Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الرَّازى
الشَّهُ بالتّغِير الكبير ومَفَتَحِ الغَّه
للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلامه ضياءالدين عمر
الشّهر بخطِ الرَى نَفْعَ اللّهباليمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
دار الفكر
للطبَّاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

-
۔
3
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
٠
صحية
+
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي
جــ

٣
قوله تعالى : انك لا تهدي من أحببت . سورة القصص .
الجزء
بِسْـ
/ ٠٠/٠٤٠
إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْذِى مَن يَشَّآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
وَقَالُواْ إِن نََّبِعِ الْمُدَى مَعَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِّنِ نَّهُمْ حَمًا
٥٦
ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (َ)
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى : ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا
إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أولم يمكن لهم حرماً أمناً يجبى اليه ثمرات كل شىء رزقاً
من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون
اعلم أن فى قوله تعالى ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدى من يشاء) مسائل:
المسألة الأولى ﴾ هذه الآية لا دلالة فى ظاهرها على كفر أبى طالب ثم قال الزجاج: أجمع
المسلمون على أنها نزلت فى أبى طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يامعشر بنى عبد مناف
أطيعوا محمداً وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال عليه السلام ((ياعم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها
لنفسك! قال فما تريد يا ابن أخى؟ قال أريد منك كلمة واحدة، فانك فى آخر يوم من أيام الدنيا أن
تقول لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند اللّه تعالى، قال يا أخى قد علمت أنك صادق ولكنى أكره أن
يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بنى أبيك غضاضة ومسبة بعدى لقلتها ولأقررت
بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك ، ولكنى سوف أموت على ملة الأشياخ
عبد المطلب وهاشم وعبد مناف )).
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى قال فى هذه الآية (إنك لا تهدي من أحببت) وقال فى آية
أخرى ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) ولا تنافى بينهما فان الذى أثبته وأضافه إليه الدعوة
والبيان والذى نفى عنه هداية التوفيق، وشرح الصدر وهو نور يقذف فى القلب فيحيا به القلب
كما قال سبحانه ( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً) الآية .
﴿ المسألة الثالثة) احتج الأصحاب بهذه الآية فى مسألة الهدى والضلال، فقالوا قوله ( إنك
لاتهدى من أحببت ولكن اللّه يهدى من يشاء) يقتضى أن تكون الهداية فى الموضعين بمعنى واحد
لأنه لو كان المراد من الهداية فى قوله (إنك لا تهدي) شيئاً وفى قوله (ولكن الله يهدى من يشاء)
شيئاً آخر لاختل النظم ، ثم إماأن يكون المرادمن الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف

٤
قوله تعالى : وهو اعلم بالمهتدين . سورة القصص .
النِنْشرون
طريق الجنة أو خلق المعرفة فى القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة فى القلوب لا على سبيل
الإلجاء لاجائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهى غير الهداية
التى نفى اللّه عمومها، وكذا القول فى الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق
الجنة فهى أيضاً غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة
غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقاً على المشيئة فمن وجب
عليه أداء عشرة دنانير ، لا يجوز أن يقول إنى أعطى عشرة دنانير إن شئت ، وأما المداية بمعنى
الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى فى حق المكلف وفعل القبيح مستلزم
للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه
فى المشبئة، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى بخص البعض بخلق الهداية والمعرفة
ويمنع البعض منها ، ولا يسأل عما يفعل ، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده
القاضى عذراً عن ذلك.
أما قوله (وهو أعلم بالمهتدين) فالمعنى أنه المختص يعلم الغيب فيعلم من يهتدى بعد ومن لايهندى،
ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة . وبين أن وضوح الدلائل
لا يكفى ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهى قولهم
( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) قال المبرد: الخطف . الانتزاع بسرعة، روى أن
الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول اللّه ويقي: إنا لنعلم أن الذى تقوله حق، ولكن
يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا، أى يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا، فأجاب الله
سبحانه وتعالى عنها من وجوه (الأول) قوله (أو لم يمكن لهم حرماً آمنا) أى أعطيناكم مسكناً
لا خوف لكم فيه، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون البتة لسكانه،
فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون البتة
لسكان الحرم، أو لقوله تعالى ( ومن دخله كان آمناً ) أما قوله ( يجبى إليه ثمرات كل شىء ) فهو
تعالى كما بين كون ذلك الموضع خالياً عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه، ومعنى (يجى)
يجمع من قولهم : جبيت الماء فى الحوض إذا جمعته، قرأ أهل المدينة تجمى بالتاء، وأهل الكوفة،
وأبو عمرو بالياء، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقى، فيجوز تأنيثه على
اللفظ وتذكيره على المعنى، ومعنى الكلية الكثرة كقوله ( وأوتيت من كل شىء) وحاصل
(الجواب) أنه تعالى لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله
تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى، قال القاضى: ولو أن
الرسول قال لهم إن الذى ذكرتم من التخطف لو كان حقاً لم يكن عذراً لكم فى أن لا تؤمنوا وقد
ظهرت الحجة لانقطعوا، أو قال لهم إن تخطفهم لكم بالقتل وغيره، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو

٥
قوله تعالى : وكم أهلكنا من قرية . سورة القصص .
وَكَرْ أَهْلَمْا مِنْ قَرْيَةٍ، بَطِرَتْ مَعِينَهَا قَتِلْكَ مَسَلَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ
إلَّا قَلِيلًا وَكُتَحْنُ الَّْرِينَ ﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْغُرَى خَّى يَبْعَثَ فِىَ أَمِهَا
رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَمَا كُّ مُهْلِكِى الْقُرَىَ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ
تفع عائد عليكم لانقطعوا أيضاً ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف فى جنب العقاب الدائم الذى
أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم
فى أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لايجرى إن آمنوا ، ومثل ذلك
إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه الله تعالى، والآية دالة على صحة
الحجاج الذى يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين ، بقى ههنا بحثان:
﴿الأول) قال صاحب الكشاف فى انتصاب رزقاً إن جعلته مصدراً جاز أن يفتصب بمعنى
ما قبله، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شىء، ويرزق نمرات كل شىء واحد، وأن يكون مفعولا
له ، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة ، كما ينتصب عن النكرة
المتخصصة بالصفة .
﴿ الثانى) احتج الأصحاب بقوله ( رزقاً من لدنا) فى أن فعل العبد خلق الله تعالى، وبيانه أن
تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقاً
اللّه تعالى لما صحت تلك الإضافة، فان قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذى ألقى تلك الدواعى
فى قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعى إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا فى
غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، وإن لم يحصل
الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ماوصلت إليهم إلا
من الله تعالى، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحداً سوى الله تعالى ولا
يرجون أحداً غير الله تعالى، فيبقى نظرهم منقطناً عن الخلق متعلقاً بالخالق ، وذلك يوجب كمال
الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تكن من بعدهم إلا قليلا
وكنا نحن الوارثين، وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما
كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون
﴾.

٦
قوله تعالى : وما أوتيتم من شيء . سورة القصص .
وَمَا أُوتِيتُ مِنِ شَىْءٍ نَعُ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَ وَزِيَتُهَا وَمَا عِنَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَ
ج
أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنَّا فَهُوَ لَقِهِ كَ مَّتَّعْنَهُ مَتَعَ الْخَيَزِةِ
اعلم أن هذا هو (الجواب الثانى) عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ماخصوا
به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا فى نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل
أزال الله عنهم تلك النعم، والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لانؤمن خوفاً من زوال نعمة الدنيا،
فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذى يزيل هذه النعم ، لا الإقدام على
الإيمان ، قال صاحب الكشاف: البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق اللّه تعالى فيه،
وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله ( واختار موسى قومه) أو بتقدير
حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت .
فأما قوله ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) ففى هذا الاستثناء وجوه (أحدها)
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة (وثانيها) يحتمل
أن شؤم معاصى المهلكين بقى أثره فى ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا
وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها، وإذا لم يبق للشىء مالك معين قيل إنه ميراث اللّه لأنه
الباقى بعد فناء خلقه ، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها، فكأن سائلا أورد
السؤال من وجهين (الأول) لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد مر يتم مع أنهم كانوا مستغرقين فى
الكفر والعناد؟ (الثانى) لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد مر لاقى مع تمادى القوم فى الكفر بالله تعالى
والتكذيب بمحمد برقم؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث
فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا) وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجرى مجرى
العذر للقوم، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة، ثم ذكر المفسرون وجهين (أحدهما)
(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا) أى فى القرية التى هى أمها وأصلها وقصبتها
التى هى أعمالها وتوابعها رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة ( الثانى) وما كان ربك مهلك القرى
التى فى الأرض حتى يبعث فى أم القرى يعنى مكة رسولا وهو محمد بد ◌ّ خاتم الأنبياء، ومعنى ( يتلو
عليهم آياتنا) يؤدى ويبلغ، وأجاب عن السؤال الثانى بقوله ( وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها
ظالمون) أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فان بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم
أنهم سيؤمنون وبعض آخرون على اللّه أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً
قوله تعالى: ﴿ وما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا

٧
قوله تعالى : افمن وعدناه وعداً حسناً . سورة القصص .
الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
قَالَ الَّذِينَ حَّ
وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَوِىَ الَّذِينَ كُمْ تَعُمُونَ ﴾
تعقلون، أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من
المحضرين ﴾ .
أعلم أن هذا هو (الجواب الثالث ) عن تلك الشبهة لأن حاصل شهتهم أن قالوا تركنا الدين
لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى، أما أنه خير فلوجهين
(أحدهما ) أن المنافع هناك أعظم (وثانيهما) أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة
بالمضار بل المضار فيها أكثر، وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى
قوبل المتناهى بغير المتناهى كان عدماً فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة
بالقياس إلى البحر ، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لانسبة لها إلى منافع الآخرة البتة فكان من
الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال (أفلا تعقلون)
يعنى أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل، ورحم الله
الشافعى حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله
تعالى، لأن أعقل الناس من أعلى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة . فكأنه رحمه
اللّه إنما أخذه من هذه الآية، ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا
أن نعم الله كانت تنتهى إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل
يقتضى ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا فكيف إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأى عقل
يرتاب فى أن نعم الآخرة راجحة عليها، وهذا هو المراد بقوله ( أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو
لاقيه) فهو يكون كمن أعطاه الله قدراً قليلا من متاع الدنيا ثم يكون فى الآخرة من المحضرين
للعذاب، والمقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين الدنيا فقال الله لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة
العقاب لكان العقل يقتضى ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا ، فكيف وهذه الدنيا يحصل
بعدها العقاب الدائم، وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ فى الاعتراف بالترجيح
وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال تعالى ( لكنت من
المحضرين، فانهم لمحضرون) وفى لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام ، وذلك
لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر والمكاره .
قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركاتى الذين كنتم تزعمون، قال الذين حق عليهم الفول
ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون، وقيل ادعوا

٨
قوله تعالى : وقيل ادعوا شركاء كم فدعوهم : سورة القصص .
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِالَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبْرَ أْنَآَ إِلَيْكَّ مَا كَانُوّاً
إِيَّنَا يَعْبُونَ () وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَكُرْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأْوَأَ
الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوْيَهْتَدُونَ (8﴾ وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسِلِينَ
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمُ لَا يَتَسَآءَلُونَ
٦٥
شركاء كم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانو يهتدون، ويوم يناديهم فيقول
ماذا أجبتم المرسلين. فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون
أعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر فى هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء
(أحدها) قوله ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذبن كنتم تزعمون) لما ثبت أن الكفار
يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم
أين ما كنتم تعبدونه وتجعلونه شريكا فى العبادة وتزعمون أنه يشفع؟ أين هو لينصر كم ويخلصكم
من هذا الذى نزل بكم. ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول، والمراد من القول هو قوله
(لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) ومعنى حق عليه القول أى حق عليه مقتضاه ، واختلفوا
فى أن الذين حق عليهم هذا القول من هم؟ فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال ، وقال بعضهم
الشياطين قوله ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا ) هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى
الموصوف محذوف وأغويناهم الخير والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغروا غياً
مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيار هم يعنى أن إغواءنا لهم ما ألجأهم إلى
الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال، وهذا معنى ما حكاه اللّه عن الشيطان
أنه قال ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم
فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم) وقال تعالى لإبليس ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان
إلا من اتبعك من الغاوين) فقوله ( إلا من اتبعك) يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم
لامن قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك، ثم قال تبر أنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانوا إيانا
يعبدون . إنما كانوا يعبدون أهواءهم، والحاصل أنهم يتبرمون منهم كما قال تعالى (إذ تبرأ الذين
اتبعوا من الذين اتبعوا ) وأيضاً فلا يمتنع فى قوله تعالى (أين شركائى) أن يريد به هؤلاء الرؤساء
والشياطين فانهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزله الشريك لله تعالى، وإذا حمل
الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ماعبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة

٩
قوله تعالى : ويوم يناديهم فيقول اين شركائي. سورة القصص .
(وثانيها) قوله تعالى (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) والأقرب أن هذا على
سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة فى دعائهم لهم، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة
فى النصرة وأن العذاب ثابت فيهم ، وكل ذلك على وجه التوبيخ، وفی ذکره زرع وزجر فى دار
الدنيا ، فأما قوله تعالى (لو أنهم كانوا يهتدون) فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف
وذكروا فيه وجوهاً (أحدها ) قال الضحاك ومقاتل يعنى المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم
كانوا يهتدون فى الدنيا ما أبصروه فى الآخرة (وثانيها) لو أنهم كانوا مهتدين فى الدنيا لعلموا أن
العذاب حق ( وثالثها) ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا فى الدنيا يهتدون ( ورابعها ) لو كانوا
يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب (وخامسها) قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا
يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى (لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم) وعندى
أن الجواب غير محذوف وفى تقريره وجوه (أحدها) أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله (ادعواشركاءكم)
فهنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شىء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً فقال
تعالى (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون) شيئاً أما لما صاروامن شدة الخوف بحيث لا يبصرون
شيئاً لاجرم مارأوا العذاب (وثانيها) أنه تعالى لماذكر عن الشركاء وهى الأصنام أنهم لا يجيبون
الذين دعوهم قال فى حقهم (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون) أى هذه الأصنام كانوا يشاهدون
العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلاجرم مارأت العذاب فان قيل قوله
(ورأواالعذاب) ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام؟ قلنا هذا كقوله (فدعوهم
فلم يستجيبوا لهم) وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا ههنا (وثالثها) أن يكون المراد من
الرؤية رؤية القلب أى والكفار علموا حقية هذا العذاب فى الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه
عندى خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فان ذلك يقتضى تفكيك النظم من الآية
(الأمر الثالث ) من الأمور التى يسأل الله الكفار عنها قوله ( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم
المرسلين ، فعميت عليهم الأنباء) أى فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدى اليهم فهم لا يتساءلون
لا يسأل بعضهم بعضاً كما يتساءل الناس فى المشكلات لأنهم يتساوون جميعاً فى عمى الأنباء عليهم
والعجزعن الجواب ، وقرىء فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون فى الجواب عن مثل
هذا السؤال، ويفوضون الأمر إلى علم الله تعالى وذلك قوله تعالى ( يوم يجمع التّه الرسل فيقول
ماذا أجبتم، قالوا لاعلم لنا إنك أنت علام الغيوب ) فما ظنك بهؤلاء الضلال ، قال القاضى هذه
الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقاً من اللّه تعالى ويحب وقوعه بالقدرة
والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنما أتينا فى تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا
تكذيهم والقدرة الموجبة لذلك، فكانت حجتهم على اللّه تعالى ظاهرة وكذلك القول فيما تقدم
لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك فى الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك

١٠
قوله تعالى : فأما من تاب وآمن . سورة القصص .
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِمِينَ يچٌ وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَحْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْخِيرَةٌ سُبْحَانَ اللّهِ وَعَدَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (﴾
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿﴾ وَهُوَ اللهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ هَوَلَهُ
الحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فتكون الحجة لهم فى ذلك قوية والعذر ظاهراً ( والجواب ) أن القاضى لا يترك آية من الآيات
المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب إلا ويعيد استدلاله بها، وكما أن وجه استدلاله فى الكل
هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد وهو أن علم اللّه تعالى بعدم الإيمان مع وقوع
الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الايمان إذا أمر بادخال الإيمان فى الوجود فقد أمر
بالجمع بين الضدين، والذى اعتمد القاضى عليه فى دفع هذا الحرف فى كتبه الكلامية قوله خطأ
هول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر
هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت ، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً
فثبت أن الإشكال مشترك والله أعلم
قوله تعالى: ﴿فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين، وربك يخلق مايشاء
ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون،
وهو الله لا إله إلا هو له الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون
اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجرى عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من
يتوب منهم فى الدنيا ترغيباً فى التوبة وزجرا عن الثبات على الكفر فقال (فأما من تاب وآمن
وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين) وفى عسى وجوه: (أحدها ) أنه من الكرام تحقيق
والله أكرم الأكرمين (وثانيها) أن يراد ترجى التائب وطمعه كأنه قال فليطمع فى الفلاح (وثالثها)
عسى أن يكونوا كذلك إن داءوا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا، وأعلم أن القوم
كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) يعنون
الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي، فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( وربك يخلق ما يشاء ويختار)
والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض
عليه البتة، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق على أنه كل ما فعله كان حكمة وصواباً فليس
لأحد أن يعترض عليه وقوله ( ما كان لهم الخيرة) والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر

١
١١
قوله تعالى : له الحمد في الاولى والآخرة . سورة القصص .
والخيرة أيضاً اسم للمختار يقال محمد خيرة الله فى خلقه إذا عرفت هذا فنقول فى الآية وجهان:
(الأول) وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله ( ويختار) ويكون ما نفياً، والمعنى
(وربك يخلق ما يشاء ويختار) ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل ( والثانى)
أن يكون ما بمعنى الذى فيكون الوقف عند قوله ( وربك يخلق ما يشاء) ثم يقول ( ويختار)
ما كان لهم الخيرة ، قال أبو القاسم الإنصارى وهذا متعلق المعتزله فى إيجاب الصلاح والأصلح عليه،
وأى صلاح فى تكليف من علم أنه لا يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله ،
فان قيل لما كلفه استوجب على الله ماهو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتعضلى به قلنا إذا علم
قطعاً إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه فى العقاب الأبدى لا يكون رعاية للمصلحة ، ثم قولهم
المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل فى حق من يستنكف من تفضله ،
أما الذى ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله ، ثم
قال (سبحان الله وتعالى عما يشركون) والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والاعزاز والإذلال
مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة
رسول اللّه بِ يّ وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير غيره فى النبوة ، ولما بين علمه بما
هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال (وهو اللّه لا إلا هو) وفيه تنبيه على كونه قادراً على كل
الممكنات ، وعالماً بكل المعلومات ، منزها عن النقصائص والآفات يجازى المحسنين على طاعتهم
ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين، ويحتمل
أيضاً أنه لما بين فساد طريق المشركين من قوله ( يوم يناديهم) فيقول (أين شركاتى) ختم الكلام
فى ذلك باظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به .
أما قوله ( له الحمد فى الأولى والآخرة) فهو ظاهر على قولنا لأن الثواب غير واجب عليه
بل هو سبحانه يعطيه فضلا وإحساناً فله الحمد فى الأولى والآخرة ، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة
(الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، الحمد لله الذى صدقنا وعده، وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين)
أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة ، وأما أهل النار فما أنعم
عليهم حتى يستحق الحمد منهم ، قال القاضى إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار أيضاً بما فعله
بهم فى الدنيا من التمكين والتيسير والالطاف وسائر النعم، لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله
عليهم من أن يوجب الشكر ، وهذا فيه نظر. لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فاذا علموا
بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على اللّه قبولها وعلموا بالضرورة أن الإشتغال بالشكر
الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن ذلك مما يخلصهم عن
العذاب ويدخلهم فى استحقاق الثواب أفترى أن الانسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه
التوبة؟ كلا ، بل لا بد أن يتوبوا وأن يشتغلوا بالشكر ، ومتى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب .

١٢
قوله تعالى : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم . سورة القصص .
قُلْ أَرَةَ يُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِّكُمْبِضِيَاءٍ أَقَلَا ◌َّْمَعُونَ رَبَّلِ قُلْ أَةً يُمْ إِن جَعَلَ الَهُ عَيْكُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى
يَوْمِالْقِيَّئَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيُّ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَقَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ وَمِنْ
زَّهَتَّهِ جَعَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٧٣
أما قوله ( وله الحکم) فهو إما فى الدنیا أو فى الآخرة فأما فى الدنیا فکم کل أحد سواه إنما
نفذ بحكمه، فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده ولا على الزوجة حكم زوجها ولا على الابن
حكم أبيه ولا على الرعية حكم سلطانهم ولا على الأمة حكم الرسول ، فهو الحاكم فى الحقيقة ، وأما
فى الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم، لأنه الذى يتولى الحكم بين العباد فى الآخرة، فينتصف
للمظلومين من الظالمين .
أما قوله (وإليه ترجعون) فالمعنى وإلى محل حكمه وقضائه ترجعون ، فإن كلمة إلى لانتهاء الغاية
وهو تعالى منزه من المكان والجهة .
قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم
بضياء أفلا تسمعون ، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله
يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا
من فضله ولعلكم تشكرون ﴾
أعلم أنه تعالى لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الاجمال بقوله ( وهو الله لا إله إلا
هو له الحمد فى الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن
يحمد عليه مما لا يقدر عليه سواء فقال لرسوله ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرعداً إلى
يوم القيامة) فنبه على أن الوجه فى كون الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على الزمان، لأن المرء فى
الدنيا وفى حال التكليف مدفوع إلى أن يتعب لتحصيل ما يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضو.
النهار، ولأجله يحصل الاجتماع فيمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة والسكون
بالليل فلا بد منهما والحالة هذه ، فأما فى الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجه بهم إلى الليل لذلك.
يدوم لهم الضياء واللذات، فبين تعالى أنه لا قادر على ذلك إلا اللّه تعالى، وإنما قال (أفلا تسمعون)!

١٣
قوله تعالى : ويوم يناديهم فيقول أين. سورة القصص .
وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُم ◌ْعُونَ(٨﴾ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ
شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَتَكُمْ فَعَلُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلِّ وَضَلَّ عَنْهُمُ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
ـوم
٧٥
( أفلا تبصرون) لأن الغرض من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر فلما لم
ينتفعوا نزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر قال الكلى قوله ( أفلا تسمعون ) معناه أفلا تطيعون
من يفعل ذلك وقوله ( أفلا تبصرون ) معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال ، قال
صاحب الكشاف السرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة، ومنه قولهم فى الأشهر الحرم
ثلاثة سرد وواحد فرد، فإن قيل هلا قال : بنهار تتصر فون فيه، كما قيل : بلین تسكنون فيه؟ قلنا
ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التى تتعلق به متكاثرة ليس التصرف فى المعاش وحده
والظلام ليس بتلك المنزلة، وإنما قرن بالضياء أفلا تسمعون، لأن السمع يدرك مالا يدركه البصر
من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل أفلا تبصرون لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام
ما تبصره أنت من السكون ونحوه ، ومن رحمته زاوج بين الليل والهار لأغراض ثلاثة لتسكنوا فى
أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضله فى الآخر وهو النهار ولأداء الشكر على المنفعتين معاً.
واعلم أنه وإن كان السكون فى النهار ممكناً وابتغاء فصل اللّه بالليل ممكناً إلا أن الأليق بكل
واحد منهما ما ذكره الله تعالى به فلهذا خصه به .
قوله تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون، ونزعنا من كل أمة شهيداً
فقلنا هانوا برهانكم فعلوا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون
اعلم أنه سبحانه لما هجن طريقة المشركين، أولا: ثم ذكر التوحيد ودلائله، ثانياً: عاد إلى
تهجين طريقتهم مرة أخرى وشرح حالهم فى الآخرة فقال (ويوم يناديهم ) أى القيامة فيقول
(أين شركائى الذين كنتم تزعمون) والمعنى أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم، أو أين قولكم تقربنا
إلى اللّه زافى وقد علموا أن لا إله إلا الله فيكون ذلك زائداً فى غمهم إذا خوطبوا بهذا القول.
أما قوله ( ونزعنا من كل أمة شهيداً) فالمراد ميزنا واحداً ليشهد عليهم ، ثم قال بعضهم ثم
الأنبياء يشهدون بأنهم بلغوا القوم الدلائل وبلغوا فى إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم
فيكون ذلك زائداً فى غمهم ، وقال آخرون بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس فى كل زمان
ويدخل فى جملتهم الأنبياء وهذا أقرب لأنه تعالى عم كل أمة وكل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد
فيدخل فيه الأحوال التى لم يوجد فيها النى وهى أزمنة الفترات والأزمنة التى حصلت بعد

١٤
قوله تعالى : إن قارون كان من قوم موسى . سورة القصص .
إِنَّ قَدُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَ اتَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآَ
إِنَّ مَقَائِهُ لَتَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أَوْلِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَنَفْرَّعُ إِنَّ الَّهَلَيْهِبُ
الْفَرِ حِينَ ﴾ وَأَبْتَغِمَآءَاتَنْكَ اللّه ◌ُالَّارَ الآخِرَةً وَلَا تَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيّ
وَأَحْسِنِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ إِنَّالَّلَيُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَآَ أَوِتُهُ، عَى عِلْمٍ عِندِىّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الََّقَدْ أَهْلَكَ
مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثُ بَمْعًا وَلَا يُسْعَلُ عَنْ ذُوِمُ
اَلْمُجْرِمُونَ
محمد ير القيمٍ فعلموا حينئذ أن الحق لله ولرسله ( وضل عنهم) غاب عنهم غيبة الشىء الضائع (ما كانوا
يفترون) من الباطل والكذب.
قوله تعالى: ﴿ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه
لننوء بالعصية أولى القوة، إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله
الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض
إن الله لا يحب المفسدين، قال إنما أوتيته على علم عندى أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من
القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾
اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام، وظاهر ذلك يدل
على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضاً حمله على القرابة، قال الكلبى : إنه كان ابن عم موسى
عليه السلام، لأنه كان قارون بن يضهر بن قاهث بن لاوى، وموسى بن عمران بن قاهث بنلاوى
وقال محمد بن اسحق إنه كان عم موسى عليه السلام، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
وقارون بن يصهر بن قاهث . وعن ابن عباس أنه كان ابن خالته ، ثم قيل إنه كان يسمى المنور
لحسن صورته وكان أقرأ بنى إسرائيل للتوراة ، إلا أنه نافق كما نافق السامرى.
أما قوله ( فبغى عليهم ) ففيه وجوه (أحدها) أنه بغى بسبب ماله ، وبغيه أنه استخف بالفقراء
ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله (والثانى) أنه من الظلم، قيل ملكه فرعون على
:

١٥
قوله تعالى : وآتيناه من الكنوز. سورة القصص .
بنى إسرائيل فظلهم ( الثالث ) قال القفال: بغى عليهم ، أى طلب الفضل عليهم وأن يكونوا
تحت يده ( الرابع ) قال الضحاك: طفى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم فى أمر (الخامس ) قال
ابن عباس تجبر وتكبر عليهم وتخط عليهم (السادس) قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم أنه زاد
عليهم فى الثياب شبراً، وهذا يعود إلى التكبر ( السابع ) قال الكلى: بغيه عليهم أنه حد هرون
على الحبورة، يروى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر وأغرق اللّه تعالى فرعون جعل الحبورة
لهرون، فحصلت له النبوة والحبورة وكان صاحب القربان والمذيح ، وكان لموسى الرسالة، فوجد
قارون من ذلك فى نفسه ، فقال ياموسى لك الرسالة، ولهرون الحبورة، ولست فى شىء ولا أصبر
أنا على هذا ، فقال موسى عليه السلام: والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن الله جعله له، فقال
والله لا أصدقك أبداً حتى تأتينى بآية أعرف بها أن الله جعل ذلك لهرون، قال فأمر موسى عليه
السلام رؤساء بنى إسرائيل أن يجىء كل رجل منهم بعصاه، فجاءوا بها ، فألقاها موسى عليه السلام
فى قبة له ، وكان ذلك بأمر الله تعالى، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك، فبانوا يحرسون عصيهم
فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى ياقارون أما ترى
ما صنع اللّه لهرون! فقال والله ما هذا بأعجب ما تصنع من السحر ، فاعتزل قارون ومعه ناس
كثير ، وولى هرون الحبورة والمذبيح والقربان، فكان بنو إسرائيل يأتون بهداياهم إلى هرون
فيضعها فى المذبح وتنزل النار من السماء فتأكلها، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع
من بنى إسرائيل ، فما كان يأتى موسى عليه السلام ولا يجالسه ، وروى أبو أمامة الباهلى عن النبى
مَّ الِّ أنه قال ((كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام اللّه تعالى)).
أما قوله ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة ) ففيه أبحاث :
﴿ الأول) قال الكعبى: ألستم تقولون إن الله لا يعطى الحرام فكيف أضاف الله مال
قارون إلى نفسه بقوله ( وآتيناه)؟ وأجاب بأنه لا حجة فى أنه كان حراماً ، ويجوز أن من تقدمه
من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك، وكان هذا الظفر طريق التملك، أو وصل إليه بالإرث
من جهات، ثم بالتكسب من جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملا .
﴿ البحث الثانى ) المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، وقيل هى الخزائن وقياس
واحدها مفتح بفتح الميم، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة الجماعة الكثيرة
والعصابة مثلها ، فالعشرة عصبة بدليل قوله تعالى فى إخوة يوسف عليه السلام (ونحن عصبة)
وكانوا عشرة لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم .
إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول: ههنا قولان (أحدهما) أن المراد بالمفاتح المفاتيح وهى التى
يفتح بها الباب، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل مفتاح مثل إصبع ، وكان لكل خزانة
مفتاح، وكان إذا ركب قارون حملت المفاتيح على ستين بغلا ، ومن الناس من طعن فى هذا القول

١٦
قوله تعالى: ولاتبغ الفساد في الأرض . سورة القصص .
من وجهين (الأول) أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة ملوءة من الذهب
والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح، فأى حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح (الثانى) أن
الكنوز هى الأموال المدخرة فى الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح (والجواب) عن الأول
أن المال إذا كان من جنس العروض، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ فى الكثرة إلى هذا الحد ،
وأيضاً فهذا الذى يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملا ، ليس مذكوراً فى القرآن فلا تقبل هذه
الرواية، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة، وكان كل واحد منها معيناً لشىء آخر،
فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها. وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد ، وعن
الثانى أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع فى المواضع التى
عليها أغلاق (القول الثانى) وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا
أبين وعن الشبهة أبعد. قال ابن عباس كانت خزائنه يحملها أربعون رجلا أقوياء ، وكانت خزائنه
أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف (القول الثالث) وهو اختيار أبى مسلم: أن المراد من
المفاتح العلم والإحاطة كقوله (وعنده مفاتح الغيب) والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها
والإطلاع عليها ليثقل على العصبة أولى القوة والهداية، أى هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها
تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها. ثم إنه تعالى بين أنه كان فى قومه من وعظه بأمور (أحدها)
قوله ( لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) والمراد أن لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن
أمر الآخرة أصلا، وقال بعضهم: إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضى بها واطمأن إليها، فأما من يعلم
أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبى:
أشد الغم عندى فى سرور. تيقن عنه صاحبه انتقالا
وأحسن وأوجز منه ماقال تعالى (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آنا كم) قال ابن
عباس : كان فرحه ذلك شركا، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى (و ثانيها) قوله ( وابتغ فيما
آتاك الله الدار الآخرة) والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى
الجنة ويسلك طريقة التواضع (وثالثها) قوله ( ولا تنس نصيبك من الدنيا) وفيه وجوه (أحدها )
لعله كان مستغرق الهم فى طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن
ذلك (وثانيها) لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام إنه لا بأس بالتمتع
بالوجوه المباحة ( وثالثها ) المراد منه الإنفاق فى طاعة الله فان ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون
الذى يأكل ويشرب قال عليه السلام ((فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن
الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الموت . فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب
ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار)) (ورابعها) قوله ( وأحسن كما أحسن الله اليك ) لما أمره
.

١٧
قوله تعالى : ولا يسأل عن ذنوبهم . سورة القصص .
بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن
اللقاء وحسن الذكر، وإنما قال (كما أحسن الله إليك) تنبيهاً على قوله ( لئن شكر تم لأزيدنكم)
وخامسها قوله ( ولا تبخ الفساد فى الأرض) والمراد ما كان عليه من الظلم والبغى وقيل إن هذا
القائل هو موسى عليه السلام، وقال آخرون بل مؤمنو قومه، وكيف كان فقد جمع فى هذا الوعظ
ما لو قبل لم يكن عليه مزيد، لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال إنما أوتيته على علم
عندى وفيه وجوه: (أحدها ) قال قتادة ومقاتل والكلى كان قارون أقرأ بنى اسرائيل للتوراة
فقال إنما أوتيته لفضل على واستحقاقى لذلك ( وثانيها ) قال سعيد بن المسيب والضحاك كان
موسى عليه السلام أنزل عليه علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه
فحدعهما قارون حتى أضاف عليهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فيضة والنحاس فيجعله
ذهباً ( وثالثها) أراد به عليه بوجوه المكاسب والتجارات (ورابعها) أن يكون قوله (إنما
أوتيته علىّ علم عندى) أى اللّه أعطانى ذلك مع كونه عالماً بى وبأحوالى فلو لم يكن ذلك مصلحة
لما فعل وقوله (عندى) أى عندى أن الأمر كذلك، كما يقول المفتى عندى أن الأمر كذلك أى
مذهبى واعتقادى ذلك ، ثم أجاب اللّه تعالى عن كلامه بقوله ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله
من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً) وفيه وجهان: (الأول) يجوز أن يكون هذا إثباتاً
لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه فى التوراة
وأخبر به موسى عليه السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له : أولم يعلم فى جملة ما عنده من
العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته ( الثانى ) يجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك كأنه لما قال
أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به، قيل أعنده مثل ذلك العلم الذى ادعاه، ورأى نفسه
به مستوجبة لكل نعمة ، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقى به نفسه مصارع الهالكين ؟ .
أما قوله ( وأكثر جمعاً) فالمعنى أكثر جمعاً للسال أو أكثر جماعة وعدداً، وحاصل الجواب
أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك
ولا ما يزيد عليه أضعافاً .
فأما قوله ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) فالمراد أن الله تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة
به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها، لأنه تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال،
فإن قيل كيف الجمع بينه وبين قوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين )؟ قلنا يحمل ذلك على وقتين على
ما قررناه، وذكر أبو مسلم وجهاً آخر فقال: السؤال قد يكون للمحاسبة ، وقد يكون للتقرير
والتبكيت، وقد يكون للاستعتاب، وأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب لقوله (ثم لا يؤذن للذين
كفروا ولا هم يستعتبون، هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذون لهم فيعتذرون).
الفخر الرازي - ج ٢٥ م ٢

١٨
قوله تعالى : فخرج على قومه في زينته . سورة القصص .
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِيَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَزَةَ الدُّنْيَاء يَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَا أُوْقِيَ قَكُونُ إِنّهُ لَذُو حَظٍ عَظِمٍ () وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلَ وَيْلَكُمْ نَوَابُ
الَِّخْ لِمَنْ ءَامَنَ وَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّهَ إِلَّ الصَّفِرُونَ ( شَه فَخَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ
الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ
قوله تعالى : ﴿يفرج على قومه فى زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى
قارون إنه لذو حظ عظيم ، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً
ولا يلقاها إلا الصابرون ، نفسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله
وما كان من المنتصرين
أما قوله (يخرج على قومه فى زينته) فيدل على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها وليس فى القرآن
إلاهذا القدر ، إلا أن الناس ذكروا وجوهاً مختلفة فى كيفية تلك الزينة ، قال مقاتل خرج على بغلة
شهباء عليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف فارس على الخيول وعليها الثياب الأرجوانية ومعه
ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلى والثياب الحمر على البغال الشهب ، وقال بعضهم بل خرج فى تسعين
ألفاً هكذا، وقال آخرون بل على ثلثمائة. والأولى ترك هذه التقريرات لأنها متعارضة، ثم إن
الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب فى الدنيا (باليت لنا مثل ما أوتى قارون) من
هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين
يحبون الدنيا، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم،
لأن الثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة ، وهذه النعم العاجلة على الضد من
هذه الصفات الثلاث ، قال صاحب الكشاف: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل فى الزجر
والردع والبعث على ترك مالا يرتضى .
أما قوله ( ولا يلقاها إلا الصابرون) فقال المفسرون لا يوفق لها والضمير فى يلقاها إلى ماذا
يعود؟ فيه وجهان: (أحدهما) إلى مادل عليه قوله ( آمن وعمل صالحاً) يعنى هذه الأعمال لا يؤتاها
إلا الصابرون ( والثانى) قال الزجاج يعنى، ولا يلقى هذه الكلمة وهى قولهم ثواب الله خير إلا
الصابرون على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات، وعلى الرضا بقضاء الله فى كل ما قسم من
المنافع والمضار .

١٩
قوله تعالى : ما كان من المنتصرين . سورة القصص .
وأما قوله ( فسفنا به وبداره الأرض ) ففيه وجهان: ( أحدهما ) أنه لما أشر وبطر وعنا
خف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية
( وثانيها) قيل إن قارون كان يؤذى نى الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التى
بينهما حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على
درهم خمسبه فاستكثره فشحت نفسه فجمع بنى اسرائيل، وقال إن موسى يريد أن يأخذ
أموالكم فقالوا أنت سيدنا وكبيرنا فرنا بما شئت، قال نبرطل فلانة البغى حتى تنسبه إلى نفسها
فيرفضه بنو اسرائيل جعل لها طستاً من ذهب ملوءاً ذهباً فلما كان يوم عيد قام موسى
فقال یا بی اسرائیل من سرق قطعناه ، ومن زنى وهو[غیر] محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه،
فقال قارون وإن كنت أنت ؟ قال وإن كنت أنا، قال فان بنى إسرائيل يقولون إنك نجرت
بفلانة فأحضرت فناشدها موسى باللّه الذى فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتدار كها الله
تعالى، فقالت كذبوا بل جعل لى قارون جعلا على أن أقذفك بنفسى ، نفر موسى ساجداً يبكى،
وقال يارب إن كنت رسولك فاغضب لى، فأوحى الله عز وجل إليه أن مر الأرض بما شئت
فانها مطيعة لك ، فقال یابی إسرائیل إن الله بعشی إلىقارون كما بعثنی إلى فرعون فمن كانمعه فليلزم
مكانه ومن كان معى فليعتزل فاعتزلوا جميعاً غير رجلين ، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى
الركب ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه
يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه،
ثم قال خذيهم فانطبقت الأرض عليهم فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ما أفظك استغاثوا
بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتى لودعونى مرة واحدة لوجدونى قريباً مجيباً. فأصبحت بنواسرائيل
يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله حتى خف بداره
وأمواله، ثم إن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة ، قال القاضى إذا هلك بالخف فسواء نزل
عن ظاهر الأرض إلى الأرض السابعة أو دون ذلك فانه لا يمتنع ما روى على وجه المبالغة فى
الزجر، وأما قولهم إنه تعالى قال لواستغاث بى لأغثته، فان صح حمل على استغاثة مقرونة بالتوبة
فأما وهو ثابت على ماهو عليه مع أنه تعالى هو الذى حكم بذلك الخسف لأن موسى عليه السلام
مافعله إلا عن أمره فبعيد، وقولهم إنه يتجلجل فى الأرض أبداً. فعيد لأنه لابد له من نهاية
وكذا القول فيما ذكر من عدد القامات ، والذى عندى فى أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة
لأنها من باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين ، وليست المسألة مسألة عملية حتى يكتفى فيها بالظن، ثم
إنها فى أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن
وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب.
أما قوله ( وما كان من المنتصرين) فالمراد من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين من عذاب

٢٠
قوله تعالى: وأصبح الذين تمنوا . سورة القصص .
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ أَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَنَّ الََّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلاً أن مَنَّ اللّهُ عَيْنَا لَفَ بِنَّا وَيْسَكَفَهُ لَا يُفْلِحُ
الْكَفِرُونَ (® تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَيُرِيدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
٨٣
الله تعالى يقال نصره من عدوه فانتصر ، أى منعه منه فامتنع .
قوله تعالى: ﴿وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكان الله يبسط الرزق لمن يشاء
من عبادمويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكانه لا يفلح الكافرون، تلك الدار الآخرة
نجعلها للذين لا يريدون علواً فى الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾.
اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون فى زينته لما شاهدوا ما نزل به من الخسف صار ذلك
زاجراً لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى عليه السلام وداعياً إلى الرضا بقضاء الله تعالى وقسمته
وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبياء الله ورسله.
أما قوله (ويكأن الله) فاعلم أن وى كلمة مفصولة عن كأن وهى كلمة مستعملة عند التنبه
للخطأ وإظهار التندم ، فلما قالوا (ياليت لنا مثل ما أوتى قارون) ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطهم
فقالوا وى ثم قالوا كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته وحكمته لا لكرامته
عليه ، ويضيق على من يشاء لالهوان من يضيق عليه بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة (قال سيبويه)
سألت الخليل عن هذا الحرف فقال إن وى مفصولة من كان وأن القوم تنبهوا وقالوامتندمين
على ما سلف منهم وى. وذكر الفراء وجهين (أحدهما) أن المعنى ويلك خذف اللام وإنما
جاز هذا الحذف لكثرتها فى الكلام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن
الله، وهذا قول قطرب حكاه عن يونس (الثانى ) وى منفصلة من كأن وهو للتعجب يقول
الرجل لغيره وى أما ترى ما بين يديك فقال الله وى ثم استأنف كان الله يبسط فالله تعالى إنما
ذكرها تعجيباً لخلقه، قال الواحدى وهذاوجه مستقيم غير أن العرب لم تكتبها منفصلة ولو كان على
ما قالوه لكتبوها منفصلة ، وأجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه، ثم قالوا (لولا أن
من الله علينا لحسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون) وهذا تأكيد لما قبله.
أما قوله ( تلك الدار الآخرة ) فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعنى تلك التى سمعت بذكرها وبلغك
وصفها ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، وعن على