Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ قوله تعالى : أو لم يسيروا في الأرض . سورة الروم . أَوَلَمْ يَسِرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأْثَرُواْ الْأَرْضَ وَمَرُوهَ أَكْثَرَ ◌ِّ عَرُهَا وَبَاءَتْهُمْ رُسُهُم بِالْبَغِنَتِّ ◌َمَ كَانَ اللَّهُ لِيَظْلَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (8ِ مَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أُسَتَنُواْ اُلُّوَأَّ أَن كَذَّبُواْبِعَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُ ونَ فقال تعال ﴿ أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾. وقال فى الدليلين المتقدمين (أو لم يروا) ولم يقل (أو لم يسيروا) إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض وقال ههنا (أو لم يسيروا فينظروا) ذكرهم بحال أمثالهم ووبال أشكالهم ، ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدم من عاد ونمود كانوا أشد منهم قوة ولم تنفعهم قواهم وكانوا أكثر مالا وعمارة ، ولم يمنع عنهم الهلاك أموالهم وحصونهم، واعلم أن اعتماد الإنسان على ثلاثة أشياء قوة جسمية فيه أو فى أعوانه إذ بها المباشرة وقوة مالية إذا بها التأهب للمباشرة، وقوة ظهرية يستند اليها عند الضعف والفتور وهى بالحصون والعمائر، فقال تعالى: كانوا أشد منهم قوة فى الجسم وأكثر منهم مالا لأنهم أثاروا الأرض أى حرثوها، ومنه بقرة تثير الأرض، وقيل منه سمى ثوراً، وأنتم لا حراثة لكم فأموالهم كانت أكثر، وعمارتهم كانت أكثر لأن أبنيتهم كانت رفيعة وحصونهم منيعة ، وعمارة أهل مكة كانت يسيرة ثم هؤلاء جاءتهم رسلهم بالبينات وأمروهم ونهوهم، فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم، وقوله ( فما كان الله ليظلمهم ) يعنى لم يظلمهم بالتكليف ، فان التكليف شريف لا يؤثر له إلا محل شريف ولكن هم ظلموا أنفسهم بوضعها فى موضع خسيس ، وهو عبادة الأصنام واتباع إبليس ، فكان اللّه بالتكليف وضعهم فيما خلقوا له وهو الربح، لأنه تعالى قال خلقتكم لتربحوا على لالأريح عليكم ، والوضع فى [أى]موضع كان الخلق له ليس بظلم، وأماهم فوضعوا أنفسهم فى مواضع الخسران ولم يكونوا خلقوا إلا للربح فهم كانوا ظالمين ، وهذا الكلام منا وإن كان فى الظاهر يشبه كلام المعتزلة لكن العاقل يعلم كيف يقوله أهل السنة، وهو أن هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته، لكنه كان منهم ومضافاً إليهم. ثم قال تعالى: ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزتون﴾ ١٠٢ قوله تعالى : الله يبدؤ الخلق ثم يعيده . سورة الروم . وي, ورية وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةَ يَبْلِسَ تُرْجَعُونَ اللَّهُ يَبْدَؤُ أْحَلْقَ ثُمْ يَعِيدَهُ, ثُمْ إِلَيْهِ الْمُجْرِمُونَ ﴿ وَلَمْ يَكُن ◌َهُم مِّنِ تُرَكَبِهِمْ شُفَعَنُوا وَكَانُواْ بِشُرَّكَ بِهِمْ كَفرين كما قال ( الذين أحسنوا الحسنى) وقوله تعالى ( أن كذبوا) قيل معناه بأن كذبوا أى كان عاقبتهم ذلك بسبب أنهم كذبوا ، وقيل معناه أساءوا وكذبوا فكذبوا يكون تفسيراً لأساؤًا وفى هذه الآية لطائف ( إحداها) قال فى حق الذين أحسنوا ( للذين أحسنوا الحسنى) وقال فى حق من أساء ( ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآى ) إشارة إلى أن الجنة لهم من ابتداء الأمر فان الحسنى اسم الجنة والسوآى اسم النار، فاذا كانت الجنة لهم ومن الابتداء، ومن له شىء كلما يزداد وينمو فيه فهو له ، لأن ملك الأصل يوجب ملك الثمرة، فالجنة من حيث خلقت تربو وتنمو للمحسنين ، وأما الذين أساؤا، فالسوآى وهى جهنم فى العاقبة مصيرهم إليها (الثانية) ذكر الزيادة فى حق المحسن ولم يذكر الزيادة فى حق المسىء لأن جزاء سيئة سيئة مثلها (الثالثة) لم يذكر فى المحسن أن له الحسنى بأنه صدق، وذكر فى المسيء أن له السوأى بأنه كذب، لأن الحسنى للمحسنين فضل والمتفضل لو لم يكن تفضله لسبب يكون أبلغ، وأما السوآى للمسيء عدل والعادل إذا لم يكن تعذيبه لسبب لا يكون عدلا فذكر السبب فى التعذيب وهو الإصرار على التكذيب، ولم يذكر السبب فى الثواب . ثم قال تعالى: ﴿ اللّه يبدؤ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان فى ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم یتر که دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق، يعنى من خلق بالقدرة والارادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون ، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه فقال : ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركاتهم کافرین فى ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم، والإبلاس يأس مع حيرة ، يعنى يوم تقوم الساعة يكون للمجرم يأس محير لا يأس هو إحدى الراحتين، وهذا لأن الطمع إذا انقطع باليأس فاذا كان المرجو أمراً غير ضرورى يستريح الطامع من الانتظار وإن كان ضرورياً بالإبقاء له بوونه ينفطر فؤاده أشد انفطار ، ومثل هذا اليأس هو الإبلاس ولنبين حال المجرم وإبلاسه بمثال ، وهو أن نقول مثله مثل من يكون فى بستان وحواليه الملاعب والملاهى ، ولديه ما يفتخر به ويباهى ، فيخبره صادق بمجىء عدو لا يرده راد ، ولا يصده صاد، إذا جاءه لا يبلغه ريقاً، ولا يترك له الى الخلاص طريقاً، فيتحتم عليه الاشتغال بسلوك طريق الخلاص فيقول له طفل أو ١٠٣ قوله تعالى : ويوم تقوم الساعة . سورة الروم . فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (3ـ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحِبُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَبُرْ بِعَايَئِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ. مجنون إن هذه الشجرة التى أنت تحتها لها من الخواص دفع الأعادى عمن يكون تحتها ، فيقبل ذلك الغافل على استيفائه ملاذه معتمداً على الشجرة بقول ذلك الصبى فيجيئه العدو ويحيط به ، فأول مايريه من الأهوال قلع تلك الشجرة فيبقى متحيراً آيساً ، مفتقراً، فكذلك المجرم فى دار الدنيا أقبل على استيفاء اللذات وأخبره النى الصادق بأن الله يجزيه، ويأتيه عذاب يخزيه، فقال له الشيطان والنفس الأمارة بالسوء إن هذه الأخشاب التى هى الأوثان دافعة عنك كل باس ، وشافعة لك عند خمود الحواس ، فاشتغل بما هو فيه واستمر على غيه حتى إذا جاءته الطامة الكبرى فأول ما أرته إلقاء الأصنام فى النار فلا يجد إلى الخلاص من طريق، ويحق عليه عذاب الحريق، فييأس حينئذ أى إياس ويبلس أشد إبلاس. وإليه الإشارة بقوله تعالى ( ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين) يعنى يكفرون بهم ذلك اليوم . ثم قال تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ ثم بين أمراً آخر يكون فى ذلك اليوم وهو الافتراق كما قال تعالى فى آية أخرى ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون) فكان هذه الحالة مترتبة على الإبلاس ، فكأنه أولا يبلس ثم يميزويجعل فريق فى الجنة وفريق فى السعير، وأعاد قوله ( ويوم تقوم الساعة ) لأن قيام الساعة أمرهائل فكرره تأكيداً للتخويف ، ومنه اعتاد الخطباء تكرير يوم القيامة فى الخطب لتذكير أهواله. ثم بين كيفية التفرق فقال تعالى: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون﴾ أى فى جنة يسرون بكل مسرة ﴿وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك فى العذاب محضرون﴾ يعنى لاغيبة لهم عنه ولا فتور له عنهم كما قال تعالى ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) وقال ( لا يفتر عنهم العذاب ) وفى الآيتين مسائل فيها لطائف: المسألة الأولى ﴾ بدأ بذكر حال الذين آمنوا مع أن الموضع موضع ذكر المجرمين، وذلك لأن المؤمن يوصل إليه الثواب قبل أن يوصل إلى الكافر العقاب حتى يرى ويتحقق أن المؤمن وصل إلى الثواب فيكون أنكى ، ولو أدخل الكافر النار أولا لكان يظن أن الكل فى العذاب مشتر کون، فقدم ذلك زیادة فی إیلامهم ، ١٠٤ . قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون . سورة الروم . فَسُبْحَدِنَ اللهِ حِينَ تُمُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (8) وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٨ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْغَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْخَيِّ وَيُحِيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ. المسألة الثانية﴾ ذكر فى المؤمن العمل الصالح ولم يذكر فى الكافر العمل السيء، لأن العمل الصالح معتبر مع الإيمان ، فإن الإيمان المجرد مفيد للنجاة دون رفع الدرجات ولا يبلغ المؤمن الدرجة العالية إلا بإيمانه وعمله الصالح، وأما الكافر فهو فى الدركات بمجرد كفره فلو قال : والذين كفروا وعملوا السيئات فى العذاب محضرون ، لكان العذاب لمن يصدر منه المجموع ، فإن قيل فمن يؤمن ويعمل السيئات غير مذكور فى القسمين ، فنقول له منزلة بين المنزلتين لا على ما يقوله المعتزلة، بل هو فى الأول فى العذاب ولكن ليس من المحضرين دوام الحضور ، وفى الآخرة هو فى الرياض ولكنه ليس من المحبورين غاية الحبور كل ذلك بحكم الوعد. المسألة الثالثة﴾ قال فى الأول (فى روضة) على التفكير ، وقال فى الآخر فى العذاب على التعريف، لتعظيم الروضة بالتنكير ، كما يقال لفلان مال وجاه ، أى كثير وعظيم. ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال فى الأول (بحبرون) بصيغة الفعل ولم يقل محبورون، وقال فى الآخر ( محضرون) بصيغة الإسم ولم يقل يحضرون، لأن الفعل ينى عن التجدد والاسم لا يدل عليه فقوله (يحبرون) يعنى بأتيهم كل ساعة أمر يسرون به . وأما الكفار فهم إذا دخلوا العذاب يبقون فيه محضرين . ثم قال تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد فى السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ لما بين الله تعالى عظمته فى الابتداء بقوله ( ماخلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وعظمته فى الانتهاء، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين، ويحكم على البعض بأن هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء إلى النار ولا أبالى، أمر بتنزيهه عن كل سوء ويحمده على كل حال فقال ( فسبحان الله) أى سبحوا اللّه تسبيحاً ، وفى الآية مسائل: المسألة الأولى) فى معنى سبحان الله ولفظه، أما لفظه ففعلان اسم المصدر الذى هو التسبيح، سمى التسبيح بسبحان وجعل علماً له. وأما المعنى فقال بعض المفسرين: المراد منه الصلاة، أی صلوا ، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس ، وقال بعضهم أراد به التنزيه ، أی نزهوه عن ١٠٥ قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون . سورة الروم . صفات النقص وصفوه بصفات الكمال، وهذا أقوى والمصير إليه أولى، لأنه يتضمن الأول. وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم وباللسان مع ذلك، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعاً وهو العمل الصالح، والأول هو الأصل، والثانى ثمرة الأول والثالث ثمرة الثانى، وذلك لأن الإلسان إذا اعتقد شيئاً ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر ضدقه فى مقاله من أحواله وأفعاله، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان، لكن .الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهى مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان ، وهو تنزيه فى التحقيق ، فإذا قال نزهونى، وهذا نوع من أنواع التنزيه ، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ماهو تنزيه فيكون أيضاً هذا أمراً بالصلاة، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم، وذلك لأن الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات حيث قال (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون ) قال إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان والكل تنزيهات وتحميدات ، فسبحان الله أى فأتوا بذلك الذى هو الموصل إلى الحبور فى الرياض، والحضور على الحياض. المسألة الثانية ﴾ خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح وذلك لأن أفضل الأعمال أدومها، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون) والانسان مادام فى الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح، لكونه محتاجاً إلى أكل وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فأشار اللّه تعالى إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح الله فيها يكون كأنه لم يفتر وهى الأول والآخر والوسط أول النهار وآخره ووسطه فأمر بالتسبيح فى أول الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح فى آخر الليل لأن النوم فيه غالب والله من علىعباده بالاستراحة بالنوم ، كما قال (ومن آياته منامكم بالليل) فاذا صلى فى أول النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح ، ثم إذا صلى أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات ، وإذا صلى أربعاً فى أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات ، فإذا صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيخ وبقى من الليل والنهار سبع ساعات وهى ما بين نصف الليل وثلثيه لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع، وهذا القدر لونام الانسان فيه لكان كثيراً وإليه أشار تعالى بقوله ( قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ) وزيادة القليل على النصف هى ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم ، فيقول الله عبدى صرف جميع أوقات تكليفه فى تسبيحى فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية التى إدعيتم بقولكم ( نحن نسبح بحمدك ونقدس لك) على سبيل الانحصار بل هم مثلكم ١٠٦ قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون . سورة الروم . فقامهم مثل مقامكم فى أعلى عليين ، واعلم أن فى وضع الصلاة فى أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة بالغة ، أما فى عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان فى سبع عشرة ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة، وأما على مذهب أبى حنيفة حيث قال بوجوب الوتر ثلاثركعات وهو أقرب للتقوى، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغى أن يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذاً من قوله تعالى ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه) ويفهم من هذا أن قيام