بل خافوه وداوموا على العبادة وأقيموا الصلاة. أى
كونوا عابدين عند حصول القربة كما قلتم قبل ذلك، ثم إنه تعالى قال (ولا تكونوا من المشركين)
قال المفسرون يعنى ولا تشركوا بعد الايمان أى ولا تقصدوا بدلك غير الله، وههنا وجه آخر
وهو أن اللّه بقوله ( منيبين) أثبت التوحيد الذى هو مخرج عن الاشراك الظاهر وبقوله ( ولا
تكونوا من المشركين) أراد اخراج العبد عن الشرك الخفى أى لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله
ولا تطلبوا به إلا رضاء الله فإن الدنيا والآخرة تحصيل وإن لم تطلبوها إذا حصل رضا الله وعلى
هدا فقوله ( من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً) يعنى لم يجتمعوا على الاسلام، وذهب كل أحد
إلى مذهب، ويحتمل أن يقال وكانوا شيعاً يعنى بعضهم عبد الله للدنيا وبعضهم للجنة وبعضهم

١٢٢
قوله تعالى : وإذا مس الناس ضردعوا ربهم . سورة الروم .
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُهُّ دَعَوْاْ رَبَّهُم ◌ُنِبِينَ إِلَيْهِ ثُمَ إِذَا أَذَاقُهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا
فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهِمْ يُشْرِكُونَ (3)
للخلاص من النار ، وكل واحد بما فى نظره فرح، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه، وإنما
يكون فرحه بأن يحصل عند الله ويقف بين يديه وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله تعالى (ماعندكم
ينفد وما عند الله باق) فلا مطلوب لكم فيما لديكم حتى تفرحوا به وإنما المطلوب ما لدى الله
وبه الفرح كما قال تعالى ( بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ) جعلهم
فرحين بكونهم عند ربهم ويكون ما أوتوا من فضله الذى لا نفاد له، ولذلك قال تعالى ( قل
بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) لا بما عندهم فان كل ما عند العبد فهو نافد، أما فى الدنيا
فظاهر، وأما فى الآخرة فلأن ماوصل إلى العبد من الالتذاذ بالمأكول والمشروب فهو يزول ،
ولكن اللّه يحدد له مثله إلى الأبد من فضله الذى لانفاد له فالذى لانفاد له هو فضله.
ثم قال تعالى: ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق
منهم بربهم یشر کون
لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل ، بين أن لهم حالة يعرفون بها، وإن كانوا ينكرونها
فى وقت وهى حالة الشدة، فإن عند انقطاع رجائه عن الكل يرجع إلى الله، ويجد نفسه محتاجة إلى
شىء ليس كهذه الأشياء طالبة به النجاة ( ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون )
يعنى إذا خلصناه يشرك بربه ويقول تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلانى بفلان، وبسبب
الصنم الفلانى، لا، بل ينبغى أن لا يعتقد أنه تخلص بسبب فلان إذا كان ظاهراً فإنه شرك خفى ، مثاله .
وجل فى بحر أدركه الفرق فيهىء الله له لوحا يسوقه إليه ريح فيتعلق به وينجو . فيقول تخلصت
بلوح، أورجل أقبل عليه سبع فيرسل الله إليه رجلا فيعينه فيقول خلصنى زيد، فهذا إذا كان عن
اعتقاد فهو شرك خفى ، وإن كان بمعنى أن اللّه خلصنى على يد زيد فهو أخفى، وفيه مسائل:
(الأولى) قوله تعالى (أذاقهم) فيه لطيفة وذلك لأن الذوق يقال فى القليل فإن العرف [أن]
من أكل مأكولا كثيراً لا يقول ذقت ، ويقال فى المنفى ماذقت فى بيته طعاماً نفياًللقليل ليلزم نفى الكثير
بالأولى، ثم إن تلك الرحمة لما كانت خالية منقطعة ولم تكن مستمرة فى الآخرة إذلهم فى الآخرة
عذاب قال أذاقهم ولهذا قال فى العذاب (ذوقوا مس سقر، ذوقوا ما كنتم تعملون، ذق إنك أنت
العزيز الكريم) لأن عذاب الله الواصل إلى العبد بالنسبة إلى الرحمة الواصلة إلى عبيد آخرين فى غاية القلة
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله تعالى (منه) أى من الضرفى هذا التخصيص ماذكرناه من الفائدة وهى
أن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هى عن ذلك الضر وحده ، وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة

١٢٣
قوله تعالى : ليكفروا بما آتيناهم . سورة الروم .
لِيَكْفُرُواْبِمَآءَ اتَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٨) أَمْ أَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا
فَهُوَ يَتَكَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ ، يُشْرِكُونَ
Cro
المسألة الثالثة﴾ قال ههنا (إذا فريق منهم). قال فى العنكبوت (فلما نجاهم إلى البر إذا هم
يشركون) ولم يقل فريق وذلك لأن المذكور هناك ضر معين، وهو ما يكون من هول البحر
والمتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل، والذى لا يشرك به بعد الخلاص فرقة منهم فى غاية القلة. فلم
يجعل المشركين فريقاً لقلة من خرج من المشركين ، وأما المذكور ههنا الضر مطلقاً فيتناول ضر
البر والبحر والأمراض والأهون والمتخلص من أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس يكونون
قد وقعوا فى ضر ما وتخلصوا منه، والذى لا يبقى بعد الخلاص مشركا من جميع الأنواع إذا جمع
فهو خلق عظيم، وهو جميع المسلمين فانهم تخلصوا من ضر ولم يبقوا مشركين ، وأما المسلمون فلم
يتخلصوا من ضر البحر بأجمعهم ، فلما كان الناجى من الضر من المؤمنين جمعاً كثيراً ، جعل
الباقى فريقاً .
ثم قال تعالى: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون، أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو
يتكلم بما كانوا به يشركون
قوله تعالى ( ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون) قد تقدم تفسيره في العنكبوت
بقى بيان فائدة الخطاب ههنا فى قوله ( فتمتعوا) وعدمه هناك فى قوله (وليتمتعوا فسوف يعلمون)
فنقول لما كان الضر المذكور هناك ضراً واحداً جاز أن لا يكون فى ذلك الموضع من المخلصين
من ذلك الضر أحد ، فلم يخاطب ولما كان المذكور ههنا مطلق الضر ولا يخلو موضع من المخلصين
عن الضر، فالحاضر يصح خطابه بأنه منهم نخاطب .
ثم قال تعالى ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) لما سبق قوله تعالى
( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) أى المشركون يقولون ما لا علم لهم به بل هم عالمون بخلافه فانهم
وقت الضر يرجعون إلى الله حقق ذلك بالاستفهام بمعنى الانكار، أى ما أنزلنا بما يقولون
سلطاناً ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أم للاستفهام ولا يقع إلا متوسطاً، كما قال قائلهم:
أيا ظبية الوعاء بين جلاجل
وبين النقا آ أنت أم أم سالم
فما الاستفهام الذى قبله؟ فنقول تقديره إذا ظهرت هذه الحجج على عنادهم فماذا نقول، أم
يقبعون الأهواء من غير علم؟ أم لهم دليل على ما يقولون؟ وليس الثانى فيتعين الأول.
﴿ المسألة الثانية) قوله (فهو يتكلم ) جاز كما يقال إن كتابه لينطق بكذا ، وفيه معنى لطيف

