Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى : وهو الذى خلق من الماء بشرا. سورة الفرقان.
وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ مِنَ الْمَآءِبَّرًا بَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًّا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرً (﴾
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الَِّ مَلَيَنْقَمُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ
ظَهِبْرًا ( وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَُّبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( قُلْ مَ أَسْعَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَبْرٍ
إِلَّ مَنْ شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَّ إِلَى رَبِهِ سَبِيلًا (8﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِ الَّذِى لَا يُوتُ وَسَبِّحْ
بِجَمْدِهِ، وَكَ بِهِ، بِذُنُبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾
الثانى فضعيف ، لأن موضع الاستدلال لابد وأن يكون معلوماً، فأما بمحض التجويز فلا
يحسن الاستدلال، لأنا نقول المراد من البحر العذب هذه الأودية، ومن الأجاج البحار
الكبار ، وجعل بينهما برزخاً ، أى حائلا من الأرض، ووجه الاستدلال ههنا بين، لأن العذوبة
والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا
بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة معينة .
قوله تعالى ( وهو الذى خلق من الماء بشراً تجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً).
واعلم أن هذا هو ( النوع الخامس من دلائل التوحيد ) وفيه بحثان:
( الأول ) ذكروا فى هذا الماء قولين (أحدهما) أنه الماء الذى خلق منه أصول الحيوان،
وهو الذى عناه بقوله ( والله خلق كل دابة من ماء) (والثانى) أن المراد النطفة لقوله ( خلق من
ماء دافق )، ( من ماء مهين ) .
﴿ البحث الثانى﴾ المعنى أنه تعالى قسم البشر قسمين ذوى نسب، أى ذكوراً ينسب إليهم،
فيقال فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان ، وذوات صهر ، أى إناثاً يصاهرن ونحوه، قوله تعالى
( فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)، (وكان ربك قديراً) حيث خلق من النطفة الواحدة
نوعين من البشر الذكر والأنثى.
قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيراً،
وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً، قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا،
وتوكل على الحی الذی لا يموت وسبح بحمده و کفى به بذنوب عباده خبيراً
واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فى عبادة الأوثان، وفى
الآية مسائل :

١٠٢
قوله تعالى: وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا. سورة الفرقان.
المسألة الأولى﴾ قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه، والأولى حمله على
العموم، لأن خصوص السبب لا يقدح فى عموم اللفظ ، ولأنه أوفق بظاهر قوله ( ويعبدون
من دون الله ).
المسألة الثانية ﴾ ذكروا فى الظهير وجوهاً (أحدها) أن الظهير بمعنى المظاهر، كالعوين
بمعنى المعاون ، وفعيل بمعنى مفاعل غير غريب، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة .
فإن قيل كيف يصح فى الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة ؟ قلنا إنه تعالى ذكر
نفسه وأراد رسوله كقوله ( إن الذين يؤذون الله) (وثانيها) يجوز أن يريد بالظهير الجماعة، كقوله
( والملائكة بعد ذلك ظهير ) كما جاء الصديق والخليط، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالكافر
الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله تعالى، قال تعالى ( وإخوانهم يمدونهم
فى الغى )، ( وثالثها) قال أبو مسلم الأصفهانى: الظهير من قولهم ، ظهر فلان بحاجتى إذا نبذها وراء
ظهره ، وهو من قوله تعالى ( واتخذتموه وراءكم ظهرياً) ويقال فيمن يستهين بالشىء : نبذه وراء
ظهره، وقياس العربية أن يقال مظهور ، أى مستخف به متروك وراء الظهر ، فقيل فيه ظهير فى
معنى مظهور ، ومعناه هين على الله أن يكفر الكافر وهو تعالى مستهين بكفره.
أما قوله تعالى ( وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً) فتعلق ذلك بما تقدم ، هو أن الكفار
يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله، والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرم
على الطاعة ، وينذرهم على المعصية ، فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب، فلا جهل أعظم من
جهل من استفرغ جهده فى إيذاء شخص استفرغ جهده فى إصلاح مهماته ديناً ودنيا، ولا يسألهم
على ذلك البتة أجراً .
أما قوله ( إلا من شاء) فذكروا فيه وجوهاً متقاربة (أحدها) لا يسألهم على الأداء والدعاء
أجراً، إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق فى الجهاد وغيره، فيتخذوا به سبيلا إلى رحمة ربهم
ونيل ثوابه (وثانيها) قال القاضى: معناه لا أسألكم عليه أجراً لنفسى وأسألكم أن تطلبوا الأجر
لانفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم ( وثالثها) قال صاحب الكشاف: مثال قوله ( إلا من شاء)
والمراد إلا فعل من شاء، واستثناؤه عن الأجرقول ذى شفقة عليك قد سعى لك فى تحصيل مال:
ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت ، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه ، فليس حفظك المال
لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما
قلع شبهة الطمع فى الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثواباً ، فانى أطلب الثواب،
والثانية إظهار الشفقة البالغة ، وأن حفظك لمالك يجرى مجرى الثواب العظيم الذى توصله إلى،
ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلا، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة ، وقيل المراد
التقرب بالصدقة والنفقة فى سبيل الله .