ثلثى الليل مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) ذكر يلفظ التوبة، وإذا كان كذلك يكون الإنسان يقظان فى عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة، وأما النبى عليه السلام فلما كان من شأنه أن لا ينام أصلا كما قال ((تنام عيناى ولا ينام قلبى)) جعل له كل الليل كالنهار فزيد له التهجد فأمر به ، وإلى هذا أشار تعالى فى قوله (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) أى كل الليل لك للتسبيح فصار هو فى أربع وعشرين ساعة مسبحاً ، فصار من الذين لا يفترون طرفة عين ، وأما فى أوقاته فما تقدم أيضاً أن الأول والآخر والوسط هو المعتبر فشرع التسبيح فى أول النهار وآخره ، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه كما اعتبر أول النهار ووسطه، وذلك لأن الظهروقته نصف النهار والعشاء وقته نصف الليل لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذى يكون الإنسان فيه يقظان وهو مقدار خمس ساعات تجعل وقته فى نصف هذا القدر وهو الثلاثة من الليل، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخروقت العشاء الآخرة إلى الرابعة والخامسة، ليكون فى وسط الليل المعتبر، كما أن الظهر فى وسط النهار، وأما النبي صَ لّم لما كان ليله نهاراً ونومه انتباهاً قال ((لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل)) ليكون الأربع فى نصف الليل كما أن الأربع فى نصف النهار، وأما التفصيل فالذى يتبين لى أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما فى أول الليل ويؤدى ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح، ولما كان المؤدى من تسبيخ النهار فى أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل فى أوله ركعة لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل: لأن المؤدى فى النهار عشرة والمؤدى فى الليل من تسبيح الليل خمس . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ فى فضيلة الصبحلة والحمدلة فى المساء والصباح، ولنذكرها من حيث النقل والعقل ، أما النقل فأخبر فى الشيخ الورع الحافظ الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بحلب. مسنداً عن النبي صَّ لي أنه قال لبعض أصحابه «أتعجز عن أن تأتى وقت النوم بألف حسنة ؟فتوقف فقال النبى عليه السلام قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر مائة مرة يكتب لك بها ألف حسنة)) وسمعته يقول رحمه الله مسنداً (( من قال خلف كل صلاة مكتوبة عشر مرات سبحان الله وعشر ٠٫٠ ١٠٧ قوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون . سورة الروم . مرات الله أكبر أدخل الجنة)) وأما العقل فهو أن اللّه تعالى له صفات لازمة لا من فعله وصفات ثابتة له من فعله، أما الأولى فهى صفات كمال وجلال خلافها نقص، فاذا أدرك المكلف الله بأنه لا يجوز أن يخفى عليه شيء لكونه عالماً بكل شىء فقد نزهه عن الجهل ووصفه بضده، وإذا عرفه بأنه لا يعجز عن شىء لكونه قادراً على كل شىء فقد نزهه عن العجز، وإذا علم أنه لا يجرى فى ملكه إلا مايشاء لكونه مريداً لكل كائن فقد وصفه ونزهه، وإذا ظهر له أنه لا يجوز عليه الفناء لكونه واجب البقاء فقد نزهه، وإذا بان له أنه لا يسبقه العدم لاقتصافه بالقدم فقد نزهه، وإذا لاح له أنه لا يجوز أن يكون عرضاً أو جسما أو فى مكان لكونه واجباً بريئاً عن جهات الإمكان فقد نزهه. لكن صفاته السلبية والإضافية لا يعدها عاد ولو اشتغل بها واحد لأفتى فيها عمره ولا يدرك كنهها. فإذا قال قائل مستحضراً بقلبه سبحان الله متفيهاً لما يقوله من كونه منزهاً له عن كل نقص فإنيانه بالتسبيح على هذا الوجه من الإجمال يقوم مقام إتيانه به على سبيل التفصيل ، لكن لاريب فى أن من أتى بالتسبيح عن كل واحد على حدة ما لا يجوز على الله يكون قد أتى بما لا تفى به الأعمار، فيقول هذا العبد أتى بتسبيحى طول عمره ومدة بقائه فأجازيه بأن أطهره عن كل ذنب وأزينه بخلع الكرامة وأنزله بدار المقامة مدة لا انتهاء لها ، وكما أن العبد ينزه الله فى أول النهار وآخره ووسطه، فإن الله تعالى يطهره فى أوله وهو دنياه وفى آخره وهو عقباه. وفى وسطه وهو حالة كونه فى قبره الذى يحويه إلى أوا حشره وهو معناه . وأما الثانية وهو صفات الفعل فالإنسان إذا نظر إلى خلق الله السموات يعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله، فإذا رأى الشمس فيها بازغة فيعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله، وكذلك القمر وكل كوكب والأرض وكل نبات وكل حيوان يقول الحمد لله ، لكن الإنسان لو حمد الله على كل شىء على حدة لا يفى عمره به ، فاذا استحضر فى ذهنه النعم التى لاتعد كما قال تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ويقول الحمد لله على ذلك فهذا الحمد على وجه الإجمال يقوم منه مقام الحمد على سبيل التفصيل ، ويقول عبدى استغرق عمره فى حمدى وأنا وعدت الشاكر بالزيادة فله على حسنة التسبيح الحسنى وله على حمده الزيادة ثم إن الإنسان إذا استغرق فى صفات الله قد يدعوه عقله إلى التفكر فى الله تعالى بعد التفكر فى آلاء اللّه، فكل ما يقع فى عقله من حقيقته فينبغى أن يقول الله أكبر مما أدركه، لأن المدركات وجهات الإدراكات لا نهاية لها، فان أراد أن يقول على سبيل التفصيل الله أكبر من هذا الذى أدر كته من هذا الوجه وأكبر ما أدر كته من ذلك الوجه وأكبرمما أدر كته من وجه آخريفنى عمره ولا بفى بادراك جميع الوجوه التى يظن الظان أنه مدرك لله بذلك الوجه ، فإذا قال مع نفسه الله أكبر أى من كل ما أتصوره بقوة عقلى وطاقة إدراكى يكون متوغلافى العرفان وإليه الإشارة بقوله : العجز عن درك الإدراك إدراك فقول القائل المستيقظ (سبحان الله والحمد لله والله أكبر)) مفيد لهذه الفوائد، لكن شرطه ١٠٨ قوله تعالى : ومن آياته أن خلقكم . سورة الروم . وَمِنْ ءَتِهِة أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمُ بَشَرٌ تَنَشِرُونَ أن يكون كلاماً معتبراً وهو الذى يكون من صميم القلب لا الذى يكون من طرف اللسان: ﴿ المسألة الرابعة) قوله (وعشياً) عطف على (حين) أى سبحوه حين تمسون وحين تصبحون وعشياً، وقوله ( وله الحمد فى السموات والأرض) كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لالنفغ يعود على الله فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه وهذا كما فى قوله تعالى ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للايمان). ﴿ المسألة الخامسة﴾ قدم الإمساء على الاصباح ههنا وأخره فى قوله (وسبحوه بكرة وأصيلا) وذلك لأن ههنا أول الكلام ذكر الحشر والإعادة من قوله ( اللّه يبدأ الخلق ثم يعيده) إلى قوله (فأولئك فى العذاب محضرون) وآخر هذه الآية أيضاً ذكر الحشر والإعادة بقوله ( وكذلك تخرجون) والامساء آخر فذكر الآخر ليذكر الآخرة. ﴿ المسألة السادسة ﴾ فى تعلق إخراج الحي من الميت والميت من الحى بما تقدم عليه هو أن عند الاصباح يخرج الانسان من شبه الموت وهو النوم إلى شبه الوجود وهو اليقظة . وعند العشاء يخرج الانسان من اليقظة إلى النوم، واختلف المفسرون فى قوله ( يخرج الحي من الميت ) فقال أكثرهم يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة . وكذلك الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، وقال بعضهم المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، ويمكن أن يقال المراد ( يخرج الحي من الميت) أى اليقظان من النائم والنائم من اليقظان. وهذا يكون قد ذكره التمثيل أى إحياء الميت عنده وإماتة الحى كتفبيه النائم وتنويم المنقبه. ثم قال تعالى (ويحيى الأرض بعدموتها وكذلك تخرجون) وفى هذا معنى لطيف وهوأن الإنسان بالموت تبطل حيوانيته وأمانفسه الناطقة خفارقه وتبقى بعده كما قال تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا) لكن الحيوان نام متحرك حساس لكن النائم لا يتحرك ولا يحس والأرض الميته لا يكون فيها نماء، ثم إن النائم بالانتباه يتحرك ويحس والأرض الميته بعدموتها تنمو بنباتها فكما أن تحريك ذلك الساكن وإنما. هذا الواقف سهل على الله تعالى كذلك إحياء الميت سهل عليه وإلى هذا أشار بقوله (وكذلك تخرجون). ثم قال تعالى : ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) لما أمر الله تعالى بالتسبيح عن الأسواء وذكر أن الحمد له على خلق جميع الأشياء وبين قدرته على الامائة والاحياء بقوله (فسبحان الله) إلى قوله (وكذلك تخرجون) ذكر ماهو حجة ظاهرة وآية ١٠٩ قوله تعالى : ومن آياته أن خلقكم . سورة الروم . باهرة على ذلك ومن جملتها خلق الإنسان من تراب وتقريره هو أن التراب أبعد الأشياء عن درجة الأحياء، وذلك من حيث كيفيته فإنه بارد يابس والحياة بالحرارة والرطوبة، ومن حيث لونه فإنه كدر والروح نير ، ومن حيث فعله فانه ثقيل والأرواح التى بها الحياة خفيفة ، ومن حيث السكون فانه بعيد عن الحركة والحيوان يتحرك يمنة ويسرة وإلى خلف وإلى قدام وإلى فوق وإلى أسفل ، وفى الجملة فالتراب أبعد من قبول الحياة عن سائر الأجسام لأن العناصر أبعد من المركبات لأن المركب بالتركيب أقرب درجة من الحيوان والعناصر أبعدها التراب لأن الماء فيه الصفاء والرطوبة والحركة وكلها على طبع الأرواح والنار أقرب لأنها كالحرارة الغريزية منضجة جامعة مفرقة ثم المركبات وأول مراتبها المعدن فانه ممتزج ، وله مراتب أعلاها الذهب وهو قريب من أدنى مراتب النبات وهى مرتبة النبات الذى ينبت فى الأرض ولا يبرزولايرتفع، ثم النباتات وأعلى مراتبها وهى مرتبة الأشجار التى تقبل التعظيم ، ويكون ثمرها حب يؤخذ منه مثل تلك الشجرة كالبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة قريبة من أدنى مراتب الحيوانات وهى مرتبة الحشرات التى ليس لها دم سائل ولا هى إلى المنافع الجليلة وسائل كالنباتات ، ثم الحيوان وأعلى مراتبها قريبة من مرتبة الانسان فان الأنعام ولاسيما الفرس تشبه العتال والحمال والساعى ، ثم الإنسان، وأعلى مراتب الانسان قريبة من مرتبة الملائكة المسبحين لله الحامدين له فالله الذى خلق من أبعد الأشياء عن مرتبة الأحياء حياً هو فى أعلى المراتب لا يكون إلا منزهاً عن العجز والجهل ، ويكون له الحمد على إنعام الحياة ، ويكون له كمال القدرة ونفوذ الارادة فيجوز منه الابداء والاعادة ، وفى الآية لطيفتان: (إحداهما) قوله (إذا) وهى للمفاجأة يقال خرجت فإذا أسد بالباب وهو إشارة إلى أن الله تعالى خلقه من تراب بكن فكان لا أنه صار معدناً ثم نباتاً ثم حيواناً ثم إنساناً وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهى أن اللّه تعالى يخلق أولا إنساناً فينبه أنه يحيى حيواناً ونامياً وغير ذلك لا أنه خلق أولا حيواناً ، ثم يجعله إنساناً نفاق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الارادة الأولى، فاللّه تعالى جعل المرتبة الأخيرة فى الشىء البعيد عنها غاية من غير انتقال من مرتبة إلى مرتبة من المراتب التى ذكرناها ( اللطيفة الثانية ) قوله ( بشر) إشارة إلى القوة المدركة لأن البشر بشر لا بحركته، فإن غيره من الحيوانات أيضاً كذلك وقوله ( تنتشرون ) إلى القوة المحركة وكلاهما من التراب عجيب، إما الادراك فلكثافته وجموده، وأما الحركة فلثقله وخموده وقوله ( تنتشرون) إشارة إلى أن العجيبة غير مختص بخلق الإنسان من التراب بل خلق الحيوان المنقشر من التراب الساكن عجيب فضلا عن خلق البشر ، وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ وهى أن الله خلق آدم من تراب وخلقنا منه فكيف قال (خلقكم من تراب) نقول الجواب عنه من وجهين: (أحدهما) ما قيل إن المراد من قوله ( خلقكم) أنه خلق أصلكم ( والثانى) أن نقول: إن كل بشر مخلوق من التراب، أما آدم فظاهر، وأما نحن فلانا خلقنا من ١١٠ قوله تعالى : ومن آياته إن خلقكم . سورة الروم . نطفة والنطفة من صالح الغذاء الذى هو بالقوة بعض من الأعضاء، والغذاء إما من لحوم الحيوانات وألبانها وأسمانها، وإما من النبات والحيوان أيضاً له غذاء هو النبات لكن النبات من التراب، فإن الحبة من الحنطة والنواة من الثمرة لا تصير شجرة إلا بالتراب وينضم اليها أجزاء مائية ليصير ذلك النبات بحيث يغذو . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال تعالى فى موضع آخر (وخلق من الماء بشراً) وقال ( من ماء مهين) وههنا قال من (تراب) فكيف الجمع؟ قلنا أما على (الجواب الأول) فالسؤال زائل ، فإن المراد منه آدم، وأما على (الثانى) فنقول ههنا قال ما هو أصل أول ، وفى ذلك الموضع قال ماهو أصل ثان لأن ذلك التراب الذى صار غذاء يصير مائعاً وهو المنى ، ثم ينعقد ويتكون بخلق الله منه إنساناً أو نقول الإنسان له أصلان ظاهران الماء والتراب فان التراب لا ينبت إلا بالماء ففى النبات الذى هو أصل غذاء الإنسان تراب وماء فان جعل التراب أصلا والماء لجمع أجزائه المتفتة فالأمر كذلك وإن جعل الأصل هو الماء والتراب لتثبيت أجزائه الرطبة من السيلان فالأمر كذلك، فإن قال قائل اللّه تعالى يعلم كل شىء فهو يعلم أن الأصل ماذا هو منهما، وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك ، فإن كان الأصل هو التراب فكيف قال (من الماء بشراً) وإن كان الماء فكيف قال ( خلقكم من تراب) وإن كاناهما أصلين فلم لم يقل خلقكم منهما فنقول فيه لطيفة، وهى أن كون التراب أصلا والماء أصلا والماء ليس لذاتيهما، وإنما هو يجعل اللّه تعالى فإن الله نظراً إلى قدرته كان له أن يخلق أول ما يخلق الانسان ثم يفنيه ويحصل منه التراب ثم يذوبه ويحصل منه الماء، لكن الحكمة اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل يكون وسيلة إلى الناقص تخلق التراب والماء أولا، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذى هو أكمل من كل كائن وهو الإنسان، فان كان كونهما أصلين ليس أمراً ذاتياً لهما بل يجعل جاعل فتارة جعل الأصل التراب وتارة الماء ليعلم أنه بإرادته واختياره ، فإن شاء جعل هذا أصلا وإن شاء جعل ذلك أصلا ، وإن شاء جعلهما أصلين . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال الحكماء إن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وفى التراب والماء والهواء والنار، وقالوا التراب فيه لثباته، والماء لاستمساكه ، فان التراب يتفتت بسرعة، والهواء لاستقلاله كالزق المنفوخ يقوم بالهواء ولولاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب، والنار للنضج والالتام بين هذه الأشياء، فهل هذا صحيح أم لا؟ فان كان صحيحاً فكيف اعتبر الأمرين حسب ولم يقل فى موضع آخر إنه خلقكم من نار ولا من ريح؟ فنقول أما قولهم فلا مفسدة فيه من حيث الشرع فلا ننازعهم فيه إلا إذا قالوا بأنه بالطبيعة كذلك، وأما إن قالوا بأن الله بحكمته خلق الإنسان من هذه الأشياء فلا ننازعهم فيه، وأما الآيات فنقول ماذكرتم لا يخالف هذا لأن الهواء جعلتموه للاستقلال والنار للنضج فهما يكونان بعد امتزاج الماء بالتراب، فالأصل الموجود أولاهما لا غير ١١١ قوله تعالى : ومن آياته إن خلق لكم . سورة الروم . وَمِنْ ءَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم ◌َوَةُ وَرَحْمَةً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّتٍ لِقَوْرِ يَتَفَكُونَ ( ٢١ فلذلك خصهما ولأن المحسوس من العناصر فى الغالب هو التراب والماء ولا سيما كونهما فى الإنسان ظاهر لكل أحد خص الظاهر المحسوس بالذكر. ثم قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾. لما بين الله خلق الانسان بين أنه لما خلق الإنسان ولم يكن من الأشياء التى تبقى وتدوم سنين متطاولة أبقى نوعه بالأشخاص وجعله بحيث يتوالد، فإذا مات الأب يقوم الابن مقامه لئلا يوجب فقد الواحد ثلبة فى العمارة لا تفسد، وفى الآية مسائل : المسألة الأولى) قوله (خلق لكم) دليل على أن النساء خلقن كلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى ( خلق لكم ما فى الأرض) وهذا يقتضى أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف فنقول خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم، والمعنى، أما النقل فهذا وغيره ، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبى لكن الصبى ، لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف ، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم ، ولولا ذلك لظهر الفساد . ﴿ المسألة الثانية) قوله (من أنفسكم) بعضهم قال: المراد منه أن حواء خلقت من جسم آدم والصحيح أن المراد منه من جنسكم كما قال تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ويدل عليه قوله ( لتسكنوا إليها) يعنى أن الجنسين الحيين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر أى لا تثبت نفسه معه ولا یمیل قلبه إليه . ﴿ المسألة الثالثة ) يقال سكن إليه للسكون القلب ويقال سكن عنده للسكون الجسمانى، لأن كلمة عند جاءت لظرف المكان وذلك للأجسام وإلى للغاية وهى للقلوب. ﴿ المسألة الرابعة) قوله ( وجعل بينكم مودة ورحمة) فيه أقوال قال بعضهم مودة بالمجامعة ورحمة بالولد تمسكا بقوله تعالى (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) وقال بعضهم محبة حالة حاجة نفسه، ورحمة حالة حاجة صاحبه إليه ، وهذا لأن الإنسان يحب مثلاولده، فإذا رأى عدوه فى شدة من جوع وألم قد يأخذ من ولده ويصلح به حال ذلك ، وما ذلك لسبب المحبة وإنما هو السبب ١١٢ قوله تعالى : ومن آياته خلق السموات والأرض . سورة الروم . وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَتِ وَالْأَرْضِ وَأْتِلَفُ أَلْسِفَتِكُمْ وَأَلْوَّنِكْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيْتِ لِلْعَلِينَ الرحمة ويمكن أن يقال ذكر من قبل أمرين (أحدهما) كون الزوج من جنسه (والثانى) ما تفضى إليه الجنسية وهو السكون إليه فالجنسية توجب السكون وذكر ههنا أمرين (أحدهما) يفضى إلى الآخر فالمودة تكون أولا ثم إنها تفضى إلى الرحمة ، ولهذا فان الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام الزوج بها وبالعكس وقوله (إن فى ذلك) يحتمل أن يقال المراد إن فى خلق الأزواج لآيات ، ويحتمل أن يقال فى جعل المودة بينهم آيات ( أما الأول ) فلا بد له من فكر لأن خلق الإنسان من الوالدين يدل على كمال القدرة ونفوذ الإرادة وشمول العلم لمن يتفكر ولو فى خروج الولد من بطن الأم، فإن دون ذلك لو كان من غير الله لأفضى إلى هلاك الأم وهلاك الولد أيضاً لأن الولد لوسل من موضع ضيق بغير إعانة الله لمنات (وأما الثانى) فكذلك لأن الإنسان يجد بين القرينين من التراحم مالا يجده بين ذوى الأرحام وليس ذلك بمجرد الشهوة فانها قد تنتفى وتبقى الرحمة فهو من اللّه ولو كان بينهما مجرد الشهوة والغضب كثير الوقوع وهو مبطل للشهوة والشهوة غیر دائمة فى نفسها لکان کل ساعة بينهما فراق وطلاق فالرحمة التى بها يدفع الانسان المكاره عن حريم حرمه هى من عند الله ولا يعلم ذلك إلا بفكر . ثم قال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لايات للعالمين لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق وأظهرما خلق السموات والأرض، فإن بعض الكفار يقول فى خلق البشر وغيره من المركبات إنه بسبب ما فى العناصر من الكيفيات وما فى السموات من الحركات وما فيها من الاتصالات فإذا قيل له فالسماء والأرض لم تكن لامتراج العناصر واتصالات الكواكب فلا يجد بداً من أن يقول ذلك بقدرة الله وإرادته ثم لما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذى بين ألوان الانسان فان واحداً منهم مع كثرة عددهم وصغر حجم خدودهم وقدودهم لا يشتبه بغيره والسموات مع كبرها وقلة عددها مشتبهات فى الصورة (والثانى) اختلاف كلامهم فان غربيين هما أخوان إذا تكاما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتى أن من يكون محجوباً عنهما لا يبصرهما يقول هذا صوت فلان وهذا صوت فلان الآخر وفيه حكمه بالغة وذلك لأن الإنسان يحتاج إلى التمييزبين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره والعدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه، وليقبل على الصديق قبل أن يفوته الإقبال عليه، وذلك قد يكون بالبصر دخلق ١١٣ قوله تعالى ومن آياته یریكم البرق . سورة الروم . وَمِنْ ءَتِهِ، مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَاؤُكُمْ مِن فَضْلِهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ ١٠٠٠ لَآَيَتِ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٢٣ ـن اختلاف الصور وقد يكون بالسمع خلق اختلاف الأصوات ، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة فى معرفة العدو والصديق فلا يقع بها النمييز ، ومن الناس من قال المراد اختلاف اللغة كالعربية والفارسية والرومية وغيرها والأول أصح، ثم قال تعالى (لآيات للعالمين) لما كان خلق السموات والأرض لم يحتمل الاحتمالات البعيدة التى يقولها أصحاب الطبائع واختلاف الألوان كذلك واختلاف الأصوات كذلك قال ( للعالمين ) لعموم العلم بذلك . ثم قال تعالى: ﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ . لما ذكر بعض العرضيات اللازمة وهو الاختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن جملتها النوم بالليل والحركة طلباً للرزق بالنهار ، فذكر من اللوازم أمرين، ومن المفارقة أمرين، وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( منامكم بالليل والنهار ) قيل أراد به النوم بالليل والنوم بالنهار وهى القيلولة: ثم قال (وابتغاؤكم) أى فيهما فان كثيراً ما يكتسب الانسان بالليل، وقيل أراد منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف البعض بالبعض، ويدل عليه آيات أخر . منها قوله تعالى ( وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا) وقوله ( وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ) ويكون التقدير هكذا: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله ، فأخر الابتغاء وقرته فى اللفظ بالفعل إشارة إلى أن العبد ينبغى أن لايزى الرزق من كسبه وبحذقه ، بل يرى كل ذلك من فضل ربه، ولهذا قرن الابتغاء بالفضل فى كثير من المواضع، منها قوله تعالى ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله) وقوله ( ولتبتغوا من فضله). ﴿المسألة الثانية﴾ قدم المنام بالليل على الابتغاء بالنهار فى الذكر، لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة ، فلا يتعب إلا محتاج فى الحال أو خائف من المآل. ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال ( آيات لقوم يسمعون) وقال من قبل ( لقوم يتفكرون) وقال ( للعالمين) فنقول المنام بالليل والابتغاء من فضله يظن الجاهل أو الغافل أنهما ما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم الله فلم يقل آيات للعالمين ولأن الأمرين الأولين وهو اختلاف الألسنة والألوان من اللوازم والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة فالنظر إليهما لا يدوم لزوالهما فى بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان ، فانهما يدومان بدوام الإنسان الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٨ ١١٤ قوله تعالى: ومن آياته منامكم بالليل . سورة الروم . وَمِنْ ءَاَلِهِ، يُرِيُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ اَلَّمَاءِ مَآءَ فَيُحْيِء ◌ِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَا يَنْتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢٤ فجعلهما آيات عامة، وأما قوله (لقوله يتفكرون) فاعلم أن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر، ومنها ما يكفى فيه مجرد الفكرة، ومنها مالا يخرج بالفكر بل يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه ، فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد، ومنها ما يحتاج إلى بعض الناس فى تفهمه إلى أمثلة حسية كالأشكال الهندسية لكن خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكر خامد الذكر، فإذا تفكر على كون ذلك الخلق آية ، وأما المنام والابتغاء فعد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة ، فقال (لقوم يسمعون) ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد ثم قال تعالى : ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض ١٠٦ بعد موتها إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون لما ذكر العرضيات التى للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التى للآفاق، وقال ( يريكم البرق خوفاً وطمعاً. وينزل من السماء ) وفى الآية مسائل: ﴿ إحداها) لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التى للأنفس وأخر العرضيات التى للآفاق كما أخر دلائل الآفاق ، بقوله ( ومن آياته خلق السموات والأرض) . المسألة الثانية﴾ قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولا اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء، وقدم فى الآفاق العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال (يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل) وذلك لأن الانسان متغير الحال والعوارض له غير .بعيدة، وأما اللوازم فيه فقريبة. وأما السموات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم، فقدم ماهو أعجب لكونه أدخل فى كونه آية ونزيده بياناً فنقول: الانسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز عن غيره ، وهو يتغير فى الأحوال وذلك لا يتغير وهوآية عجيبة، والسماء والأرض ثابتان لا يتغيرأن، ثم يرى فى بعض الأحوال أمطار هاطلة وبروق هائلة، والسماء كما كانت والأرض كذلك، فهو آية دالة على فاعل مختار يديم أمراً مع تغير المحل وبزيل أمراً مع ثبات المحل . ﴿ المسألة الثالثة) كما قدم السماء على الأرض قدم ماهو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والاحياء . ﴿ المسألة الرابعة﴾ كما أن فى إنزال المطر وإنبات الشجر منافع، كذلك فى تقدم البرق والرعد على المطر منفعة، وذلك لان البرق إذا لاح، فالذى لا يكون تحت كن يخاف الابتلال ١١٥ قوله تعالى: ومن آياته أن تقوم السماء والأرض . سورة الروم . وَمِنْءَايَئِهِ أَن تَقُومَ اَلَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِثُمَّ إِذَا دَعَكُرْ دَعْوَةً مِّنَ اْلْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( ٢٥ فيستعد له ، والذى له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء أو زرع يسوى مجارى الماء، وأيضاً • العرب من أهل البوادى فلا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب، واعلم أن فوائد البرق وإن لم تظهر للقيمين بالبلاد فهى ظاهرة للبادين ولهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة، وآية ، وأما كونه آية فظاهر فان فى السحاب ليس إلا ما. وهواء وخروج النار منها بحيث تحرق الجبال فى غاية البعد فلا بد له من خالق هو اللّه، قالت الفلاسفة السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء. فالهواء ألطف منه والماء أكثف فاذا هبت ريح قوية نخرق السحاب بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار كمساس جسم جسما بعنف ، وهذا كما أن النار تخرج من وقوع الحجر على الحديد فان قال قائل الحجر والحديد جسمان صلبان والسحاب والريح جسمان رطبان، فيقولون لكن حركة يد الانسان ضعيفة وحركة الريح قوية تقلع الأشجار ، فنقول لهم البرق والرعد أمران حادثان لا بد لهما من سبب، وقد علم بالبرهان كون كل حادث من اللّه فهما من ابته، ثم إنا نقول هب أن الأمر كما تقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة لا بد له من سبب ويتتهى إلى واجب الوجود، فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما فرضتم ذلك. المسألة الخامسة﴾ قال ههنا ( لقوم يعقلون ) لما كان حدوث الولد من الوالد أمراً عادياً مطرداً قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة ، لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف، لكن البرق والمطر ليس أمراً مطرداً غير متخلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفى وقت دون وقت وتارة تكون قوية وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر فى العقل دلالة على الفاعل المختار ، فقال هو آية لمن له عقل إن لم يتفكرتفكراً تاماً. ثم قال تعالى: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون لما ذكر من العوارض التى السماء والأرض بعضها، ذكر من لوازمها البعض وهى قيامها ، فان الأرض لثقلها يتعجب الانسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد، وهذا من اللوازم، فان الأرض لا تخرج عن مكانها الذى هى فيه والسماء كذلك لا تخرج عن مكانها الذى هى فيه فان قيل إنها تتحرك فى مكانها كالرحى ولكن اتفق العقلاء على أنها فى مكانها لا تخرج عنه، وهذه آية ظاهرة لأن كونهما فى الموضع الذى هما فيه وعلى الموضع ١١٦ قوله تعانى : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض . سورة الروم . الذى هما عليه من الأمور الممكنة ، وكونهما فى غير ذلك الموضع جائز، فكان يمكن أن يخرجا منه فلما لم يخرجا كان ذلك ترجيحاً للجائز