١٢٤
قوله تعالى : وإذا أذقنا الناس رحمه فرحوا بها . سورة الروم .
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْبِهَا وَ إِن تُصِبْهُمْ سَبِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ
إِذَا هُمْ يَقْنُطُونَ (٨) أَوَلَمْ يَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرَ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وهو أن المتكلم من غير دليل كأنه لا كلام له، لأن الكلام هو المسموع وما لا يقبل فكأنه لم يسمع
فكان المتكلم لم يتكلم به ، وما لا دليل عليه لا يقبل، فإذا جاز سلب الكلام عن المتكلم عند عدم
الدليل وحسن جاز إثبات التكلم للدليل وحسن.
ثم قال تعالى: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوابها وإن قصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾
قوله تعالى ( وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها) لما بين حال المشرك الظاهر شركه بين
حال المشرك الذى دونه وهو من تكون عبادته اللّه الدنيا، فإذا آتاه رضى وإذا منعه سخط وقنط
ولا ينبغى أن يكون العبد كذلك، بل ينبغى أن يعبد الله فى الشدة والرخاء، فمن الناس من يعبد الله
فى الشدة كما قال تعالى ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم) ومن الناس من يعبده إذا آتاه نعمة
كما قال تعالى ( وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها) والأول كالذى يخدم مكرها مخافة العذاب والثانى
كالذى يخدم أجيراً لتوقع الأجر وكلاهما لا يكون من المثبتين فى ديوان المرتبين فى الجرائد
الذين يأخذون رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن ، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين
الذين لهم رزق عند ربهم، وفيه مسألة: وهى أن قوله تعالى ( فرحوا بها) اشارة إلى دنو همتهم
وقصور نظرهم فان فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل منه إليهم، فإن قال قائل الفرح
بالرحمة مأمور به فى قوله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) وههنا ذمهم على الفرح
بالرحمة ، فكيف ذلك؟ فنقول هناك قال فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله تعالى وههنا
فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله اكان فرحهم به مثل فرحهم بما إذا كان من
الله، وهو كما أن الملك لوحط عند أمير رغيفاً على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية
طعام يفرح ذلك الأمير به . ولو أعطى الملك فقيراً غير ملتفت إليه رغيفاً أو زبدية طعام أيضاً
يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفاً وزبدية.
ثم قال تعالى (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) لم يذكر عند النعمة سباً لها لتفضله بها
وذكر عند العذاب سباً لأن الأول يزيد فى الإحسان والثانى يحقق العدل. قوله (إذا هم يقنطون)
إذا للمفاجأة أى لا يصبرون على ذلك قليلا لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به.
ثم قال تعالى: ﴿أو لميروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون)

١٢٥
قوله تعالى : فآت ذا القربى حقه . سورة الروم .
فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيِلِ ذَلِكَ خَيْرٌلِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ
اللّهِ وَأَوْلَئِكَ هُ الْمُفْلِحُونَ (
أى لم يعلموا أن الكل من اللّه فالمحقق ينبغى أن لا يكون نظره على مايوجد بل إلى من يوجد وهو
الله، فلا يكون له تبدل حال ، وإنما يكون عنده الفرح الدائم، ولكن ذلك مرتبة المؤمن الموحد
المحقق، ولذلك قال ( إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون).
ثم قال تعالى : ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله
وأولئك هم المفلحون
وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين أن العبادة لا ينبغى أن تكون مقصورة على
حالة الشدة بقوله ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم) ولا أن تكون مقصورة على حالة أخذ شى.
من الدنيا كما هو عادة المدوكر المتسلس (١) يعبد الله إذا كان فى الخوانق والرباء، للرغيف والزبدية
وإذا خلا بنفسه لا يذكر الله ، بقوله (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها) وبين أنه ينبغى أن يكون ،
فى حالة بسط الرزق وقدره عليه، نظره على الله الخالق الرازق ليحصل الإرشاد إلى تعظيم الله
والإيمان قسمان تعظيم لأمر الله وشفقة على خلق الله فقال بعد ذلك فآت ذا القربى حقه والمسكين
وابن السبيل، وفيه وجه آخر هو أن اللّه تعالى لما بين أن الله يبسط الرزق ويقدر ، فلا ينبغى أن
يتوقف الانسان فى الاحسان فان الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالانفاق ، وإذا قدر لا يزداد
بالامساك ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى تخصيص الأقسام الثلاثة بالذكر دون غيرهم مع أن اللّه ذكر الأصناف
الثمانية فى الصدقات فنقول أراد ههنا بيان من يجب الاحسان إليه على كل من له مال سواء كان
زكويا أولم يكن، وسواء كان بعد الحول أو قبله لأن المقصود ههنا الشفقة العامة ، وهؤلاء الثلاثة
يجب الاحسان إليهم وإن لم يكن للمحسن مال زائد، أما القريب فتجب نفقته وان كان لم تجب
عليه زكاة كعقار أو مال لم يحل عليه الحول والمسكين كذلك فان من لا شىء له إذا بقى فى
ورطة الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على من له مقدرة دفع حاجته، وإن لم يكن عليه زكاة ، وكذلك
من انقطع فى مفازة ومع آخر دابة يمكنه بها إيصاله إلى مأمن يلزمه ذلك، وإن لم تكن عليه زكاة
والفقير داخل فى المسكين لأن من أوصى للمساكين شيئاً يصرف إلى الفقراء أيضاً، وإذا نظرت
إلى الباقين من الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم
(١) المدوكر المتسلس: لعله اسم لطائفة من بنى سامان وهم المكدون والمفسولون. يعبدون الله رياء وسمعة والخوانق أو الخوانيق
جمع غانقاه كلمة أعجمية وهى مكان للعبادات وأما الرباطات فهى جمع رباط وهو المكان يجتمع فيه المجاهدون فى سبيل الله على النغور
الاسلامية الحماية على التغور .

