Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره . سورة النُّور إذا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين (أحدهما) أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذى يقتضيه الأمر فإن الأمر، لو اقتضاه على سبيل الندب ، وأنت تأتى به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر (الثانى) أن موافقة الأمر عبارة عن الإعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول، سلمنا أن ماذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر ، وهو أنه لوكان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه فى المقدمة الثانية ، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره )؟ قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هى دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوزأن يكون كذلك؟ سلمناذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمريلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمرلا يلزمه الحذر؟ فإن قلت لفظة عن صلة زائدة فتقول الأصل فى الكلام لا سيما فى كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب ، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب ؟ أقصى ما فى الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟ وهذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لابد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العذاب. قلت : لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضى لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب. ولهذا يحسن الإحتياط، وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية ، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضى نزول العقاب ، لكن لا. فى كل أمربل فى أمر واحد لأن قوله عن أمره لا يفيد إلا أمراً واحداً، وعندنا أن أمراً واحداً يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟ سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير فى قوله (عن أمره) يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول ، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب فى حق أحدهما، فلم قلتم إنه فى حق الآخر كذلك؟ (الجواب) قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟ قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجرى على وفق أمره ، ولولم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه ،. وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذى يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لاشك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله ( أفعل ) لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر ، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله (الموافقة) عبارة عن اعتقاد كون ذلك ٤٢ قوله تعالى : إلا إن الله ما في السموات والأرض. سورة النور. الأمر حقاً واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فان موافقة الشىء عبارة عن الإتيان بما يقتضى تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشىء كان الإعتراف بحقيته يقتضى تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل فى الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله فى الوجود يقتضى تقرير دخوله فى الوجود فكانت موافعة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه . قوله لوكان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب ، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله (فليحذر) أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر ؟ قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحيئذ يبقى قوله (أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) ضائعاً لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين. قوله كلمة عن ليست بزائدة، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها فى المسألة الأولى. قوله لم قلتم إن قوله ( فليحذر ) يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟ قلنا لا ندعى. وجوب الحذر، ولكن لا أقل من جواز الحذر وذلك مشروط بوجود ما يقتضى وقوع العقاب . قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟ قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللا به ، فيلزم عمومه لعموم العلمة. قوله هب أن أمر الله أو أمررسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟ قلنا لأنه لا قائل بالفرق والله أعلم . المسألة الرابعة) من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولى، وبين الشأن والطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى (عن أمره) يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضى أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية فى قوله عن أمره راجعة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أما لو كانت راجعة إلى اللّه تعالى فالبحث ساقط بالكلية، وتمام تقرير ذلك ذكرناه فى أصول الفقه ، والله أعلم . أما قوله تعالى (أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة فى الدنيا، وبالعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك فى الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هى ظهور نفاقهم، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: القتل. وقيل: الزلازل والأهوال، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر . أما قوله تعالى ( ألا إن لله ما فى السموات والأرض) فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما ٤٣ قوله تعالى : قد يعلم ما انتم عليه. سورة النور .. وعلى مابينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، وعله بما يخفيه ويعلنه ، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره . أما قوله تعالى (قد يعلم ما أنتم عليه ) فانما أدخل قد لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة فى الدين والنفاق. ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما فى خروجها إلى معنى التكثير. كما فى قول الشاعر: أقام به بعد الوفود وفود فان يمس مهجور الفناء فربما والخطاب والغيبة فى قوله تعالى ( قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون اليه) يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين، وقد تقدم فى غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته والله أعلم . وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمى وعلى آله وصحبه وسلم 1 ٤٤ قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان. سورة الفرقان. (٢٥) سُوّرة الفِقان مكِيَّة وَآَيَانِهَا سَبْع وَسَبْكُونْ ٩-١ بـ تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِنَ نَذِيرًا (ه الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَخِذْ وَلَاً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَِيكُ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ, تَقْدِیرًا بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذى له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء فقدره تقديراً ﴾ أعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم فى هذه السورة فى التوحيد والنبوة وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل لاجرم افتتح اللّه هذه السورة بذلك فقال (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: تبارك ، تفاعل من البركة، والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان (أحدهما) تزايد خيره وتكاثر، وهو المراد من قوله (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ( والثانى) تزايد عن كل شىء وتعالى عنه فى ذاته وصفاته وأفعاله، وهو المراد من قوله (ليس كمثله شىء) وأما تعاليه عن كل شىء فى ذاته، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه، وأن يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شىء من الممكنات ، وأماتعاليه عن كل شىء فى صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضرورياً أو كسبياً أو تصوراً أو تصديقاً وفى قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب غرض ومنال، وأما فى أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود إلا من قبله، وقال آخرون: أصل الكلمة تدل على البقاء، وهو مأخوذ من بروك البعير، ومن بروك الطير على الماء، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق فى ذاته أزلا وأبداً ممتنع التغير وباق ٤٥ قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان. سورة الفرقان. فى صفاته متفع التبدل، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبعى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى . المسألة الثانية قال أهل اللغة: كلمة الذى موضوعة للإشارة إلى الشىء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذى نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ الذى؟ (وجوابه) أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزاً ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لانزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبين الحلال والحرام، أو لأنه فرق فى النزول كما قال ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) وهذا التأويل أقرب لانه قال (نزل الفرقان) ولفظة نزل تدل على التفريق، وأما لفظة ( أنزل ) فتدل على الجمع ، ولذلك قال فى سورة آل عمران (نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولا (تبارك) ومعناه كثرة الخير والبركة، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات، لكن القرآن ليس إلا منبعاً للعلوم والمعارف والحكم، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيراً وبركة . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ لانزاع أن المراد من العبد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته، كما قال (لقد أنزلنا إليكم)، (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)، وقوله ( ليكون للعالمين نذيراً) فالمراد ليكون هذا العبد نذيراً للعالمين، وقول من قال : إنه راجع إلى الفرقان وأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه فى قوله ( إن هذا القرآن يهدى ) فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب ، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: (الأول) أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا أَجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعاً، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض ( الثانى) أن لفظ العالمين يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل (الثالث) قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيراً للكل، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهنم) الآية (الرابع) لقائل أن يقول إن قوله تبارك ما دل على كثرة الخير والبركة لابد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سباً لكثرة الخير ٤٦ قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان. سورة الفرقان. والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع؟ (جوابه) أن هذا الانذار يجرى مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة فى تأديب الولد أكثر كان الاحسان إليه أكثر، لما أن ذاك يؤدى فى المستقبل إلى المنافع العظيمة، فكذا ههنا كلما كان الانذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذى يعطى الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر البتة شيئاً من منافع الدنيا . ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء (أولها) قوله ( الذى له ملك السموات والأرض ) وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله ( له ما فى السموات والأرض ) إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها فى ماهيتها وفى وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء ( وثانيها) قوله (ولم يتخذ ولدا) فبين سبحانه أنه هو المعبود أبداً، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه. فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله ( تبارك) ولقوله (الذى له ملك السموات والأرض) وهذا كالرد على النصارى ( وثالثها) قوله ( ولم يكن له شريك فى الملك) والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية، وإذا عرف العبدذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه. وفيه الرد على الثنوية، والقائلين بعبادة النجوم ، والقائلين بعبادة الأوثان ( ورابعها) قوله ( وخلق كل شىء فقدره تقديراً) وفيه سؤالات : ﴿الأول) هل فى قوله (وخلق كل شىء) دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد؟ (والجواب) نعم من وجهين (الأول) أن قوله ( وخلق كل شىء) يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد، (والثانى) وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلاقال: «هنا أقوام يعترفون بنفى الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم. وذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة فى الردعليهم، قال القاضى الآية لا تدل عليه لوجوه (أحدها) أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقاً فى قوله ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) وقال ( فتبارك الله أحسن الخالقين) (وثانيها) أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد (وثالثها) أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديراً ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره، فثبت بهذه الوجوه أنه لابد من التأويل لودلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير، وذلك إنما يظهر فى الأجسام لا فى الأعراض . والجواب: أما قوله ( وإذ تخلق) وقوله (أحسن الخالقين) فهما معارضان بقوله ( الله خالق كل شىء) ٤٧ قوله تعالى : وخلق كل شيء فقدره تقديراً. سورة الفرقان . وبقوله ( هل من خالق غير اللّه) وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظراً إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الايجاد من العدم والاعدام من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله: الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله خلق كل شىء خطأ لأنه يقتضى إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح فى العقل إضافته إليها. ﴿السؤال الثانى﴾ فى الخلق معنى التقدير فقوله ( وخلق كل شىء فقدره تقديراً) معناه وقدر كل شىء فقدره تقديراً (والجواب) المعنى أحدث كل شىء إحداثاً يراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره تقديراً وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الانسان على هذا الشكل المقدر المستوى الذى تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به فى باب الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما، ومصلحة ما ، مطابقاً لما قدر غير متخلف عنه . ﴿ السؤال الثالث) هل فى قوله (فقدره تقديراً) دلالة على مذهبكم؟ (الجواب) نعم وذلك من وجوه ( أحدها ) أن التقدير فى حقنا يرجع إلى الظن والحسبان، أما فى حقه سبحانه فلا معنى. له إلا العلم به والاخبار عنه، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم فى الشىء الفلانى أنه لا يقع. فلو وقع ذلك الشىء لزم انقلاب علمه جهلا وانقلاب خبره الصدق كذباً، وذلك محال والمفضى إلى المحال محال فاذن وقوع ذلك الشىء محال والمحال غير مراد فذلك الشىء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والارادة لا يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد فى بطن أمه ، والشقى من شقى فى بطن أمه (وثانيها) أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى، وحينئذ يبطل قول المعتزلة، وإن لم يجب فان استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح، فالكلام يعود فى ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود ( وثالثها) أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشىء الذى أراد تكوينه وإيجاده، لكن الانسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فان قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك الشهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول، ووقع فى قلب الانسان لا بسبب جهل سابق، بل الانسان أحدثه ابتداء من غير موجب ، وذلك محال لأن الانسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ، وهو المراد من قوله ( وخلق كل شىء فقدره تقديراً). ٤٨ قوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة. سورة الفرقان وَتَّخَذُواْ مِن دُونِهَِ ءَالِهَةَ لَّا يَخْلُقُونَ، شَيْئًا وَهُمْ يُحْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَزَةً وَلَّا نُشُورًا قوله تعالى: ﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً أعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه (أحدها ) أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد ( وثانيها) أنها مخلوقة والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً ( وثالثها ) أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضاً نفعاً ، ومن كان كذلك فلا فائدة فى عبادته (ورابعها) أنها لا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، أى لا تقدر على الإحياء والامانة فى زمان التكليف وثانياً فى زمان المجازاة ، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً؟ وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة ، وههنا -ؤالات : ﴿الأول) قوله (واتخذوا من دونه آلهة) هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة؟ (والجواب) قال القاضى: بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة، ولقائل أن يقول قوله واتخذوا صيغة جمع وقوله آلهة جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد ، فلم يكن كون معبود النصارى واحداً مانعاً من دخوله تحت هذا اللفظ . ﴿ السؤال الثانى) احتج بعض أصحابنا بقوله ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون) على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فقال إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلها، أجاب الكعبى عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى. وقال بعض أصحابنا فى الخلق إنه الإحداث لابعلاج وفكر وتعب، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى، ثم قال: وقد قال تعالى (ألهم أرجل يمشون بها) فى وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد؟ فاذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم ، وقد قال تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) هذا كله كلام الكعبى (والجواب) قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق فى اللغة هو التقدير ، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة فى ٤٩ قوله تعالى : وقال الذين كفروا إن هذا إلا إنك افتراه. سورة الفرقان. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُّ ◌َفْتَرَنُهُ وَأَعَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُّ ◌َ انَحُرُونَ فَقَدْ جَاءُ و ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَبَهَ فَهِىَ تُمَ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّفِ السَّعَلَوْتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ تَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ وَقَالُواْ مَالِ هَاذَا الَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِ الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٣) أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَثُ أَوْ تَكُونُ لَهُو جَنَّهُ بَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّلِمُونَ إِن تَّبِعُونَ إِلَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا (*) أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْلَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا( العبد مجازاً فى الله تعالى، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟ أما قوله تعالى ( ألهم أرجل يمشون بها) فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز فى حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين) فقد تقدم الكلام عليه. واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين. أحدهما أنهم ليسوا بخالقين، والثانى أنهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلهاً معبوداً . ﴿ السؤال الثالث) هل تدل هذه الآية على البعث؟ (الجواب) نعم لأنه تعالى ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للالهية . قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً ، وقالوا أساطير الأولين اكنتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا، قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيما ، وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ٠ يستطيعون سييلا الفخر الرازى - ج ٢٤ م ٤ ٥٠ قوله تعالى : فقد جاؤا ظلماً وزوراً. سورة الفرقان اعلم أنه سبحانه تكلم أولا فى التوحيد، وثانياً فى الرد على عبدة الأوثان ، وثالثاً فى هذه الآية، تكلم فى مسألة النبوة، وحكى سبحانه شبههم فى إنكار نبوة محمد رقم (الشبهة الأولى) قولهم (إن هذا إلا إفك افتراه) وأعانه عليه قوم آخرون، ونظيره قوله تعالى (إِنما يعلمه بشر) واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب فى نفسه، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب فى إضافته إلى الله تعالى، ثم ههنا بحثان: ﴿الأول) قال أبو مسلم: الافتراء افتعال من فريت، وقد يقال فى تقدير الأديم فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل افريت وافتريت وخلفت واختلفت، ويقال فيمن شتم امرءاً بما ليس فيه افترى عليه . ﴿البحث الثانى) قال الكلبى ومقاتل: نزلت فى النضر بن الحارث. فهو الذى قال هذا القول (وأعانه عليه قوم آخرون) يعنى عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار غلام عامر بن الحضرمى، وجبر مولى عامر، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي ◌ّيقيم يتعهدهم، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله ( فقد جاءوا ظلماً وزوراً) وفيه أبحاث : ( الأول) أن هذا القدر إنما يكفى جواباً عن الشبهة المذكورة، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية فى الفصاحة ، وقد بلغوا فى الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به فى هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه فى هذه الآية وغيرها، ولو استعان محمد عليه السلام فى ذلك بغيره لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم، لأن محمداً يتم كأولئك المنكرين فى معرفة اللغة وفى المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية فى الفصاحة وانتهى إلى حد الإنجاز، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات فى القرآن وظهر ببها سقوط هذا السؤال، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادى فى الجهل والعناد، فلذلك اكت فى الله فى الجواب بقوله (فقد جاءواظلماً وزوراً) ﴿ البحث الثانى) قال الكسائى: قوله تعالى (فقد جاءوا ظلماً وزوراً) أى أتواظلاً وكذباً وهو كقوله ( لقد جئتم شيئاً إداً) فانتصب بوقوع المجىء عليه، وقال الزجاج: انتصب بنزع الخافض، أى جاءوا بالظلم والزور . ﴿ البحث الثالث ) أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشىء فى غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه، وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه، والزور کذبهم عليه . ٥١ قوله تعالى : قل أنزله الذي يعلم السر. سورة الفرقان. ﴿ الشبهة الثانية لهم) قوله تعالى ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ) وفيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ) الأساطير ماسطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة (اكتتبها) انتسخها محمد من أهل الكتاب يعنى عامراً ويساراً وجبراً، ومعنى اكتتب ههنا أمرأن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك (فهى تملى عليه) أى تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمى فهى تلقى عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب . أما قوله ( بكرة وأصيلا ) قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، وما يملى عليه عشية بقرؤه عليكم بكرة . ﴿ البحث الثانى) قال الحسن قوله (فهى تملى عليه بكرة وأصيلا) كلام اللّه ذكره جواباً عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحى حالا بعد حال . فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين ، وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه فى هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه (أحدها ) شدة تعلق هذا الكلام بما قبله ، فكأنهم قالوا اكتقب أساطير الأولين فهى تملى عليه (وثانيها) أن هذا هو المراد بقولهم (وأعانه عليهقوم آخرون ) و (ثالثها) أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله (قل أنزله الذى يعلم السر) قال صاحب الكشاف، وقول الحسن إنما يستقيم أن لوفتحت الهمزة للاستفهام الذى فى معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على الأولين، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله ( قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض إنه كان غفواً رحيما) وفيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ) فى بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة ؟ وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحى الله وكلامه، فلهذا قال (قل أنزله الذى يعلم السر) وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وحوه (أحدها ) أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ( وثانيها) أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ( وثالثها ) أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) ( ورابعها) اشتماله على الأحكام التى هى مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات (وخامسها) اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل ٥٢ قوله تعالى : انظر كيف ضربوا لك الأمثال. سورة الفرقان. المعلومات، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام العالم بكل المعلومات لا جرم اكتفى فى جواب شبههم بقوله ( قل أنزله الذى يعلم السر). ﴿ البحث الثانى) اختلفوا فى المراد بالسر، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر فى السموات والأرض هو الذى يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، وقال أبو مسلم المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين) وقال آخرون المعنى أنه يعلم كل سر خفى فى السموات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع عليكم بأن ما يقوله حق ضرورة، وكذلك باطن أمر رسول اللّه في الي وبراءته مما تتهمونه به، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه . ﴿ البحث الثالث ) إنما ذكر الغفور الرحيم فى هذا الموضع لوجهين (الأول) قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفوراً رحيما غير مستعجل فى العقوبة (الثانى) أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفوراً رحيما يمهل ولا يعجل . ﴿ الشبهة الثالثة) وهى فى نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة (إحداها) قولهم (مال هذا الرسول يأكل الطعام) (وثانيتها) قولهم (ويمشى فى الأسواق) يعنى أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا وهو مثلنا فى هذه الأمور (وثالثتها) قولهم (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً) يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه (ورابعتها) قولهم (أو يلقى إليه كنز) أى من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش (وخامستها) قولهم (أو تكون له جنة يأكل منها) قرأ حمزة والكسائى تأكل منها بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه (وسادستها) قولهم (إن تتبعون إلا رجلا مسحوراً) وقد تقدمت هذه القصة فى آخر سورة بنى إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه (أحدها) قوله (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) وفيه أبحاث: ( الأول) أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة؟ وبيانه أن الذى يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التى ذكروها لا يقدح شىء منها فى المعجزة فلا يكون شيء منها قادحاً فى النبوة ، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التى لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح فى نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا البتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح فى المعجزات التى ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيهوجه آخروهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق ، وهذا إنما يصح على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر. وذلك لأن الإنسان، إما أن يكون مستوى الداعى إلى الحق والباطل، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثانى، فإن كان الأول خال الإستواء ممتع الرجحان فيمتنع الفعل ٥٣ قوله تعالى : تبارك الذى إن شاء جعل. سورة الفرقان. تَّبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًاً مِّن ذَلِكَ جَّيْتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأُنْهُ وَيَجْعَل أَكَ قُصُورًا (٣ْ بَلْ كَبُوْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالَّاعَةِ سَعِيرًا (٨) إِذَا رَأَتْهُم مِنِ مَّكَانٍ بَعِدٍ سَمِعُواْلَا تَغَيُّكَا وَزَقِيرًا (َ﴾ وَ إِذَا أَلْقُوْمِنْهَا مَكَانً ضَِقًامُقَرِّنَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ تُبُورًا (َ لَّا تَدْعُوْ أَلْيَوْمَ تُبُورًا وَإِدًا وَدْعُواْ ثُبُورًاً كَثِيرًا (٨) وإن كان الثانى فال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر متنعاً، فثبت أن حال رجحان الضلاله فى قلبه استحال منه قبول الحق ، وما كان محالا لم يكن عليه قدرة ، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين. قوله تعالى: ﴿ تبارك الذى إن شاء جعل لك حيراً من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً، بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وإذا ألقوا منها من مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً ، لاتدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً ﴾. أعلم أن هذا هو الجواب الثانى عن تلك الشبهة فقوله ( تبارك الذى إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ) أى من الله ذكروه من نعم الدنیا کالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله ( جنات تجری من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً) نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطى الرسول كل ما ذكروه، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه فى شىء من أفعاله، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم، ويسدعليه أبواب الدنيا، وفى حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد، وههنا مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة، وقال فى رواية عكزمة (خيراً من ذلك) أى من المشى فى الأسواق ، وابتغاء المعاش. المسألة الثانية) قوله (إن شاء) معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى، وقال قوم (إن ) ههنا بمعنى إذا ، أى قد جعلنا لك فى الآخرة جنات وبنينا لك قصوراً وإنما أدخل أن تنبيهاً للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته، وأنه معلق على ٥٤ قوله تعالى : بل كذبوا بالساعة واعتدنا. سورة الفرقان. محض مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا فى الدنيا ولا فى الآخرة. ﴿المسألة الثالثة ) القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومتنزهاً ، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد ( إن شاء جعل لك جنات) فى الآخرة وقصوراً فى الدنيا . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلف الفراء فى قوله ويجعل فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون. فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصوراً، هذا قول الزجاج: قال الواحدى وبين القراءتين فرق فى المعنى، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصوراً فى الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار ، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار ، واستأنف أى ويجعل لك قصوراً فى الآخرة . وفى مصحف أبى وابن مسعود : تبارك الذى إن شاء يجعل . المسألة الخامسة ﴾ عن طاوس عن ابن عباس قال ((بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه فى زيارتك فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شىء لم يعطها أحداً قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك ما ادخر لك شيئاً ، فقال عليه السلام بل يجمعها جميعاً لى فى الآخرة ، فنزل قوله تبارك الذى إن شاء)) الآية، وعن ابن عباس قال عليه السلام ((عرض على جبريل بطحاء مكة ذهباً فقلت بل شبعة وثلاث جوعات)) وذلك أكثر لذكرى ومسألنى لرى، وفى رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام ((أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً، فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت)) وعن الضحاك ((لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزياً له، وقال إن الله يقرؤك السلام ويقول ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم لياً كلون الطعام) الآية . قال فييما ج. يل عليه السلام والنبى صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرعنا من ربك فسلم عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكا وبين أن تكون نبياً عبداً ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله ما أعدلك فى الآخرة جناح بعوضة فنظر النبى صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نبياً عبداً)) قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئاً حتى فارق الدنيا . أما قوله تعالى ( بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً) فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلة فى نفس المسألة، بل الذى حملهم على تكذيبك تكذيهم بالساعة استئقالا للاستعداد لها ، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون ٥٥ قوله تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد. سورة الفرقان بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر ، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل ، ثم قال ( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو مسلم: (وأعتدنا) أى جعلناها عتيداً ومعدة لهم، والسعير النار الشديدة الاستعار، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم . ﴿ المسألة الثانية) احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوق، بقوله تعالى (أعدت للمتقين) وعلى أن النز التى هى دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهى قوله ( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً) وقوله (اعتدنا) إخبار عن فعل وقع فى الماضى ، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائى يحتمل وأعتدنا النار فى الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق فى قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى ( وأعتدنا) أى سنعدها لهم كقوله ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) واعلم أن هذا السؤال فى نهاية السقوط لأن المراد من السعير، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم فى الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم فى الآخرة بنار الدنيا، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار فى الدنيا، والتالى أيضاً باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة فى الآخرة بنيران الدنيا، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة، وحمل الاية على أن الله سيجعلها معدة، ترك للظاهر من غير دليل ، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله ( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) صريح فى أنه تعالى أعد جهنم. المسألة الثالثة) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد فى بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذباً وانقلب بذلك عله جهلاءُ وهذا الانقلاب محال والمؤدى إلى المحال محمال . فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال ، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً، والشقى لا ينقلب سعيداً، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله ( إذا رأنهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ السعير مذكر ولكن جاء ههنا مؤنثاً لأنه تعالى قال (رأتهم ) وقال ( سمعوا لها) وإنما جاء مؤنثاً على معنى النار . ﴿ المسألة الثانية﴾ مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطاً فى الحياة، فالنار على ما هى عليه، يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها، وعند المعتزلة ذلك غير جائز. وهؤلاء المعتزلة ليس لهم فى هذا الباب حجة إلا استقراء العادات ، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات فى حق الرسل ، فهؤلاء قولهم متناقض ، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة، فعلى هذا قال أصحابنا قول الله تعالى فى صفة النار ( إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً) يجب إجراؤه على الظاهر، لانه لا امتناع فى أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار، أما ٥٦ قوله تعالى : وإذا القوا فيها مكاناً. سورة الفرقان. المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً (أحدها ) قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورثم تنرامى وتتناظر، وقال عليه السلام ((إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما)) أى لانتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك، ويقال دور فلان متناظرة، أى متقابلة (وثانيها ) أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم(وثالثها) قال الجبائى: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار ، فهو كقوله ( واسأل القرية) أراد أهلها ﴿ المسألة الثالثة ﴾ القائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً، فكيف قال اللّه تعالى (سمعوا لها تغيظاً وزفيراً)؟ و(الجواب) عنه من وجوه (أحدها) أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله: رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه، وكذلك يقال فى المحبة فكذا ههنا، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج (وثانيها) المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً، وهذا قول قطرب، وهو كقول الشاعر : متقلداً سيفاً ورمحاً ( وثالثها) المراد تغيظ الخزنة . المسألة الرابعة﴾ قال عبيد بن عمير: ((إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى أن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسى نفسى )). ( الصفة الثانية للسعير) قوله تعالى (وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً) واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند مایلقون فيها ، نعوذ بالله منه بما لا شىء أبلغ منه، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ فى ضيقا قراء تان التشديد والتخفيف، وهو قراءة ابن كثير. ﴿ المسألة الثانية انقل فى تفسير الضيق أمور، قال قتادة: ذكر لنا عبد الله بن عمرقال ((إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح)) وسئل النبى مؤلّ عن ذلك فقال (( والذى نفسى بيده إنهم يستكرهون فى النار كما يستكره الوتد فى الحائط)) قال الكلى: الأسفلون يرفعهم اللهيب ، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون فى تلك الأبواب الضيقة ، قال صاحب الكشاف: الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء فى الأحاديث ((إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا)) ولقد جمع الله على أهل النار أنواع البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق. المسألة الثالثة﴾ قالوا فى تفسير قوله تعالى (مقرنين فى الأصفاد ) إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد، يكونون مقرنين فى السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه فى سلسلة ، وفى أرجلهم الأصفاد، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم خين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبورا، والثبور الهلاك، ودعاؤهم ٥٧ قوله تعالى : قل أذلك خير أم جنة الخلد. سورة الفرقان. قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُ أَمْ جَنَّهُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ بَزَاءُ وَمَصِيرًا ه لَهُمْ فِهَ مَا يَشَاءُونَ خَلِينَّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا (لـ أن يقولوا واثبوراه، أى يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك، وروى أنس مرفوعا ((أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول ياثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار ». أما قوله ( لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً) أى يقال لهم ذلك، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول ، ومعنى وادعوا ثبوراً كثيراً، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحداً، إنما هو ثبور کثیر، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، أولأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم فى كل وقت من الأوقات التى لا نهاية لها ثبور ، أو لأنهم ربما يحدون بسبب ذلك القول نوعاً من الخفة ، فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه نوعاً من الخفة فيزجرون عن ذلك ، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله منه ، قال الكابى نزل هذا كله فى حق أبى جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات . قوله تعالى: ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيراً، لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعداً مسئولا ﴾ فى الآية مسائل: المسألة الأولى) اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة ، فقال لرسوله (قل أذلك خير أم جنة الخلد) أن يلتمسوها بالتصديق والطاعة ، فإن قيل: كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر؟ قلنا هذا يحسن فى معرض التفريع، كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فيضربه ضرباً وجيعاً ، ويقول على سبيل التوبيخ : هذا أطيب أم ذاك؟ ﴿ المسألة الثانية) احتج أصحابنا بقوله (وعد المتقون) على أن الثواب غير واجب على اللّه تعالى ، لأن من قال السلطان وعد فلاناً أن يعطيه كذا ، فإنه يحمل ذلك على التفضيل، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجباً لا يقال إنه وعده به، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضاً على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه أثبت ذلك الوعد الموصوفين بصفة التقوى ، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية. فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد إنما حصل معللا بصفة التقوى ، والتفضيل غير مختص بالمتقين . فوجب أن يكون المختص بهم واجباً . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو مسلم: جنة الخلد. هى التى لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلودسواء، كالشكر ٥٨ قوله تعالى : كانت لهم جزاء ومصيرا. سورة الفرقان والشكور قال الله تعالى (لانريد منكم جزاء ولا شكوراً) فإن قيل : الجنة اسم لدار الثواب وهى مخلدة فأى فائدة فى قوله ( جنة الخلد )؟ قلنا الإضافة قد تكون للتمييز وقد تكون لبيان صفة الكمال ، كما يقال الله الخالق البارى.، وما هنا من هذا الباب. أما قوله ( كانت لهم جزاء ومصيراً ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين (الأول ) أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء . (والثانى) لو كان المراد من الجزاء الأمر الذى يصيرون إليه بمجرد الوعد حينئذ لا يبقى بين قوله (جزاء) وبين قوله (مصيراً) تفاوت فيصير ذلك تكراراً من غير فائدة. قال أصحابنا رحمهم الله لانزاع فى كونه جزاء، إنما النزاع فى أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق ، وليس فى الآية مايدل على التعيين . ﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين ( الأول) أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقاً للثواب ، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر، والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع ، والجمع بينهما محال ، وما كان متنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب ، فنقول: لوعفا الله عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة . إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنه تعالى قال (فريق فى الجنة وفريق فى السعير ) وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى ( كانت لهم جزاء ومصيراً) فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقاً لهم، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز، ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز (أجاب ) أصحابنا لم لا يجوز أن يقال: المتقون يرضون بإدخال اللّه أهل العفو فى الجنة؟ حينئذ لا يمتنع دخولهم فيها، (الوجه الثانى ) قالوا : المتقى فى عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر، وإن اختلفنا فى أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمناً أم لا، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقياً، ثم قال فى وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيراً، وهذا الحصر ، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة، قلنا أقصى ما فى الباب أن هذا العموم صريح فى الوعيد فتخصه بآيات الوعد . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول: إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً، لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال اللّه تعالى (كانت لهم جزاء ومصيراً)؟ جوابه من وجهين (الأول) أن ما وعد الله فهو فى تحققه كأنه قد كان (والثانى) أنه كان مكتوباً فى اللوح قبل أن يخلقهم ٥٩ قوله تعالى : كان على ربك وعداً مسئولا . سورة الفرقان. اللّه تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم. أما قوله تعالى (لهم فيها ما يشاءون خالدين) فهو نظير قوله ( ولكم فيها ما تشتهى الأنفس) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فان أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت فى الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك فى قوله ( لهم فيها ما يشاءون) وأيضاً فالأب إذا كان ولده فى درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه، فإن فعل اللّه تعالى ذلك قدح فى أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك فى قوله (ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم) وفى قوله (لهم فيها ما يشاءون) و (جوابه) أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلا عن الالتفات إلى حال غيرة . المسألة الثانية) شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً، إذلو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي : أشد الغم عندی فی سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال ( لهم فيها ما يشاءون خالدين ). ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (لهم فيها ما يشاءون ) كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها. لا يكون إلا فى الجنة فأما فى غيرها فلا يحصل ذلك ، بل لابد فى الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه السلام (( من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول الله ؟ فقال سرور يوم)). أما قوله ( كان على ربك وعداً مسئولا ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ كلمة على الوجوب قال عليه السلام (( من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى)) فقوله ( كان على ربك) يفيد أن ذلك واجب على اللّه تعالى، والواجب هو الذى لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم ، أو أنه الذى يكون عدمه متنعاً ، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركة محالا ، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق اللّه تعالى الذم محال ، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالا والمحال غير مقدور ، فلم يكن اللّه تعالى قادراً على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على التفسير الثانى وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعاً يكون القول بالإلجاء لازماً، فلم يكن اللّه قادراً، فان قيل إنه ثبت بحكم الوعد ، فنقول لو لم يفعل لا نقلب خبره الصدق كذباً وعله جهلا وذلك محال، والمؤدى إلى المحال محال فالنرك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادراً، ولا يكون مستحقاً للثناء والمدح، ٦٠ قوله تعالى : ويوم يحشرهم وما يعبدون. سورة الفرقان. وَيَوْمَ يَخْتُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَكَؤُلاءِ أُمّ هُمْ ضَلُواْ السَّبِيَلَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَآَ أَنْ تَّخِذَ مِنْ دُوِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَكِنِ مَنَّعْتَهُمْ وَابَهُمْ خَّهِ فَسُواْ الّكَ وَ كَانُواْ قَوْمَا بُورًا (َ فَقَدْـ كَذَّبُوكُ بِمَا تَقُولُونَ لَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَّنْ يَظْلِمِ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ ◌ِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْثُونَ فِى تمام السؤال (وجوابه ) أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله، فيكون ذلك الفعل فعلا لا على سبيل الإلجاء ، فكان قادرا ومستحقاً الثناء والمدح. ﴿ المسألة الثانية) قوله (وعداً) يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره. ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( مسئولا) ذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أن المكلفين سألوه بقولهم (ربنا آتنا ماوعدتنا على رسلك)، (وثانيها) أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة فى طاعته كان ذلك قائماً مقام السؤال ، قال المتنبي : سكوتى كلام عندها وخطاب وفى النفس حاجات وفيك فطانة (وثالثها ) الملائكة سألوا اللّه تعالى ذلك بقولهم (ربنا وأدخلهم جنات عدن) (ورابعها) (وعداً مسئولا) أى واجباً، يقال لأعطينك ألفاً وعدً مسئولا أى واجباً وإن لم تسأل، قاله الفراء. وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة، وما قاله الفراء مجاز (وخامسها) مسؤولا أى من حقه أن يكون مسئولا لأنه حق واجب، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة . قوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم ثم ضلوا السبيل، قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً. فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفاً ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً. وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام