Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور.
﴿ المسألة الثالثة) قالوا أشد الضرب فى الحدود ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم
ضرب القاذف، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض
وزجراً عن منکها .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال مالك والشافعى حد القذف يورث ، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء
الحد وقبل العفو یثبت لوار ثه حد القذف ، و کذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير ، فإنهيورث
عنه، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد. وعند أبى حنيفة رحمه
اله : حد القذف لا يورث ويسقط بالموت. حجة الشافعى رحمه الله، أن حد القذف هو حق
الآدمى لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفى إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر، وإذا كان
-حق الآدمى وجب أن يورث لقوله عليه السلام ((ومن ترك حقاً فلورثته)) حجة أبى حنيفة
رحمه الله :أنه لو كانموروثاً لکان للزوج أو الزوجة فیہ نصیب، ولا نه حق ليس فيه معنی
المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة ( والجواب) عن الأول أن الأصح عند الشافعية
أنه يرثه جميع الورثة كالمال ، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة ، لأن الزوجية ترتفع
بالموت ، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب ، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة .
المسألة الخامسة) إذا قذف إنسان إنساناً بين يدى الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه
والرجل غائب ، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف
عليه، كما لو ثبت له مال على آخروهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وعلى هذا المعنى ((بعث النبي صلى الله
عليه وسلم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها)) قال الشافعى رحمه الله
وليس للامام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن الله تعالى قال (ولا تجسوا)
وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً ، مثل إن قال رجل بين يدى الحاكم الناس يقولون إن فلاناً زنى
فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله .
أما قوله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) فاختلف الفقهاء فيه . فقال أكثر الصحابة والتابعين
إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعى رحمه الله، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى والحسن
ابن صالح رحمهم الله لا تقبل شهادة المحدود فى القذف إذا تاب، وهذه المسألة مبنية على أن قوله (إلا
الذين تابوا ) هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة، فعند أبى حنيفة
رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة، وعند الشافعى رحمه الله
يرجع إلى الكل ، وهذه المسألة قد لخصناها فى أصول الفقه، ونذكر ههنا ما يليق بهذا الموضع إن
شاء الله تعالى، احتج الشافعى رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه (أحددها) قوله عليه السلام
((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) ومن لاذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً
مقبول الشهادة ( وثانيها ) أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ١١

١٦٢
قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات. سورة النور.
المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف
مع الكفر ، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم
بالباطل ، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافرمن الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله ، فشدد على
القاذف من المسلمين زجراً عن إلحاق العار والشنآن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه
الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد، قلنا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام ((أنبتهم أن
لهم ما للمسدين وعليهم ما على المسلمين)) ( وثالثها) أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا
مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف ، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا (ورابعها)
أن أبا حنيفة رحمه اللّه يقبل شهادته إذا تاب قبل الحد مع أن الحدحق المقذوف فلا يزول بالتوبة .
فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى
(وخامسها ) أن قوله ( إلا الذين تابوا) استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده إليها بأسرها
ويدل عليه أمور (أحدها ) أجمعنا على أنه لو قال عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله ، فإنه يرجع
الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه ، فان قيل الفرق أن قوله (إن شاء اللّه) يدخل لرفع حكم الكلام
حتى لا يثبت فيه شىء، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأساً.
ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شىء، ولو قال أنت طالق إلا طلاقاً
كان الطلاق واقعاً والاستثناء باطلالاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية، فثبت أنه لا يلزم
من رجوع قوله ( إن شاء الله) إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء بحرفه إلى جميع ما تقدم،
قلنا هذا فرق فى غير محل الجمع ، لأن إن شاء الله جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فلا جرم
جاز رجوعه إلى جميع الجمل المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه
إلى جميع الجمل على هذا الوجه ، حتى يقتضى أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه
(وثانيها) أن الواو للجمع المطلق فقوله ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً
وأولئك هم الفاسقون) صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض ، فلما دخل عليه
الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقى إذ لم يكن لبعضها على بعض
تقدم فى المعنى. البتة فوجب رجوعه إلى الكل ، ونظيره على قول أبى حنيفة رحمه اللّه قوله تعالى
(إذا تمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) فان فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع
هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب ، فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه
لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع، فان قيل الواو قد تكون للجمع على
ماذكرت وقد تكون للاستئناف وهى فى قوله ( فأولئك هم الفاسقون ) لأنها إنما تكون للجمع
فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة، فيصير الكل كالمذكور معاً مثل آيه الوضوء فان الكل أمر

١٦٣
قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات. سورة النور.
واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فان الكل قد تضمنه لفظ الأمر. وأما آية القذف فإن
ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة ، وكان الواو للاستئناف فيختص
الاستثناء به، قلنا لم لا يجوزأن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف
المحصنات فاجلدوهم وردواشهادتهم وفسقوهم، أى فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق ، إلا الذين تابوا.
عن القذف وأصلحوا فان الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسّقين (وثالثها)
أن قوله ( وأولئك هم الفاسقون) عقيب قوله ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) يدل على أن العلة فى
عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، لاسيما إذا كان
الوصف مناسباً وكونه فاسقاً يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة ، إذا ثبت أن العلة لود الشهادة
ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم
لزوال العلة ( ورابعها) أن مثل هذا الاستثناء موجود فى القرآن، قال الله تعالى (إنما جزاء الذين
يحاربون الله ورسوله) إلى قوله (إلا الذين تابوا) ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم
من أول الآية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً وكذلك قوله ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)
إلى قوله (فلم تجدوا ما. فتيمموا) وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن
وجب عليه الوضوء، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد فى إثبات مذهب الشافعى رحمه الله، واحتج
أصحاب أبى حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه (أحدها) أن الاستثناء من
الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة، فكذا فى جميع الصور طرداً للباب (وثانيها) أن المقتضى لعموم
الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفى فى تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لآن بهذا
القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغواً فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط (وثالثها) أن الاستثناء
لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يحلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن
يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة (والجواب) عن الأول أن الاستثناء من النفى إثبات ومن الإثبات
نفى، فالاستثناء عقيب الاستثناء لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر مانفى من أحدهما
أثبت فى الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثانى عديم الفائدة ، فلهذا السبب قلنا فى
الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة ( والجواب ) عن الثانى أنا بينا أن واو العطف
لا تقتضى الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخراً فى التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى
من تعليقه بالباقى، فوجب تعليقه بالكل (والجواب) عن الثالث أنه ترك العمل به فى حق البعض
فلم يترك العمل به فى حق الباقى، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله فى المسألة بوجوه من الأخبار
(أحدها ) ماروى ابن عباس رضى الله عنهما فى قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك
ابن سماء فقال رسول اللّه بطريقة ((يجلد هلال وتبطل شهادته فى المسلمين)) فأخبر رسول الله صلى الله