١٢٦
قوله تعالى : فآت ذا القربى حقه . سورة الروم .
واعتبر ذلك فى العامل والمكاتب والمؤلفة والمديون، ثم اعلم أن على مذهب أبى حنيفة رحمه الله حيث
قال: المسكين من له شىء ما فنقول، وإن كان الأمر كذلك لكن لانزاع فى أن إطلاق المسكين على
من لا شىء له جائز فيكون الاطلاق ههنا بذلك الوجه ، والفقير يدخل فى ذلك بالطريق الأولى.
﴿ المسألة الثانية﴾ فى تقدم البعض على البعض فنقول لما كان دفع حاجة القريب واجباً
سواء كان فى شدة ومخمصة ، أو لم يكن كان مقدماً على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة
إلا إذا كان فى شدة ، ولما كان المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدماً على من حاجته
مختصة بموضع دون موضع .
المسألة الثالثة) ذكر الأقارب فى جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذوو القربى، ولم يذكر
المسكين بلفظ ذى المسكنة ، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهى شىء ثابت ، وذو كذا لا يقال إلا فى
الثابت ، فان من صدرمنه رأى صائب مرة أو حصل له جاه يوماً واحداً أو وجد منه فضل فى وقت
لا يقال ذورأى وذوجاه وذو فضل، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيراً يقال له ذو الرأى
وذو الفضل ، فقال (ذا القربى) إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت، وأما المسكنة فتطرأ وتزول
ولهذا المعنى قال ( مسكيناً ذا متربة) فان المسكين يدوم له كونه ذا متربة مادامت مسكنته أو يكون
كذلك فى أكثر الأمر.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال ( فآت ذا القربى حقه) ثم عطف المسكين وابن السبيل ولم يقل فآت
ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم، لأن العبارة الثانية لكون صدور الكلام أولا للتشريك
والأولى لكون التشريك وارداً على الكلام، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين
وابن السبيل بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلا يدخل ، وفلاناً أيضاً يكون فى التعظيم فوق
ما إذا قال خل فلاناً وفلاناً يدخلان، وإلى هذا أشار التى عليه الصلاة والسلام بقوله (( بئس
خطيب القوم أنت)) حيث قال الرجل من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقدغوى .
ولم يقل ومن عصى الله ورسوله .
المسألة الخامسة) قوله ( ذلك خير ) يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ويمكن أن
يقال ذلك خير فى نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى ( وافعلوا الخير، فاستبقوا الخيرات )
والثانى أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير قد يكون نازل
الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال السكوت خير من الكذب، وما هو خير فى نفسه
فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع .
﴿ المسألة السادسة) قوله تعالى ( للذين يريدون وجه الله) إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد
لا بنفس الفعل، فان من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف بله، وقوله
(وجه الله) أى يكون عطاؤه لله لا غير، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله. وإنما أراد مخلوق الله.
﴿ المسألة السابعة﴾ كيف قال (وأولئك هم المفلحون) مع أن للافلاح شرائط أخر، وهى

١٢٧
قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربوا . سورة الروم .
وَمَآءَ اتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِى أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوْ عِنْدَ اللهِ وَمَآءَاتَيْتُ مِّن ذَكَوَةٍ
◌ُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
٣٩
المذكورة فى قوله (قد أفلح المؤمنون ) فنقول كل وصف مذ كور هناك يفيد الافلاح، فقوله
( والذين هم الزكاة فاعلون ) وقوله ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) إلى غير ذلك عطف
على المفلح أى هذا مفلح ، وذلك مفلح ، وذاك الآخر مفلح لا يقال لا يحصل الافلاح لمن يتصدق
ولا يصلى. فنقول هذا كقول القائل العالم مكرم أى نظراً إلى علمه ثم إذا حد فى الزنا على سبيل
النكال وقطعت يده فى السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل، إنما كان ذلك لأنه أتى
بالفسق ، فكذلك إيتاء المال لوجه الله يفيد الافلاح، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور
أو ترك واجب .
﴿ المسألة الثامنة﴾ لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها ؟ فنقول الصلاة مذ كورة
من قبل لأن الخطاب ههنا بقوله (فآت) مع النبى عدّ له وغيره تبع، وقد قال له من قبل (فأقم وجهك
للدين حنيفاً ) وقال (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة).
المسألةُ التاسعة) قوله تعالى ( وأولئك هم المفلحون) يفهم منه الحصر وقد قال فى أول
سورة البقرة ( وأولئك هم المفلحون ) إشارة إلى من أقام الصلاة وأنى الزكاة، وآمن بما أنزل
على رسوله وبما أنزل من قبلة وبالآخرة . فلو كان المفلح منحصراً فى أولئك المذكورين فى سورة
البقرة فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحاً؟ فنقول هذا هو ذاك لأنا بينا أن قوله (فأقم وجهك
للدين ) متصل بهذا الكلام فإذا أتى بالصلاة وآتى المال وأراد وجه اللّه، فقد ثبت أنه مؤمن مقيم
للصلاة مؤت الزكاه معترف بالآخرة فصار مثل المذكور فى البقرة .
قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من رباً ليربوا فى أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من
زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴾
ذكر هذا تحريضاً يعنى أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ترغبون فيه وتؤتونه وذلك لايربوا
عند الله والزكاة تنمو عند الله كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ((إن الصدقة تقع فى يد الرحمن
فتربوا حتى تصير مثل الجبل )) فينبغى أن يكون إقدامكم على الزكاة أكثر. وقوله تعالى ( وما آتيتم
من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) أى أولئك ذوو الاضعاف كالموسر لذى اليسار
. وأفل ذلك عشرة أضعاف كل مثل لما آنى فى كونه حسنة لا فى المقدار فلا يفهم أن من أعطى
رغيفاً يعطيه الله عشرة أرغفة بل معناه أن ما يقتضيه فعله من الثواب على وجه الرحمة يضاعفه
اللّه عشرة مرات علىوجه التفضل. فبالرغيف الواحد يكون له قصر فى الجنة فيه من كل شىء ثواباً

١٢٨
قوله تعالى . الله الذي خلقكم ثم رزقكم . سورة الروم .
اللّهُالَّذِىِ خَلَقَكُ ثُمَّ رَزَقَكُمّ ◌ُمُكُمْ ثُمَ يُحِكُمْ هَلْ مِنِ غُرَكَ بِّكُم مَّنْ يَفْعَلُ
مِن ذَلِكُم مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِىِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ بِمَا كَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى
عَمِلُواْلَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ (
نظراً إلى الرحمة ، وعشر قصور مثله نظراً إلى الفضل. مثاله فى الشاهد. ملك عظيم قبل من عبده هدية
قيمتها درهم لو عوضه بعشرة دراهم لا يكون كرماً، بل إذا جرت عادته بأنه يعطى على مثل ذلك
ألفاً . فإذا أعطى له عشرة آلاف فقد ضاعف له الثواب .
قوله تعالى: ﴿اللّه الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من
ذلكم من شىء سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾
قوله] تعالى (اللّه الذى خلفكم) أى أوجدكم (ثم رزقكم) أى أبقاكم، فان العرض مخلوق وليس
بمبقى ( ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاتكم من يفعل من ذلكم من شىء) جمع فى هذه الآية بين إثبات
الأصلين الحشر والتوحيد، أما الحشر فبقوله ( ثم يحييكم) والدليل قدرته على الخلق ابتداء،
وأما التوحيد فبقوله ( هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء) . ثم قال تعالى ( سبحانه
وتعالى عما يشركون) فقوله سبحانه أى سبحوه تسبيحاً أى نزهوه ولا تصفوه بالإشراك، وقوله
(وتعالى) أى لا يجوز عليه ذلك وهذا لأن من لا يتصف بشىء قد يجوز عليه فإذا قال سبحوه أى
لاتصفوه بالإشراك . وإذا قال وتعالى فكأنه قال ولا يجوز عليه ذلك.
قوله تعالى: ﴿ ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذى
عملوا لعلهم يرجعون ﴾.
وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى ( لو كان فيهما آلهة
إلا الله لفسدتا) وإذا كان الشرك سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثاً لظهور الفساد ولو فعل
بهم ما يقتضيه قولهم ( لفسدت السموات والأرض) كما قال تعالى (تكاد السموات يتفطرن منه
وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً ) وإلى هذا أشار بقوله تعالى ( ليذيقهم بعض الذي عملوا )
واختلفت الأقوال فى قوله ( فى البر والبحر ) فقال بعض المفسرين: المراد خوف الطوفان فى
البروالبحر ، وقال بعضهم عدم إنبات بعض الأراضى وملوحة مياه البحار ، وقال آخرون: المراد
من البحر المدن ، فان العرب تسمى المدائن بحوراً لكون مبنى عمارتها على الماء ويمكن أن يقال

