Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً. سورة النمل.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى تَمُودَ أَخَهُمْ صَدِمًا أَنِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ
قَالَ يَنْقَوْمِ لِمَ تَسْتَعِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَ نَسْتَغْفِرُونَاللّهَ لَعَلَّكُرْ
٤٥
تُرُْونَ (﴾ قَالُوا الطَّرْنَابِكَ وَيِنَ ◌ّعَكَ قَالَ طَبْرُ كُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطِ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (@) قَالُواْ
٤٧
تَقَاسَمُواْ بِاللهِ لَنُبَيِغَنَّهُ، وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُوَنَّ لِوَلِّيْهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنَّالَصَدِقُونَ
إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن
والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا إن فى عقلها نقصاناً وإنها شعرا.
الساقين ورجلها كافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ،
ومعلوم من حال الزجاج الصافى أنه يكون كالماء فلما أبصرت ذلك ظنته ماءا راكداً فكشفت
عن ساقبها لتخوضه، فاذا هى أحسن الناس ساقاً وقدماً، وهذا على طريقة من يقول تزوجها،
وقال آخرون كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه. وحصل كشف الساق على سبيل
التبع، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت ، وتعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد
والنبوة، فقالت (رب إنى ظلمت نفسى) فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت (وأسلمت مع سليمان
لله رب العالمين) وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها فى اللجة . فقالت ظلمت نفسى بسوء
ظنى سليمان، واختلفوا فى أنه هل تزوجها أم لا ، وأنه تزوجها فى هذه الحال أو قبل أن كشفت عن
ساقيها، والأظهر فى كلام الناس أنه تزوجها ، وليس لذلك ذكر فى الكتاب ، ولا فى خبر مقطوع
بصحته ، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختارى من قومك من أزوجك منه فقالت
مثلى لا ينكح الرجال مع سلطانى، فقال النكاح من الاسلام، فقالت إن كان كذلك فزوجنى ذاتبع
ملك حمدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن، ولم يزل بها ملكا والله أعلم .
﴿ القصة الثالثة - قصة صالح عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى نمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله فإذاهم فريقان يختصمون، قال
يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون، قالوا اطيرنا بك وبمن
معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون، وكان فى المدينه تسعة رهط يفسدون فى الأرض
ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون،

٢٠٢
قوله تعالى : يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة. سورة النمل
،وَمَكُرُواْ مَكْرًا وَمَكْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢﴾ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
مَكْرِهِمْ أَنَّا دَخَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أْمِينَ (٣٦) فَتِلْكَ بُونُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَمُواْ إِنَّ فِى ذَلِكَ
وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
١٠٠٠
لَ يَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
ومكروا مكراً ومكر نامكراً وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمر ناهم وقومهم أجمعين،
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذلك لآية لقوم يعلمون ، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾
قرى ( أن اعبدوا الله) بالضم على إتباع النون الباء (١).
أما قوله ( فإذاهم فريقان ) ففيه قولان: (أحدهما ) المراد فريق مؤمن وفريق كافر (الثانى)
المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد ،
أما قوله ( يختصمون) فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا فى حجته فعرفوا صحتها ،
وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون خصما لمن لم يقبلها ، وإذا كان هذا الاختصام فىباب الدین دل
ذلك على أن الجدال فى باب الدين حق وفيه إبطال التقليد .
أما قوله ( ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ) ففيه بحثان: (الأول) فى تفسير استعجال
السيئة قبل الحسنة وجهان: ( أحدهما ) أن الذين كذبوا صالحاً عليه السلام لما لم ينفعهم الحجاج
توعدهم صالح عليه السلام بالعذاب فقالوا ( اتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) على وجه
الاستهزاء ، فعنده قال صالح (لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من
التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذاه ( وثانيهما ) أنهم
كانوا يقولون لجهلهم إن العقوبة التى يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا
فحينئذ يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا، خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، وقال هلا تستغفرون
اللّه قبل نزول العذاب فان استعجال الخير أولى من استعجال الشر.
﴿ البحث الثانى) أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب، فأما وصف العذاب بأنه سيئة
فهو مجاز وسبب هذا التجويز، إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه فى كونه مكروهاً ، وأما
وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب ، ثم إن
صالحاً عليه السلام لها قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد ، وهو قولهم (اطيرنا بك ) أى
(١) الاتباع هنا ليس الباء ألتى فى أعبدوا لوجود الفاصل وهو العين والهمزة، والصواب أن يقال على إتباع النون للألف من
أعبدوا لأن الأمر من عبد أعبد مضموم الألف .

٢٠٣
قوله تعالى : إنا دمرناهم وقومهم أجمعين. سورة النمل.
تشاءمنا بك لأن الذى يصيبنا من شدة وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك .
قال صاحب الكشاف كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً ثيمن وإن
مربارحاً تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشروهو قدر الله وقسمته،
فأجاب صالح عليه السلام بقوله ( طائركم عند الله) أى السبب الذى منه يجىء خيركم وشركم عند الله
وهو قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة منكم عند
الله وهو العقاب، والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى الأمر الحاصل فيجب فى جوابه
أن يكون فيه لا فى غيره، ثم بين أن هذا جهل منهم بقوله (بل أنتم قوم تفتنون) فيحتمل أن غيرهم
دعاهم إلى هذا القول ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته، ثم إنه سبحانه قال
( وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الأرض ) والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ
الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد
لاختلاف صفتهم وأحوالهم لالاختلاف السبب، فبين تعالى أنهم يفسدون فى الأرض ولا يمزجون
ذلك الفساد بشىء من الصلاح، فلهذا قال (يفسدون فى الأرض ولا يصلحون) ثم بين تعالى أن
من جملة ذلك ما هموا به من أمر صالح عليه السلام .
أما قوله ( تقاسموا باللّه ) فيحتمل أن يكون أمراً أو خبراً فى محل الحال بإضمار قد ، أى قالوا
متقاسمين ، والبيات متابعة العدو ليلا .
أما قوله ( ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ) يعنى لو اتهمنا قومه حلفنا لهم أنا لم تحضر .
وقرىء مهلك بفتح الميم واللام وكسر اللام، من هلك ومهلك بضم الميم من أهلك، ويحتمل المصدر
والمكان والزمان، ثم إنه سبحانه قال ( ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون) وقد
اختلفوا فى مكر الله تعالى على وجوه؛ (أحدها) أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه
بمكر الماكر على سبيل الاستعارة ، يروى أنه كان لصالح عليه السلام مسجد فى الحجر فى شعب
يصلى فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل الثلاث :خرجوا
إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلى قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت
الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة ( وثانيها ) جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم
وقد أرسل الله تعالى الملائكة مل. دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون رامياً
( وثالثها) أن الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى فى حقهم.
أما قوله (أنا دمر ناهم ) استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف
تقديره هى تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر كان أى كان عاقبة مكرهم الدمار .
أما قوله ( خاوية) فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك ، وقرأ عيسى بن عمر خاوية بالرمع
على خبر المبتدأ المحذوف والله أعلم (١).