١٦٤
قوله تعالى . والذين يرمون المحصنات. سورة النور.
عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة فى قبولها ( وثانيها ) أن قوله
عليه السلام (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود فى قذف)) ولم يشترط فيه وجود التوبة
منه (وثالثها) ماروى عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا تجوز
شهادة محدود فى الاسلام)) قالت الشافعية هذا معارض بوجوه: (أحدها) قوله عليه السلام ((إذا
علمت مثل الشمس فاشهد)) والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن
مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثاً (وثانيها) قوله عليه السلام ( نحن نحكم بالظاهر)) وههنا قد
حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقاً (وثالثها) ما روى
عن عمر بن الخطاب ((أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع،
ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لا يفعل لم أجز شهادته «أكذب نافع ونفيع أنفسهما
وتابا وكان يقبل شهادتهما. وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته)) وما أنكر عليه أحد من الصحابة
فيه ، فهذا تمام الكلام فى هذه المسألة .
أما قوله تعالى ( وأولئك هم الفاسقون) فاعلم أنه يدل على أمرين: ( الأول ) أن القذف من
جملة الكبار لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة (الثانى) أنه اسم لمن يستحق العقاب
لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لاتمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه
رام إلى غير ذلك .
وأما قوله تعالى (إلا الذين تابوا) فاعلم أنهم اختلفوا فى أن التوبة عن القذف كيف تكون،
قال الشافعى رحمه اللّه التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه فى معناه فقال الأصطخرى يقول
كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله ، وقال أبو إسحق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون
قوله كذبت كذباً والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول
القاذف باطلا ندمت على ماقلت ورجعت عنه ولا أعود إليه .
أما قوله ( وأصلحوا ) فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لابد من مضى مدة عليه فى حسن الحال حتى
تقبل شهادته وتعود ولايته ، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التى تتغير فيها
الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة، وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة
والجزية وغيرهما .
وأما قوله تعالى ( فان الله غفور رحيم ) فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيما يقبل التوبة وهذا
يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا إذ لو كان واجباً لما كان فى قبوله غفوراً رحيما ، لأنه
إذا كان واجباً فهو إنما يقبله خوفاً وقهراً لعلمه بأنه لولم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية.
.أما إذا لم يكن واجباً فقبله. فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق.

١٦٥
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن ◌َهُمْ تُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ
أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ
عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ (﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ
أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ
وَاْمِسَةَ
بِاللَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ الْكَذِبِينَ.
الصَّدِقِينَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّبٌ حَكِيمٌ
﴿ الحكم الرابع: حكم اللعان) قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء
إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن
كان من الكاذبين، ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن
غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن اللّه تواب حكيم)
إعلم أنه سبحانه لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات، ثم هذه
الآية مشتملة على أبحاث :
﴿ البحث الأول.) فى سبب نزوله وذكروا فيه وجوها: (أحدها) قال ابن عباس رحمهم
الله ((لما نزل قوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) قال عاصم بن عدى
الانصارى إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلا على بطن امرأته فان جاء بأربعة رجال يشهدور
بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرا
ضرب وإن سكت سكت على غيظ . اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر وله امر
يقال لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن سماء على بطن امرأتى خو
فاسترجع عاصم وأتى رسول اللّه وَ ◌ّم فقال يارسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا فى أهل بيتى، فقد
رسول الله مواقع وماذاك؟ فقال أخبر فى عويمر ابن عمى بأنه رأى شريك بن سحاء على بطن امرأته خو
وكان عويمر و خولة وشريك كلهم بنوعم عاصم فدعا رسول الله برؤيته بهم جميعاً وقال لعويمر انق الله
زوجتكو ابنة عمكولا تقذفها فقال یارسول الله أقسم بالله أنی رأیت شریکا علی بطنها وأنی ماقر
منذأربعة أشهر وأنها حبلى من غيرى، فقال لها رسول اللّه بر يقيم اتقى الله ولا تخبرى إلا بما صنعه
فقالت يارسول الله إن عويمراً رجل غيور و إنه رأى شريكا يطيل النظر إلى ويتحدث حملته الغاء
على ما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول اللهو لتع حتى نودى الصلاة جامعة فصلى العصر