١٢٩
قوله تعالى : قل سيروا في الأرْض . سورة الروم .
قُلْ سِرُواْ فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُشْرِكِينَ
٤٢
إن ظهور الفساد فى البحر قلة مياه العيون فإنها من البحار ، واعلم أن كل فساد يكون فهو بسبب
الشرك لكن الشرك قد يكون فى العمل دون القول والاعتقاد فيسمى فقاً وعصياناً وذلك لأن
المعصية فعل لا يكون للّه بل يكون للنفس، فالفاسق مشرك بالله بفعله، غاية ما فى الباب أن الشرك
بالفعل لا يوجب الخلود لأن أصل المرء قلبه ولسانه ، فإذا لم يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك
البدنى بسبهما، وقوله تعالى (ليذيقهم بعض الذي عملوا) قد ذكرنا أن ذلك ليس تمام جزائهم
وكل موجب افترائهم ، وقوله (لعلهم يرجعون ) يعنى كما يفعله المتوقع رجوعهم مع أن الله يعلم
أن من أضله، لا يرجع لكن الناس يظنون أنه لو فعل بهم شىء من ذلك لكان يوجد منهم
الرجوع ، كما أن السيد إذا علم من عبده أنه لا يرتدع بالكلام، فيقول القائل لماذا لا تؤدبه بالكلام؟
فاذا قال لا ينفع ربما يقع فى وهمه أنه لا يبعد عن نفع ، فإذا زجره ولم يرتدع يظهر له صدق كلام
السيد ويطمئن قلبه .
قوله تعالى: ﴿قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم
مشركين ﴾ .
لما بين حالهم بظهور الفساد فى أحوالهم بسبب فساد أفوالهم بين لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم
الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال (قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل)
أى قوم نوح وعاد وثمود، وهذا ترتيب فى غاية الحسن وذلك لأنه فى وقت الامتنان والإحسان
قال ( الله الذى خلقكم ثم رزقكم) أى آتاكم الوجود ثم البقاء ووقت الخذلان بالطغيان قال (ظهر
الفساد فى البر والبحر) أى قلل رزقكم ، ثم قال تعالى (سيروا فى الأرض) أى هو أعدمكم
كما أعدم من قبلكم، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء، ويسلب منكم الوجود والبقاء، أما
سلب البقاء فيإظهار الفساد ، وأما سلب الوجود فبالإهلاك، وعند الإعطاء قدم الوجود على البقاء،
لأن الوجود أولا ثم البقاء، وعند السلب قدم البقاء، وهو الاستمرار ثم الوجود.
وقوله (كان أكثرهم مشركين) يحتمل وجوهاً ثلاثة (أحدها) أن الهلاك فى الأكثر كان بسبب
الشرك الظاهر وإن كان بغيره أيضاً كالإهلاك بالفسق والمخالفة كما كان على أصحاب السبت (الثانى) أن
كل كافر أهلك لم يكن مشركا بل منهم من كان معطلانافياً لكنهم قليلون ، وأكثر الكفار مشركون
(الثالث) أن العذاب العاجل لم يختص بالمشركين حين أتى، كما قال تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن
الذين ظلموا منكم خاصة) بل كان على الصغار والمجانين ، ولكن أكثرهم كانوا مشركين.
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٩

١٣٠
قوله تعالى : فأقم وجهك للدين القيم . سورة الروم .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِذِيِنِ اَلْقَبِّهِ مِنِ قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ يَوْمُ لَّا مَرَدَّلَهُ مِنَ اللَهِ يَوْمَيِذٍ
يَصَّدَّعُونَ (® مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَّهُ، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَ نْفُسِمْ يَمْهَدُونَ
لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ مِن فَضْلِهِةَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَِّفِرِينَ
٤٥
قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك الدين القيم من قبل أن يأتى يوم لامرد له من الله يومئذ
يصدعون ، من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلا نفسهم يمهدون ﴾ .
لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبى عليه السلام ليعلم المؤمن
فضيلة ماهو مكلف به فانه أمر به أشرف الأنبياء، وللمؤمنين فى التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه
الصلاة والسلام ((إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين)) وقد ذكرنا
معناه، وقوله ( من قبل أن يأتى يوم لامرد له من اللّه) يحتمل وجهين (الأول) أن يكون قوله
( من الله) متعلقاً بقوله (يأتى) والثانى أن يكون المراد (لا مرد له من اللّه) أى اللّه لا يرد وغيره.
عاجز عن رده فلا بدمن وقوعه ( يومئذ يصدعون) أى يتفرقون. ثم أشار إلى التفرق بقوله
(من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلا نفسهم يمهدون) وفى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال ( من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً) ولم يقل ومن آمن وذلك
لأن العمل الصالح به يكمل الإيمان فذكره تحريضاً للمكلف عليه، وأما الكفر إذا جاء فلا زنة
للعمل معه، ووجه آخر: وهو أن الكفر قسمان: (أحدهما ) فعل وهو الاشراك والقول به،
(والثانى) ترك وهو عدم النظر والإيمان فالعاقل البالغ إذا كان فى مدينة الرسول ولم يأت
بالإيمان فهو كافرسواء قال بالشرك أولم يقل ، لكن الايمان لابد معه من العمل الصالح ، فان
الاعتقاد الحق عمل القلب، وقول لا إله إلا اللّه عمل اللسان وشىء منه لابد منه.
المسألة الثانية﴾ قال (فعليه) فوحد الكناية وقال (فلا نفسهم) جمعها إشارة إلى أن الرحمة
أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته ، أما الغضب فمسبوق بالرحمة ، لازم لمن أساء .
المسألة الثالثة﴾ قال ( فعليه كفره) ولم يبين وقال فى المؤمن ( فلأنفسهم يمهدون)
تحقيقاً لكمال الرحمة فانه عند الخير بين وفصل بشارة، وعند غيره أشار إليه إشارة .
قوله تعالى: ﴿ ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين
ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح، وهو الجزاء الذى يجازيه به الله