على غيره، وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار، والفلاسفة قالوا كون الأرض فى المكان الذى هى فيه طبيعى عا لا + لعل الأشياء والثقيل يطلب المركز والخفيف يطلب المحيط والسماء كونها فى مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها فقيامهما فيهما بطبعهما ، فنقول قد تقدم مراراً أن القول بالطبيعة باطل ، والذى نزيدهههنا أنكم وافقتمونا بأن ماجاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر ، لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه فى الطبع فيجوز حصول مقعره فى موضع محمدبه، وذلك بالخروج والزوال فاذن الزوال عن المكان ممكن لاسيما على السماء الدنيا فانها محددة الجهات على مذهبكم أيضاً والأرض كانت تجوز عليها الحركة الدورية ، كما تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار وفى الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ ذكر الله من كل باب أمرين، أما من الأنفس فقوله ( خلق لكم) استدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض فى قوله ( خلق السموات والأرض) ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارضه المنام والابتغاء ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض، لأن الواحد يكفي للاقرار بالحق. ( والثانى) يفيد الاستقرار بالحق، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين فان قول أحدهما يفيد الظن وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال ابراهيم عليه السلام ( بلى ولكن ليطمئن قلبى). ﴿ المسألة الثانية) قوله (بأمره) أى بقوله (قوما) أو بارادته قيامهما، وذلك لأن الأمر عند المعتزلة موافق الارادة ، وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع فى الأمر الذى للتكليف لا فى الأمر الذى للتكوين، فانا لا ننازعهم فى أن قوله ( كن) وكونوا ( ويانار كونى) موافق للإرادة. المسألة الثالثة﴾ قال ههنا ( ومن آياته أن تقوم) وقال قبله ( ومن آياته يريكم) ولم يقل أن يريكم، وإن قال بعض المفسرين إن أن مضمرة هناك معناه من آياته (أن يريكم) ليصير كالمصدر بأن، وذلك لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل وجعله مصدراً، لان المستقبل ينى. عن التجدد ، وفى البرق لما كان ذلك من الأمور التى تتجدد فى زمان دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه شيئاً من الحروف المصدرية. ﴿ المسألة الرابعة﴾ ذكر ستة دلائل، وذكر فى أربعة منها إن فى ذلك لآيات، ولم يذكر فى الأول وهو قوله ( ومن آياته أن خلقكم من تراب) ولا فى الآخر وهو قوله ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض) أما فى الأول فلأن قوله بعده ( ومن آياته أن خلق لكم) أيضاً دليل الأنفس ، فلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد ، على ما بينا ، غير أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير بالتكرير ، فإذا قال ( إن فى ذلك لآيات) كان عائداً اليهما، وأما فى قيام السماء والأرض فنقول فى الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون لظهورها ١١٧ قوله تعالى : وله من في السموات والأرض . سورة الروم . وَلَهُوَ مَنْ فِ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ كُ لَّهُ قَنِئُونَ (﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَوُاْخَلْقَ ثُمَّ ◌ُعِدُ وَهُوَأَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْعَثَلُ الْأَعْلَ فِ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ® فلما كان فى أول الأمر ظاهراً ففى آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر، فلم يميز أحداً عن أحد فى ذلك، وذكر ماهو مدلوله وهو قدرته على الاعادة، وقال (ثم إذا دعا كم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) وفيها مسائل : المسألة الأولى ﴾ ماوجه العطف يتم، وبم تعلق ثم؟ فنقول معناه والله أعلم إنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ويعلمكم أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء. ﴿ المسألة الثانية) قول القائل دعا فلان فلانا من الجبل يحتمل أن يكون الدعاء من الجبل كما يقول القائل يافلان إصعد إلى الجبل ، فيقال دعاه من الجبل ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول القائل يافلان انزل من الجبل ، فيقال دعاه من الجبل ، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعى هو الله، فالمدعو يدعى من الأرض يعنى أنتم تكونون فى الأرض فيدعو كم منها فتخرجون . المسألة الثالثة) قوله تعالى (إذا أنتم) قد بينا أنه للمفاجأة يعنى يكون ذلك بكن فيكون. المسألة الرابعة﴾ قال ههنا إذا أنتم تخرجون، وقال فى خلق الانسان أولا (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) فنقول هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلا للحياة فينفخ فيه روحه، فاذا هو بشر، وأما فى الاعادة لا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج، فلم يقل ههنا ثم. ثم قال تعالى : ﴿ وله من فى السموات والأرض كل له قانتون ، وهو الذى يبدو الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ . لما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر التى هى الأصل الآخر، والوحدانية التى هى الأصل الأول، أشار اليها بقوله ( وله من فى السموات والأرض) يعنى لاشريك له أصلا لأن كل من فى السموات وكل من فى الأرض، ونفس السموات والأرض له وملكه، فكل له منقادون قانتون ، والشريك يكون منازعا مماثلا ، فلا شريك له أصلاثم ذكر المدلول الآخر ، فقال تعالى ( وهو الذى يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أى فى نظر كم الاعادة أهون من الابداء ١١٨ قوله تعالى : وله المثل الأعلى . سورة الروم . لأن من يفعل فعلا أولا يصعب عليه ، ثم إذا فعل بعد ذلك مثله يكون أهون، وقيل المراد هوهين عليه كما قيل فى قول القائل الله أكبرأى كبير، وقيل المراد هو أهون عليه أى الاعادة أهون على الخالق من الابداء لأن فى البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحماً ثم عظماً ثم يخلق بشراً ثم يخرج طفلا يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله، وأما فى الاعادة فيخرج بشراً سوياً بكن فيكون أهون عليه، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن فى البدء خلقٍ الأجزاء وتأليفها والاعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة، ولنبين هذا فنقول إلهين هو مالا يتعب فيه الفاعل، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى ، فإذا قال قائل إن الرجل القوى لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك ، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاماً معقولا مبق على حقيقته. ثم قال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ أى قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران (أحدهما) هو ما يكون فى الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل (والآخر) هو ما ذكرنا من الأولوية من غير لزوم تعب فى الآخر فقوله ( وله المثل الأعلى) إشارة إلى أن كونه أهون بالمعنى الثانى لا يفهم منه الأول وههنا فائدة ذكرها صاحب