٢٠٤
قوله تعالى: ولوطأ إذ قال لقومه. سورة النمل. الجزء السجون
وَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهَِ أَتَأْتُونَ الْفَئِثَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (﴾ أَنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُوِ اٌلِسَءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (َمَا كَانَ جَابَ قَوْمِهِ
إلّ أَن قَالُواْ أَنْرِجُوَاءَالَ لُوطٍ مِّنْ قَرْيَكُمَّ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ () فَأَنْجَيْنَهُ
وَأَهْلَهٍُ إِلَّا أَمْرَ أْتَهُ قَدَّرْ نَهَا مِنَ الْغَبِينَ (*﴾ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّا فَسَآءَ مَطَرُ
الْمُنذَرِينَ
٥٨
القصة الرابعة - قصة لوط عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون، أثنكم لتأتون الرجال
شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط
من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ، فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ، وأمطرنا عليهم
مطراً فساء مطر المنذرين .
قال صاحب الكشاف، واذكر لوطاً أو أرسلنا لو لمآ بدلالة ولقد أرسلنا عليه، وإذ بدل على
الأول ظرف على الثانى .
أما قوله ( أتأتون الفاحشة ) فهو على وجه التنكير وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان
التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ .
أما قوله ( وأنتم تبصرون) ففيه وجوه (أحدها ) أنهم كانوا لا يتحاشون من إظهار ذلك
على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون وذلك أحد ما لأجله عظم ذلك الفعل منهم فذكر فى توبيخه لهم
ماله عظم ذلك الفعل ( وثانيها ) أن المراد بصر القلب أى تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن
الله تعالى لم يخلق الذكر للذكر فهى مضادة للّه فى حكمته ( وثالثها) تبصرون آثار العصاة قبلكم
وما نزل بهم، فان قلت فسرت تبصرون بالعلم وبعده بل أنتم قوم تجهلون فكيف يكونون علاء
وجهلاء؟ قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد
بالجهل السفاهة والمجانة التى كانوا عليها ، ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا
الكلام بما لا يصلح أن يكون جواباً له فقال (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل
لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) جعلوا الذى لأجله يخرجون أنهم يتطهرون من هذا الصنيع
الفاحش وهذايوجب تنعيمهم وتعظيمهم أولى لكن فى المفسرين من قال (إنما قالوا ) ذلك على

٢٠٥
قوله تعالى : قل الحمد لله وسلام على عباده. سورة النمل
قُلِ الْحَمْدُ لِلِّ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىّ ءَ اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (3)
أَمَّنْ خَقَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْلَ لَكُمْ مِنَ اَلَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ
بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنَبِتُواْ غَجْرَهََّ أَوْلَهُ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمُ يَعْدِلُونَ (
٦٠
وجه الهزء، ثم بين تعالى أنه نجاه وأهله إلا امرأته وأهلك الباقين وقد تقدم كل ذلك مشروحاً
والله أعلم، وههنا آخر القصص فى هذه السورة والله أعلم.
﴿ القول فى خطاب الله عز وجل مع محمد ◌ِ ئيه)
قوله تعالى: ﴿قل الحمد الله وسلام على عباده الذين اصطفى آللّه خير أما يشركون
فى هذه الآية قولان ( الأول ) أنه متعلق بما قبله من القصص والمعنى الحمد لله على إهلاكهم
وسلام على عباده الذين أصطفى بأن أرسلهم ونجاهم (الثانى) أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال
الأنبياء عليهم السلام وكان محمد ريقم كالمخالف لمن قبله فى أمر العذاب لأن عذاب الاستئصال
من تفع عن قومه ، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه النعم ، وبأن يسلم على الأنبياء عليهم
السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة .
فأما قوله (آلله خير أما يشركون) فهو تبكيت للمشركين ونتهكم بحالهم ، وذلك أنهم آثروا عبادة
الأصنام على عبادة اللّه تعالى، ولا يؤثر عاقل شيئاً على شىء إلا لزيادة خيرومنفعة، فقيل لهم هذا
الكلام تنبيهاً على نهاية ضلالهم وجهلهم وقرى. ( يشركون) بالياء والتاء، عن رسول الله يت رقم أنه
كان إذا قرأها قال ((بل اللّه خير وأبقى وأجل وأكرم)).
ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى تكلم بعد ذلك فى عدة فصول:
﴿الفصل الأول) فى الرد على عبدة الأوثان ، ومدار هذا الفصل على بيان أنه سبحانه وتعالى
هو الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة منه البتة ، ثم إنه سبحانه وتعالى
ذكر أنواعاً:
{النوع الأول - ما يتعلق بالسموات )
قوله تعالى: ﴿أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات
بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ) قال صاحب الكشاف: الفرق بين أم وأم فى (أما يشركون) و(أمن خلق)
أن الأولى متصلة لأن المعنى أيهما خير وهذه منقطعة بمعنى بل ، والحديقة البستان عليه -ور من
الإحداق وهو الإحاطة، وقيل (ذات) لأن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة ، كما يقال النساء ذهبت