١٣١
قوله تعالى : ومن آياته أن يرسل الرياح . سورة الروم .
وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِيقَهُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ
اَلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَسْكُرُونَ
والملك إذا كان كبيراً كريما، ووعد عبداً من عباده بأنى أجازيك يصل إليه منه أكثر ما يتوقعه
ثم أكده بقوله ( من فضله) يعنى أنا المجازى فكيف يكون الجزاء ، ثم إنى لا أجازيك من العدل
وإنما أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء، ثم قال تعالى ( إنه لا يحب الكافرين) أو عدهم بوعيد
ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه كالتفصيل ، فإن عدم المحبة من اللّه غاية
العذاب ، وأفهم ذلك ممن يكون له معشوق فانه إذا أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير
كيف تكون مسرته، وإذا قيل له إنه قال إنى أحب فلاناً كيف يكون سروره .
وفيه لطيفة وهى أن اللّه عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال
(من كفر فعليه كفره) وعند ما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال ( ليجزى الذين آمنوا)
ثم قال تعالى (إنه لا يحب الكافرين) لأن قوله (من كفر) فى الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر
بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله (من عمل صالحاً) لتحريض المؤمن فالنهى كالايعاد
والتحريض للتقرير والايعاد مقدم عند الحكيم الرحيم، وأما عند ما ذكر الجزاء بدأ بالاحسان
إظهاراً للكرم والرحمة ، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر فى كل موضع كذلك وليس
كذلك فان الله كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الاثابة،
فنقول إن كان الله يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت فى
القرآن فهى لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة ، وما ذكر على خلافه لا يكون فى درجة ما ورد به
القرآن فلنبين من جملته مثالا وهو قوله تعالى (يومئذ يتفرقون ، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات
فهم فى روضة) قدم المؤمن على الكافر ، وههنا ذكر مثل ذلك المعنى فى قوله ( يومئذ يصدعون)
أى يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك أيضاً قدم الكافر فى الذكر لأنه قال من قبل
( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) فذكر الكافر وإبلاسه ، ثم قال تعالى ( ويوم تقوم الساعة
يومئذ يتفرقون) فكان ذكر المؤمن وحده لابد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله ( يبلس
المجرمون) وقوله فى حق المؤمن ( فى روضة يحبرون ) لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة
أخرى للتفصيل فقال ( وأما الذين كفروا).
قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجرى الفلك بأمره
ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ﴾.
قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك

١٣٢
قوله تعالى : وليذيقكم من رحمته . سورة الروم .
بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح، لما ذكرنا غير مرة أن
الكريم لا يذكر لاحسانه عوضاً، ويذكر لأضراره سبباً لئلا يتوهم به الظلم فقال ( يرسل الرياح
مبشرات) قيل بالمطر كما قال تعالى ( بشراً بين يدى رحمته ) أى قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات
بصلاح الأهوية والأحوال ، فان الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد.
ثم قال تعالى ( وليذيقكم من رحمته) عطف على ما ذكرنا، أى ليبشركم بصلاح الهواء وصحة
الأبدان ( وليذيقكم من رحمته) بالمطر، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل، ولما كان أمر
الدنيا قليلا وراحتها نزر قال (وليذيقكم)، وأما فى الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم
(ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه
بقوله ( بأمره) أى الفعل ظاهراً عليه ولكنه بأمر الله، ولذلك لما قال (ولتبتغوا) مسنداً إلى
العباد ذكر بعده ( من فضله ) أى لا استقلال لشىء بشىء وفى الآية مسائل:
﴿ الأولى) فى الترتيب فنقول فى الرياح فوائد، منها إصلاح الهواء، ومنها إثارة السحاب،
ومنها جريان الفلك بها فقال (مبشرات) باصلاح الهواء فان إصلاح الهواء يوجد من نفس
الهبوب ثم الأمطار بعده، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمى بإصلاح السفن
وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال فى قوله تعالى (ظهر الفساد ... ليذيقهم بعض الذى عملوا) وقال ههنا
( وليذيقكم من رحمته) نخاطب ههنا تشريفاً (ولأن رحمته قريب من المحسنين) فالمحسن قريب
فيخاطب والمسى. بعيد فلم يخاطبهم، وأيضاً قال هناك بعض الذي عملوا وقال ههنا ( من رحمته)
فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان: (أحدهما )
ماذكرنا أن الكريم لا يذكر لا حسانه ورحمته عوضاً، وإن وجد فلا يقول أعطيتك لأنك فعلت
كذا بل يقول هذا لك منى. وأما ما فعلت من الحسنة جزاؤه بعد عندى ( وثانيهما) أن ما يكون
بسبب فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة، وأما إذا قال
(من رحمته) كان غاية البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهماً لنقصان
ثوابهم فى الآخرة، وأما فى حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينى. عن نقصان عقابهم وهو كذلك.
المسألة الثالثة﴾ قال هناك (لعلهم يرجعون) وقال ههنا (ولعلكم تشكرون) قالوا وإشارة
إلى أن توفيقهم الشكر من النعم فعطف على النعم.
المسألة الرابعة ﴾ إنما أخر هذه الآية لأن فى الآيات التى قد سبق ذكرها قلنا إنه ذكر
من كل باب آيتين فذكر من المنذرات ( يريكم البرق) والحادث فى الجو فى أكثر الأمر نار وريح
فذكر الرياح ههنا تذكيراً وتقريراً للدلائل، ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس فى البرق
فائدة إن لم يكن مطر ذكر هناك خوفاً وطمعاً، أى قد يكون وقد لا يكون وذكرههنا (مبشرات)