١٠٣
قوله تعالى : الذي خلق السموات والأرض. سورة الفرقان
ج
الَّذِى خَقَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
الَّحْمَنُ فَسْعَلْ بِهِ خَيْرًاً (﴾ وَ إِذَا قِلَ لَهُمْ أَسْجُدُواْ لِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
تَأُْنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا
أما قوله ( وتوكل على الحى الذى لا يموت ) فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون
على إيذائه ، فأمره بأن لا يطلب منهم أجراً البتة ، أمره بأن يتوكل عليه فى دفع جميع المضار ، وفى
جلب جميع المنافع، وإنما قال ( على الحى الذى لا يموت ) لان من توكل على الحى الذى يموت ،
فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعاً ، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حى لا يموت فلا يضيع
المتوكل عليه البتة .
أما قوله (وسبح بحمده) فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول ، ومنهم من حمله على الصلاة،
ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به فى توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال(وكفى
به بذنوب عباده خبيرا) وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال: كفى بالعلم جمالا ، وکفی بالأدب مالا .
وهو بمعنى حسبك، أى لاتحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد
شديد، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم عليه فى مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة.
قوله تعالى: ﴿الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش
الرحمن فاسأل به خبيراً ، وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا
وزادهم نفورا ﴾
أعلم أنه سبحانه لما أمرالرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور (أولها) بأنه حى لا يموت
وهو قوله ( وتوكل على الذى لا يموت ) (وثانيها) أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله (وكفى به
بذنوب عباده خبيراً) (وثالثها) أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله ( الذى خلق
السموات والأرض) فقوله (الذى خلق ) متصل بقوله ( الحى الذى لا يموت) لأنه سبحانه
لما كان هو الخالق السموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه
المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته حينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. وفى الآيه سؤالات:
﴿ السؤال الأول ) الأيام عبارة عن حركات الشمس فى السموات فقبل السموات لا أيام،
فكيف قال الله خلقها فى ستة أيام؟ (الجواب) يعنى فى مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشىء الذى
يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً ، بل لابد وأن يكون
موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضى قدم الزمان، لأنا نقول هذا

١٠٤
قوله تعالى : الذي خلق السموات والأرض. سورة الفرقان
معارض بنفس الزمان ، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لاتحتمل خمسة أيام ، والمدة المتوهمة
التى تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم هذا
لم يلزم ما قلتموه. وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولا ثم خلق السموات والأرض
فيها بمقدار ستة أيام، ومن الناس من قال فى ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو
بعيد لأن التعريف لابد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول .
﴿ السؤال الثانى ) لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير؟ (الجواب) أما على قولنا فالمشيئة
والقدرة كافية فى التخصيص ، قالت المعتزلة بل لابد من داعى حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم
بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين (أحدهما) أن حصول تلك الحكمة، إما أن
يكون واجباً لذاته أو جائزا فان كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلا فى كل الأزمنة ، فلا
يصلح أن يكون سبباً لتخصيص زمان معين وإن كان جائزا افتقر حصول تلك الحكمة فى ذلك
الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل ( والثانى) أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه
خاطر المكلف وعقله ، فصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعورا به كيف يقدح فى حصول المصالح.
واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال
هذه الأسئلة ، فانه بحر لا ساحل له. من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة
العرش بالثمانية وشهور السنة بائى عشر والسموات بالسبع وكذا الأرض وكذا القول فى عدد
الصلوات ومقادير النصب فى الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات .. فالإقرار بأن كل ما قاله
الله تعالى حق هو الدين، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى فى قوله
(وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا
الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ، وليقول الذين
فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا) ثم قال ( وما يعلم جنود ربك إلا هو )
وهذا هو الجواب أيضاً فى أنه لم لم يخلقها فى لحظة وهو قادر على ذلك؟ وعن سعيد بن جبير أنه إنما
خلقها فى ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها فى لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت ، قيل تم خلقها يوم
الجمعة فجعلها الله تعالى عيدا للمسلمين.
﴿ السؤال الثالث) ما معنى قوله ( ثم استوى على العرش )؟ ولا يجوز حمله على الإستيلاء
والقدرة، لأن الإستيلاء والقدرة فى أوصاف الله لم تزل ولا يصح دخول ثم فيه و (الجواب)
الاستقرار غير جائز، لأنه يقتضى التغير الذى هو دليل الحدوث، ويقتضى التركيب والبعضية وكل
ذلك على الله محال بل المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى ( ولنبلونكم حتى
نعلم ) فان المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون، فان قيل فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون
خلق العرش بعد خلق السموات. وليس كذلك لقوله تعالى (وكان عرشه على الماء) قلنا: كلمة ثم

١٠٥
قوله تعالى : انسجد لما تأمرنا؟ سورة الفرقان
ما دخلت على خلق العرش ، بل على رفعه على السموات .
﴿السؤال الرابع) كيف إعراب قوله (الرحمن فاسأل به خبيراً)؟ (الجواب) الذى خلق مبتدأ
والرحمن خبره ، أو هو صفة للحى ، أو الرحمن خبر مبتدأ محذوف. ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن
يكون الوقف على قوله على العرش ثم يبتدئ بالرحمن أى هو الرحمن الذى لا ينبغى السجود
والتعظيم إلا له، ويجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وخبره قوله ( فاسأل به خبيراً).
﴿ السؤال الخامس ) ما معنى قوله (فاسأل به خبيراً)؟ (الجواب) ذكروا فيه وجوهاً
(أحدها) قال الكلبى معناه فاسأل خبيراً به. وقوله ( به ) يعود إلى ما ذكرنا من خلق السماء
والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو اللّه عزوجل لأنه لا دليل
فى العقل على كيفية خلق الله السموات والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس
أن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرموس الآى وحسن النظم (وثانيها ) قال
الزجاج قوله ( به) معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيراً ، وهو قول الأخفش ، ونظيره قوله (سأل
سائل بعذاب واقع) وقال علقمة بن عبدة :
بصير بأدواء النساء طبيب
فإن تسألونى بالنساء فاننى
(وثالثها) قال ابن جرير الباء فى قوله (به) صلة والمعنى فله خبيراً، وخبيراً نصب على الحال
( ورابعها) أن قوله به يجرى مجرى القسم كقوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به).
أما قوله (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) فهو خبر عن قوم قالوا هذا القول.
ويحتمل أنهم جهلوا اللّه تعالى، ويحتمل أنهم وإن عرفوه لكنهم جحدوه، ويحتمل أنهم وإن
اعترفوا به لكنهم جهلوا أن هذا الإسم من أسماء الله تعالى وكثير من المفسرين على هذا القول
الأخير. قالوا الرحمن اسم من أسماء الله مذكور فى الكتب المتقدمة، والعرب ماعرفوه قال مقاتل:
إن أبا جهل قال إن الذى يقوله محمد شعر ، فقال عليه السلام الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن
فقال أبو جهل بخ بخ. لعمرى والله إنه لكلام الرحمن الذى باليمامة هو يعلمك . فقال عليه السلام
((الرحمن الذى هو إله السماء ومن عنده يأتينى الوحى)) فقال يا آل غالب من يعذر نى من محمد يزعم
أن الله واحد، وهو يقول الله يعلمنى والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان ثم قال ربكم الله الذى خلق
هذه الأشياء، أما الرحمن فهو مسيئة. قال القاضى والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم، لأن
هذه اللفظة عربية ، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة فى الإنعام، ثم إن قلنا بأنهم كانوا منكرين لله
كان قولهم ( وما الرحمن ) سؤال طالب عن الحقيقة، وهو يجرى مجری قول فرعون ( وما رب
العالمين ) وإن قلنا بأنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم
( وما الرحمن ) سؤالا عن الإسم .
أما قوله (أنسجد لما تأمرنا) فالمعنى الذى تأمرنا بسجوده على قوله أمرتك بالخير، أو لأمرك

١٠٦
قوله تعالى : تبارك الذي جعل في السماء بروجا. سورة الفرقان.
تَبَرَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَاجًا وَقَرًا مُنِبْرًا ﴾ وَهُوَ
الَّذِىِ جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (َ
لنا ، وقرى. يأمرنا بالياء كان بعضهم قال لبعض أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن
ولانعرف ماهو، وزادهم أمره نفوراً، ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول . قال الضحاك
فسجد رسول اللّه صَّ اله وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما
رآهم المشركون يسجدون تباعدوا فى ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله ( وزادهم
نفوراً ) أى فزادهم سجودهم نفوراً .
قوله تعالى: ﴿ تبارك الذى جعل فى السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقرأ منيراً، وهو الذى
جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً }
أعلم أنه سبحانه لما حكى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا
وجوب السجود والعبادة للرحمن ، فقال (تبارك الذى جعل فى السماء بروجاً) أما تبارك فقد تقدم
القول فيه ، وأما البروج فهى منازل السيارات وهى مشهورة سميت بالبروج التى هى القصور العالية
لأنها لهذه الكوا كب كالمنازل لسكانها ، واشتقاق البروج من التبرج لظهوره، وفيه قول آخر عن
ابن عباس رضى الله عنهما أن البروج هى الكواكب العظام والأول أولى لقوله تعالى ( وجعل
فيها) أى فى البروج فإن قيل لم لا يجوز أن يكون قوله فيها راجعاً إلى السماء دون البروج؟ قلنا لأن
البروج أقرب فعود الضمير إليها أولى والسراج الشمس لقوله تعالى (وجعل الشمس سراجاً )
وقرى. ( سراجاً) وهى الشمس والكواكب الكبار فيها وقرأ الحسن والأعمش (وقمراً منيراً)
وهى جمع ليلة قمراء كأنه قيل وذا قمر منيراً، لأن الليالى تكون قراء بالقمر فأضافه إليها ، ولا يبعد
أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب. وأما الخلقة ففيها قولان: (الأول)
أنها عبارة عن كون الشيئين بحيث أحدهما يخلف الآخرويأتى خلفه ، يقال فلان خلفة واختلاف،
إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه، والمعنى جعلهما ذوى خلفة أى ذوى عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا .
قال ابن عباس رضى الله عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط
فى عمل فى أحدهما قضاه فى الآخر، قال أنس بن مالك قال رسول اللّه عري الله لعمر بن الخطاب
وقد فاتته قراءة القرآن بالليل « يا ابن الخطاب لقد أنزل الله فيك آية وتلا: وهو الذى جعل الليل
والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر. مافاتك من النوافل بالليل فافضه فى نهارك ، وما فاتك من النهار
فاقضه فى ليلك )) ( القول الثانى) وهو قول مجاهد وقتادة والكسائى يقال لكل شيئين اختلفا هما
خلفان فقوله خلفة أى مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير، والقول الأول أقرب

١٠٧
قوله تعالى : وعباد الرحمن. سورة الفرقان
وَعِبَادُ الَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَ إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ
سَمًا (®ِ وَالَّذِينَ بِيْتُونَ لِرَيْهِمْ ◌ُجَّدًا وَقِيَمَا (٨﴾ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا
عَذَابَ جَهُمَّ إِنَّ عَهَا كَانَ غَرَامًا (٥﴾ إِنَّهَ سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (﴾ وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ◌َ﴾
أما قوله تعالى ( أن يذكر ) فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة بالتخفيف وعن أبى بن كعب
يتذكر، والمعنى لينظر الناظر فى اختلافهما فيعلم أنه لا بد فى انتقالها من حال إلى حال من ناقل ومغير
وقوله (أن يذكر ) راجع إلى كل ما تقدم من النعم، بين تعالى أن الذين قالوا وما الرحمن لو
تفكروا فى هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم قدرته ، ولشكر الشاكرين على النعمة
فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا
فبه ولتبتغوا من فضله) أو ليكونا وقتين للتذكرين والشاكرين، من فاته فى أحدهما ورد من
العبادة قام به فى الآخر ، والشكور مصدر شكر يشكر شكوراً.
قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا
سلاماً ، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها
كان غراماً ، إنها ساءت مستقراً ومقاماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفواولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ﴾
اعلم أن قوله ( وعباد الرحمن) مبتدأ خبره فى آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين
هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة، ويجوزأن يكون خبره الذين يمشون، واعلم أنه سبحانه خص
اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية ، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات ، وقرى.
(وعباد الرحمن ) وأعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات:
﴿ الصفة الأولى) قوله (الذين يمشون على الأرض هوناً) وهذا وصف سيرتهم بالنهار
وقرى. ( يمشون هوناً) حال أوصفة للمشى بمعنى هينين أو بمعنى مشياً هيناً، إلا أن فى وضع المصدر
موضع الصفة مبالغة، والهون الرفق واللين. ومنه الحديث (أحبب حبيبك هو ناما)) وقوله ((المؤمنون
هينون لينون)) والمعنى أن مشيهم يكون فى لين وسكينة ووقار وتواضع، ولا يضربون بأقدامهم
أشراً وبطراً ، ولا یتبخترون لأجل الخيلاء كما قال ( ولا تمش فى الأرض مرحاً) وعن زيد بن

١٠٨
قوله تعالى : إنها ساءت مستقرا ومقاما. سورة الفرقان
أسلم التمست تفسير (هوناً) فلم أجد، فرأيت فى النوم فقيل لى هم الذين لا يريدون الفساد فى الأرض،
وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علواً فى الأرض .
﴿ الصفة الثانية ) قوله تعالى (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) معناه لا تجاهلكم ولا
خير بيننا ولا شر أى نسلم منكم تسليما، فأقيم السلام مقام التسليم ، ثم يحتمل أن يكون مرادهم
طلب السلامة والسكوت، ويحتمل أن يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكى يمتنعوا،
ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم فى
مقابلة الجهل ، قال الأصم (قالوا سلاماً) أى سلام توديع لاتحية، كقول إبراهيم لأبيه (سلام
عليك ) ثم قال الكلبى وأبو العالية نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء
وترك المقابلة مستحسن فى العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع .
( الصفة الثالثة) قوله ( والذين يبيتون لربهم سحداً وقياماً) واعلم أنه تعالى لمنا ذكر
سيرتهم فى النهار من وجهين (أحدهما) ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله (يمشون على الأرض
هوناً) والآخر تحمل التأذى، وهو المراد من قوله (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)
فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق فى النهار، فبين فى هذه الآيات سيرتهم فى الليالى عند الاشتغال
بخدمة الخالق وهو كقوله ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) ثم قال الزجاج كل من أدركه الليل
قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقاً، ومعنى ( يبيتون لربهم) أن يكونوا فى لياليهم
مصلين، ثم اختلفوا فقال بعضهم: من قرأ شيئاً من القرآن فى صلاة وإن قل، فقد بات ساجداً
وقائما، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعاً بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم بإحياء
الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائماً ويبيت قائماً، قال الحسن يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون
له وجوههم تجرى دموعهم على خدودهم خوفا من ربهم .
﴿ الصفة الرابعة ) قوله ( والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان
غراماً) قال ابن عباس رضى الله عنهما يقولون فى سجودهم وقيامهم هذا القول، وقال الحسن
خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقاً من عذاب جهنم ، وقوله ( غراماً) أى هلاكا وخسراناً ملحاً
لازماً ، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه ، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن ، وسأل نافع
ابن الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع، وعن محمد بن كعب فى (غراماً) أنه سأل
الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار، واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل
ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله
فى صرف العذاب عنهم كقوله ( والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة ) .
أما قوله تعالى (إبها ساءت مستقراً ومقاماً) فقوله (ساءت) فى حكم بئست وفيها ضمير مبهم
تفسيره مستقراً، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هى ومستقراً حال أو

١٠٩
قوله تعالى : والذين إذا انفقوا لم يسرفوا. سورة الفرقان
تمييز ، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا اللّه تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما
أن عذابها كان غراماً. (وثانيهما) أنها ساءت مستقراً ومقاماً، فما الفرق بين الوجهين؟
وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام؟ قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون
مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة ، فقوله (إن عذابها كان غراماً ) إشارة إلى كونه مضرة
خالصة عن شوائب النفع، وقوله ( إنها ساءت مستقراً ومقاماً) إشارة إلى كونها دائمة، ولا
شك فى المغايرة ، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر العصاة من أهل الإيمان
فإنهم يستقرون فى النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار، واعلم أن قوله (إنها ساءت
مستقراً ومقاماً) يمكن أن يكون من كلام اللّه تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.
﴿ الصفة الخامسة) قوله ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً)
قرى. يقتروا بكسر التاء وضمها. ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر الناء. وأيضاً بضم الباء
وفتح القاف وكسر الناء وتشديدها وكلها لغات . والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذى هو نقيض
الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد فى النفقة. وذكر المفسرون فى الإسراف والتقتير وجوهاً
(أحدها) وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذى هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله
صلى الله عليه وسلم بقوله ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) وعن
وهيب بن الورد: قال العالم ما البناء الذى لا سرف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس وأ كنك من
المطر ، فقال له فما الطعام الذى لاسرف فيه ؟ قال ماسد الجوعة ، فقال له فى اللباس ، قال ماسترعورتك
ووقاك من البرد، وروى أن رجلاصنع طعاماً فى إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال ((حق
فأجيبوا)، ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال (( حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد)) ثم صنع الثالثة
فأرسل إليه فقال ((رياء ولا خير فيه)) (وثانيها) وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك
أن الإسراف الإنفاق فى معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، قال مجاهد: لو أنفق
رجل مثل أبى قبيس ذهباً فى طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً. ولو أنفق صاعا فى معصية الله تعالى
كان شرفاً، وقال الحسن لم ينفقوا فى معاصى الله ولم يمسكوا عما ينبغى ، وذلك قد يكون فى
الإمساك عن حق الله، وهو أقبح التقتير، وقد يكون عما لا يجب، ولكن يكون مندوباً مثل
الرجل الغنى الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه ( وثالثها ) المراد بالسرف مجاوزة الحد فى
التنعم والتوسع فى الدنيا، وإن كان من حلال. فإن ذلك مكروه لأنه يؤدى إلى الخيلاء، والإقتار هو
التضييق. فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف. وإن أكل بقدر الحاجة فذاك
إقتار، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد برّ كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً
للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر
عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد ، وههنا مسألتان:

١١٠
قوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر. سورة الفرقان
وَالَّذِينَ لَ يَدْعُونَ مَعَ الَهِ إِلَهًا ءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَِّىِ حَرَّمَ اللهُ إِلَّا
بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَةِ وَيَخْلٌ فِهِ بُّهَانًا ﴾ إِلَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَدِمًا فَأُوْلَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِ عَتِهِمْ حَسَنَّ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى آلِهِ مَتَابًاً
المسألة الأولى ﴾ القوام قال ثعلب: القوام بالفتح العدل والاستقامة ، وبالكسر ما يدوم
عليه الأمر ويستقر، قال صاحب الكشاف: القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين
واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، وقرى قواماً بالكسر وهو مايقام
به الشىء ، يقال أنت قوامنا ، يعنى ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص.
﴿ المسألة الثانية﴾ المنصوبان أعنى بين ذلك قواماً جائز أن يكونا خبرين معاً، وأن يجعل
بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً، وأن يكون الظرف خبراً وقواماً حالا مؤكدة، قال الفراء: وإن
شئت جعلت بين ذلك اسم كان، كما تقول كان دون هذا كافياً ، تريد أقل من ذلك، فيكون معنى بين
ذلك، أى كان الوسط من ذلك قواماً ، أى عدلا ، وهذا التأويل ضعيف ، لأن القوام هو الوسط
فيصير التأويل ، وكان الوسط وسطاً وهذا لغو .
( الصفة السادسة) قوله تعالى (والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النفس
التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة
ويخلد فيه مهاناً ، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان
الله غفوراً رحيما، ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً )
اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا ،
ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب، ثم استثنى من جملتهم التائب،
وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ) أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة،
فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا، أليس أنه لو
كان الترتيب بالعكس منه كان أولى ؟ (الجواب) أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون

١١١
قوله تعالى : يضاعف له العذاب. سورة الفرقان.
متمسكا بالشرك تديناً ومقدماً على قتل الموءودة تديناً وعلى الزنا تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير
بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن ، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر ، وأجاب
الحسن رحمه الله من وجه آخر: فقال المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسية
الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر، وأنتم تدعون ( ولا
يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق) وأنتم تقتلون الموءودة، (ولا يزنون) وأنتم تزنون.
﴿ السؤال الثانى) ما معنى قوله (ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق) ومعلوم أنه
من يحل قتله لا يدخل فى النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟ (الجواب ) المقتضى لحرمة
القتل قائم أبداً ، وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله (حرم الله) إشارة إلى المقتضى وقوله
(إلا بالحق ) إشارة إلى المعارض .
﴿السؤال الثالث) بأى سبب يحل القتل؟ (الجواب) بالردة وبالزنا بعد الإحصان، وبالقتل
قوداً، على ما فى الحديث، وقيل وبالمحاربة وبالبينة ، وإن لم يكن لما شهدت به حقيقة .
﴿ السؤال الرابع ) منهم من فسر قوله ( ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق) بالردة
فهل يصح ذلك؟ (الجواب ) لفظ القتل عام فيتناول الكل. وعن ابن مسعود ((قلت يارسول الله
أى الذنب أعظم؟ قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أى؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن
يأكل معك، قلت ثم أى؟ قال أن تزنى بحليلة جارك)) فأنزل الله تصديقه.
﴿السؤال الخامس﴾ ما الآثام؟ (الجواب) فيه وجوه (أحدها) أن الآثام جزاء الإثم، بوزن
الوبال والنكال (وثانيها) وهو قول أبى مسلم: أن الأئام والإثم واحد، والمراد هنا جزاء الأثام
فأطلق اسم الشىء على جزائه (وثالثها) قال الحسن: الآثام اسم من أسماء جهنم. وقال مجاهد:
أثاماً واد فى جهنم، وقرأ ابن مسعود أثاماً، أى شديداً ، يقال يوم ذو أثام اليوم العصيب.
أما قوله ( يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ يضاعف ، بدل من يلق، لأنهما فى معنى واحد، وقرى يضعف ونضعف
له العذاب بالنون ونصب العذاب، وقرى بالرفع على الاستئناف أو على الحال ، وكذلك يخلد
ويخلد على البناء للمفعول مخففاً ومثقلا من الإخلاد والتخليد، وقرى وتخلد بالتاء على الالتفات.
المسألة الثانية
سبب تضعيف العذاب، أن المشرك إذا ارتكب المعاصى مع الشرك
عذب على الشرك وعلى المعاصى جميعاً ، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه ، وهذا يدل على
أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
المسألة الثالثة). قال القاضى: بين اللّه تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما فى الدوام
كمال الأصل، فقوله ( ويخلد فيه) أى ويخلد فى ذلك التضعيف، ثم إن ذلك التضعيف إنما
حصل بسبب العقاب على المعاصى ، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصى فى حق الكافر دائماً ،

١١٢
قوله تعالى : ومن تاب وعمل صالحاً. سورة الفرقان.
وإذا كان كذلك وجب أن يكون فى حق المؤمن كذلك، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء
فعل مع غيره أو منفرداً (والجواب ) لم لا يجوز أن يكون للاتيان بالشىء مع غيره أثر فى مزيد
القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما فى نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً ،
وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً ، ويكون الجمع بينهما أقبح، فكذا ههنا .
المسألة الرابعة بقوله (ويخلد فيه مهاناً) إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة
المقرونة بالإذلال والإهانة، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.
أما قوله تعالى ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان
الله غفوراً رحيما ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى) دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت
أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفى لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين،
وإنما الدال عليه قوله ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات).
﴿ المسألة الثانية ﴾ نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل غير مقبولة، وزعم أن هذه
الآية منسوخة بقوله تعالى (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة،
وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام فى ذلك فى سورة النساء.
المسألة الثالثة) فإن قيل العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان، فكان ذكرهما قبل ذكر
العمل الصالح حشوا، قلنا أفردهما بالذكر لعلو شأنهما، ولما كان لابد معهما من سائر الأعمال
لاجرم ذكر عقيبهما العمل الصالح .
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا فى المراد بقوله (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) على وجوه
(أحدها) قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون فى الدنيا، فيبدل الله
تعالى قبائح أعمالهم فى الشرك بمحاسن الأعمال فى الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً ، وبقتل المؤمنين
قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة
فيستوجبوا بها الثواب ( وثانيها ) قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل
أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط اللّه عمله ويثبت عليه السيئات.
( وثالثها) قال قوم: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية،
وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي
بَيتم أنه قال ((ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات، قيل من هم يا رسول الله؟ قال الذين يبدل
الله سيئاتهم حسنات)) وعلى هذا التبديل فى الآخرة (ورابعها) قال القفال والقاضى: أنه تعالى
يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله
حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى.
أما قوله تعالى ( ومن تاب وعمل صالحاً فانه يتوب إلى الله متاباً) ففيه سؤالان:
۔