٢٠٦
قوله تعالى : أمن جعل الأرض قرارا. سورة النمل.
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حًَِّا أَوَهُ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلُونَ ()
والبهجة الحسن، لأن الناظر يبتهج به (أإله مع الله) أغيره يقرن به ويجعل شريكاله وقرى (أإلها مع
اللّه) بمعنى تدعون أو تشركون.
﴿ المسألة الثانية) أنه تعالى بين أنه الذى اختص بأن خلق السموات والأرض، وجعل
السماء مكاناً للماء، والأرض للنبات، وذكر أعظم النعم وهى الحدائق ذات البهجة، ونبه تعالى على أن
هذا الإنبات فى الحدائق لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأن أحدنا لوقدر عليه لما احتاج إلى غرس
ومصابرة على ظهور الثمرة وإذا كان تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن يخص بالعبادة، ثم قال
(بل هم قوم يعدلون) وقد اختلفوا فيه فقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر وقيل ، يعدلون بالله سواه
ونظير هذه الآية أول سورة الإنعام .
المسألة الثالثة)﴾ يقال ما حكمة الإلتفات فى قوله (فأنبتنا)؟ (جوابه) أنه لاشبهة للعاقل فى أن
خالق السموات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس إلا اللّه تعالى، وربما عرضت الشبهة فى
أن منبت الشجرة هو الإنسان ، فان الإنسان يقول أنا الذى ألقى البذر فى الأرض الحرة وأسقيها
الماء وأسعى فى تشميسها، وفاعل السبب فاعل للسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة فلما كان هذا
الاحتمال قائماً، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله (فأنبتنا) وقال (ما كان
لكم أن تنبتوا شجرها) لأن الإنسان قد يأتى بالبذر والسقى والكرب (١) والتشميس ثم لا يأتى على
وفق مراده والذى يقع على وفق مراده فانه يكون جاهلا بطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون
فاعلا لها ، فلهذه النكته حسن الالتفات ههنا .
﴿ النوع الثانى - ما يتعلق بالأرض)
قوله تعالى: ﴿ أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسى وجعل بين
البحرين حاجزاً . اله مع اللّه بل أكثرهم لا يعلمون
قال صاحب الكشاف (أمن جعل﴾ وما بعده بدل من (أمن خلق) فكان حکها حكمه.
واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الأرض أموراً أربعة .
(المنفعة الأولى) كونها قراراً وذلك لوجوه (الأول) أنه دحاها وسواها للاستقرار
(الثانى) أنه تعالى جعلها متوسطة فى الصلابة والرخاوة فليست فى الصلابة كالحجر الذى يتألم
الانسان بالاضطجاع عليه وليست فى الرخاوة كالماء الذى يغوص فيه (الثالث) أنه تعالى جعلها كثيفة
(١) الكرب هنا معناه إثارة الأرض الزرع بحراثتها .

٢٠٧
قوله تعالى : أمن جعل الأرض قرارها. سورة النمل.
غبراء ليستقر عليها النور، ولوكانت لطيفة لما استقر النور عليها، ولولم يستقر النور عليها لمصارت من
شدة بردها بحيث تموت الحيوانات ( الرابع ) أنه سهحانه جعل الشمس بسبب ميل مدارها عن
مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس، ولولا ذلك لما اختلفت
الفصول، ولما حصلت المنافع (الجامس) أنه سبحانه وتعالى جعلها ساكنة فإنها لو كانت متحركة
لكانت إما متحركة على الاستقامة أو على الاستدارة ، وعلى التقديرين لا يحصل الانتفاع بالسكنى
على الأرض (السادس ) أنه سبحانه جعلها كفاتاً للأحياء والأموات وأنه يطرح عليها كل قبيح
ويخرج منها كل مليح.
﴿ المنفعة الثانية الأرض ) قوله ( وجعل خلالها أنهاراً) فاعلم أن أقسام المياه المنبعثة عن
الأرض أربعة (الأول ) ماء العيون السيالة وهى تنبعث من أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع
تفجر الأرض بقوة، ثم لايزال يستتبع جزء منها جزءاً (الثانى) ماء العيون الراكدة وهى تحدث
من أبخرة بلغت من قوتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن
يطرد تاليها سابقها (الثالث) مياه الفنى والأنهار وهى متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن تشق
الأرضِ، فاذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك الأبخرة منفذاً تندفع إليه بأدنى
حركة ( الرابع) مياه الآبار وهى نبعية كمياه الأنهار إلا أنه لم يجعل له سيل إلى موضع يسيل إليه
ونسبة القنى إلى الآبار نسبة العيون السيالة إلى العيون الراكدة فقد ظهر أنه لولا صلابة الأرض
لما اجتمعت تلك الأبخرة فى باطنها إذ لولا اجتماعها فى باطنها لما حدثت هذه العيون فى ظاهرها.
﴿ المنفعة الثالثة للأرض) قوله ( وجعل لها رواسى) والمراد منها الجبال ، فنقول أكثر
العيون والسحب والمعدنيات إنما تكون فى الجبال أو فيما يقرب منها، أما العيون فلأن الأرض
إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها قدر يعتد به، فاذن هذه الأبخرة لا تجتمع إلا
فى الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرض ، فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتى يجتمع
ما يصلح أن يكون مادة للعيون ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءاً ماء، ويكون الجبل فى حقنه
الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لايدع شيئاً من البخار يتحلل ونفس الأرض التى تحته
كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالقوابل، ولذلك فان أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال
وأقلها فى البرارى، وذلك الأقل لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة. وأما أن أكثر السحب
تكون فى الجبال فلوجوه ثلاثة (أحدها ) أن فى باطن الجبال من النداوات مالا يكون فى باطن
الأرضين الرخوة (وثانيها) أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الأنداء
ومن الثلوج مالا يبقى على ظهر سائر الأرضين (وثالثها) أن الأبخرة الصاعدة تكون محبوسة
بالجبال فلا تتفرق ولا تتحلل ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب كثرة السحب فى الجبال أكثر
لأن المادة فيها ظاهراً وباطناً أكثر، والاحتقان أشد والسبب المحلل وهو الحر أقل، ولذلك كانت
السحب فى الجبال أكثر. وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة يكون اختلاطها بالأرضية أكثر

٢٠٨
قوله تعالى : أمن يجيب المضطر إذا دعاه. سورة النمل
:
أَمَّنْ يُحِبُ الْمُضْطَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَوِلَهٌ
مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكرون
وإلى بقاء مدة طويلة يتم النضج فيها فلا شىء لها فى هذا المعنى كالجبال .
( المنفعة الرابعة للأرض) قوله ( وجعل بين البحرين حاجزاً) فالمقصود منه أن لا يفسد
العذب بالاختلاط ، وأيضاً فلينتفع بذلك الحاجز، وأيضا المؤمن فى قلبه بحران بحر الايمان
والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل بينهما حاجزاً لكى لا يفسد أحدهما بالآخر ،
وقال بعض الحكماء فى قوله ( مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان ) قال عند عدم البغى
(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) فعند عدم البغى فى القلب يخرج الدين والإيمان بالشكر، فإن قيل
ولم جعل البحر ملحاً ؟ قلنا لولا ملوحته لأجن (١) وانتشر فساد أجونته فى الأرض وأحدث الوباء
العام، وأعلم أن اختصاص البحر بجانب من الأرض دون جانب أمرغير واجب بل الحق أن البحر
ينتقل فى مدد لا تضبطها التواريخ المنقولة من قرن إلى قرن لأن استمداد البحر. فى الأكثر من
الأنهار ، والأنهار تستمد فى الأكثر من العيون ، وأما مياه السماء فان حدوثهافى فصل بعينه دون
فصل ، ثم لا العيون ولا مياه السماء يجب أن تتشابه أحوالها فى بقاع واحدة بأعيانها تشابها مستمراً
فان كثيراً من العيون يغور ، وكثيراً ما تقحط السماء فلا بد حينئذ من نضوب الأودية والأنهار
فيعرض بسبب ذلك نضوب البحار ، وإذا حدثت العيون من جانب آخر حدثت الأنهار هناك
فحصلت البحار من ذلك الجانب : ثم أنه سبحانه لما بين أنه هو المختص بالقدرة على خلق الارض
التى فيها هذه المنافع الجليلة وجب أن يكون هو المختص بالإلهية، ونبه بقوله تعالى (بل أكثرهم
لا يعقلون) على عظيم جهلهم بالذهاب عن هذا التفكر
﴿ النوع الثالث - ما يتعلق باحتياج الخلق إليه سبحانه )
قوله تعالى: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض. إله مع
الله قليلا ماتذكرون
اعلم أنه سبحانه نبه فى هذه الآية على أمرين (أحدهما ) قوله ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه)
قال صاحب الكشاف: الضرورة الحالة المحوجة إلى الالتجاء والاضطرار افتعال منها: يقال
اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر ، واعلم أن المضطر هو الذى أحوجه مرض أو فقر
أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى، وعن السدى: الذى لاحول له ولا
قوة، وقيل المذنب إذا استغفر، فان قيل قد عم المضطرين بقوله ( أمن يجيب المضطر إذا
دعاه) وكم من مضطر يدعو فلا يجاب؟ (جوابه) قد بينا فى أصول الفقه أن المفرد المعرف لا يفيد
(١) أجن الماء : صار آجناً أى تغير لونه أو طعمه أو ربحه وفسد.