١٦٦
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
ثم قال لعويمر قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإنى لمن الصادقين، ثم قال فى الثانية قل أشهد
باللّه أنى رأيت شريكا على بطنها وإنى لمن الصادقين، ثم قال فى الثالثة قل أشهد بالله أنها حلى من
غيرى وإنى لمن الصادقين ، ثم قال فى الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأنى ما قربتها منذ أربعة
أشهر وإنى لمن الصادقين. ثم قال فى الخامسة قل لعنة الله على عويمر يعنى نفسه إن كان من الكاذبين
فيما قال ثم قال اقعد، وقال لخولة قومى، فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجى عويمراً
لمن الكاذبين ، وقالت فى الثانية أشهد بالله ما رأى شريكا على بطنى وإنه لمن الكاذبين، وقالت فى
الثالثة أشهد بالله أنى حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت فى الرابعة أشهد بالله أنه ماراً فى على
فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، وقالت فى الخامسة غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين
فى قوله، ففرق رسول اللّه ◌َ يتم بينهما)) (وثانيها) قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية الكلى
((أن عاصمها ذات يوم رجع إلى أهله فوجد شريك بن سحاء على بطن امرأته فأتى رسول الله عَ طاهٍ))
وتمام الحديث كما تقدم (وثالثها) ما روى عكرمة عن ابن عباس ((لما نزل (والذين يرمون المحصنات)
قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار لو وجدت رجلا على بطنها فإنى إن جئت بأربعة من الشهداء
يكون قد قضى حاجته وذهب ، فقال رسول اللّه بر قم يا معشر الأنصار أما تسمعون ما يقول سيدكم؟
فقالوا يارسول اللّه لا تلمه فإنه رجل غيور، فقال سعد يارسول الله والله إنى لأعرف أنها من الله
وأنها حق، ولكنى عجبت منه، فقال عليه السلام فان اللّه يأبى إلا ذلك، قال فلم يلبثوا إلا يسيراً
حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، فقال يارسول
الله إنى وجدت مع امرأتى رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذنى، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما جاء به ، فقال هلال والله يارسول الله إنى لأرى الكراهة فى وجهك ما أخبرتك به والله يعلم
أنى لصادق وما قلت إلا حقاً، فقال رسول اللّه وقلقه ((إما البيئة وإما إقامة الحد عليك)) فاجتمعت
الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد ، فبينا هم كذلك إذنزل عليه الوحى وكان إذا نزل عليه الوحى اربد
وجهه وعلا جسده حمرة فلما سرى عنه قال عليه السلام أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً،
قال قد كنت أرجو ذلك من اللّه تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال عليه السلام ادعوها فدعيت
فكذبت هلالا ، فقال عليه السلام الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكا تائب وأمر بالملاعنة فشهد
هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال عليه السلام له عند الخامسة اتق الله يا هلال فان
عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال والله لا يعذبنى الله عليها كما لم يجلدفى رسول الله
بز لقه وشهد الخامسة، ثم قال رسول الله أتشهدين فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فلما
أخذت فى الخامسة قال لها اتقى الله فان الخامسة هى الموجبة، فتفكرت ساعة وهمت بالاعتراف
ثم قالت والله لا أفضح قومى وشهدت الخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين ففرق
رسول اللّه ◌َرقمٍ بينهما، ثم قال: انظروها إن جاءت به أثييج أصهب أحمش الساقين فهو لهلال، وإن

١٦٧
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
جاءت به خديج الساقين أورق جعداً فهو لصاحبه ، فجاءت به أورق خديج الساقين فقال عليه السلام
لو لا الإيمان لكان لى ولها شأن)) قال عكرمة لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار ولا
يدری من أبوه ! .
﴿ البحث الثانى) ما يتعلق بالقراءة قرى. ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة أو لأنهم فى معنى
الأنفس ووجه من قرأ أربع أن ينصب لأنه فى حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذى هو فشهادة
أحدهم وهى مبتدأ محذوف الخبر فتقديره فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات، وقرىء أن لعنة الله
وأن غضب الله على تخفيف أن ورفع ما بعدها، وقرىء أن غضب الله على فعل الغضب، وقرى.
بنصب الخامستين على معنى ويشهد الخامسة .
﴿ البحث الثالث ) ما يتعلق بالأحكام ، والنظر فيه يتعلق بأطراف:
﴿ الطرف الأول ) فى موجب اللعان وفيه مسائل :
المسألة الأولى) اعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة
والتعزير إن لم تكن محصنة ، كما فى رمى الأجنبية لا يختلف موجبهما غير أنهما يختلفان فى المخلص ففى
قذف الأجنبى لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناها ، وفى قذف
الزوجة يسقط عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان، وإنما اعتبر الشرع اللعان فى هذه الصورة
دون الأجنبيات لوجهين: ( الأول ) أنه لا معرة عليه فى زنا الأجنبية والأولى له ستره ، أما إذا
زنى بزوجته فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمعتذر ، فلا
جرم خص الشرع هذه الصورة باللعان (الثانى) أن الغالب فى المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته
أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فاذا رماها فنفس الرمى يشهد بكونه صادقاً إلا أن شهادة
الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الأيمان، كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد
والشاهد الواحد يتقوى باليمين على قول كثير من الفقها ..
﴿ المسألةَ الثانية ﴾ قال أبو بكر الرازى كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات والجلد، والدليل
عليه قول النبى ◌َلّم هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك ابن سماء «إثنى بأربعة يشهدون لك
وإلا خد فى ظهرك)) فثبت بهذا أن حد قاذف الزوجات كان كمد قاذف الأجنبيات إلا أنه نسخ
عن الأزواج الجلد باللعان، وروى نحو ذلك فى الرجل الذى قال أرأيتم لو أن رجلا وجد مع
امرأته رجلا فإن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ . فدلت هذه
الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن اللّه نسخه باللعان .
المسألة الثالثة﴾ قال الشافعى رحمه الله إذا قذف الزوج زوجته فالواجب هو الحد ولكن
المخلص منه باللعان ، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود ، فإذا نكل الزوج
عن اللعان يلزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حدالزنا، وقال أبو حنيفة رحمه

١٦٨
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
الله إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى لا تلاعن
حجة الشافعى وجوه: (أحدها ) أن الله تعالى قال فى أول السورة ( والذين يرمون المحصنات )
يعنى غير الزوجات ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلد وهم ثمانين جلدة) ثم عطف عليه حكم الأزواج
فقال (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم) الآية فكما أن مقتضى
قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد
(وثانيها) قوله تعالى ( ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله) والألف واللام الداخلان
على العذاب لا يفيدان العموم لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب فوجب صرفهما إلى المعهود
السابق والمعهود السابق هو الحد لأنه تعالى ذكر فى أول السورة ( وليشهد عذابهما طائفة من
المؤمنين ) والمراد منه الحد وإذا ثبت أن المراد من العذاب فى قوله ( ويدرأ عنها العذاب) هو
الحد ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها باللعان دفعت الحد ، فان قيل المراد من العذاب هو الحبس.
قلنا قد بينا أن الألف واللام للمعهود المذكور، وأقرب المذكورات فى هذه السورة العذاب بمعنى
الحد ، وأيضاً فلو حملناه على الحد لا تصير الآية محملة. أما لو حملناه على الحبس قصير الآية مجملة لأن
مقدار الحبس غير معلوم ( وثالثها ) قال الشافعى رحمه الله ومما يدل على بطلان الحبس فى حق
المرأة أنها تقول إن كان الرجل صادقاً حدونى وإن كان كاذباً مخلونى فما بالى والحبس وليس حبسى
فى كتاب الله ولاسنة رسوله ولا الاجماع ولا القياس (ورابعها) أن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج
من شهادة غيره أو شهادة نفسه ، فوجب عليه الحد لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء فاجلدوهم) وإذا ثبت ذلك فى حق الرجل ثبت فى حق المرأة لأنه لا قائل بالفرق
(وخامسها ) قوله عليه السلام لخولة ((فالرجم أهون عليك من غضب الله)) وهو نص فى الباب
حجة أبى حنيفة رحمه اللّه ، أما فى حق المرأة فلأنها ما فعلت سوى أنها تركت اللعان ، وهذا الترك
ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب أن لا يجوز رجمها، لقوله عليه السلام (( لا يحل دم
امرىء )) الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد فى غير المحصن لأنه لا قائل
بالفرق ، وأيضاً فالنكول ليس بصريح فى الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الجمهور إذا قال لها يازانية وجب اللعان. وقال مالك رحمه الله
لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزنى أو ينفى حملا لها أو ولداً منها، حجة الجمهور أن عموم قوله
(والذين يرمون المحصنات ) يتناول الكل ، ولأنه لا تفاوت فى قذف الأجنبية بين الكل ، فكذا
فی حق قذف الزوجة .
﴿الطرف الثانى) الملاعن قال الشافعى رحمه الله من صح يمينه صح لعانه، فبجرى اللجان بين
الرقيقين والذميين والمحدودين ، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية،
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح فى صورتين (إحداهما) أن تكون الزوجة من لا يجب على

١٦٩
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ، سورة النور.
قاذفها الحد إذا كان أجنبياً نحو أن تكون الزوجة ملوكة أو ذمية ( والثانى ) أن يكون أحدهما من
غير أهل الشهادة بأن يكون محدوداً فى قذف أو عبداً أو كافراً، ثم زعم أن الفاسق والأعمى مع
أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما، وجه قول الشافعى رحمه الله أن ظاهر قوله تعالى (والذين
يرمون أزواجهم) يتناول الكل ولا معنى للتخصيص والقياس أيضاً ظاهر من وجهين (الأول)
أن المقصود دفع العارعن النفس، ودفع ولد الزنا عن النفس ، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا
المحدود محتاج إليه ( والثانى) أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى ، وإن لم يكونا من أهل
الشهادة فكذا القول فى غيرهما ، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا، ووجه قول أبو حنيفة رحمه
الله النص والمعنى، أما النص فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال ((أربع من
النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك
والمملوكة تحت الحر)) أما المعنى فنقول أمافى الصورة الأولى فلأنه كان الواجب على قاذف الزوجة
والأجنبية الحد بقوله ( والذين يرمون المحصنات) ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه
فلما كان اللعان مع الأزواج قائماً مقام الحد فى الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد
لو قذفها أجنبى، وأما فى الصورة الثانية فالوجه فيه أن اللعان شهادة فوجب أن لا يصح إلا من أهل
الشهادة وإنما قلنا إن اللعان شهادة لوجهين (الأول) قوله تعالى (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم
فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ) فسمى الله تعالى لعانهما شهادة كما قال (واستشهدوا شهيدين من
رجالكم) وقال (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) ( الثانى) أنه عليه السلام حين لا عن بين الزوجين
أمرهما باللعان بلفظ الشهادة، ولم يقتصر على لفظ اليمين، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل
من المحدود فى القذف لقوله تعالى ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) وإذا ثبت ذلك فى المحدود ثبت
فى العبد والكافر ، إما للاجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق، أجاب الشافعى
رحمه اللّه بأن اللعان ليس شهادة فى الحقيقة بل هويمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه، ولأنه
لو كان شهادة لكانت المرأة تأتى ثمان شهادات، لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من
الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما ، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا، وكذلك العبد قد
يعتق فتجوز شهادته، ثم أكد الشافعى رحمه الله ذلك بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته فى الحال
والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته فى الحال ، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة
مقبولة بعضهم على بعض ، فينبغى أن يجوز اللعان بين الذمى والذمية ، وهذا كله كلام الشافعى رحمه
الله . ثم قال بعد ذلك: وتختلف الحدود بمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد
القذف عليه لرقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصائُها وعدم إحصانها وحريتها ورقها.
﴿ الطرف الثالث) الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعى رحمه الله يتعلق باللعان خمسة
أحكام در. الحد ونفى الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها، وكلها تثبت بمجرد لعابه

١٧٠
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور:
ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم ، فان حكم الحاكم به كان تنفيذاً منه لا إيقاعا للفرقة.
فلنتكلم فى هذه المسائل :
المسألة الأولى ) اختلف المجتهدون فى وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال: (أحدها )
قال عثمان البتى: لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضى شيئاً يوجب أن يطلقها (وثانيها) قال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما (وثالثها) قال مالك
والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ( ورابعها) قال
الشافعى رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والإلتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبداً
التعنت أو لم تلتعن ، حجة عثمان البتى وجوه (أحدها) أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن
الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التى لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن
يكون الزوج صادقاً فى قوله وهو لا يوجب تحريماً ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب
ذلك تحريماً فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم ( وثانيها ) لو تلاعنا
فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم (وثالثها ) أن اللعان قائم مقام الشهود فى
قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة فى إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد ، فكذا اللعان لا تأثير
له إلا إسقاط الحد (ورابعها) إذا أ كذب الزوج نفسه فى قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة
فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد، قال وأما تفريق النبى مد ◌ّم بين المتلاعنين فكان
ذلك فى قصة العجلانى وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما، وأما قول أبى حنيفة
وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين (أحدهما) أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما
ودليله ما روى سهل بن سعد فى قصة العجلانى مضت السنة فى المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم
لا يجتمعان أبداً (والثانى) أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم، واحتجوا عليه بوجوه (أحدها)
روى فى قصة عويمر أنهما لما فرغا ((قال عويمر: كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها ، هى طالق
ثلاثاً، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه
(أحدها ) أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله ((كذبت عليها إن أمسكتها)) لأن إمساكها غير
ممكن ( وثانيها) ما روى فى هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان ( وثالثها ) ما قال سهل بن سعد فى
هذا الخبر مضت السنة فى المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، ولو كانت الفرقة واقعة
باللعان استحال التفريق بعدها ( وثانيها) قال أبو بكر الرازى قول الشافعي رحمه الله خلاف
الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهى أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله
تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين (وثالثها) أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم
فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم (ورابعها)
٠

١٧١
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعى بالبينة ، فلما لم يجز أن يستحق المدعى مدعاه إلا
بحكم الحاكم وجب مثله فى استحقاق المرأة نفسها ( وخامسها ) أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم
لأن أكثر مافيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هى أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم
فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به ، فلا بد من إحداث
التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم، أما قول مالك وزفر فىجته أنهما لو تراضيا على
البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما ، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرفة.، أما قول الشافعى
رحمه اللّه فله دليلان (الأول) قوله تعالى (ويدرؤ عنها العذاب أن تشهد. الآية) فدل هذا
على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا فى دفع العذاب عن نفسها ، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام
فقد وقع بلعان الزوج ( الثانى ) أن لعان الزوج وحده مستقل بنفى الولد فوجب أن يكون
الاعتبار بقوله فى الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها فى لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر
نفى الزوج لا إلحاق المرأة، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما داء يبقى مصراً على
اللعان فالولد منفى عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفى الولد وجب أن يكون مستقلا بوقوع الفرقة،
لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام ((الولد للفراش)) فما دام يبقى الفراش
التحق به ، فلما انتفى الولد عنه بمجردلعانه وجب أنه يزول الفراش عنه بمجرد لعانه، وأما الأخبار
التى استدل بها أبو حنيفة رحمه اللّه فالمراد بها أن النبى عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم
بها وذلك لا ينافى أن يكون المؤثر فى الفرقة شيئاً آخر، وأما الأقية التى ذكرها فدارها على أن
اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا، وأما قوله: اللعان لا إشعار فيه بوقوع
الحرمة. قلنا بينته على نفى الولد مقبولة ونفى الولد يتضمن نفى حلية النكاح والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ قال مالك والشافعى وأبو يوسف والثورى وإسحق والحسن المتلاعنان
لا يجتمعان أبداً ، وهو قول على وعمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه
وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد. حجة الشافعى رحمه الله أمور (أحدها) قوله
عليه السلام للملاعن بعد اللعان ((لا سبيل لك عليها)) ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان
الإكذاب غابة لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية، كما قال فى المطلقة
بالثلاث ( فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) . (وثانيها) ماروى عن على
وعمر وابن مسعود أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبداً، وهذا قد روى أيضاً مرفوعاً إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ( وثالثها) ماروى الزهرى عن سهل بن سعد فى قصة العجلانى (( مضت
السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً)) حجة أبى حنيفة رحمه الله قوله تعالى
( وأحل لكم ما وراء ذلكم) وقوله (فانكحوا ما طاب لكم).
المسألة الثالثة ﴾ اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان، وحكى عن

١٧٢
قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم. سورة النور.
بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفى نسبه باللعان، واحتج بقوله عليه السلام ((الولد للفراش))
وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ينتفى باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد.
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الشافعى رحمه الله: لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به
الحكم، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم، والظاهر
مع الشافعى لأنه يدل على أنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى، ومن قال
بخلاف ذلك فانما يقوله بدليل منفصل .
﴿ الطرف الرابع) فى كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحاً، فالرجل يشهد أربع شهادات
بالله بأن يقول: أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما وميتها به من الزنا، ثم يقول من بعد ، وعليه
لعنة الله إن كان من الكاذبين. ويتعلق بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعى رحمه
اللّه، ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا
الحكم الواحد، ثم ههنا فروع (الفرع الأول) أجمعوا على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند
الحاكم (الثانى) قال الشافعى رحمه الله يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى
تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول
له إنى أخاف إن لم تك صادقا أن تبوء بلعنة الله (الثالث) اللعان بمكة بين المقام والركن وبالمدينة
عند المنبر وبيت المقدس فى مسجده وفى غيرها فى المواضع المعظمة ولعان المشرك كغيره فى
الكيفية ، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة.
﴿ الطرف الخامس ) فى سائر الفوائد وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج فى أن الزنا والقذف
كفر من وجهين ( الأول) أن الرامى إن صدق فهي زانية، وإن كذب فهو قاذف فلا بد على
قولهم من وقوع الكفر من أحدهما ، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان
أصلاً، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بدلك توارث البتة ( الثانى) أن الكفر إذا ثبت عليها
بلعانه ، فالواجب أن تقتل لا أنْ تجلد أو ترجم ، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد فى الزنا ..
المسألة الثانية) الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد النكاح، وذلك
لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل
من يقر بأنها أخته من الرضاع أو بأنها كافرة ، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمى
من قبل اللعان وقد ثبت بالإجماع فساد ذلك.
﴿ المسألة الثالثة ) قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن اللّه تعالى إذا كان
كاذباً وأنه قد فسق ، وكذلك الزانى والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما
أن يلعنا أنفسهما، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين، وإذا صح ذلك فقد

١٧٣
قوله تعالى: إن الذين جاءوا بالافك. سورة النور.
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِأَلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُهُ نَّالَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
لِكُلّ أَمْرٍِ مِنْهُ مَّا كُتَسَبَ مِنَ آلْإِجِ وَالَّذِى تَّ كِبْرَُ ◌ِهُمْلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (ّ
استحق العقاب ، والعقاب يكون دائماً كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضاً محبط ، فلا يجوز إذا
لم يتوبا أن يدخل الجنة، لأن الأمة بجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو شاب على
طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق فى النار ، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوباً عليه بفسقه
ينافى كونه مرضياً عنه لجهة إيمانه، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب
والإجماع منوع.
المسألة الرابعة﴾ إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب اللّه تغليظاً عليها لأنها هى أصل
الفجور ومنبعه بخيلائها وإطباعها ولذلك كانت مقدمة فى آية الجلد .
واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامى للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا وكان فى ذلك من
الرحمة والنعمة مالا خفاء فيه ، لأنه تعالى جعل باللغان للمرء سبيلا إلى مراده، ولها سبيلا إلى دفع
العذاب عن نفسها، ولهما السبيل إلى التوبة والإنابة، فلأجل هذا بين تعالى بقوله (ولولا فضل الله
عليكم ورحمته) عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة ولا شبهة
فى أن فى الكلام حذفاً إذ لابد من جواب إلا أن تر که يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه ، ورب
مسكوت عنه أبلغ من منطوق به .
﴿ الحكم الخامس - قصة الإفك )
قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لمكم لكل
امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾
الكلام فى هذه الآية من وجهین (أحدهما ) تفسيره ( و الثانى ) سبب نزوله :
أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر فى هذه الآية ثلاثة أشياء (أولها ) أنه حكى الواقعة وهو
قوله (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقيل
هو البهتان وهو الأمر الذى لا تشعر به حتى يفجأك وأضله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك
عن وجهه، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة، وإنما وصف الله تعالى ذلك
الكذب بكونه أفكاً لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه (أحدها ) أن كونها
زوجة للرسول رقم المعصوم يمنع من ذلك، لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم

١٧٤
قوله تعالى : إن الذين جاءوا بالافك. سورة النور.
ويستعطفوهم ، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرثم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته
مساحة من أعظم المنفرات ، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبى كافرة كامرأة نوح ولوط
ولم يجز أن تكون فاجرة. وأيضاً فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو
عرف ذلك لما ضاق قلبه ، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا ( الجواب) عن الأول أن
الكفر ليس من المنفرات ، أما كونها فاجرة فمن المنفرات (والجواب) عن الثانى أنه عليه السلام
كثيراً ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال، قال تعالى (ولقد نعلم
أنك يضيق صدرك بما يقولون) فكان هذا من هذا الباب (وثانيها) أن المعروف من حال عائشة
قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق
إحسان الظن به ( وثالثها ) أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وقد عرف أن كلام العدو
المفترى ضرب من الهذيان، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول
الوحى. أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا
اجتمعوا ، وهم عبد الله بن أبى بن سلول رأس النفاق، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ،
ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ؤمن ساعدهم .
أما قوله (منكم) فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب فى أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون،
لان عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً (ورابعها) أنه سبحانه شرح حال المقذوفة
ومن يتعلق بها بقوله ( لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) والصحيح أن هذا الخطاب ليس
مع القاذفين، بل مع من قذفوه وآذوه، فإن قيل هذا مشكل لوجهين (أحدهما) أنه لم يتقدم ذكرهم
( والثانى) أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فيكيف تحمل عليهما صيغة الجمع فى قوله (لا تحسبوه
شراً لكم)، (والجواب عن الأول) أنه تقدم ذكرهم فى قوله ( منكم) (وعن الثانى) أن المراد
من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك
وكذلك أبو بكر ومن يتصل به ، فإن قيل فمن أى جهة يصير خيراً لهم مع أنه مضرة فى العاجل ؟
قلنا لوجوه (أحدها) أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه
طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم ( وثانيها ) أنه لولا إظهارهم للافك كان يجوز أن تبقى التهمة
كامنة فى صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر (وثالثها ) أنه صار
خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة
ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا
غاية الشرف والفضل ( ورابعها) صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله

١٧٥
قوله تعالى : إن الذين جاءوا بالافك. سورة النور.
تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ فى شرحه فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه
درجة عالية . ومن الناس من قال قوله تعالى ( لا تحسبوه شراً لكم) خطاب مع القاذفين وجعله الله
تعالى خيراً لهم من وجوه (أحدها ) أنه صار ما نزل من القرآن مانعاً لهم من الاستمرار عليه
فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك ( وثانيها) صار خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة
معجلة كالكفارة ( وثالثها) صار خيراً لهم من حيث تاب بعضهم عنده، وأعلم أن هذا القول
ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالها. بقوله تعالى
( لكل امرىء منهم مااكتسب من الاثم ) ومعلوم أن نفس ماا كتشبوه لا يكون عقوبة، والمراد
لهم جزاء مااكتسبوه من العقاب فى الآخرة والمذمة فى الدنيا ، والمعنى أن قدر العقاب يكون
مثل قدر الخوض .
أما قوله (والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ) قرى. كبره بالضم والكسر وهو عظمه.
المسألة الثانية﴾ قال الضحاك: الذى تولى كبره حسان ومسطح بخلدهما صلى الله عليه
وسلم حين أنزل الله عذرها. وجلد معهما امرأة من قريش، وروى أن عائشة رضى الله عنها
ذكرت حساناً وقالت ((أرجو له الجنة، فقيل أليس هو الذى تولى كبره؟ فقالت إذا سمعت شعره
فى مدح الرسول رجوت له الجنة)) وقال عليه الصلاة والسلام ((إن الله يؤيد حساناً بروح القدس
فى شعره)) وفى رواية أخرى (( وأى عذاب أشد من العمى » ولعل الله جعل ذلك العذاب
العظيم ذهاب بصره، والأقرب فى الرواية أن المراد به عبد الله بن أبي بن سلول فانه كان منافقاً
يطلب ما يكون قدحا فى الرسول عليه السلام ، وغيره كان تابعاً له فيما كان يأتى ، وكان فيهم من
لا يتهم بالنفاق.
المسألة الثالثة) المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاً بذلك القول ، فلا جرم حصل
له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام (( من سن سنة سيئة
كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) وقيل سبب تلك الاضافة شدة الرغبة فى
إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبى مسلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الجبائى قوله تعالى ( لكل امرى. منهم مااكتسب من الاثم) أى
عقاب ما اكتسب، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقاباً لما جاز أن يقول تعالى ذلك، وفيه
دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم فى الآخرة، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز
استحقاق الثواب (والجواب) أن الكلام فى المحابطة قدمر غير مرة فلا وجه للاعادة والله أعلم.
أما سبب النزول فقد روى الزهرى عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبى
وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت (( كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أفرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه، قالت فأفرع بيتنا فى

١٧٦
قوله تعالى . إن الذين جاءوا بالافك. سورة النور.
غزوة غزاها قبل غزوة بنى المصطلق نخرج فيها اسمى فرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذلك بعد نزول آية الحجاب حملت فى هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب
من المدينة نزل منزلا ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش
فلما قضيت شأنى وأقبلت إلى رحلى فلست صدرى فاذا عقد لى من جزع أظفار قد انقطع
فرجعت والتمست عقدى وحبسنى طلبه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونى حملوا هودجى وهم
يحسبون أنى فيه لخفتى، فإنى كنت جارية حديثة السن ، فظنوا أنى فى الهودج وذهبوا بالبعير ، فلما
رجعت لم أجد فى المكان أحداً جلست وقلت لعلهم يعودون فى طلبى فنمت، وقد كان صفوان
ابن المعطل يمكث فى العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شى.
فلما رآنى عرفتى، وقال ماخلفك عن الناس ؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت ، ثم قاد البعير
وافتقدنى الناس حين نزلوا وماج الناس فى ذكرى ، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس
وخاضوا فى حديثى، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقنى وجع، ولم أر منه عليه
السلام ما عهدته من اللطف الذى كنت أعرف منه حين أشتكى، إنما يدخل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم يقول كيف تيكم فذاك الذى يرينى، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فرجت
فى بعض الليالى مع أم مسطح لمهم لنا، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتى حين فرغنا من شأننا
فعثرت أم مسطح فى مرطها فقالت تعس مسطح. فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلا شهد بدراً!
فقالت وما بلغك الخبر! فقلت وماهو فقالت] أشهد أنك من المؤمنات الغافلات، ثم أخبر تنى بقول
أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضى فرجعت أبكى، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال كيف تيكم، فقلت ائذن لى أن آتى أبوى فأذن لى جئت أبوى وقلت لأمى يا أمه ماذا يتحدث
الناس؟ قالت يابنية هو فى عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا
أكثرن عليها ، ثم قالت ألم تكونى علمت ما قيل حتى الآن؟ فأقبلت أبكى فبكيت تلك الليلة ثم
أصبحت أبكى فدخل على أبى وأنا أبكى فقال لأمى ما يبكيها؟ قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى
الآن فأقبل يبكى ثم قال اسكتى يابنية، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب عليه
السلام وأسامة بن زيد واستشارهما فى فراق أهله فقال أسامة يارسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا
خيراً ، وأما على فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا
رسول اللّه صَّ اللّه بويرة وسألها عن أمرى قالت بريرة يارسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت
علها أمراً قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتى الداجن فتأكله، قالت
فقام النبي ◌َّ خطيباً على المنبر، فقال يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهلى
يعنى عبد الله بن أبى فوالله ماعلمت على أهلى إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلا ماعلمت عليه إلا خيراً
وما كان يدخل على أهنی إلا معی ، فقام سعدبن معاذ فقالأعذر ك یارسولاللهمنه إن كانمنالأوس
ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمر تنافعلناه ، فقام سعدبن عبادة وهر سيد الخزرج

١٧٧٠
قوله تعالى : إن الذين جاؤا بالإفك عصبه منكم. سورة النور.
وكان رجلاصالحاً ولكن أخذته الحمية فقال لسعدبن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله، فقام أسيد
ابن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين،
فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله يديم على المنبر فلم يزل بخفضهم
حتى سكتوا، قالت ومكثت يومى ذلك لا يرقاً لى دمع وأبواى يظنان أن البكاء فالق كبدى ، فينا
هما جالسان عندى وأنا أبكى إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم
يجلس عندى منذ قيل فى ماقيل ولقد لبث شهراً لا يوحى الله إليه فى شأتى شيئاً، ثم قال: أما بعد
يا عائشة فانه بلغنى عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب
فاستغفرى اللّه وتوبى إليه، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه قالت فلما قضى رسول اللّه معيطاليه
مقالته ، فاض دمعى ثم قلت لأبى أجب عنى رسول اللّه، فقال والله ما أدرى ما أقول ، فقلت لأمى
أجيبى عنى رسول الله فقالت والله لا أدرى ما أقول ، فقلت وأنا جارية حديثه ألسن ما أقرأ من
القرآن كثيراً إنى والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به فان قلت
لكم إنى بريئة لا تصدقونى وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى بريئة لتصدقونى والله لا أجد لى
ولكم مثلا إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه (فصبر جميل، والله المستعان على
ما تصفون ) قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشى، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرثنى ولكن
والله ما كنت أظن أن ينزل فى شأنى وحياً يتلى فشأنى كان أحقر فى نفسى من أن يتكلم الله فى
بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله فى النوم رؤيا يبرئنى الله بها: قالت فو الله ماقام
رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحى على نبيه ، فأخذه ما كان
يأخذه عند نزول الوحى حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق فى اليوم الثانى من ثقل
الوحى، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله مافرغت ولا باليت لعلی بیراءتى، أما
أبواى فوالله ماسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسى أبوى ستخرجان
فرقا من أن يأتى اللّه بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم
بها أن قال: ابشرى يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك،
فقالت أمى قومى إليه، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله أنزل براءتى، فأنزل الله تعالى
( إن الذين جاؤًا بالإفك عصبة منكم) العشر آيات ، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا
وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، فأنزل الله تعالى (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) إلى قوله (ألا تحبون
أن يغفر الله لكم) فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لى فرجع النفقة على مسطح قالت
فلما نزل عذرى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل
ضرب عبد الله بن أبى ومسطحاً وحمنة وحسان الحد)).
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة وذكر حال المقذوفين والقاذفين عقبها بما يليق بها
من الآداب والزواجر ، وهى أنواع :
الفخر الرازي - ج ٢٣ م ١٢

١٧٨
قوله تعالى : لولا إذ سمعتوه ظن المؤمنون. سورة النور.
٠٠٠ ١٠٠٠٠٠٠
◌َّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَكتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَـذَا ◌ِفْكٌ
مُبِينٌ
﴿ النوع الأول ) قوله تعالى (لولا إذ سمعتوه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً
وقالوا هذا إفك مبين )
وهذا من جملة الآداب التى كان يلزمهم الإتيان بها، (ولولا) معناه هلا وذلك كثير فى اللغة إذا
كان يليه الفعل كقوله (لولا أخرتنى) وقوله (فلولا كانت قرية آمنت) فأما إذا وليه الاسم فليس
كذلك كقوله (لولا أنتم لكنا مؤمنين) وقوله (ولولافضل الله عليكم ورحمته) والمراد كان الواجب
على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا يسرعوا إلى التهمة
فيمن عرفوا فيه الطهارة، وههنا سؤالات:
﴿السؤال الأول) هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم فلم عدل عن الخطاب
إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر؟ (الجواب) ليبالغ فى التوبيخ بطريقة الالتفات، وفى التصريح
بلفظ الايمان دلالة على أن الاشتراك فيه يقتضى أن لا يظن بالمسلمين إلا خيراً، لأن دينه يحكم
بكون المعصية منشأ للضرر ، وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر، وهذا يوجب حصول
الظن باحترازه عن المعصية ، فاذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد فى مقابلته راجح يساويه
فى القوة وجب إحسان الظن، وحرم الاقدام على الطعن
﴿ السؤال الثانى) ما المراد من قوله بأنفسهم؟ (الجواب) فيه وجهان (الأول) المراد أن
يظن بعضهم ببعض خيراً ونظيره قوله (ولا تلمزوا أنفسكم) وقوله (فأقتلوا أنفسكم) وقوله (إذا
دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم) ومعناه أى بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم، روى أن
أبا أيوب الأنصارى رضى الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال؟ فقالت لو كنت بدل صفوان
أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً؟ قال لا، قالت ولو كنت بدل عائشة ماخنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فعائشة خير منى وصفوان خيرمنك. وقال ابن زيد ذلك معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن
لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضى الله عنها هى أم المؤمنين ( والثانى) أنه جعل المؤمنين
كالنفس الواحدة فيما يجرى عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكانه جرى على جميعهم.
عن النعمان بن بشير قال عليه السلام ((مثل المسلمين فى تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا وجع
بعضه بالسهر والخى وجع كله)) وعن أبى بردة قال عليه السلام ((المؤمنون للمؤمنين كالبنيان
يشد بعضه بعضاً ).
( السؤال الثالث) ما معنى قوله (هذا إفك مبين) وهل يحل لمن يسمع ما لا يعرفه

١٧٩
هوله تعالى : لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء. سورة النور.
ج
أَوْلَا جَاءُ و عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَإِذْلَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَآءٍ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللّهِ
هُمُ الْكَذِبُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ
فِى مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٤
أن يقول ذلك؟ ( الجواب) من وجهين ( الأول ) كذلك يجب أن يقول ، لكنه يخبر بذلك عن
قول القاذف الذى لا يستند إلى أمارة ولاعن حقيقة الشىء الذى لا يعلمه ( الثانى ) أن ذلك
واجب فى أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم عن جميع المنفرات
كالدليل القاطع فى كون ذلك كذباً، قال أبو بكر الرازى هذا يدل على أن الواجب فيمن كان
ظاهره العدالة أن يظن به خيراً ، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة
والجواز، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلا مع امرأة أجنبية فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز
تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم يقيما بينة على النكاح ، ومن ذلك أيضاً
ما قال أصحابنا رضى الله عنهم فيمن باع درهما وديناراً بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما
لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما ، وكذلك إذا باع
سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائنى درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ، وهو يدل أيضاً
على قول أبى حنيفة رحمه الله فى أن المسلمين عدول ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون محسن
الظن، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها ، قال تعالى (إن
الظن لا يغنى من الحق شيئاً ).
﴿النوع الثانى) قوله تعالى ﴿ لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فاذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك
عند الله هم الكاذبون ﴾ .
وهذا من باب الزواجر ، والمعنى هلا أتوا على ما ذكروه بأربعة شهداء يشهدون على معايتهم
فيما رموها به (فاذ لم يأتوا بالشهداء) أى خين لم يقيموا بينة على ما قالوا، فأولئك عند الله أى فى حكمه
هم الكاذبون ، فان قيل: أليس إذا لم يأتوا بالشهداء فأنه يجوز كونهم صادقين كما يجوز كونهم كاذبين
فلم جزم بكونهم كاذبين؟ والجواب من وجهين: (الأول) أن المراد بذلك الذين رموا عائشة خاصة
وهم كانوا عند الله كاذبين ( الثانى) المراد فأولئك عند الله فى حكم الكاذبين فإنالكاذب يجب زجره
عن الكذب، والقاذف إنلم يأت بالشهود فإنه يجب زجره فلما كان شأنه شأن الكاذب فى الزجر
لاجرم أطلق عليه لفظ الكاذب مجازاً .
﴿ النوع الثالث) قوله تعالى ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والآخرة لمسكم
فيما أفضَتم فيه عذاب عظيم ) .

١٨٠
قوله تعالى : إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم. سورة النور.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَقْوَامِكُ مَّالَيْسَ لَكُم بِهِ عِلَّمْ وَتَحْسَبُونَهُ،
هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ (
وهذا من باب الزواجر أيضاً ، ولولا ههنا لامتناع الشىء لوجود غيره، ويقال أفاض فى
الحديث واندفع وخاض، وفى المعنى وجهان: (الأول) ولولا أنى قضيت أن أتفضل عليكم فى
فى الدنيا بضروب النعم التى من جملتها الإمبال للتوبة ، وأن أترحم عليكم فى الآخرة بالعفووالمغفرة
لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك ( والثانى) ولولا فضل الله عليكم ورحمته
لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم فى الدنيا والآخرة معاً، فيكون فيه تقديم وتأخير، والخطاب
للقذفة وهو قول مقاتل ، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول
التوبة لمن تاب .
﴿ النوع الرابع) قوله تعالى ﴿ إذا تلقوته بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم
وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم).
وهذا أيضاً من الزواجر قال صاحب الكشاف إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى تلقونه بأخذه
بعضکم من بعض يقال تلقى القول و تلقنه و تلقفه ومنه قوله تعالى (فتلقی آدم من ربه كلمات) وقرى.
على الأصل تتلقونه وإتلقونه بإدغام الذال فى التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من إلقائه
بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من الولق والألق وهو الكذب، وتلقونه محكية عن عائشة،
وعن سفيان: سمعت أمى تقرأ إذ تثقفونه، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود، وأعلم أن
الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعاق مس العذاب العظيم بها ( أحدها) تلقى الإفك بألسنتهم
وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر
فلم يبق بيت ولاناد إلا طار فيه، فكانهم سعوا فى إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم ( وكانيها )
أنهم كانوا يتكلمون بما لاعلم لهم به، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذى
لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه فى الحرمة ، ونظيره قوله (ولا تقف ما ليس لك
به علم) فان قيل ما معنى قوله ( بأفواهكم) والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلنا معناه أن الشىء المعلوم
يكون عليه فى القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولا يجرى على ألسنتكم من غير
أن يحصل فى القلب علم به ، كقوله ( يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ) ( وثالثها ) أنهم كانوا
يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة (الأول) يدل على أن القذف من
الكبائر لقوله ( وهو عند الله عظيم) (الثانى) نبه بقوله ( وتحسبونه هيناً) على أن عظم المعصية
لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه، بل ربما كان ذلك مؤكداً لعظمها من حيث جهل كونها عظيما،