١١٣
قوله تعالى : والذين لا يشهدون الزور. سورة الفرقان
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذَا مَرُّواْ بِالَّغْوِ مَرُّواكِرَامًاً
﴿ السؤال الأول) ما فائدة هذا التكرير؟ (الجواب) من وجهين (الأول ) أن هذا ليس
بتكرير لأن الأول لما كان فى تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها فى صحة التوبة
منها (الثانى) أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصى، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى
للجزاء والمكافأة كقوله تعالى ( عليه توكلت وإليه متاب ) أى مرجعى .
﴿السؤال الثانى) هل تكون التوبة إلا إلى اللّه تعالى فما فائدة قوله (فإنه يتوب إلى الله منابا)؟
( الجواب) من وجوه (الأول) ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية
الرجوع إلى حكم الله تعالى وثوابه (الثانى) معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية الله
مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم ( الثالث) قوله ( ومن تاب ) يرجع إلى الماضى فإنه سبحانه
ذكر أن من أتى بهذه التوبة فى الماضى على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة فى
المستقبل، وهذا من أعظم البشارات .
﴿ الصفة السابعة) قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما)
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة، ويكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة
الزور حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى
(فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره) ويحتمل حضور كل موضع يجرى فيه ما لا ينبغى
ويدخل فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق ، لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم وحضر
مجامعهم فقد شاركهم فى تلك المعصية ، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به، بل هو سبب لوجوده
والزيادة فيه، لأن الذى حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم فى النظر إليه ، وقال ابن عباس
رضى الله عنهما المراد مجالس الزور التى يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله، وقال محمد
ابن الحنفية الزور الغناء، واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله فى الكذب أكثر.
﴿ المسألة الثانية﴾ الأصح أن اللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك، ومنهم من فسر اللغو
بكل ما ليس بطاعة ، وهو ضعيف لأن المباحات لا تعد لغواً فقوله (وإذا مروا باللغو ) أى
بأهل اللغو .
المسألة الثالثة﴾ لا شبهة فى أن قوله (مروا كراماً) معناه أنهم يكرمون أنفسهم عن
مثل حال اللغو وإكرامهم لها لا يكون إلا بالإعرض وبالإنكار وبترك المعاونة والمساعدة،
ويدخل فيه الشرك واللغو فى القرآن وشتم الرسول، والخوض فيما لا ينبغى. وأصل الكلمة من
قولهم ناقة كريمة إذا كانت تعرض عند الحلب تكرماً، كأنها لا تبالى بما يحلب منها للغزارة،

١١٤
قوله تعالى : والذين إذا ذكروا. سورة الفرقان.
وَالَّذِينَ إِذَا ذُ كِرُواْبِعَايَتِ رَبِهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَيْهَا صُمَّا وَتُمْيَانًاً
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَ مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَِّنَا قُرَّةَ أَعْنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ
إمَامًا !
٧٤
فاستغير ذلك للصفح عن الذنب ، وقال الليث يقال تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه
عنه (١) ونظير هذه الآية قوله (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم
سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين) وعن الحسن لم تسفههم المعاصى وقيل إذا سمعوا من الكفار الشتم
والأذى أعرضوا، وقيل إذا ذكر النكاح كنوا عنه .
﴿ الصفة الثامنة) قوله تعالى ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً)
قال صاحب الكشاف قوله (لم يخروا عليها صراً وعمياناً) ليس بنفى للخرور، وإنما هو إثبات
له ونفى للصم والعمى كما يقال لا يلقافى زيد مسلماً، هونفى للسلام لاللقاء، والمعنى أنهم إذا ذكروا
بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها، وهم فى إكبابهم عليها سامعون بآذان
واعية، مبصرون بعيون راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر
بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والصميان حيث لا يفهمونها ولا يبصرون
ما فيها كالمنافقين .
﴿ الصفة التاسعة) قوله تعالى (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين
واجعلنا للمتقين إماماً ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم (ذرياتنا) بألف الجمع
وحذفها الباقون على التوحيد والذرية تكون واحداً وجمعاً .
المسألة الثانية) أنه لا شبهة أن المراد أن يكون قرة أعين لهم فى الدين لا فى الأمور
الدنيوية من المال والجمال ثم ذكروا فيه وجهان (أحدهما) أنهم سألوا أزواجا وذرية فىالدنيا
يشاركونهم فأحبوا أن يكونوا معهم فى التمسك بطاعة الله تعالى فيقوى طمعهم فى أن يحصلوا
معهم فى الجنة فيتكامل سرورهم فى الدنيا بهذا الطمع وفى الآخرة عند حصول الثواب ( والثانى)
أنهم سألوا أن يلحق اللّه أزواجهم وذريتهم بهم فى الجنة ليتم سرور م بهم.
﴿ المسألة الثالثة ) فإن قيل من فى قوله ( من أزواجنا) ما هى؟ قلنا يحتمل أن تكون بيانية
كأنه قيل ( هب لنا قرة أعين ) ثم بينت القرة، وفسرت بقوله (من أزواجنا) وهو من قولهم
(١) فى الأصل عنها، ولعل الصواب ما أثبته لأن الضمير راجع إلى (ما يشينه) وهو واقع على مذكر.

١١٥
قوله تعالى : أولئك يجزون الغرفة. سورة الفرقان.
أَوْلَبِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ
رأيت منك أسداً أى أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا
من طاعة وصلاح ، فإن قيل لم قال قرة أعين فنكر وقلل ؟ قلنا أما التنكير فلأجل تنكير القرة لأن
المضاف لا سبيل إلى تفكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال : هب لنا منهم سروراً وفرحا .
وإنما قال أعين دون عيون لأنه أراد أعين المتقين وهى قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ، قال تعالى
( وقليل من عبادى الشكور ).
﴿ المسألة الرابعة﴾ قالى الزجاج أقر الله عينك أى صادف فؤادك ما يحبه، وقال المفضل فى
قرة العين ثلاثة أقوال (أحدها ) يرد دمعتها وهى التى تكون مع الضحك والسرور ودمعة الحزن
حارة ( والثانى) نومها لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع ( والثالث ) حضول الرضا .
﴿ المسألة الخامسة) قوله (واجعلنا للمتقين إماماً) الأقرب أنهم سألوا الله تعالى أن يبلغهم فى
الطاعة المبلغ الذى يشار إليهم ويقتدى بهم ، قال بعضهم فى الآية ما يدل على أن الرياسة فى الدين
يجب أن تطلب ويرغب فيها قال الخليل عليه الصلاة والسلام (واجعل لى لسان صدق فى الآخرين)
وقيل نزلت هذه الآيات فى العشرة المبشرين بالجنة .
المسألة السادسة) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى، قالوا
لأن الإمامة فى الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، فدل على أن العلم والعمل إنما يكون بجعل الله
تعالى وخلقه، وقال القاضى المراد من السؤال الألطاف التى إذا كثرت صاروا مختارين لهذه
الأشياء فيصيرون أئمة و(الجواب) أن تلك الألطاف مفعولة لامحالة فيكون سؤالها عبئاً .
﴿ المسألة السابعة﴾ قال الفراء: قال إماما، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين (إنا رسول رب العالمين)
ويجوز أن يكون المعنى اجعل كل واحد منا إماماً كما قال (يخرجكم طفلا) وقال الأخفش الإمام جمع
واحده آم كصائم وصيام. وقال القفال وعندى أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كانه
قيل اجعلنا حجة للمتقين ، ومثلة البيئة يقال هؤلاء بينة فلان. وأعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد
صفات المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهى مجموعة فى أمرين المنافع والتعظيم .
( أما المنافع) فهى قوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ) والمراد أولئك يجزون الغرفات
والدليل عليه قوله ( وهم فى الغرفات آمنون) وقال (لهم غرف من فوقها غرف) والغرفه فى اللغة
العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية. وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة، فالمعنى
يجزون الجنة وهى جنات كثيرة، وقرأ بعضهم: أولئك يجزون فى الغرفة وقوله (بما صبروا)
فيه بحثان :
﴿البحث الأول)، احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق، فقال الباء فى قوله ( بما

١١٦
قوله تعالى : ويلقون فيها تحية وسلاما. سورة الفرقان.
وَيُلَقَوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (﴾ خَِينَ فِهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا
قُلْ مَا يَعْبَؤُأْ بِكْ رَبِى لَوْلَا دُعَاؤُ كُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾
٧٧
صبروا ) تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك.
﴿ البحث الثانى ) ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعم كل نوع فيدخل فيه صبرهم على
.شاق التفكر والاستدلال فى معرفة الله تعالى، وعلى مشاق الطاعات، وعلى مشاق ترك الشهوات
وعلى مشاق أذى المشركين. وعلى مشاق الجهاد والفقر ورياضة النفس. فلا وجه لقول من يقول
المراد الصبر على الفقر خاصة، لأن هذه الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة
كما يستحقه بالفقر .
( وثانيهما التعظيم) وهو قوله تعالى ﴿ويلقون فيها تحية وسلاماً) قرى. (يلقون) كقوله
( ولقاهم نضرة وسروراً) ويلقون كقوله ( يلق أثاما)، والتحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء
بالسلامة ، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقيا غير منقطع، ويرجع السلام إلى كون ذلك
النعيم خالصا عن شوائب الضرر، ثم هذه التحية والسلام يمكن أن يكون من اللّه تعالى لقوله (سلام
قولا من رب رحيم) ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب
سلام عليكم ) ويمكن أن يكون من بعضهم على بعض .
أما قوله ( خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً) فالمراد أنه سبحانه لما وعد بالمنافع أولا
وبالتعظيم ثانياً ، بين أن من صفتهما الدوام وهو المراد من قوله (خالدين فيها) ومن صفتهما الخلوص
أيضاً وهو المراد من قوله ( حسنت مستقراً ومقاما) وهذا فى مقابلة قوله ( ساءت مستقراً ومقاما)
أى ما أسوأ ذلك وما أحسن هذا .
أما قوله ﴿ قل ما يعبؤ بكر ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً ﴾ فاعلم أنه سبحانه
لما شرح صفات المتقين، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول ( قل ما يعبؤ بكم ربى لولا
دعاؤكم) فدل بذلك على أنه تعالى غنى عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الخليل ما أعبأ بفلان أى ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، وقال
أبو عبيدة ما أعبأ به أى وجوده وعدمه عندى سواء، وقال الزجاج معناه أى لا وزن لكم عند
ربكم ، والعبء فى اللغة الثقل، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالى بكم ربى.
﴿ المسألة الثانية﴾ فى ماقولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهى فى محل النصب وهى
عبارة عن المصدر، كانه قيل وأى عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم ، والثانى أن تكون ما نافية .

١١٧
قوله تعالى : فقد كذبتم فسوف يكون لزاما. سورة الفرقان.
﴿ المسألة الثالثة) ذكروا فى قوله (لولا دعاؤكم) وجهين: ( أحدهما) لولا دعاؤه إياكم
إلى الدين والطاعة والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول ( وثانيهما) أن الدعاء مضاف إلى
الفاعل وعلى هذا التقدير ذكروا فيه وجوهاً: (أحدها) لولا دعاؤكم لولا إيمانكم ( وثانيها)
لولا عبادتكم (وثالثها) لولا دعاؤكم إياه فى الشدائد كقوله (فاذا ركبوا فى الفلك دعوا الله)
( ورابعها) دعاؤكم يعنى لولا شكركم له على إحسانه لقوله ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم)
(وخامسها) ما خلقتكم وبى إليكم حاجة إلا أن تسألونى فأعطيكم وتستغفرونى فأغفر لكم.
أما قوله (فقد كذبتم ) فالمعنى أنى إذا أعلمتكم أن حكمى أنى لا أعتد بعبادى إلا لعبادتهم فقد
خالفتم بتكذيبكم حكى فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم وهو عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك
لمن استعصى عليه: إن من عادتى أن أحسن إلى من يطيعنى، وقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك
بسبب عصيانك . فإن قيل إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ قلنا إلى الناس على الإطلاق ، ومنهم عابدون
ومكذبون عاصون، فوطبوا بما وجد فى جنسهم من العبادة والتكذيب، وقرى. فقد كذب
الكافرون فسوف يكون العذاب لزاما ، وقرى. ( لزاما ) بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت ،
والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعد ما علم أنه ما توعد به لأجل الإبهام ويتناول ما لا يحيط
به الوصف ، ثم قيل هذا العذاب فى الآخرة، وقيل كان يوم بدر وهو قول مجاهدرحمه الله، والله أعلم.
ثم تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد النبي الأمى وآله وصحبه أجمعين.

١١٨
تفسير سورة الشعراء
(٢٦) سُوّرة الشِّجَراءِ مِكِيَّة
وَآيَاتِهَا سَحْع وَعَشِرُونَ وَمَائتانِ
مكية إلا أربع آيات فانها مدنية وهى (والشعراء يتبعهم الغاوون ) إلى آخرها
وهى مايتان أو ست أو سبع وعشرون آية
بشـ
ـِللَّهِالرَّحْمِالَّحِيمِ
طسَمَ ج ◌ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّ
٠٠٠١١/٠٤٠٠
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةٌ فَظَلَّتْ أَعْنَدقُهُمْ لَهَا
إِن تَشَّأْ نُنَزِّلْ
٠٣
خَضِعِينَ (3)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ طسم . تلك آيات الكتاب المبين ، لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، إن نشأ ننزل
عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }
الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين،
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ قتادة ( باخع نفسك ) على الإضافة، وقرى. (فظلت أعناقهم لها
خاضعة ) .
المسألة الثانية) البخع أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو الخرم النافذ فى ثقب الفقرات وذلك
أقصى حد الذامح ، ولعل للاشفاق .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( طسم تلك آيات الكتاب المبين) معناه: آيات هذه السورة تلك
آيات الكتاب المبين ، وتمام تقريره مامر فى قوله تعالى (ذلك الكتاب) ولا شبهة فى أن المراد
بالكتاب هو القرآن والمبين، وإن كان فى الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث
يتبين به عند النظر فيه، فإن قيل القوم لما كانوا كفاراً فكيف تكون آيات القرآن مبينة لهم
ما يلزمهم، وإنما يتبين بذلك الأحكام؟ فلنا ألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله
يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله ، فهو دليل
التوحيد من هذا الوجه ودليل النبوة من حيث الإعجاز ، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله

١١٩
قوله تعالى : وما يأتيهم من ذكر من الرحمن. سورة الشعراء.
وَمَا يَأْتِبِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنَ الرََّْنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾
فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَُاْ مَا كَانُواْبِهِ يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ أَوَلَمْ يَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ كَّرْ
أَنْبَتْنَا فِهَا مِن كُلِ زَوْجِ كَرِ ﴾ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثُهُ مُؤْمِنِينَ
،وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الَّحِيمُ ﴾
٨
تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية فى كل الأصول
والفروع أجمع ، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قال بعده ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا
مؤمنين ) منبهاً بذلك على أن الكتاب، وإن بلغ فى البيان كل غاية فغير مدخل لهم فى الايمان
لما أنه سبق حكم الله بخلافه، فلا تبالغ فى الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت
بمنزلة من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلا فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع فيه
كما أن وجود الکتاب على بيانه ووضوحه لانفع لهم فيه، ثم بین تعالی أنه قادر على أن ينزل .
آية بذلون عندها ويخضعون، فإن قيل كيف صح مجىء ( خاضعين) خبراً عن الأعناق؟ قلنا
أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع، ثم ترك الكلام
على أصله، ولما وصفت بالخضوع الذى هو للعقلاء، قيل (خاضعين) كقوله (لى ساجدين)،
وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرءوس والصدور ، وقيل
هم جماعات الناس ، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ نظير هذه الآية قوله تعالى فى سورة الكهف ( فلعلك باخع نفسك)
وقوله ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) .
قوله تعالى : ﴿ وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين، فقد كذبوا
فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم,
إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قوله (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين)
من تمام قوله ( إن نشاً ننزل عليهم ) فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء
رحيم بهم من حيث يأتيهم حالا بعد حال بالقرآن ، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على
حد واحد فى الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا
استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد. فلذلك قال ( فقد كذبوا) أى بلغوا النهاية

١٢٠
قوله تعالى : إن في ذلك لآيةٍ. سورة الشعراء.
فى رد آيات الله تعالى ( فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) وذلك إما عند نزول العذاب عليهم
فى الدنيا أو عند المعاينة أو فى الآخرة، فهو كقوله تعالى (ولتعلمن نبأه بعد حين) وقد جرت
العادة فيمن يسىء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد، ثم إنه تعالى بين أنه مع
إنزاله القرآن حالا بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالا بعد حال فقال (أو لم يروا إلى الأرض
كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) والزوج هو الصنف والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد فى
بابه، يقال وجه كريم إذا كان مرضياً فى حسنه وجماله. وكتاب كريم إذا كان مرضياً فى فوائده
ومعانيه، والنبات الكريم هو المرضى فيما يتعلق به من المنافع، وفى وصف الزوج بالكريم
وجهان ( أحدهما ) أن النبات على نوعين نافع وضار، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت فى الأرض
من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار ( والثانى) أنه يعم جميع النبات نافعه وضاره
ووصفهما جميعاً بالكرم، ونبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون .
أما قوله ( إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) فهو كقوله (هدى للمتقين ) والمعنى
أن فى ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أى مع كل ذلك يستمر أكثرهم
على كفرهم، فأما قوله (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم
لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز
وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فانه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت
أعظم وقعاً . والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة اللّه على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم
ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية .
﴿ المسألة الثانية) أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولا وبالتكذيب ثانياً وبالاستهزاء
ثالثا وهذه درجات من أخذ يترقى فى الشقاوة ، فإنه يعرض أولا ثم يصرح بالتكذيب والانكار
إلی حیث یستهزى. به ثالثاً .
﴿المسألة الثالثة﴾ فان قلت ما معنى الجمع بين كم وكل، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
قلت قد دل كل على الاحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر
مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع رتبه على كمال قدرته، فان قلت فين ذكر الأزواج ودل عليها
بكلمتى الكثرة والاحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال (إن فى ذلك الآ ية)
وهلا قال لآيات ؟ قلت فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا، فكأنه
قال إن فى ذلك الإنبات لآية أى آية (والثانى) أن يراد أن فى كل واحد من تلك الأزواج لآية .
﴿ المسألة الرابعة ) احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى ( وما يأتيهم من ذكر من
الرحمن محدث ) فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى (وهذا ذكر مبارك) وبين فى هذه الآية أن
الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث، وهذا الاستدلال بقوله تعالى ( الله نزل