الكشاف وهى أن الله تعالى قال فى موضع آخر (هو على هين) وقال ههنا وهو أهون عليه فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا ، وذلك لأن المعنى الذى قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على غيره وليس بهين إلا عليه فقال (هو على هين) يعنى لاعلى غيرى ، وأما ههنا المعنى الذى ذكر أنه أهون هو الاعادة والاعادة على كل مبدئ أهون فقال وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر، فالتقديم هناك كان للحصر ، وقوله تعالى (وله المثل الأعلى فى السموات والأرض) على الوجه الأول وهو قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى الوجه الذى ذكرناه له معنى أما على الوجه الأول فلما قال ( وله المثل الأعلى) وكان ذلك مثلا مضروباً لمن فى الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال ( وله المثل الأعلى فى السموات والأرض) يعنى هذا مثل مضروب لكم ( وله المثل الأعلى) من هذا المثل ومن كل مثل يضرب فى السموات، وأما على الوجه الثانى فمعناه أن له المثل الأعلى أى فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به، لكن ذاته ليس كمثله شىء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما . وقيل المثل الأعلى أى الصفة العليا وهى لا إله إلا الله، وقوله تعالى (وهو العزيز الحكيم) أى كامل القدرة على الممكنات، شامل العلم بجميع الموجودات، فيعلم الأحزاء فى الأمكنة ويقدر على جمعها وتأليفها. ١١٩ قوله تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم . سورة الروم . ضَرَبَ لَكُ مَّثَلَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِنِ مَّ مَلَكَتْ أَبْتُ مِّنْ شُرَكَآءَ فِىِ مَارَزَقَكُمْ فَأَنتُمْ فِهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ تَلِفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَلِكَ نُفِّصِّلُ اْلَيَتِ ◌ِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢٨ ثم قال تعالى: ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقنا كم فأنتم فيه سواء تخافونهم كيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون لما بين الاعادة والقدرة عليها بالمثل بعد الدليلين بين الواحدانية أيضاً بالمثل بعد الدليل، ومعناه أن يكون له مملوك لا يكون شريكا له فى ماله ولا يكون له حرمة مثل حرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله تعالى حتى يعبدوا ، وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى ﴾ ينبغى أن يكون بين المثل والممثل به مشابهة ما، ثم إن كان بينهما مخالفة فقد يكون مؤكدا لمعنى المثل وقد يكون موهنا له وههنا وجه المشابهة معلوم، وأما المخالفة فوجودة أيضاً وهى مؤكدة وذلك من وجوه ( أحدها) قوله (من أنفسكم) يعنى ضرب لكم مثلامن أنفسكم مع حقارتها ونقصانها وعجزها ، وقاس نفسه عليكم مع عظمها وكمالها وقدرتها (وثانيها) قوله (بما ملكت أيمانكم) يعنى عبد كم لكم عليهم ملك اليد وهو طار [ى.] قابل للنقل والزوال ، أما النقل فبالبيع وغيره والزوال بالعتق ويملوك الله لاخروج له من ملك الله بوجه من الوجوه، فاذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكا لكم مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه ، بل هو فى الحال مثلكم فى الآدمية حتى أنكم ليس لكم تصرف فى روحه وآدميته بقتل وقطع وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة ، فكيف يجوز أن يكون ملوك الله الذى هو مملوكه من جميع الوجوه شريكا له ( وثالثها) قوله ( من شركاء فيما رزقنا كم) يعنى الذى لكم هو فى الحقيقة ليس لكم بل هو من الله ومن رزقه والذى من اللّه فهو فى الحقيقة له فاذا لم يجز أن يكون لكم شريك فى مالكم من حيث الاسم، فكيف يجوز أن يكون له شريك فيما له من حيث الحقيقة وقوله (فأنتم فيه سواء) أى هل أنتم وبماليككم فى شىء بما تملكون سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك فى شىء بما يملكه، لكن كل شىء فهو لله فما تدعون إلهيته لا يملك شيئاً أصلا ولا مثقال ذرة من خردل فلا یعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إلیکم منه، وأما قولكم هؤلاء شفعاؤنا فليس كذلك، لأن المملوك هل له عندكم حرمة كرمة الأحرار وإذا لم يكن لللوك مع مساواته إياكم فى الحقيقة والصفة عندكم حرمة، فكيف يكون حال الماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من ١٢٠ قوله تعالى : بل اتبع الذين ظلموا . سورة الروم . بَلٍ أََّعَ الَّذِينَ ظَلُواْ أَهْوَآءُهُم ◌ِغَيْرِ عِلٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الَهُ وَمَالَهُم مِّنْ تَّصِرِينَ ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِيْنِ حَنِيفًا فِظْرَتَ اللهِالَّتِى فَطَرَ النَّسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِذَ لِكَ الذِينُ الْقَِمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ الوجوه وإلى هذا أشار بقوله ( تخافونهم كيفتكم أنفسكم). ﴿ المسألة الثانية﴾ بهذا نفى جميع وجوه حسن العبادة عن الغير لأن الأغيار إذا لم يصلحوا للشركة فليس لهم ملك ولا ملك ، فلا عظمة لهم حتى يعبدوا لعظمتهم ولا يرتجى منهم منفعة لعدم ملكهم حتى يعبدوا لنفع وليس لهم قوة وقدرة لأنهم عبيد والعبد المملوك لا يقدر على شيء فلا تخافوهم كما تخافون أنفسكم، فكيف تخافونهم خوفاً أكثر من خوفكم بعضاً من بعض حتى تعبدوهم للخوف . ثم قال تعالى ( كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) أى نبينها بالدلائل والبراهين القطعية والأمثلة والمحاكيات الاقناعية لقوم يعقلون ، يعنى لا يخفى الأمر بعد ذلك إلا على من لا يكون له عقل . ثم قال تعالى: ﴿بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله ومالهم من ناصرين} أى لا يجوز أن يشرك بالمالك مملوكه ولكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم من غير علم وأثبتوا شركاء من غير دليل ، ثم بين أن ذلك بإرادة الله بقوله (فمن يهدى من أضل الله) أى هؤلاء أضلهم الله فلا هادى لهم، فينبغى أن لا يحزنك قولهم، وههنا لطيفة وهى أن قوله(فمن يهدى من أضل الله) مقو لما تقدم وذلك لأنه لما قال لأن الله لاشريك له بوجه ما ثم قال تعالى بل المشركون يشركون من غير علم ، يقال فيه أنت أثبث لهم تصرفاً على خلاف رضاه والسيد العزيز هو الذى لا يقدر عبده على تصرف يخالف رضاه ، فقال إن ذلك ليس باستقلاله بل بإرادة الله وما لهم من ناصرين، لما تركوا الله تركهم الله ومن أخذوه لا يغنى عنهم شيئاً فلا ناصر لهم. ثم قال تعالى: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللّه التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ أى إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية ولم يهتد المشرك فلا تلتفت أنت إليهم وأقم وجهك الدين، وقوله (فأقم وجهك للدين) أى أقبل بكلك على الدين عبر عن الذات بالوجه كما قال تعالى (كل شىء هالك إلا وجهه) أى ذاته بصفاته، وقوله ( حنيفاً) أى ماثلا عن كل ما عداه أى أقبل على الدين ومل عن كل شىء أى لا يكون فى قلبك شيء آخر فتعود إليه، وهذا قريب من معنى قوله (ولا تكونوا من المشركين) ثم قال الله تعالى (فطرت الله) أى ألزم فطرة الله وهى التوحيد