٢٠٩
قوله تعالى : أمن يهدیکم من ظلمات البر. سورة النمل
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرَّحَ بُثْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِّهِ
أَوِلَهُ مَّعَ اللهِ تَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (
العموم وإنما يفيد الماهية فقط، والحكم المثبت للماهية يكفى فى صدقه ثبوته فى فرد واحد من
أفراد الماهية ، وأيضاً فانه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكرأنه يستجيب فى الحال . وتمام القول فى
شرائط الدعاء والاجابة مذكور فى قوله تعالى ( وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ) فأما قوله
تعالى (ويكشف السوء) فهو كالتفسير للاستجابة ، فانه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من
فقر إلى غنى ومرض إلى صحة وضيق إلى سعة إلا القادر الذى لا يعجز والقاهر الذى لا ينازع
(وثانيهما) قوله ( ويجعلكم خلفاء الأرض) فالمراد توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد
قرن وأراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرى. ( يذكرون) بالية مع الإدغام وبالناء مع الإدغام
وبالحذف وما مزبدة أى يذكرون تذكراً قليلا، والمعنى نفى التذكر والقلة تستعمل فى معنى النفى.
﴿ النوع الرابع - ما يتعلق أيضاً باحتياج الخلق ولكنه حاجة خاصة فى وقت خاص)
قوله تعالى : ﴿ أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته
أإله مع الله تعالى الله عما يشركون﴾
أعلم أنه تعالى به فى هذه الآية على أمرين (الأول ) قوله (أمن يهديكم) والمراد يهديكم
بالنجوم فى السماء والعلامات فى الأرض إذا جن الليل عليكم مسافرين فى البر والبحر ( الثانى )
قوله ( ومن يرسل الرياح ) فإنه سبحانه هو الذى يحرك الرياح فتثير السحاب، ثم تسوقه إلى حيث
حيث يشاء، فان قيل لا نسلم أنه تعالى هو الذى يحرك الرياح، فان الفلاسفة: قالت الرياح إنما
تتولد عن الدخان وليس الدخان كله هو الجسم الأسود المرتفع مما احترق بالنار ، بل كل جسم
أرضى يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة النار أو حرارة الشمس فهو دخان قالوا
وتولد الرياح من الأدخنة على وجهين أحدهما أكثرى، والآخر أقلى، أما الأكثرى فهو أنه
إذا صعدت أدخنة كثيرة إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها بيرد ذلك
الهواء أو لا ينكسر فان انكسر فلا محالة يثقل وينزل فيحصل من نزولها مموج الهواء فتحدث
الريح، وإن لم ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء فلا بد وأن يتصاعد إلى أن يصل إلى كرة النار
المتحركة بحركة الفلك وحينئذ لا يتمكن من الصعود بسبب حركة النار فترجع تلك الأدخنة
وقصير ريحاً، لا يقال لو كان اندفاع هذه الأدخنة بسبب حركة الهواء العالى لما كانت حر كتها
إلى أسفل بل إلى جهة حركة الهواء العالى لأنا نقول الجواب من وجهين (أحدهما) أنه ربما
أو حبت هيئة صعود تلك الأدخنة وهيئة لحوق المادة بها أن يتحرك إلى خلاف جهة المتحرك
الفخر الرازي - ج ٢٤ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى أمن يبدأ الخلق ثم يعيده. سورة النمل.
أَمَّنْ يَبْدَوُاْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ الهِ
قُلْ هَاتُواْ بُرْهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِدِقِينَ.
المانع، كالتسهم يصيب جسما متحركا فيعطفه تارة إلى جهته إن كان الخابس كما يقدر على صرف
المتحرك عن متوجهه يقدر أيضاً على صرفه إلى جهة حركة نفسه وتارة إلى خلاف تلك الجهة إذا
كان المفارق يقدر على الحبس ولا يقدر على الصرف (الثانى ) أنه ربما كان صعود بعض
الأدخنة من تحت مانعاً للأدخنة النازلة من فوق إلى أن يتسفل ذلك فلاجل هذا السبب يتحرك
إلى سائر الجوانب، واعلم أن لأهل الإسلام ههنا مقامين ( الأول) أن يقيم الدلالة على فسادهذه
العلة وبيانه من وجهين ( الأول ) أن الأجزاء الدخانية أرضية فهى أثقل من الأجزاء البخارية
المائية ، ثم إن البخار لما يبرد ينزل على الخط المستقيم مطراً فالدخان لما برد فلماذا لم ينزل على
الخط المستقيم بل ذهب يمنة ويسرة؟ (الثانى) أن حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعية وحر كتها
يمنة ويسرة عرضية والطبيعية أقوى من العرضية، وإذا لم يكن أقوى فلا أقل من المساواة ، ثم إن
الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربما تقوى على قلع الأشجار ورمى الجدار بل الجبال ، فتلك
الأجزاء الدخانية عند ما تحركت حركتها الطبيعية التى لها وهى الحركة إلى السفل وجب أن تهدم
السقف، ولكنا نرى الغبار الكثير ينزل من الهواء ويسقط على السقف ولا يحس بنزوله
فضلا عن أن يهدمه فثبت فساد ما ذكروه (المقام الثانى) هب أن الأمر كما ذكروه ولكن
الأسباب الفاعلية والقابلية لها مخلوقة لله سبحانه وتعالى، فانه لولا الشمس وتأثيرها فى تصعيد
الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء ، لما حدثت هذه الأمور ، ومعلوم أن من وضع
أسباباً فأدته إلى منافع عجيبة وحكم بالغة فذلك الواضع هو الذى فعل تلك المنافع، فعلى جميع
الأحوال لا بد من شهادة هذه الأمور على مدبر حكيم واجب لذاته ، قطعاً لسلسلة الحاجات .
النوع الخامس - ما يتعلق بالحشر والنشر )
قوله تعالى: ﴿أمن يبدوَ الخلق ثم يعيده، ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع اللّه قل
هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا أتبع ذلك بنعم الآخرة بقوله ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده)
لأن نعم الآخرة بالثواب لاتتم إلا بالإعادة بعد الإبتداء والإبلاغ إلى حد التكليف فقد تضمن
الكلام كل هذه النعم، ومعلوم أنها لا تتم إلا بالأرزاق فلذلك قال (ومن يرزقكم من السماء
والأرض)، ثم قال ( أإله مع الله) منكراً لما هم عليه، ثم بين بقوله ( قل هاتوا برهانكم إن
كنتم صادقين) أن لابرهان لكم فاذن هم مبطلون، وهذا يدل على أنه لابد فى الدعوى من

