Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ قوله تعالى : واتل عليهم نبأ إبراهيم. سورة الشعراء. قَالُواْ نَعْبُدُ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ إِذْ قَالَ لِأُبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ (ّ أَصْنَامًا فَنَظَلّ لَهَا عَِكِفِينَ (٣٨) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (*) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (چ﴾ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (چ) قَالَ أَقَرَةَيْتُ مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (٥) أَنتُمْ وَءَابَا ؤُ كُ الْأَقْدَمُونَ (*) فَإِنَّهُمْ عَدُوْ لِ إلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ أما قوله تعالى ( إن فى ذلك لآية ) فالمعنى أن الذى حدث فى البحر آية عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرته لأن أحداً من البشر لا يقدر عليه وعلى حكمته من حيث وقع ما كان مصلحة فى الدين والدنيا ، وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له ، وعلى اعتبار المعتبرين به أبداً فيصير تحذيراً من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله، ويكون فيه اعتبار لمحمد صلى الله عليه وسلم، فانه قال عقيب ذلك ( وما كان أكثرهم مؤمنين) وفى ذلك تسلية له فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبه الله تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره، فإن الذى ظهر على موسى من هذه المعجزات العظام التى تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم لما شاهدوه فى البحر وغيره. فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون فى هذا الصبر تأكيد الحجة عليهم . وأما قوله (وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) فتعلقه بما قبله أن القوم مع مشاهدة هذه الآية الباهرة كفروا ، ثم إنه تعالى كان عزيزاً قادراً على أن يهلكهم ، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل أفاض عليهم أنواع رحمته فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله . القصة الثانية - قصة إبراهيم عليه السلام ﴾ قوله تعالى: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ﴾. اعلم أنه تعالى ذكر فى أول السورة شدة حزن محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كفر قومه ١٤٢ قوله تعالى : فانهم عدولى. سورة الشعراء. ثم إنه ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى: ثم ذكر عقبها قصة ابراهيم عليه السلام ليعرف محمد أيضاً أن حزن إبراهيم عليه السلام بهذا السبب كان أشد من حزنه ، لأن من عظيم المحنة على إبراهيم عليه السلام أن يرى أباه وقومه فى النار وهو لا يتمكن من إنقاذهم إلا بقدر الدعاء والتنبيه فقال لهم ( ما تعبدون) وكان ابراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة فى شىء كما تقول لتاجر الرقيق ما مالك؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول: الرقيق جمال وليس بمال. فأجابوا إبراهيم عليه السلام بقولهم ( نعبد أصناماً فتظل لها عاكفين) والعكوف: الإقامة على الشىء، وإنما قالوا (نظل) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، واعلم أنه كان يكفيهم فى الجواب أن يقولوا نعبد أصناماً ، ولكنهم ضموا إليه زيادة على الجواب وهى قولهم ( فنظل لها عاكفين) وإنما ذكروا هذه الزيادة إظهاراً لما فى نفوسهم من الابتهاج والافتخار بعبادة الأصنام فقال إبراهيم عليه السلام منبهاً على فساد مذهبهم (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) قال صاحب الكشاف: لا بد فى يسمعونكم من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم وقرأ قتادة ( هل يسمعونكم) أى هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم. وهل يقدرون على ذلك وتقرير هذه الحجة التى ذكرها إبراهيم عليه السلام أن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجى. إليه فى المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له فى بذل منفعة أو دفع مضرة ، فقال لهم فإذا كان من تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم ، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر فكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه؟ فعند هذه الحجة القاهرة لم يجد أبوه وقومه ما يدفعون به هذه الحجة فعدلوا إلى أن قالوا (وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذمنا الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التى ذمها الله تعالى وذماً لطريقة إبراهيم عليه السلام التى مدحها اللّه تعالى فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون) أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً، ولا بأن يكون فى فاعليه كثرة أو قلة . أما قوله ( فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ) ففيه أسئلة : ﴿السؤال الأول) كيف يكون الصنم عدواً مع أنه جماد؟ جوابه من وجوه (أحد ها) أنه تعالى قال فى سورة مريم فى صفة الأوثان ( كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدأ) فقيل فى تفسيره إن الله يحيى ما عبدوه من الأصنام حتى يقع منهم التوبيخ لهم والبراءة منهم، فعلى هذا الوجه أن الأوثان ستصير أعداء لهؤلاء الكفار فى الآخرة فأطلق إبراهيم عليه السلام لفظ العداوة عليهم على هذا التأويل ( وثانيها) أن الكفار لما عبدوها وعظموها ورجوها فى طلب ١٤٣ قوله تعالى : الذي خلقني فهو يهدين. سورة الشعراء. الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ (٨﴾ وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينٍ (﴾ وَإِذَا مَرِ ضْتُ ٠٠٠٠٠٠, فَهُوَ يَشْفِينِ (﴾ وَالَّذِىِ يُمِيُنِثُمَّ يُحْبِينٍ (﴾ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِ خَطِبَتِى یَوْمَ الذِینِ ٨٢ المنافع ودفع المضار نزلت منزلة الأحياء العقلاء فى اعتقاد الكفار، ثم إنها صارت أسباباً لانقطاع الإنسان عن السعادة ووصوله إلى الشقاوة، فلما نزلت هذه الأصنام منزلة الأحياء وجرت مجرى الدافع للمنفعة والجالب للمضرة لاجرم جرت مجرى الأعداء، فلا جرم أطلق ابراهيم عليه السلام عليها لفظ العدو ( وثالثها ) المراد من قوله (فإنهم عدو لى) عداوة من يعبدها، فان قيل فلم لم يقل إن من يعبد الأصنام عدولى ليكون الكلام حقيقة؟ (جوابه) لأن الذى تقدم ذكره ما عبدوه دون العابدين . ﴿ السؤال الثانى) لم قال (فإنهم عدو لى) ولم يقل فإنها عدو لكم؟ (جوابه) أنه عليه السلام صور المسألة فى نفسه على معنى إنى فكرت فى أمرى فرأيت عبادتى لها عبادة للعدو فاجتنبتها، وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه، فاذا تفكروا قالوا ما نصحنا ابراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى للقیول . ﴿ السؤال الثالث) لم لم يقل فانهم أعدائى؟ جوابه العدو والصديق يجيئان فى معنى الواحد وقوم على ذوى مرة أراهم عدواً وكانوا صديقا والجماعة ، قال : ومنه قوله تعالى ( وهم لكم عدو ) وتحقيق القول فيه ما تقدم فى قوله ( إنا رسول رب العالمين) ﴿ السؤال الرابع) ما هذا الاستثناء؟ جوابه أنه استثناء منقطع كأنه قال لكن رب العالمين. قوله تعالى: ﴿ الذى خلقنى فهو يهدين. والذى هو يطعمنى ويسقين، وإذا مرضت فهو شفين ، والذى يميتنى ثم يحيين ، والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين﴾ · اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أنه استثنى رب العالمين، حكى عنه أيضاً ما وصفه به مما يستحق لعبادة لأجله، ثم حكى عنه ما سأله عنه، أما الأوصاف فأربعة (أولها) قوله ( الذى خلقنى فهو يهدين ). واعلم أنه سبحانه أثنى على نفسه بهذين الأمرين فى قوله (الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى) واعلم أن الخلق والهداية بهما يحصل جميع المنافع لكل من يصح الانتفاع عليه، فلنتكلم فى الإنسان فنقول إنه مخلوق ، فمنهم من قال هو من عالم الخلق والجسمانيات، ومن قال هو من عالم الأمر الروحانيات، وتركيب البدن الذى هو من عالم الخلق مقدم على إعطاء القلب الذى هو من عالم ١٤٤ قوله تعالى : الذى خلقني فهو يهدين. سورة الشعراء. الأمر على ما أخبر عنه سبحانه فى قوله ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحى ) فالتسوية إشارة إلى تعديل المزاج وتركيب الأمشاج، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية التى هى من عالم الأمر، وأيضاً قال ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) ولما تم مراتب تغيرات الأجسام قال ( ثم أنشأناه خلقاً آخر) وذلك إشارة إلى الروح الذى هو من عالم الملائكة ، ولا شك أن الهداية إنما تحصل من الروح، فقد ظهر بهذه الآيات أن الخلق مقدم على الهداية . أما تحقيقه بحسب المباحث الحقيقية ، فهو أن بدن الإنسان إنما يتولد عندامتزاج المنى بدم الطمث، وهما إنما يتولدان من الأغذية المتولدة من تركب العناصر الأربعة وتفاعلها، فإذا امتزج المنى بالدم فلا يزال ما فيها من الحار والبارد والرطب واليابس متفاعلا ، وما فى كل واحد منها من القوى كاسراً سورة كيفية الآخر ، حينئذ يحصل من تفاعلهما كيفية متوسطة تستحر بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار ، وكذا القول فى الرطب واليابس ، وحينئذ يحصل الاستعداد لقبول قوى مديرة لذلك المركب فبعضها قوى نباتية وهى التى تجذب الغذاء، ثم تمسكه ثم تهضمه ثم تدفع الفضلة المؤذية ، ثم تقيم تلك الأجزاء بدل ما تحلل منها ، ثم تزيد فى جوهر الأعضاء طولا وعرضاً، ثم يفضل عن تلك المواد فضلة يمكن أن يتولد عنها مثل ذلك، ومنها قوى حيوانية بعضها مدركة كالحواس الخمس والخيال والحفظ والذكر، وبعضها فاعلة: إما آمرة كالشهوة والغضب أو مأمورة كالقوى المركوزة فى العضلات ، ومنها قوى إنسانية وهى إما مدركة أو عاملة، والقوى المدركة هى القوى القوية على إدراك حقائق الأشياء الروحانية والجسمانية والعلوية والسفلية ، ثم إنك إذا فتشت عن كل واحدة من مركبات هذا العالم الجسمانى ، ومفرداتها وجدت لها أشياء تلائمها وتكمل حالها وأشياء تنافرها وتفسد حالها، ووجدت فيها قوى جذابة لللائم دفاعة للمنافى، فقد ظهر أن صلاح الحال فى هذه الأشياء لا يتم إلا بالخلق والهداية . أما الخلق فبتصييره موجوداً بعد أن كان معدوماً ، وأما الهداية فبتلك القوى الجذابة للمنافع والدفاعة للمضار فثبت أن قوله ( خلقنى فهو يهدين ) كلمة جامعة حاوية لجميع المنافع فى الدنيا والدين ، ثم ههنا دقيقة وهو أنه قال (خلقتى) فذكره بلفظ الماضى وقال (يهدين) ذكره بلفظ المستقبل، والسبب، فى ذلك أن خلق الذات لا يتجدد فى الدنيا ، بل لما وقع بقى إلى الأمد المعلوم. أما هدايته تعالى فهى ما يتكرر كل حين وأوان سواء كان ذلك هداية فى المنافع الدنيوية، وذلك بأن تحكم الحواس بتمييز المنافع عن المضار أو فى المنافع الدينية ، وذلك بأن يحكم العقل بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر، فبين بذلك أنه سبحانه هو الذى خلقه بسائر ما تكامل به خلقه فى الماضى دفعة واحدة، وأنه يهديه إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات فى كل لحظة ولمحة ( وثانيها) قوله ( والذى هو يطعمنى ويسقين) وقد دخل فيه كل ما يتصل بمنافع الرزق، وذلك لأنه سبحانه إذا خلق له الطعام وملكه ، فلو لم يكن معه ما يتمكن به من أكله والاغتذاء به نحو الشهوة والقوة ١٤٥ قوله تعالى : الذي خلقني فهو يهدين. سورة الشعراء. والتمييز لم تكمل هذه النعمة ، وذكر الطعام والشراب ونبه بذكرهما على ما عداهما ( وثالثها) قوله (وإذا مرضت فهو يشفين) وفيه سؤال، وهو أنه لم قال (مرضت) دون أمرضنى؟ وجوابه من وجوه (الأول) أن كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط من الانسان فى مطاعمه ومشار به وغير ذلك، ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى ماسبب أجالكم؟ لقالوا التخم (الثانى) أن المرض إنما يحدث باستيلاء بعض الأخلاط على بعض، وذلك الاستيلاء إنما يحصل بسبب ما بينها من التنافر الطبيعى. أما الصحة فهى إنما تحصل عند بقاء الأخلاط على اعتدالها وبقاؤها على اعتدالها ، إنما يكون بسبب قاهر يقهرها على الاجتماع ، وعودها إلى الصحة إنما يكون أيضاً بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع والاعتدال بعد أن كانت بطباعها مشتاقة إلى التفرق والمزاع، فلهذا السبب أضاف الشفاء إليه سبحانه وتعالى ، وما أضاف المرض إليه (وثالثها) وهو أن الشفاء محبوب وهو من أصول النعم ، والمرض مكروه وليس من النعم ، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى، فإنَ نقضته بالإماتة (جوابه) أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضرراً وقوع الإحساس به ، وجال حصول الموت لا يقع الإحساس به، إنما الضرر فى مقدماته وذلك هو عين المرض، وأيضاً فلأنك قدعرفت أن الأرواح إذا كملت فى العلوم والأخلاق كان بقاؤها فى هذه الأجساد عين الضرر وخلاصتها عنهاعين السعادة بخلاف المرض ( ورابعها) قوله ( والذى يميتنى ثم يحيين) والمراد منه الإماتة فى الدنيا والتخلص عن آفاتها وعقوباتها ، والمرادمن الإحياء المجازاة (وخامسها) قوله (والذي أطمع أن يغفر لى خطيئنى يوم الدين ) فهو إشارة إلى ماهو مطلوب كل عاقل من الخلاص عن العذاب والفوز بالثواب . واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع فى هذه الألفاظ جميع نعم الله تعالى من أول الخلق إلى آخر الأبد فى الدار الآخرة ، ثم ههنا أسئلة : ﴿ السؤال الأول ) لم قال (والذى أطمع) والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وإنه عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟ (جوابه) أن هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا ، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شیء، وأنه يحسن منه كل شىء ولا اعتراض لأحد عليه فى فعله، وأجاب الجبائى عنه من وجهين (الأول) أن قوله (والذى أطمع أن يغفر لى خطيئى) أراد به سائر المؤمنين لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به ( الثانى ) المراد من الطمع اليقين ، وهو مروى عن الحسن (وأجاب) صاحب الكشاف: بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليما منه لأمته كيفية الدعاء. واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، أما (الأول) فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولا والدعاء ثانياً ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام جعل الشىء الواحد وهو قوله (والذى أطمع أن يغفرلى خطيتى يوم الدين ) كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده، وأما (الثانى) وهو أن الطمع هو اليقين فهذا على خلاف اللغة ، وأما (الثالث) وهو أن الغرض منه تعليم ١٤٦ قوله تعالى : رب هب لي حكما . سورة الشعراء. رَبِّ هَبْ لِ حُكَا وَأَلِحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ ﴿ وَأَجْعَل ◌ِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ آَِّينَ الأمة فباطل أيضاً لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وهو باطل قطعاً. ﴿ السؤال الثانى) لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا قطعاً؟، وفى جوابه ثلاثة وجوه: (أحدها) أنه محمول على كذب ابراهيم عليه السلام فى قوله ( فعله كبيرهم) وقوله ( إنى سقيم) وقوله لسارة (إنها أختى) وهو ضعيف لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة ( وثانيها) أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقاً فى هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذبا حينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيه عن المعصية (وثالثها) وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار ، قيل إنه أخطأ ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. ﴿ السؤال الثالث) لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر فى الدنيا؟ (جوابه) لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفى لا يعلم . ( السؤال الرابع) ما فائدة لى فى قوله (يغفر خطيفتى)؟ و(جوابه) من وجوه: (أحدها) أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته فذلك فى أكثر الأمر إنما يكون طلباً للثواب وهرباً عن العقاب أو طلباً لحسن الثناء والمحمدة أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفورعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغى أو لدفع ما لا ينبغى، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله ( والذى أطمع أن يغفر لى) يعنى هو الذى إذا غفر كان غفرانه لى ولأجلى لا لأجل أمر عائد إليه البتة ( وثانيها ) كأنه قال خلقتنى لا لى فانك حين خلقتنى ما كنت موجوداً وإذا لم أكن موجوداً استحال تحصيل شىء لأجلى ثم مع هذا فأنت خلقتنى، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلى، فلما خلقتنى أولا مع أنى كنت محتاجا إلى ذلك الخلق فلأن تغفرلى وتعفو عنى حال ما أكون فى أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى ( وثالثها) أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه فى بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط ، ولذلك لما قال له جبريل عليه السلام ((ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا )) فيههنا قال (أطمع أن يغفر لى خطيئنى يوم الدين) أى لمجرد عبوديتي لك واحتياجى اليك تغفر لى خطيفتى لا أن تغفرها لى بواسطة شفاعة شافع. قوله تعالى: ﴿رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين، واجعل لى لسان صدق فى الآخرين، ١٤٧ قوله تعالى : رب هب لي حكما . سورة الشعراء. وَأَجْعَلْنِىِ مِن وَرَةٍ جَنَّةِ النَّعِ ﴿﴾ وَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَُّ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (® ٨٤ وَلاَ تُخْزِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ([8] يَوْمَ لَيَنْفَعُ مَالٌ وَلَ بَنُونَ (يْه ◌ِلَّ مَنْ أَنَّى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم ء ٨٩ واجعلنى من ورثة جنة النعيم ، واغفر لأبى إنه كان من الضالين ، ولا تخزنى يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾. اعلم أن الله تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام ثناءه على الله تعالى ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات وتحقيق الكلام فيه أن هذه الأرواح البشرية من جنس الملائكة فكلما كان اشتغالها بمعرفة اللّه تعالى ومحبته والانجذاب إلى عالم الروحانيات أشد كانت مشاكلنها للملائكة أتم ، فكانت أقوى على التصرف فى أجسام هذا العالم، وكلما كان اشتغالها بلذات هذا العالم واستغراقها فى ظلمات هذه الجسمانيات أشد كانت مشاكلنها للبهائم أشد فكانت أكثر عجزاً وضعفاً وأقل تأثيراً فى هذا العالم ، فمن أراد أن يشتغل بالدعاء يجب أن يقدم عليه ثناء الله تعالى وذكر عظمته وكبريائه حتى أنه بسبب ذلك الذكر يصير مستغرقاً فى معرفة الله ومحبته ويصير قريب المشاكلة من الملائكة فتحصل له بسبب تلك المشاكلة قوة إلهية سماوية فيصير مبدأ لحدوث ذلك الشىء الذى هو المطلوب بالدعاء فهذا هو الكشف عن ماهية الدعاء وظهر أن تقديم الثناء على الدعاء من الواجبات وظهر به تحقيق قوله عليه السلام حكاية عن اللّه تعالى ((من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)) فإن قال قائل لم لم يقتصر ابراهيم عليه السلام على الثناء، لا سيما ويروى عنه أيضا أنه قال ( حسبى من سؤالى علبه بحالى )؟ (فالجواب) أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين كان مشتغلا بدعوة الخلق إلى الحق ألا ترى أنه قال (فإنهم عدو لى إلا رب العالمين ) ثم ذكر البناء، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لابد له من تعليم الشرع، فأما حين ما خلا بنفسه، ولم يكن غرضه تعليم الشرع كان يقتصر على قوله ( حسبى من سؤالى علمه بحالى ). ﴿ البحث الثانى ) فى الأمور التى طلبها فى الدعاء وهى مطاليب : ﴿ المطلوب الأول ) قوله (رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين)، ولقد أجابه الله تعالى حيث قال ( وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ) وفيه مطالب: (أحدها ) أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة ، أما عين النبوة الحاصلة أو غيرها، والأول محال لأن تحصيل الحاصل محال، والثانى محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبياً مرتين، بل المراد من الحكم ما هو كمال القوة النظرية ، وذلك بإدراك الحق ومن قوله ١٤٨ قوله تعالى : رب هب لي حكما . سورة الشعراء. (وألحقنى بالصالحين) كمال القوة العملية ، وذلك بأن يكون عاملا بالخير فان كمال الانسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وإنما قدم قوله (رب هب لى حكما) على قوله ( وألحقنى بالصالحين) لما أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات، وأيضاً فانه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير يمكن، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل، وإنما فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر فى ذهنه صور الماهيات، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفى أو بالاثبات ، وتلك النسبة وهى الحكم، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية ، فمثل هذا الادراك يسمى حكمة وحكما، وهو المراد من قوله عليه السلام ((أرنا الأشياء كما هى)) وأما الصلاح فهو كون القوة العاقلة متوسطة بين رذيلتى الافراط والتفريط ، وذلك لأن الافراط فى أحد الجانبين تفريط فى الجانب الآخر وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلا بالاعتدال، ولما كان الاعتدال الحقيقى شيئا واحداً لا يقبل القسمة البتة والأفكار البشرية فى هذا العالم قاصرة عن إدراك أمثال هذه الأشياء، لاجرم لا ينفك البشر عن الخروج عن ذلك الحد وإن قل ، إلا أن خروج المقربين عنه يكون فى القلة بحيث لا يحس به وخروج العصاة عنه يكون متفاحشاً جداً فقد ظهر من هذا تحقيق ماقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وظهر احتياج ابراهيم عليه السلام إلى أن يقول ( وألحقنى بالصالحين ). ﴿ المطلب الثانى) لما ثبت أن المراد من الحكم العلم، ثبت أنه عليه السلام طلب من الله أن يعطيه العلم بالله تعالى وبصفاته، وهذا يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل فى قلب العبد إلا بخلق الله تعالى، وقوله (وألحقنى بالصالحين) يدل على أن كون العبد صالحاً ليس إلا بخلق الله تعالى وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد، لأن عند الخصم كل ما فى قدرة الله تعالى من الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلباً لتحصيل الحاصل وهو فاسد . ﴿المطلب الثالث) أن الحكم المطلوب فى الدعاء إما أن يكون هو العلم بالله أو بغيره والثانى باطل، لأن الانسان حال كونه مستحضراً للعلم بشىء لا يمكنه أن يكون مستحضراً للعلم بشىء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير الله تعالى، والعلم بغير الله تعالى شاغل عن الاستغراق فى العلم بالله كان هذا السؤال طلباً لما يشغله عن الاستغراق فى العلم بالله تعالى، وذلك غير جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق. فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم بالله، ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم بالله تعالى الذى هو شرط صحة الإيمان أو غيره، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلا لكل المؤمنين فكيف لا يكون حاصلا عند ابراهيم عليه السلام ، وإذا كان حاصلا عنده امتنع طلب تحصيله ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء درجات فى معرفة الله تعالى أزيد من العلم ١٤٩ قوله تعالى : رب هب لي حكما . سورة الشعراء. بوجوده وبأنه ليس بمتحيز ولا حال فى المتحيز وبأنه عالم قادر حى، وما ذاك إلا الوقوف على صفات الجلال أو الوقوف على حقيقة الذات أو ظهور نور تلك المعرفة فى القلب. ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ولا يشرحها الخيال ، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر . ﴿المطلوب الثانى) قوله (واجعل لى لسان صدق فى الآخرين) وفيه ثلاث تأويلات. ﴿التأويل الأول) أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ماهو الكمال الذاتى للانسان فى الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذى هو العلم ، ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة. فأما كالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية ، أما الداخلية فهى الخلق الظاهر والخلق الباطن والحلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روخانية ، فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسمانى وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحانى وهو الخلق الباطن، وهو المراد بقوله ( وألحقنى بالصالحين) وأما الخارجية فهى المال والجاه، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك ابراهيم عليه السلام الأمر الجسمانى وهو المال وطلب الأمر الروحانى وهو الجاه والذكر الجميل الباقى على وجه الدهر ، وهو المراد بقوله ( واجعل لى لسان صدق فى الآخرين ) قال ابن عباس رضى الله عنهما وقد أعطاه الله ذلك بقوله (وتركنا عليه فى الآخرين) فان قيل وأى غرض له فى أن يثنى عليه ويمدح؟ جوابه من وجهين (الأول) وهو على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة فى الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفاً فيعجز عن التأثير فاذا اجتمعت طائفة منها فربما قوى مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه ، وهذا المعنى مشاهد فى المؤثرات الجسمانية، إذا ثبت هذا فالانسان الواحد إذا كان بحيث يثنى عليه الجمع العظيم ويمدحونه وبعظمونه ، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سبباً لحصول زيادة كمال له (الثانى) وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحاً فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل ، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعياً لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل . ﴿ التأويل الثانى) أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته فى آخر الزمان من يكون داعياً إلى الله تعالى، وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله (واجعل لى لسان صدق فى الآخرين ) بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . ﴿ التأويل الثالث) قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه، ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لاترى أهل دين إلا ويتوالون ابراهيم عليه السلام، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة فى مدح الكافر و(جوابه) أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر، بل المقصود أن يكون مدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب . ﴿ المطلوب الثالث) قوله (واجعلنى من ورثة جنة النعيم) اعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا ١٥٠ قوله تعالى : رب هب لي حكما. سورة الشعراء. طلب بعدها سعادة الآخرة وهى جنة النعيم ، وشبهها بما يورث لأنه الذى يغتنم فى الدنيا، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا . ﴿ المطلوب الرابع) قوله (واغفر لأبى إنه كان من الضالين) واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصافاً به وهو أبوه فقال (واغفر لأبى ) ثم فيه وجوه (الأول) أن المغفرة مشروطة بالاسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله ( واغفر لأبى ) يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام (الثانى) أن أباه وعده الاسلام كما قال تعالى ( وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ) فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط (فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه) وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطاً لما منعه اللّه عنه ( الثالث ) أن أباه قال له إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً تقية وخوفاً، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، ولذلك قال فى دعائه ( إنه كان من الضالين ) فلولا اعتقاده فيه أنه فى الحال ليس بضال لما قال ذلك . ﴿ المطلوب الخامس) قوله (ولا تخزنى يوم يبعثون) قال صاحب الكشاف: الإخزاء من الخزى وهو الهوان، أو من الخزاية وهى الحياء وههنا أبحاث : ﴿ أحدها ) أن قوله ( ولا تخزنى) يدل على أنه لا يجب على اللّه تعالى شىء على ما بيناه فى قوله ( والذى أطمع أن يغفر لى خطيتى يوم الدين ). ﴿ وثانيها) أن لقائل أن يقول لما قال أولا (واجعلنى من ورثة جنة النعيم) ومتى حصلت الجنة ، امتنع حصول الخزى ، فكيف قال بعده (ولا تخزنى يوم يبعثون) وأيضاً فقد قال تعالى (إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين) فما كان نصيب الكفار فقط فكيف يخافه المعصوم؟ (جوابه) كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات الأبرار دركات المقربين وخزى كل واحد بما يليق به . ﴿ وثالثها) قال صاحب الكشاف: فى يبعثون ضمير العباد لأنه معلوم أو ضمير الضالين. أما قوله ( إلا من أتى الله بقلب سليم) فاعلم أنه تعالى أكرمه بهذا الوصف حيث قال ( وإن من شيعته لإبراهيم ، إذجاء ربه بقلب سليم). ثم فى هذا الإستثناء وجوه (أحدها) أنه إذا قيل لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه، تريد نفى المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك، فكذا فى هذه الآية ( وثانيها ) أن نحمل الكلام على المعنى ونجعل المال والبنين فى معنى الغنى كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل فى دينه بسلامة قلبه كما أن غناه فى دنياه بماله وبنيه ( وثالثها) أن نجعل من مفعولا لينفع أى لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه فى طاعة الله تعالى، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين، ويجوز على هذا إلا من أتى الله ١٥١ قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين. سورة الشعراء. وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٢﴾ وَبِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَلِ ينَ ﴾ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْتَعْبُدُونَ (10) مِن دُونِ الهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ﴿ل ◌َكُبِكُواْ فِهَا هُمْ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾ وَالْغَلُونَ ﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَبْجَعُونَ هـ تَِّ إِنْكُلَفِي ضَلَئِلٍ مُبِينٍ ﴿ إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَيْنَ ﴾ وَمَا أَضَلَّنَآَ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ® ◌َالَنَا مِنْ شَفِعِينَ ﴾ وَلَ صَدِيقِ حَمٍِ () فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٨٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنَ () وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( بقلب سليم من فتنة المال والبنين ، أما السليم ففيه ثلاثة أوجه (الأول) وهو الأصح أن المراد منه سلامة القلب عن الجهل والأخلاق الرذيلة ، وذلك لأنه كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغى من المزاج والتركيب والإتصال ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور فكذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغى له وهو العلم والخلق الفاضل ومرضه عبارة عن زوال أحدهما فقوله ( إلا من أتى الله بقلب سليم) أن يكون خالياً عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها فإن قيل فظاهر هذه الآية يقتضى أن من سلم قلبه كان ناجياً وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد (جوابه) أن القلب مؤثر واللسان والجوارح تبع فلو كان القلب سليما لكانا سليمين لا محالة ، وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب (التأويل الثانى) أن السليم هو الديغ من خشية الله تعالى (التأويل الثالث) أن السليم هو الذى سلم وأسلم وسالم واستسلم والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين، وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون، فكبكبوا فيها هم والغاوون. وجنود إبليس أجمعون، قالوا وهم فيها يختصمون ، تالله إن كنا لفى ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فما لنا من شافعين، ولاصديق حميم، فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ، إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزير الرحيم ﴾ ١٥٢ قوله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين. سورة الشعراء. اعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر فى وصف هذا اليوم أموراً (أحدها) قوله ( وأزلقت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين ) والمعنى أن الجنة قد تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها قال الله تعالى فى صفة أهل الثواب (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) وقال فى صفة أهل العقاب ( فلما رأوه زلمة سيئت وجوه الذين كفروا) وإنما يفعل اللّه تعالى ذلك ليكون سروراً معجلا للمؤمنين وغماً عظيما للكافرين ( ثانيها) قوله (وقيل لهم أينما كنتم) إلى قوله ( وجنود إبليس أجمعون) والمعنى أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله (فكبكبوا فيها هم والغاوون) أى الآلهة وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم ، والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير فى اللفظ دليلا على التكرير فى المعنى كأنه إذا ألقى فى جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر فى قعرها (وجنود إبليس) متبعوه من عصاة الإنس والجن (وثالثها) قوله (قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا لفى ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين). واعلم أن ظاهر ذلك أن من عبد خاصم المعبود وخاطبه بهذا الكلام ، فليس يخلو حال الأصنام من وجهين إما أن يخلقها اللّه تعالى فى الآخرة جماداً يعذب بها أهل النار فينئذ لا يصح أن تخاطب ويجب جمل قولهم ( إذ نسويكم برب العالمين ) على أنه ليس بخطاب لهم أو يقال إنه تعالى يحييها فى النار ، وذلك أيضاً غير جائز لأنه لاذنب لها بأن عبدها غيرها . فالأقرب أنهم ذكروا ذلك لما رأوا صورها على وجه الاعتراف بالخطأ العظيم وعلى وجه الندامة لا على سبيل المخاطبة ، والذى يحمل على أنه خطاب فى الحقيقة قولهم ( وما أضلنا إلا المجرمون) وأرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس وهو كقولهم (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فأما قولهم (فما لنا من شافعين ) كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين (ولا صديق) كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق فى الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادى والتباغض قال تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) أو ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون فى أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس، أو أرادوا أنهم إن وقعوا فى مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفى ما تعلق بهم من النفع. لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذى يهمه ما يهمك ، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخالص ، وإنما جمع الشفعاء ووحد الصديق لكثرة الشفعاء فى العادة وقلة الصديق ، فإن الرجل الممتحن بإرهاق ظالم قد ينهض جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له ، وأما الصديق وهو الصادق فى ودادك، فأعز من بيض الأنوق، ويجوز أن ١٥٣ قوله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين. سورة الشعراء. إِنِی كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحُ أَلَا نَتَّقُونَ (3). لَكُمْ رَسُولُ أَمِنٌ ﴿3﴾ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرَّ إِنْ أَبْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَيْنَ ﴿يَ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (٨) قَالَ وَمَا عِلْيِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (3) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ (١) وَمَا أَنَّأْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنَ (12) إِنْ أَنَاْإِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ خَ﴾. قَالُوْلَبِ لَّمْ تَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُوِمِينَ (٨﴾ قَالَ رَبٍ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونٍ يريد الصديق الجمع ثم حكى تعالى عنهم قولهم ( فلو أن لذا كرة فنكون من المؤمنين ) وأنهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا ، ولو فى مثل هذا الوضع فى معنى التمنى كأنه قيل فليت لنا كرة ، وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقى فى التقدير ، ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو لفعلنا كيت وكيت . قال الجبائى: إن قولهم فنكون من المؤمنين ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن عزمهم لأنه لو كان خبراً عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقاً. لأن الكذب لا يقع من أهل الآخرة، وقد أخبر اللّه تعالى بخلاف ذلك فى قوله ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وقد تقدم فى سورة الأنعام بيان فساد هذا الكلام. ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة إبراهيم عليه السلام الآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال (وما كان أكثرهم مؤمنين) والأ كثرون من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به فيكون هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما يجده من تكذيب قومه . فأما قوله ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) فمعناه أنه قادر على تعجيل الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكى يؤمنوا . القصة الثالثة - قصة نوح عليه السلام قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين، إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون، إنى لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين، فاتقوا الله وأطيعون ، قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون، قال وما على بما كانوا يعملون، إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون ، وما أنا بطارد المؤمنين، إن أنا إلا نذير مبين، قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من ١٥٤ قوله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين. سورة الشعراء. فَاقْتَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٨هِ فَأَنَجَيْنَهُ وَمَنْ مَّعَهُ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٥) ثُمَ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِيَنَ ◌ّهَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثُهُمْ مُّؤْمِنِينَ (١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (3) المرجومين، قال رب إن قومى كذبون، فافتح بينى وبينهم فتحاً ونجنى ومن معى من المؤمنين ، فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون ، ثم أغرقنا بعد الباقين ، إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) أعلم أنه تعالى لما قص على محمد عّ الّ خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح عليه السلام، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، ومع ذلك كذبه قومه فقال ( كذبت قوم نوح) وإنما قال كذبت لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة ، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين: (أحدهما ) أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه فى المعنى يتضمن تكذيب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين (وثانيهما) أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة . وأما قوله (أخوهم) فلأنه كان منهم ، من قول العرب ياأخا بني تميم يريدون ياواحداً منهم ، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولا خوفهم، وثانياً أنه وصف نفسه ، أما التخويف فهو قوله ( ألا تتقون ). واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف، وما لم يحصل الخوف فى قلبه لا يشتغل بالاستدلال، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله (ألا تتقون). وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين (أحدهما ) قوله ( إنى لكم رسول أمين) وذلك لأنه كان فيهم مشهوراً بالأمانة كمحمد مَّ الٍّ فى قريش فكأنه قال كنت أميناً من قبل، فكيف تتهموفى اليوم؟ (وثانيهما) قوله ( وما أسألكم عليه من أجر) أى على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة، فإن قيل: ولماذا كرر الأمر بالتقوى؟ (جوابه) لأنه فى الأول أراد (ألا تتقون ) مخالفتى وأنا وبحول الله، وفى الثانى (ألا تتقون) مخالفتى ولست آخذ منكم أجراً فهو فى المعنى مختلف ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقى الله فى عقوقى وقد ربيتك صغيراً! ألا تتقى الله فى ١٥٥ --- قوله تعالى : فأنجيناه ومن معه. سورة الشعراء. عقوقى وقد علمتك كبيراً، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول، ثم إن نوحا عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ). ( قال صاحب الكشاف ) وقرى. وأتباعك الأرذلون جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد فى واتبعك، وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير فى قولهم (الذين هم أراذلنا) والرذالة الخسة، وإنما استرذلوهم لا تضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة . واعلم أن هذه الشبهة فى نهاية الركاكة، لأن نوحاً عليه السلام بعث إلى الخلق كافة، فلا يختلف الحال فى ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها ، فأجابهم نوح عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله (وما على بما كانوا يعملون) وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم فى قوله (الذين هم أراذلنا بادى الرأى ) ثم قال (إن حسابهم إلا على ربى) معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى ، ولما قال ( إن حسابهم إلا على ربى) وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله (لو تشعرون) ثم قال (وما أنا بطارد المؤمنين) وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكى يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك ، فبين أن الذى يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله ( إن أنا إلا نذير مبين) والمراد إنى أخوف من كذبنى ولم يقبل منى، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد، ثم إن نوحاً عليه السلام لما تم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد، فقالوا ( لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين) والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة ، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم، وقال (رب إن قومى كذبونى، فافتح بينى وبينهم فتحاً ) وليس الغرض منه إخبار اللّه تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد إنى لا أدعوك عليهم لما آذونى، وإنما أدعوك لأجلك ولا جل دينك ولأنهم کذبونی فی وحیك ورسالتك ( فافتح بينی وبینھم ) أى فاحكم بينى وبينهم والفتاحة الحكومة، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه (ونجنى) ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى، وقد تقدم القول فى قصته مشروحاً فى سورة الأعراف وسورة هود. ثم قال تعالى ( فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون ) قال صاحب الكشاف: الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى ( وترى الفلك فيه مواخر) فالواحد يوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال شحنها عليهم خيلا ورجلا، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة، وأن ١٥٦ قوله تعالى : كذبت عاد المرسلين. سورة الشعراء. كَذَّبَتْ عَدُ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودُّ أَلَا تَتَّقُونَ (g) إِ لَكُمْ ٤٩٠٠٠١٤٠١٠ ٤٠٠٠ وَمَا أَسْعَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرٍ إِنْ ١٢٦ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٥ رَسُولُ أَمِينٌ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلٍ رِيِي ءَايَةً تَعْبُونَ ﴿هَ وَتَّخِذُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَنْتُمْ جَبَّارِينَ (٢) فَأَتَّقُواْ اللّهَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ١٢٩ وَأَطِيعُونِ (٤) وَاتَّقُواْ الَّذِّ أَمَدَّ كُم بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿ أَمَدَّكُم بِأَنْغَمٍ وَيَنِينَ (9) وَجَنْتٍ وَعُونٍ (٣) إِنِّ أَخَافُ عَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ◌َّ قَالُواْ سَوَاءٍ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَّعِظِينَ ﴿١) إِنَّ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْتَهُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثُم نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ مُؤْمِنِينَ (*) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم ، وبين تعالى أنه بعد أن أنتجاهم أغرق الباقين وأن إغراقه لهم كان القصة الرابعة - قصة هود عليه السلام ﴾ كالمتأخر عن نجاتهم . قوله تعالى : ﴿ كذبت عاد المرسلين، إذقال لهم أخوهم هود ألا تتقون، إنى لكم رسول أمين ، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين، أتبنون بكل ربع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون , وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون، واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، إن هذا إلا خلق الأولين، وما نحن بمعذبين، فكذبوه فأهلكناهم إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) ١٥٧ قوله تعالى : إن هذا إلا خلق الأولين. سورة الشعراء. اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة فى إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التى تكلم فيها هود عليه السلام معهم وهى ثلاثة ( فأولها) قوله (أتبنون بكل ربع آية تعبثون) قرى. بكل ريع بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع ، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها ، والآية العلم . ثم فيه وجوه (أحدها ) عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبئون فيه بمن يمر فى الطريق إلى هود عليه السلام ( والثانى ) أنهم كانوا يبنون فى الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً قنهوا عنه ونسبوا إلى العبث ( والثالث ) أنهم كانوا من يهتدون بالنجوم فى أسفارهم فاتخذوا فى طريقهم أعلاماً طوالا فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم ( الرابع) بنوا بكل ربع بروج الحمام ( وثانيها) قوله (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون (لعلكم تخلدون) ترجون الخلد فی الدنیا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفی مصحف أبى كانكم، وقری. تخلدون بضم التاء مخففاً، ومشدداً، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف . أو على الخيلاء، والثانى: إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار مر لادار مقر (وثالثها) قوله (وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين، وقد بينا فى غير هذا الموضع أن هذا الوصف فى العباد ذم وإن كان فى وصف الله تعالى مدحا فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار، وحاصل الأمر فى هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية ، يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو ، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو. وهذه صفات الإلهية ، وهى متنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية ، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية، ثم لما ذكر هود عليه السلام هذه الأشياء قال ( فاتقوا الله وأطيعون) زيادة فى دعائهم إلى الآخرة وزجراً لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولا ثم التفصيل ثانياً فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال ( أمدكم بما تعلمون ) ثم فصلها من بعد بقوله (أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) فبلغ فى دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية فكان جوابهم (سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ) أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه ، واستخفافهم بما أورده فإن قيل لو قال ( أوعظت ) أم لم تعظ. كان أخصر والمعنى واحد (جوابه) ئيس المعنى بواحد لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذى هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ومباشرته ، فهو أبلغ فى ١٥٨ قوله تعالى : كذبت ثمود المرسلين. سورة الشعراء. كَذَّبَتْ نَهُودُ الْمُرْسَلِينَ (٤) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (2) إِّى ٤٤٠٠ " وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرٍ. صـ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينَ ٠١٤٤ إِنْ أَبْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَتُتْرَكُونَ فِ مَاهَهُنَاَ ءَلِمِنِينَ (2) فِ جَنَّتٍ وَعُونٍ ﴿ وَزُرُوعِ وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (٨) وَّْتُونَ مِنَ أَِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ فَتَّقُواْ الَّهَ وَأَطِيعُونِ (يٌ وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ الْمُسْرِفِينَ (2﴾ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ١٤٩ مَآَ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ ١٥٣ اُلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (ثَ قَالُواْإِنََّآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ( قَالَ هَذهِ، نَاقَةٌ لَّمَا شِرْبٌ وَلَكُمْ ١٥٤ مَثْلُنَا فَأَت بِعَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ ، ثم احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقولهم ( إن هذا إلا خلق الأولين ) فمن قرأ خاق الأولين بالفتح، فمعناه أن ماجئت به اختلاق الأولين ، وتخرصهم كما قالوا (أساطير الأولين) أو ماخلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب، ومن قرأ خلق بضمتين وبواحدة، فمعناه ما هذا الذى نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين، وعادتهم كانوا به يدينون ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذى نحن عليه من الحياة والموت إلاعادة لم يزل عليها الناس فى قديم الدهر ، أو ماهذا الذى جئت به من الكذب إلاعادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه، ثم قالوا ( وما نحن بمعذبين) أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من إنكار المعاد، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم، وقد سبق شرح كيفية الهلاك فى سائر السور. والله أعلم، القصة الخامسة - قصة صالح عليه السلام قوله تعالى: ﴿ كذبت نمود المرسلين، إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون، إنى لكم رسول أمين ، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين، أتتركون فما ههنا آمنين، فى جنات وعيون، وزروع ونخل طلعها هضيم، وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين، فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، قالوا إنما أنت من المسحرين ، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين، 1 قوله تعالى : قال هذه ناقة لها شرب. سورة الشعراء. ١٥٩ شِرْبُ يَوْمِ مَّعْلُومِ ﴿ وَلَا تَسُوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( ١٥ فَعَفَرُوهَا فَأَصْبَحُوْنَكِمِينَ (﴾ فَأَخَلَّهُ الْعَذَابُّ إِنَّفِى ذَلِكَ لآيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثُمُ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (3) قال هذه ناقة لهاشرب ولكم شرب يوم معلوم ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ، فعقروها فأصبحوا نادمين، فأخذهم العذاب إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ . اعلم أن صالحاً عليه السلام خاطب قومه بأمور (أحدها) قوله ( أتتركون فيما ههنا آمنين) أى أتظنون أنكم تتركون فى دياركم آمنين وتطمعون فى ذلك وأن لا دار للمجازاة . وقوله ( فيما ههنا آمنين ) فى الذى استقر فى هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله ( فى جنات وعيون) وهذا أيضاً إجمال ثم تفصيل ، فإن قيل لم قال ونخل بعد قوله ( فى جنات ) والجنة تتناول النخل (جوابه) من وجهين (الأول) أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله فى جملة سائر الشجر تنبيهاً على فضله على سائر الأشجار (والثانى) أن يراد بالجنات غيرها من الشجر، لأن اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل ، والطلع هو الذى يطلع من النخلة كنصل السيف فى جوفه شماريخ، والهضيم اللطيف أيضاً من قولهم: كشح هضيم، وقيل الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره (وثانيها) قوله تعالى ( وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين) قرأ الحسن وتنحتون بفتح الحاء، وقرى فرهين وفارهين والفراهة الكيس والنشاط ، فقوله ( فارهين ) حال من الناحتين . ( واعلم) أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات الحالية، وهى طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر ، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية ، وهى طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة ( وثالثها) قوله تعالى (ولا تطيعوا أمر المسرفين) وهذا إشارة إلى أنه يجب الاكتفاء من الدنيا بقدر الكفاف، ولا يجوز التوسع فى طلبها والاستكثار من لذاتها وشهواتها ، فإن قيل ما فائدة قوله ( ولا يصلحون ) (جوابه) فائدته بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شىء من الصلاح، كما يكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح، ثم إن القوم أجابوه من وجهين (أحدهما) قولهم (إنما أنت من المسحرين) وفيه وجوه (أحدها) المسحر هو الذى سحر كثيراً حتى غلب على عقله ( وثانيها) من المسحرين، أى من له ١٦٠ قوله تعالى : كذبت قوم لوط المرسلين. سورة الشعراء. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ الْمُرْسَلِينَ (٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٍ أَلَا نَتَّقُونَ (3) إِى لَكُرْ ٤ ﴿ وَمَا أَسْ عَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَّ إِنْ أَجِْىَ إِلَّا فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ رَسُولٌ أمِينٌ عَلَى رَبِّ الْعَلَِينَ أَتَأْتُونَ الَّذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ ◌َ) وَتَذَرُونَ فَا خَلَقَ لَكُمْ ج رَبْكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُّ ◌َادُونَ (﴾ قَالُواْ لَبٍ لَّمْ تَنْتَهِ يَئُلُوطُ لَتَكُونَنَّ سحر ، وكل دابة تأكل فهى مسحرة، والسحر أعلى البطن. وعن الفراء المسحر من له جوف، أراد أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب ( وثالثها ) عن المؤرج المسحر هو المخلوق بلغة بجيلة ﴿وثانيهما) قولهم ( ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) وهذا يحتمل أمرين: (الأول) أنك بشر مثلنا فكيف تكون نبياً؟ وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون فى الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين، لكانوا من جنس الملائكة (الثانى) أن يكون مرادهم إنك بشر مثلنا، فلا بد لنا فى إثبات نبوتك من الدليل، فقال صالح عليه السلام (هذه ناقة لها شرب) وقرى بالضم، روى أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقباً، فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام: صل ركعتين وسل ربك الناقة ، ففعل خرجت الناقة وبركت بين أيديهم وحصل لها سقب مثلها فى العظم ، ووصاهم صالح عليه السلام بأمرين: (الأول ) قوله (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماهم كله، وشربهم فى اليوم الذى لا تشرب هى (والثانى) قوله ( ولا تمسوها بسوء) أى بضرب أو عقر أو غيرهما (فيأخذكم عذاب يوم عظيم) عظم اليوم لحلول العذاب فيه، ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب ، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد، ثم إن الله تعالى حكى عنهم أنهم عقروها. روى أن مصدعاً ألجأها إلى مضيق فرماها بسهم فسقطت ، ثم ضربها قدار ، فإن قيل لم أخذهم العذاب وقد ندموا (جوابه) من وجهين ( الأول ) أنه لم يكن ندمهم ندم التائبين ، لكن ندم الخائفين من العذاب العاجل ( الثانى ) أن الندم وإن كان ندم التائبين ، ولكن كان ذلك فى غير وقت التوبة ، بل عند معاينة العذاب، وقال تعالى ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) الآية. واللام فى العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم . القصة السادسة - قصة لوط عليه السلام قوله تعالى: ﴿ كذبت قوم لوط المرسلين، إذقال لهم أخوهم لوط ألا تتقون، إنى لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين، أتأتون