١٣٣
قوله تعالى : ولقد ارسلنا من قبلك رسلا . سورة الروم .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَهُ وهُم بِالْبَيِّنَتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ
أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنَ (٨) اللهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْزِيَنَ فَتُشِرُ ◌َبًا
فَيَبْسُطُهُ، فِ الَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ، كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ ◌َِِهِ
فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَّآءُ مِنْ عِبَادِهِ، إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾
٤٨
لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم جازم.
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم جاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين
أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين
لما بين الأصلين ببراهين ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال (ولقد أرسلنا من قبلك وسلا)
أى إرسالهم دليل رسالتك فانهم لم يكن لهم شغل غير شغلك، ولم يظهر عليهم غير ما ظهر عليك
ومن كذبهم أصابهم البوار ومن آمن بهم كان لهم الانتصار وله وجه آخريبين تعلق الآية بما
قبلها وهو أن الله لما بين البراهين ولم ينتفع بها الكفار سلى قلب النبى ويتم وقال حال من تقدمك
كان كذلك وجاءوا أيضا بالبينات، وكان فى قومهم كافر ومؤمن كما فى قومك فانتقمنا من الكافرين
ونصرنا المؤمنين، وفى قوله تعالى ( وكان حقاً) وجهان: (أحدهما ) فانتقمنا ، وكان الانتقام حقاً
واستأنف وقال علينا نصر المؤمنين وعلى هذا يكون هذا بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد عزلته
أى علينا نصركم أبها المؤمنون ( والوجه الثانى) (وكان حقاً علينا) أى نصر المؤمنين كان حقاً
علينا وعلى الأول لطيفة وعلى الآخر أخرى، أما على الأول فهو أنه لما قال فانتقمنا بين أنه لم يكن
ظلماً وإنما كان عدلا حقاً، وذلك لأن الانتقام لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير مفيد إلا زيادة
الاثم وولادة الكافر الفاجر وكان عدمهم خيراً من وجودهم الخبيث، وعلى الثانى تأكيد
البشارة. لأن كلمة على تفيد معنى اللزوم يقال على فلان كذا ينى. عن اللزوم ، فإذا قال حقاً أكد
ذلك المعنى ، وقد ذكرنا أن النصر هو الغلبة التى لا تكون عاقبتها وخيمة ، فان إحدى الطائفتين
إذا اهزمت أولا ، ثم عادت آخراً لا يكون النصر إلا للمنهزم ، وكذلك موسى وقومه لما انهزموا
من فرعون ثم أدركه الغرق لم يكن انهزامهم إلا نصرة ، فالكافر إن هزم المسلم فى بعض الأوقات
لا يكون ذلك نصرة إذ لا عاقبة له .
قوله تعالى: ﴿ اللّه الذى يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه فى السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً
فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون، وإن كانوا من

١٣٤
قوله تعالى : وإن كانوا من قبل ان ينزل عليهم . سورة الروم .
وَإِن كَانُوْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقَزَّلَ عَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمْلِسِينَ (8) فَانْظُرْ إِلَّ ◌َاَِ رَحَتِ اللهِ
كَيْفَ يُحِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوَلَّى وَهُوَ عَلَى كُلٍ شَىْءٍ قَدِيْ
وَلَيْنْ أَرْسَلْنَا رِبِحًا فَرَأْوَهُ مُصْفَرًّا أَطَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ (٦﴾ فَإِنَّكَ لَا
تُسْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُسْمِعُ الْهُّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْأَ مَدْبِرِينَ
قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحمى الأرض بعد موتها إن
ذلك لمحیی الموتى وهو على كل شىء قدير ﴾
بين دلائل الرياح على التفصيل الأول فى إرسالها قدرة وحكمة. أما القدرة فظاهرة فإن الهواء
اللطيف الذى يشقه الودق يصير بحيث يقلع الشجروهو ليس بذاته كذلك فهو بفعل فاعل مختار،
وأما الحكمة ففى نفس الهبوب فيما يفضى إليه من إثارة السحب، ثم ذكر أنواع السحب فته
ما يكون متصلا ومنه ما يكون منقطعاً، ثم المطر يخرج منه والماء فى الهواء أعجب علامة للقدرة ،
وما يفضى إليه من إنبات الزرع وإدرار الضرع حكمة بالغة ، ثم إنه لا يعم بل يختص به قوم دون
قوم وهو علامة المشيئة. وقوله تعالى (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله) اختلف المفسرون
فيه، فقال بعضهم هو تأكيد كما فى قوله تعالى ( فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها) وقال
بعضهم من قبل التنزيل من قبل المطر، والأولى أن يقال من قبل أن ينزل عليهم من قبله، أى
من قبل إرسال الرياح ، وذلك لأن بعد الإرسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر أوليس ، فقبل
المطر إذا هبت الريح لا يكون ميلساً ، فلما قال من قبل أن ينزل عليهم لم يقل إنهم كانوا مبلسين ،
لأن من قبله قد يكون راجباً غالباً على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب الرياح فقال من قبله،
أى من قبل ماذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب، ثم لما فصل قال (فانظر إلى آثار رحمة الله
كيف يحى الأرض بعد موتها إن ذلك لنحى الموتى) لما ذكر الدلائل قال نحى باللام المؤكدة
وباسم الفاعل ، فان الانسان إذا قال إن الملك يعطيك لا يفيد ما يفيد قوله إنه معطيك، لأن الثانى
يفيد أنه أعطاك فكان وهو معط متصفاً بالعطاء، والأول يفيد أنه سيتصف به ويتبين هذا بقوله
إنك ميت فانه آكد من قوله إنك تموت (وهو على كل شىء قدير ) تأكيد لما يفيد الاعتراف.
ثم قال تعالى: ﴿ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون، فإنك لا تسمع
الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ﴾

١٣٥
قوله تعالى : وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم سورة الروم .
وَمَا أَنْتَ بِهِدِ الْعُمْيِ عَنْ ضَِّهِمْ إِن ◌ُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِهَايَقِنَافُهُمْ مُسْلُونَ(٣)
﴿ وما أنت بهاد العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون
لما بين أنهم عند توقف الخير يكونون مبلسين آيسين، وعند ظهوره يكونون مستبشرين ،
بين أن تلك الحالة أيضاً لايدومون عليها، بل لو أصاب زرعهم ريح مصفر لكفروا فهم منقلبون
غير ثابتين لنظرهم إلى الحال لا إلى المآل ، وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال فى الآية الأولى (يرسل الرياح) على طريقة الإخبار عن الإرسال،
وقال ههنا ( ولئن أرسلنا) لا على طريقة الإخبار عن الإرسال، لأن الرياح من رحمته وهى
متواترة، والريح من عذابه وهو تعالى رءوف بالعباد يمسكها، ولذلك نرى الرياح النافعة تهب فى
الليالى والأيام فى البرارى والآكام، وريح السموم لا تهب إلا فى بعض الأزمنة وفى
بعض الأمكنة .
المسألة الثانية﴾ سمى النافعة رياحاً والضارة ريحاً لوجوه (أحدها) النافعة كثيرة الأنواع
كثيرة الأفراد لجمعها، فإن كل يوم وليلة تهب نفحات من الرياح النافعة، ولا تهب الريح الضارة
فى أعوام، بل الضارة فى الغالب لا تهب فى الدهور (الثانى) هو أن النافعة لا تكون إلا رياحاً
فان ما يهب مرة واحدة لا يصلح الهواء ولا ينشىء السحاب ولا يجرى السفن، وأما الضارة بنفحة
واحدة تقتل كريح السموم (الثالث) هو أن الريح المضرة إما أن تضر بكيفيتها أو بكميتها ، أما
الكيفية فهى إذا كانت حارة أو متكيفة بكيفية سم ، وهذا لا يكون للريح فى هبوبها وإنما يكون
بسبب أن الهواء الساكن فى بقعة فيها حشائش رديئة أو فى موضع غائر وهو حار جداً، أو تكون
متكونة فى أول تكونها كذلك وكيفما كان فتكون واحدة، لأن ذلك الهواء الساكن إذا سخن
ثم ورد عليه ريح تحركه وتخرجه من ذلك المكان فتهب على مواضع كاللهيب ، ثم ما يخرج بعد
ذلك من ذلك المكان لا يكون حاراً ولا متكيفاً، لأن المكث الطويل شرط التكيف، ألا ترى
أنك لو أدخلت إصبعك فى نار وأخرجتها بسرعة لا تتأثر، والحديد إذا مكث فيها يذوب ، فإذا
تحرك ذلك الساكن وتفرق لا يوجد فى ذلك الوقت غيره من جنسه، وأما المتولدة كذلك فنادرة
وموضع ندرتها واحد. وأما الكمية فالرياح إذا اجتمعت وصارت واحدة صارت كالخلجان ، ومياه
العيون إذا اجتمعت قصير نهراً عظيما لا تسده السدود ولا يرده الجلود، ولا شك أن فى ذلك
تكون واحدة مجتمعة من كثير ، فلهذا قال فى المضرة ريح وفى النافعة رياح .
ثم إنه تعالى لما علم رسوله أنواع الأدلة وأصناف الأمثلة ووعد وأوعد ولم يزدهم دعاؤه إلا