٢١١
قوله تعالى : قل لا يعلم من في السموات. سورة النمل.
قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَنَّتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ
يُبْعَثُونَ ﴿ه ◌َلِ أَّرَكَ ◌ُِّهُمْ فِ الْكَثِرَةِ بِل ◌ُمْ فِ شَكٍ مِنْهَّا بَلْ هُم مِنْهَ عَمُونَ
وعلى فساد التقليد، فإن قيل كيف قيل لهم (أم من يبدؤ الخلق ثم يعيده) وهم منكرون للاعادة؟
(جوابه) كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام
مقروناً بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر فى الإنكار، وههنا آخر الدلائل المذكورة
على كمال قدرة الله تعالى .
قوله تعالى: ﴿قل لايعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان
يبعثون ، بل أدارك عليهم فى الآخرة بل هم فى شك منها بل هم منها عمون﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب ، وإذا ثبت
ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود، لأن الإله هو الذى يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على
على جه لا يلتبس بأهل العقاب، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله
تحت المستثنى منه ودلت الآية ههنا على استثناء اللّه سبحانه وتعالى عمن فى السموات والأرض
فوجب كونه ممن فى السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى فى المكان (والجواب) هذه
الآ ية متروکة الظاهر لآن من قال إنه تعالی فی المکان زعم أنه فوق السموات ، ومن قال إنه ليس
فى مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة ، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس فى السموات والأرض. فإذن
وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن فى السموات والأرض كما يقول المتكلمون: اللّه تعالى فى كل
مكان على معنى أن عليه فى الأماكن كلها ، لا يقال إن كونه فى السموات والأرض مجاز وكونهم
فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازاً غير جائزة ، لأنا نقول كونهم فى السموات
والأرض ، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم فى الأحياز فكذلك حاضل مجازاً، وهو
كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازى وهو الكون فيها بمعنى العلم
دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء.
أما قوله ( وما يشعرون) فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم الغيب
وذكر فى جملة الغيب متى البعث بقوله ( أيان يبعثون) فأيان بمعنى متى وهى كلمة مركبة من أى
والآن وهو الوقت وقرى. (إيان) بكسر الهمزة.
أما قوله ( بل أدارك علمهم فى الآخرة) فاعلم أن كلام صاحب الكشاف فيه مرنب على
ثلاثة أبحاث :

٢١٢
قوله تعالى : بل ادراك علمهم في الآخرة. سورة النمل.
﴿ البحث الأول ) فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل ادرك بل ادارك بل تدارك بل أأدرك
بهمزتين بل آ أدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل أدرك بفتح اللام وتشديد الدال
وأصله بل أدرك على الاستفهام على أدرك بلى أأدرك أم تدارك أم أدرك.
﴿ البحث الثانى ) ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء فى الدال وأدرك افتعل .
(البحث الثالث ) معنى أدرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه وجوه:
(أحدها ) أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم
ومكنوا من معرفتها وهم شا كون جاهلون، وذلك قوله ( بل هم فى شك منها بل هم منها عمون )
يريد المشركين من فى السموات والأرض لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما
يقال بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. فإن قيل الآية سيقت لاختصاص اللّه تعالى بعلم
الغيب وإن العباد لا علم لهم بشىء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون
به. فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن
من المعرفة؟ ( والجواب) كأنه سبحانه قال كيف يعلمون الغيب مع أنهم شكوا فى ثبوت الآخرة
التى دلت الدلائل الظاهرة القاهرة عليها فمن غفل عن هذا الشىء الظاهر كيف يعلم الغيب الذى هو
أخفى الأشياء (الوجه الثانى) أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك
على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا فى إثبات ما الطريق إليه واضح ظاهر ( الوجه الثالث ) أن
يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التى عندها تعدم وقد فسره
الحسن باضمحل عليهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا فى الهلاك ، أما وجه قراءة من
قرأ بل أأدرك على الإستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك عليهم وكذا من قرأ أم
أدرك وأم تدارك لأنها أم هى التى بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك فانه لما جاء بيلى بعد
قوله ( وما يشعرون ) كان معناه بلى يشعرون ثم فسر الشعور بقوله أدرك علمهم فى الآخرة على
سبيل التهكم الذى معناه المبالغة فى نفى العلم ، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون
كونها فيرجع إلى نفى الشعور على أبلغ ما يكون ، وأما من قرأ بلى أأدرك على الإستفهام فمعناه بلى
يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر عليهم بكونها وإذ أنكر عليهم بكونها وإذا أنكر عليهم بكونها لم
يتحصل لهم شعور بوقت كونها. فان قلت هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت ماهى إلا
بيان درجاتهم وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة ، ثم
بأنهم يخبطون فى شك ومرية. ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى وفيه نكتة وهى أنه تعالى
جعل الآخرة مبدأ عماهم فلذلك عداه بمن دون عن ، لأن الفكر بالعاقبة والجزاء هو الذى
جعلهم كالبها ئم.