١٣٦
قوله تعالى . الله الذي خلقكم من ضعف . سورة الروم.
اللهُالَّذِ خَلَقَكُ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوّةٌ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَايَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيُ ◌ّ
فراراً، وإنباؤه إلا كفراً وإضراراً، قال له ( فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا
ولوا مدبرين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾، فى الترتيب فنقول إرشاد الميت محال، والمحال أبعد من الممكن، ثم
إرشاد الأصم صعب فانه لا يسمع الكلام وإنما يفهم ما يفهمه بالإشارة لا غير، والإفهام
بالإشارة صعب، ثم إرشاد الأعمى أيضاً صعب، فانك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى
يمينه، لكنه لا يبقى عليه بل يخيد عن قريب وإرشاد الأصم أصعب ، فلهذا تكون المعاشرة مع
الأعمى أسهل من المعاشرة مع الأصم الذى لا يسمع شيئاً، لأن غاية الإفهام بالكلام ، فإن مالا
يفهم بالإشارة يفهم بالكلام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة ، فان المعدوم والغائب
لا إشارة إليهما فقال أولا لا تسمع الموتى، ثم قال ولا الأصم ولا تهدى الأعمى الذى دون الأصم.
المسألة الثانية﴾ قال فى (الصم إذا ولوا مدبرين) ليكون أدخل فى الامتناع، وذلك لأن
الأصم وإن كان يفهم فانما يفهم بالإشارة ، فإذا ولى ولا يكون نظره إلى المشير فإنه يسمع ولا يفهم.
المسألة الثالثة﴾ قال فى الأصم ( لا تسمع الصم الدعاء) ولم يقل فى الموتى ذلك لأن الأصم
قد يسمع الصوت الهائل كصوت الرعد القوى ولكن صوت الداعى لا يبلغ ذلك الحد فقال
إنك داع لست بملجىء إلى الإيمان والداعى لا يسمع الأصم الدعاء .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال (وما أنت بها دى العمى) أى ليس شغلك هداية العميان كما يقول
القائل فلان ليس بشاعر وإنما ينظم بيتاً وبيتين، أى ليس شغله ذلك فقوله ( إنك لا تسمع الموتى)
نفى ذلك عنه، وقوله ( وما أنت بها دى العمى) يعنى ليس شغلك ذلك، وما أرسلت له.
ثم قال تعالى: ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ لما نفى إسماع الميت والأصم
وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حياً سميعاً وهو كبذلك لأن المؤمن ترد على قلبه
أمطار البراهين فتنبت فى قلبه العقائد الحقة ، ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة، وهذا
يدل على خلاف مذهب المعتزلة فانهم قالوا الله يريد من الكل الإيمان، غير أن بعضهم يخالف
إرادة الله، وقوله ( إن تسمع إلا من يؤمن) دليل على أنه يؤمن فيسمعه النبى صلى الله عليه وسلم
ما يجب أن يفعل فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى عنهم (قالوا سمعنا وأطعنا)
قوله تعالى: ﴿اللّه الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة
ضعفاً وشيبة يخلق مايشاء وهو العليم القدير ﴾.

١٣٧
قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة . سورة الروم .
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ
۔
لما أعاد من الدلائل التى مضت دليلا من دلائل الآفاق وهو قوله ( الله الذى يرسل الرياح
فتثير سحاباً) وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلامن دلائل الأنفس وهو خلق الآدمى
وذكر أحواله، فقال ( خلقكم من ضعف) أى مبناكم على الضعف كما قال تعالى ( خلق الإنسان
من جل ) ومن ههنا كما تكون فى قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنياً أى من حالة
فقره، ثم قال تعالى (ثم جعل من بعد ضعف قوة) فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها
جنيناً وطفلا مولوداً ورضيعاً ومفطوما فهذه أحوال غاية الضعف، وقوله (ثم جعل من بعد
ضعف قوة ) إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله، وقوله ( ثم جعل من بعد قوة
ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) .
إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هى تمام الضعف، ثم بين بقوله
(يخلق ما يشاء) إن هذا ليس طبعاً بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى فى دلائل الآفاق (فيبسطه
فى السماء كيف يشاء وهو العليم القدير) لم قدم العلم على القدرة؟ وقال من قبل (وهو العزيز الحكيم).
فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا. فنقول
هناك المذكور الاعادة بقوله (وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز
الحكيم) لأن الاعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الابداء وهو أطوار
وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر، ثم إن قوله تعالى ( وهو العليم القدير ) تبشير
وإنذار لأنه إذا كان عالماً بأعمال الخلق كان عالماً بأحوال المخلوقات فان عملوا خيراً علمه وإن عملوا
شراً عليه ، ثم إذا كان قادراً فاذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال
قبل الاثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم، وأما فى الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب
فقال (وهو العليم الحكيم) وإلى مثل هذا مثل هذا أشار فى قوله ( فتبارك الله أحسن الخالقين)
عقيب خلق الانسان، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم، والخلق المفهوم من
قوله (الخالقين ) إشارة إلى القدرة، ثم لما بين ذكر الابداء والاعادة كالابداء ذكره بذكر
أحوالها وأوقاتها .
فقال تعالى ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون )
قيل مالبثوا فى الدنيا غير ساعة . وقيل مالبثوا فى القبور ، وقيل ما لبثوا من وقت فناء الدنيا
إلى وقت النشور ( كذلك كانوا يؤفكون) يصرفون من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب

١٣٨
قوله تعالى : وقال الذين اوتوا العلم والايمان . سورة الروم .
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِ كِتَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلُونَ
فَيَوْمَيٍِ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا
لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَيْنِ جِئْتَهُم ◌ِعَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفُرُواْ إِنْ
أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
قوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث فهذا
يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾.
قوله (وقال الذين أوتو العلم والإيمان) من الملائكة وغيرهم ( لقد لبنتم فى كتاب الله إلى يوم
البعث ) وتحن نبين ما هو المعنى اللطيف فى هاتين الآيتين ، فنقول الموعود بوعد إذا ضرب له أجل
يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعد بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها،
لكن المجرم إذا حشر علم أن مصيره إلى النار فيستقل مدة البث ويختار تأخير الحشر والإبقاء
فى القبر، والمؤمن إذا حشر علم أن مصيره إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد التأخير فيختلف
الفريقان ويقول أحدهما أن مدة لبقنا قليل وإليه الإشارة بقوله (يقسم المجرمون مالبثوا غير
ساعة) ويقول الآخر لبثنا مديداً وإليه الاشارة بقوله تعالى ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان
لقد لبنتم فى كتاب الله إلى يوم البعث) يعنى كان فى كتاب الله ضرب الأجل إلى يوم البعث
ونحن صبرنا إلى يوم البعث (فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) يعنى طلبكم التأخير، لأنكم
كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به ، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير .
ثم قال تعالى: ﴿ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون ﴾ أى لا يطلب منهم
الإعتاب وهو إزالة العتب يعنى التوبة التى تزيل آثار الجريمة لاتطلب منهم لأنها لا تقبل منهم.
ثم قال تعالى : ﴿ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل وان جئتهم بآية ليقولن الذين
كفروا إن أنتم إلا مبطلون
قوله (ولقد ضربنا الناس فى هذا القرآن من مثل) إشارة إلى إزالة الأعذار والإتيان بما فوق
الكفاية من الإنذار ، وإلى أنه لم يبق من جانب الرسول تقصير، فان طلبوا شيئاً آخر فذلك عناد ومن
هان عليه تكذيب دليل لا يصعب عليه تكذيب الدلائل ، بل لا يجوز للمستدل أن يشرع فى دليل

....
١٣٩
قوله تعالى : كذلك يطبع الله على قلوب . سورة الروم .
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ لَا يَعْلَّمُونَ (3﴾ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
وَلَا يَسْتَخَقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
آخر بعد ماذكردليلا جيداً مستقيما ظاهراً لاغبار عليه وعائده الخصم ، لأنه إما أن يعترف بورود
سؤال الخصم عليه أولا يعترف ، فان اعترف يكون انقطاعا وهو يقدح فى الدليل أو المستدل، إما
بأن الدليل فاسد ، وأما بأن المستدل جاهل بوجه الدلالة والاستدلال ، وكلاهما لا يجوز الاعتراف
به من العالم فكيف من النبى عليه الصلاة والسلام ، وإن لم يعترف يكون الشروع فى غيره موهماً
أن الخصم ليس معانداً فيكون اجتراؤه على العناد فى الثانى أكثر لأنه يقول العناد أفاد فى الأول
حيث التزم ذكر دليل آخر . فان قيل فالأنبياء عليهم السلام ذكروا أنواعامن الدلائل، نقول سردوها
سرداً ، ثم قرروها فرداً فرداً، كمن يقول الدليل عليه من وجوه: الأول كذا ، والثانى كذا،
والثالث كذا ، وفى مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يزيده بعناده حتى يضيع
الوقت فلا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ماوعد من الدلائل فتنحط درجته فاذن لكل مكان
مقال . وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله تعالى ( ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أتم
إلا مبطلون) وفى توحيد الخطاب بقوله (ولئن جئتهم) والجمع فى قوله (إن أنتم) لطيفة وهى أن
الله تعالى قال (ولئن جئتهم بكل آية) جاءت بها الرسل ويمكن أن يجاء بها يقولون أنتم كلكم أيها
المدعون للرسالة مبطلون . ثم بين تعالى أن ذلك بطبع الله على قلوبهم بقوله ( كذلك يطبع الله على
قلوب الذين لا يعلمون ) فان قيل من لا يعلم شيئاً أية فائدة فى الإخبار عن الطبع على قلبه ؟ نقول
المعنى هو أن من لا يعلم الآن فقد طبع الله على قلبه من قبل، ثم إنه تعالى سلى قلب التى يتم بقوله
( فاصبر إن وعد الله حق) أى أن صدقك يبين وقوله (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) اشارة
إلى وجوب مداومة التى عليه الصلاة والسلام على الدعاء إلى الإيمان فإنه لو سكت لقال الكافر
إنه متقلب الرأى، لاثبات له . والله أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. والحمد لله رب العالمين
وصلاته على سيد المرسلين . وآله وصحبه أجمعين.

١٤٠
قوله تعالى : آلم ، تلك آيات الكتاب . سورة لقمان .
(٣١) سُورَة لِقِمَانَّمَكِيَةْ
وَآيَاتِهَا أنيجُ وَثلاثونَ
إلا آيتين نزلتا بالمدينة وهما ( ولو أن ما فى الأرض من شجرة) الآيتين وإلا آية نزلت
بالمدينة وهى (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) لأن الصلاة والزكاة نزلتا بالمدينة
بِسْـ
.
الْمَ ل ◌ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ * مُدُى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنَ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوَ اُلَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) أُوْلَئِكَ عَلَى
هُدَى مِّنِ رَّبِهِمْ وَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
المّ، تلك آيات الكتاب الحكيم
وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر ما قبلها هو أن اللّه تعالى لما قال (ولقد ضربنا للناس فى
هذا القرآن من كل مثل) إشارة إلى كونه معجزة وقال (ولئن جئتهم بآية) إشارة إلى أنهم يكفرون
بالآيات بين ذلك بقوله (المّ تلك آيات الكتاب الحكيم) ولم يؤمنوا بها، وإلى هذا أشار بعد هذا
بقوله ( وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً).
وقوله ﴿ هدى ورحمة للمحسنين ، الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة م
يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون
فقوله (هدى) أى بيانً وفرقاناً، وأما التفسير فمثل تفسير قوله تعالى ( الم ذلك الكتاب
لا ريب فيه هدى) وكما قيل هناك إن المعنى بذلك هذا، كذلك قيل بأن المراد بتلك هذه، ويمكن
أن يقال كما قلنا هناك إن تلك إشارة إلى الغائب معناها آيات القرآن آيات الكتاب الحكيم وعند
إنزال هذه الآيات التى نزلت مع (الم تلك آيات الكتاب الحكيم) لم تكن جميع الآيات نزلت
فقال تلك إشارة إلى الكل أى آيات القرآن تلك آيات ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال فى سورة البقرة ( ذلك الكتاب) ولم يقل الحكيم، وههنا قال
(الحكيم) فلما زاد ذكر وصف الكتاب زاد ذكر أمر فى أحواله فقال (هدى ورحمة) وقال هناك