٢١٣
قوله تعالى : وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا. سورة النمل.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَِذَا كُنَّاتُرَّبًا وَءَابَاؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿ لَقَدْ
وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ قُلْ سِبُرُواْ
فِ الْأَرْضِ فَنُواْ كَيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ ﴾ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا
تَكُنْ فِ ضَيْفٍ ◌ِمَّا يَمْكُرُونَ (﴾ وَيَقُولُونَ مَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
ـي قُلْ عَسَقَ أن يَكُونَ رَدِفَ لَحُ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ (﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (﴾ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلُ مَا
◌ُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وَمَا مِنْ غَيِيَةٍ فِى الَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّ
فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
Vo
قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا أذا كنا تراباً وآباؤنا أننا لمخرجون، لقد وعدنا هذا نحن
وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين، قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين،
ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون ، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، قل
عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون، وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم
لا يشكرون ، وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وما من غائبة فى السماء والأرض
إلا فی کتاب مبین
اعلم أنه سبحانه لما تكلم فى حال المبدأ تكلم بعده فى حال المعاد ، وذلك لأن الشك فى
المعاد لا ينشأ إلا من الشك فى كمال القدرة، أو فى كمال العلم. فإذا ثبت كونه تعالى
قادراً على كل الممكنات، وعالما بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل
واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة اليها . وإذا
ثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر. فلما بين اللّه تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية،
لا جرم لم يحكه فى هذه الآية ، لفحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء وقد صاروا تراباً وطعنوا
فيه من وجهين: (الأول ) قولهم (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا) أى هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن

٢١٤
قوله تعالى : لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل. سورة النمل.
قبلنا، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون مالا يصح من الأخبار، فان قيل ذكر
ههنا ( لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا) وفى آية أخرى (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا) فما الفرق ؟ قلنا
التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلى وأن الكلام سيق لأجله ، ثم إنه سبحانه لما كان
قد بين الدلالة على هذين الأصلين . ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر
ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها ، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه
وعدم الانقياد للغير، لاجرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال ( قل سيروا فى الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول ) لم لم يقل (كيف كانت عاقبة المجرمين)؟ (جوابه) لأن تأنيثها غير حقيقى
ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم .
﴿السؤال الثانى) لم لم يقل عاقبة الكافرين؟ (جوابه) الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة
ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال ( ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق
بما يمكرون) نجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم ، وصار ذلك كالتكفل
بنصرته عليهم وقوله (ولا تكن فى ضيق ) أى فى حرج قلب يقال ضاق الشىء ضيقاً وضيقاً بالفتح
والكسر والضيق تخفيف الضيق، ويجوز أن يراد فى أمرضيق من مكرهم ( الوجه الثانى) للكفار
قولهم (متى هذا الوعد ) وقوله (إن كنتم صادقين) دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية
فأجاب اللّه تعالى بقوله ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون) وهو عذاب يوم
بدر ، فزيدت اللام للتأكيد كالبا. فى ( ولا تلقوا بأيديكم) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو
دنا لكم وأزف لكم، ومعناه تبعكم ولحقكم، وقرأ الأعرج (ردف لكم) بوزن ذهب وهما
لغتان، والكسر أفصح ، وههنا بحثان :
﴿ البحث الأول ) أن عسى ولعل فى وعد الملوك، ووعيدهم يدلان على صدق الأمر،
وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم ، وأنهم لا يعجلون بالإنتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يُقوتهم،
فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده .
﴿ الثانى) أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار، ولذلك
قال ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ثم إنهم لصالوا الجحيم ) فقدم الحجاب على الجحيم ، ثم
إنهم كانوا محجوبين فى الحال ، فكان سبب العذاب بكماله حاصلا، إلا أن الاشتغال بالدنيا ولذاتها
كالعائق عن إدراك ذلك الألم ، كما أن العضو الخدر إذا مسته النار، فإن سبب الألم حاصل فى
الحال. لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم لقيام العائق، فإذا زال العائق عظم البلاء، فكذا ههنا
إذا زال البدن عظم عذاب الحجاب ، فقوله سبحانه ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى
تستعجلون) يعنى المقتضى له والمؤثر فيه حاصل ، وتمامه إنما يحصل بعد الموت ، ثم إنه سبحانه بين

٢١٥
قوله تعالى : إن هذا القرآن يقص على بني اسرائيل. سورة النمل.
إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِ يَحْتَلِفُونَ (
وَإِنَّهُ لَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنَ ﴿ إِنَّرَبََّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يُكِّهِ، وَهُوَالْعَزِيزُ
الْعَلِيمُ ﴿ فَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (١٨) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَّى وَلَا
تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِينَ ﴾ وَمَآ أَنتَ بِهَدِى الْعُمْيِ عَنْ ضَلَتِهِمْ
إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ ◌ِثَايَئِنَا فَهُمْ مُسْلُونَ
السبب فى ترك تعجيل العذاب فقال ( وإن ربك لذو فضل على الناس:) والفضل الإفضال ومعناه
أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها، وهذه الآية
تبطل قول من قال إنه لا نعمة لله على الكفار. ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما فى قلوبهم
فقال ( وإن ربك ليعلم ما تسكن صدورهم وما يعلنون) وههنا بحث عقلى، وهو أنه قدم ما تكنه
صدورهم على ما يعلنون من العلم . والسبب أن ما تكنه صدورهم هو الدواعى والقصود، وهى
أسباب لما يعلنون، وهى أفعال الجوارح، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فهذا هو السبب فى
ذلك التقديم، قرى" تكن يقال كانت الشئ واكننته إذا سترته وأخفيته، يعنى أنه تعالى يعلم
ما يخفون وما يعلنون من عدواة الرسول ومكايدهم.
أما قوله (وما من غائبة) فقال صاحب الكشاف: سمى الشىء الذى يغيب ويخفى غائبة وخافية،
فكانت التاء فيها بمنزلتها فى العاقبة والعافية والنطيحة والذبيحة والرمية فى أنها أسماء غير صفات ،
ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالرواية فى قولهم: ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه
تعالى قال: وما من شىء شديد الغيبوبة والخفاء، إلا وقد علمه الله تعالى وأحاط به، وأثبته فى
اللوح المحفوظ والمبين الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة.
قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون، وإنه لهدى
ورحمة للمؤمنين، إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم، فتوكل على الله إنك على الحق
المبين ، إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ، وما أنت بهادى العمى عن
ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون
اعلم أنه سبحانه لما تم الكلام فى إثبات المبدأ والمعاد، ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالنبوة، ولمنا
كانت العمدة الكبرى فى إثبات نبوة محمد ليتم هو القرآن، لا جرم بين اللّه تعالى أولا كونه

٢١٦
قوله تعالى : إن ربك يقض بينهم بحكمه. سورة النمل.
معجزة من وجوه ( أحدها ) أن الأقاصيص المذكورة فى القرآن موافقة لما كانت مذكورة فى
التوراة والإنجيل مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أمياً ، وأنه لم يخالط أحداً من العلماء ولم
يشتغل قط بالإستفادة والتعلم. فاذن لا يكون ذلك إلا من قبل اللّه تعالى ، واختلفوا فقال بعضهم
أراد به ما اختلفوا فيه وتباينوا ، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم، وقال بعضهم بل أراد
به أخبار الأنبياء، والأول أقرب (وثانيها) قوله (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) وذلك لأن بعض
الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنبوة ،
وشرح صفات الله تعالى وبيان نعوت جلاله ما لم نجده فى شىء من الكتب ، ووجدنا ما فيه من
الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها ، ووجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت ، فكان هدى ورحمة
من هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة عن جمع كتاب على هذا الوجه ، فعلمنا أنه ليس
إلا من عند الله تعالى، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة ( وثالثها ) أنه هدى ورحمة للمؤمنين ،
لبلوغه فى الفصاحة إلى حيث عجزوا عن معارضته وذلك معجز ، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزاً
دالا على الرسالة ذكر بعده أمرين: (الأول) قوله ( إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز
العليم) والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون، لكن
لا تكن أنت فى قيدهم ، فإن ربك هو الذى يقضى بينهم ، أى بين المصيب والمخطى. منهم ، وذلك
كالزجر للكفار فلذلك قال (وهو العزيز) أى القادر الذى لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا
الحق، فان قيل القضاء والحكم شىء واحد فقوله ( يقضى بحكمه ) كقوله يقضى بقضائه ويحكم
بحكمه ( والجواب ) معنى قوله ( بحكمه) أى بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضى إلا بالعدل ، أو
أراد بحكمه، ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة ( الثانى) أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة
رسالته بأن يتوكل على الله، ولا يلتفت إلى أعداء الله، ويشرع فى تمشية مهمات الرسالة بقلب
قوى، فقال فتوكل على الله، ثم علل ذلك بأمرين (أحدهما) قوله ( إنك على الحق المبين) وفيه
بيان أن المحق حقيق بنصرة اللّه تعالى وأنه لا يخذل (وثانيهما) قوله ( إنك لا تسمع الموتى) وإنما
حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل ، وذلك لأن الإنسان ما دام يطمع فى أحد أن يأخذ منه شيئاً
فانه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته ، فاذا قطع طمعه عنه قوى قلبه على إظهار مخالفته ، فالله سبحانه
وتعالى قطع محمداً عَ لِّ عنهم بأن بين له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون
ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شىء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على
إظهار الدين كما ينبغى ، فان قيل ما معنى قوله (إذا ولوا مدبرين) (جوابه) هو تأكيد لحال الأصم،
لأنه إذا تباعد عن الداعى بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته .
أما قوله تعالى ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) فالمعنى ما يجدى إسماعك إلا الذين علم الله
أنهم يؤمنون بآياته، أى يصدقون بها فهم مسلمون، أى مخلصون من قوله (بلى من أسلم وجهه لله)

٢١٧
قوله تعالى : وإذا وقع القول عليهم. سورة النمل.
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَثْرَجْنَالَهُمْ دَابَّةٌ مِّنَ الأَرْضِ تُكَلُِّهُمْ أَنَّ النَّسَ
كَانُواْ بِهَابَنَِا لَُوقِنُونَ (﴾ وَيَوْمَ تَحْثُرُ مِن كُلِ أُمَّةٍ فَوْجَا ◌ِمَّنْ يُكَذِّبُ بِعَايَئِنَا
فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٢) خَّ إِذَا جَاءُ وَقَالَ أَكَّبْتُمْ بِشَايَنِىِ وَلَمْ تُحِطُواْبِهَا عِلْ أَمَّا ذَا
كُنُمْ تَعْمَلُونَ (﴾ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَهُوْ فَهُمْ لَا يَنِطِقُونَ (وَ أَمْ
يَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوْ فِهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَنْتِ لِّقَوْمُ
يُؤْمِنُنَ
١٦
يعنى جعله سالماً لله تعالى خالصاً له، والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا
بآياتنا لا يوقنون، ويوم تحشر من كل أمة فوجاً من يكذب بآياتنا فهم يوزعون ، حتى إذا جاؤًا
قال أكذبتم بآياتى ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون، ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم
لا ينطقون، ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾
اعلم أن الله تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم، ثم فرع عليهما القول بإمكان
الحشر، ثم بين الوجه فى كون القرآن معجزاً، ثم فرع عليه نبوة محمد برؤ يته، ثم تكلم الآن فى
مقدمات قيام القيامة ، وإنما أخر تعالى الكلام فى هذا الباب عن إثبات النبوة ، لما أن هذه الأشياء
لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية فى جودة الترتيب. واعلم أنه تعالى ذكر
تارة ما يكون كالعلامة لقيام القيامة ، وتارة الأمور التى تقع عند قيام القيامة ، فذكر أولا من
علامات القيامة دابة الأرض ، والناس تكلموا فيها من وجوه ( أحدما ) فى مقدار جسمها، وفى
الحديث أن طولها ستون ذراعاً . وروى أيضا أن رأسها تبلغ السحاب. وعن أبى هريرة ما بين
قرنيها فرسخ للراكب (وثانيها) فى كيفية خلقتها، فروى أن لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.
وعن ابن جريج فى وصفها: رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أبل وصدر أسد ولون نمر
وخاصرة بقرة وذنب كبش وخف بعير (وثالثها) فى كيفية خروجها عن على عليه السلام أنها
تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة
أيام (ورابعها) فى موضع خروجها «سئل النبي ◌ُّلقّم من أين تخرج الدابة؟ فقال من أعظم المساجد

٢١٨
قوله تعالى : وإذا وقع القول عليهم. سورة النمل.
حرمة على الله تعالى المسجد الحرام)) وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية (وخامسها) فى عدد
حروجها . فروى أنها تخرج ثلاث مرات، تخرج بأقصى اليمن، ثم تكمن ، ثم تخرج بالبادية ، ثم
تكمن دهراً طويلا، فبينا الناس فى أعظم المساجد حرمة وأكرمها على اللّه فما يهولهم إلا خروجها
من بين الركن حذاء دار بى مخزوم عن يمين الخارج من المسجد ، فقوم يهربون وقوم يقفون.
( وأعلم ) أنه لا دلالة فى الكتاب على شىء من هذه الأمور، فان صح الخبر فيه عن الرسول
بزيت قبل وإلا لم يلتفت إليه .
أما قوله تعالى ( وإذا وقع القول عليهم ) فالمراد من القول متعلقه وهو ما وعدوا به من قيام
الساعة ووقوعه حصوله ، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها ، أما دابة الأرض فقد عرفتها.
وأما قوله ( تكلمهم ) فقرى تكلمهم من الكلم وهو الجرح، روى أن الدابة تخرج من الصفا
ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان . فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام
فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة فى وجهه حتى يضىء لها وجه، وتنكت الكافر فى أنفه
فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه . واعلم أنه يجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضاً على معنى
التكثير يقال فلان مكلم، أى مجرح. وقرأ أى تنبئهم ، وقرأ ابن مسعود تكلمهم بأن الناس ،
والقراءة بأن مكسورة حكاية لقول الدابة ذلك، أو هى حكاية لقول الله تعالى بين به أنه أخرج
الدابة لهذه العلة . فإن قيل إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف يقول بآياتنا؟ ( جوابه ) أن قولها
حكاية لقول الله تعالى، أو على معنى بآيات ربنا، أو لاختصاصها باللّه تعالى أضافت آيات الله
إلى نفسها ، كما يقول بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا، وإنما هى خيل مولاه وبلاده، ومن قرأ
بالفتح فعلى حذف الجار ، أى تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون .
وأما قوله (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً من يكذب بآياتنا) فاعلم أن هذا من الأمور الواقعة
بعد قيام القيامة ، فالفرق بين من الأولى والثانية ، أن الأولى للتبعيض ، والثانية للتبين كقوله
( من الأوثان).
أما قوله (فهم يوزعون ) معناه يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا فى النار ،
وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك وقوله ( حتى إذا
جاؤا قال أكذبتم بآياتى ) فهذا وإن احتمل معجزات الرسل ) قاله بعضهم، فالمراد كل الآيات
فيدخل فيه سائر الكفار الذين كذبوا بآيات الله أجمع أو بشىء منها .
أما قوله (ولم تحيطوا بها علماً) فالواو للحال كأنه قال أكذتم بها، بادى الرأى من غير فكر
ولا نظر يؤدى إلى إحاطة العلم بكنهها .
أما قوله ( أماذا كنتم تعملون) فالمراد لما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم ، فأى شىء كنتم
تعملونه بعد ذلك؟! كأنه قال كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل ، ثم قال (ووقع القول عليهم) يريد أن

٢١٩
قوله تعالى : ويوم ينفخ في الصور. سورة النمل.
وَيَوْمَ يُنْفَعُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَنَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ
شَآءَ اللّهُ وَكُلُّ أَتَوَهُ دَاخِرِينَ ﴾
العذاب الموعود يغشاهم بسبب تكذيبهم بآيات الله فيشغلهم عن النطق والإعتذار كقوله (هذا
يوم لا ينطقون ) ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال القيامة ذكر كلاما يصلح أن يكون دليلا
على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة فى الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ( ألم
يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) أما وجه دلالته على التوحيد فلما ظهر فى العقول
أن التقليب من النور إلى الظلمة ، ومن الظلمة إلى النور ، لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية. وأما
وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرته تعالى فى هذه الصورة على القلب من النور إلى.
الظلمة وبالعكس ، فأى امتناع فى ثبوت قدرته على القلب من الحياة إلى الموت مرة، ومن الموت
إلى الحياة أخرى. وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع المكلفين،
وفى بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة ، فما المانع من بعثتهم إلى الخلق لأجل تحصيل
تلك المنافع؟ فقد ثبت أن هذه الكلمة الواحدة كافية فى إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة
التى منها منشؤ كفرهم واستحقاقهم العذاب، ثم فى الآية سؤالان:
(السؤال الأول) ما السبب فى أن جعل الإبصار للهار وهو لأهله؟ (جوابه) تنبيهاً على كمال
هذه الصفة فيه .
﴿ السؤال الثانى ) لما قال ( جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) فلم لم يقل والنهار لتبصروا فيه؟
(جوابه) لأن السكون فى الليل هو المقصود من الليل، وأما الإبصار فى النهار فليس هو المقصود
بل هو وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية.
وأما قوله ( إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون) خص المؤمنين بالذكر، وإن كانت أدلة للكل
من حيث اختصوا بالقبول والانتفاع على ما تقدم فى نظائره .
قوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله
.
وكل أتوه داخرين
أعلم أن هذا هو العلامة الثانية لقيام القيامة .
أما قوله (ويوم ينفخ فى الصور) ففيه وجوه: (أحدها ) أنه شىء شبيه بالقرن ، وأن إسرافيل
عليه السلام ينفخ فيه باذن الله تعالى، فإذا سمع الناس ذلك الصوت وهو فى الشدة بحيث لاتحتمله
طبائعهم يفزعون عنده ويصعقون ويموتون. وهو كقوله تعالى (فاذا نقر فى الناقور) وهذا قول
الأكثرين ( وثانيها) يجوز أن يكون تمثيلا لدعاء الموتى فإن خروجهم من قبورهم خروج الجيش

٢٢٠
قوله تعالى : وترى الجبال تحسبها جامدة. سورة النمل.
وَى الْحِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُرُّ مَنَّ الَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَتْقَرَ
كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (
M
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّنْ فَزَعُ يَوْمَيِذٍءَ امِنُونَ (8) وَمَنْ جَآءَ
عند سماع صوت الآلة ( وثالثها ) أن الصور جمع الصور وجعلوا النفخ فيها نفخ الروح والأول
أقرب لدلالة الظاهر عليه ولا مانع يمنع منه .
أما قوله ( ففزع من فى السموات ومن فى الأرض ) فاعلم أنه إنما قال ففزع ولم يقل فيفزع
للاشعار بتحقيق الفزع وثوته ، وأنه كائن لامحالة لأن الفعل الماضى يدل على وجود الفعل وكونه
مقطوعاً به والمراد فزعهم عند النفخة الأولى .
أما قوله ( إلا من شاء اللّه ) فالمراد إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا هم جبريل وميكائيل
وإسرافيل ، وملك الموت ، وقيل الشهداء، وعن الضحاك الحور وخزنة النار وحملة العرش، وعن
جابر موسى منهم لأنه صعق مرة ومثله قوله تعالى ( ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن
فى الأرض إلا من شاء الله) وليس فيه خبر مقطوع، والكتاب إنما يدل على الجملة.
أما قوله ( وكل أتوه داخرين) فقرى أتوه وأتاه ردخرين وداخرين فالجمع على المعنى والتوحيد
على اللفظ والداخر والدخر الصاغر، وقيل معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية ،
ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمر الله وانقيادهم له .
قوله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى أتقن كل شىء
إنه خبير بما تفعلون
اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة وهى تسيير الجبال ، والوجه فى حسبانهم أنها جامدة
فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد فى السمت والكيفية ظن الناظر
اليها أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً .
أما قوله ( صنع الله) فهو من المصادر المؤكدة كقوله (وعد الله) و(صبغة اللّه) إلا أن مؤكده
محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التى لا يقدر عليها سواه
جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التى أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب قال القاضي عبد الجبار
فيه دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه
(والجواب) أن الإتقان لا يحصل إلا فى المركبات فيمتنع وصف الأعراض بها والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت