Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّزى الصََّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِعِ الغَيْب للإمَامِ حَّ الَّزى مخز الّين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطِ الرى نفع اللهباليمين ٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام مثلاتدون المُ الثَّارِالعُ دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر والتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي ٣ قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم. سورة الحج. الجزء البتاع عشر (٢٢) سُوّرة الجَّاع ◌َدِنِيَّة وَآَيَالها تمانِ وَسَنْعُونَ ١٠ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ (٣) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلِ حَمْلَهَ وَىَ النَّاسَ سُكَلَرَى وَمَا هُمْ بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الَهِ شَدِيدٌ بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذاتحمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ أعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقى كل محرم ويتقى ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران، لأن المتقى إنما يتقى ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب ، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب، وإِنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال ( اتقوا ربكم) فالمراد اتقوا عذاب ربكم. أما قوله ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الزلزلة شدة حركة الشىء، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كانها هى التى تزلزل الأشياء على المجاز الحكمى فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع فى الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى ( بل مكر الليل والنهار) وهى الزلزلة المذكورة فى قوله (إذا زلزلت الأرض زلزالها) المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى وقتها فعن علقمة والشعبى أن هذه الزلزلة تكون فى الدنيا وهى التى يكون معها طلوع الشمس من مغربها. وقيل هى التي تكون معها الساعة . وروى عن رسول الله س اته فى حديث الصور( إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام لرب العالمين ، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب (١) مكية وفي المصحف الملكي مدنية عدا الآيات ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، فبين مكة والمدينة وفي تفسير ابي السعود بهامش طبعة دار الفكر لتفسير الفخر الرازي سورة الحج ، مكية إِلا سبعة آيات من ( هذا خصمان إلى صراط الحميد ) . ٤ قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم. سورة الحج. يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح) وقال مقاتل وابن زيد هذا فى أول يوم من أيام الآخرة . واعلم أنه ليس فى اللفظ دلالة على شىء من هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها، وتكون من أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة . ﴿ المسألة الثالثة) روى ((أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرچ ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر. فقال عليه السلام: ((أتدرون أى ذلك اليوم هو؟ قالوا ألله ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم وما بعث النار؟ يعنى من كم كم؟ فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا فمن ينجو يارسول اللّه؟ فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فان معكم خليفتين ما كانا فى قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ثم قال إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله، ثم قال إنى لأرجو أن تكونوا ثلثى أهل الجنة، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتى وما المسلمون فى الكفار إلا كالشامة فى جنب البعير أو كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، ثم قال ويدخل من أمتى سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب ، فقال عمر سبعون ألفاً ؟ قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً ، فقام عكاشة بن محصن فقال يارسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، فقال سبقك بها عكاشة)) خاض الناس فى السبعين ألفاً فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الاسلام ، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال ((هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». المسألة الرابعة ﴾ أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، والمعنى أن التقوى تقتضى دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة . المسألة الخامسة) احتجت المعتزلة بقوله تعالى (إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) وصفها بأنها شىء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى (إن الله على كل شىء قدير) فالشىء الذى قدر اللّه عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشىء الذى قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شىء. واحتجوا أيضاً بقوله تعالى ( ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً ) أطلق اسم الشىء فى الحال على مايصير مفعولا ٥ قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم. سورة الحج. غداً، والذى يصير مفعولا غداً يكون معدوماً فى الحال، فالمعدوم شىء والله أعلم (والجواب) عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهى جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك فى المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها ، فلا بد من التأويل بالاتفاق . ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً ، وهذا هو الجواب عن البواقى . المسألة السادسة﴾ وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم ما عظمه الله تعالى. أما قوله تعالى ( يوم ترونها ) فهو منصوب بتذهل أى تذهل فى ذلك اليوم والضمير فى ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لنقدم ذكرهما ، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هى التى توجب الخوف الشديد. واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أموراً ثلاثة ( أحدها ) قوله (تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) أى تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة، فان قيل: لم قال مرضعة دون مرضع؟ قلت المرضعة هى التى فى حال الارضاع وهى ملقمة ثديها الصبى والمرضع شأنها أن ترضع، وإن لم يباشر الإرساع فى حال وصفها به ، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة، وقوله (عما أرضعت ) أى عن إرضاعها أو عن الذى أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من (١) على هذا التأويل ( وثانيها) قوله (وتضع كل ذات حمل حملها ) والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما فى بطونها لغير تمام ، وقال القفال: يحتمل أن يقال من ماتت حاملا أو مرضعة تبعث حاملا أو مرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله ( يوم يجعل الولد ان شيباً)، ( وثالثها ) قوله ( وترى الناس سکاری) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرى. وترى بالضم تقول أريتك قائماً أو رأيتك قائماً والناس بالنصب والرفع، أما النصب فظاهر، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنته على تأويل الجماعة ، وقرى. سکری وسكارى ، وهو نظير جوعى وعطشى فى جوعان وعطشان ، سكارى وسكارى نحو كمالى وعمالى، وعن الأعمش: سكرى وسكرى بالضم وهو غريب. ﴿ المسألة الثانية﴾ المعنى وتراهم سكارى على التشبيه ( وما هم بسكارى) على التحقيق، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذى أذهب عقولهم وطير تمييزهم، وقال ابن عباس والحسن وتراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب، فان قلت لم قيل أولا ترون ثم قيل ترى على الإفراد ؟ قلنا لأن الرؤية أو لا علقت بالزلزلة ، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهى معلقة آخراً يكون الناس على حال من السكر ، فلا بد وأن يجعل كل واحد منهم رائياً السائرهم (١) هو من باب التغليب لكثرة عدد غير العقلاء على العقلاء فى الحقيقة، وبذلك يشمل الأناسى وغيرهم من الجوانت. ٦ قوله تعالى: ومن الناس من يجادل في الله. سورة الحج. وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَّبِعُ كُلّ شَيْطِ ◌َِّدِ ﴾ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ قَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُهُ، وَيَهْدِهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ٣ المسألة الثالثة﴾ إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون. وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه فى شىء من أفعاله، وليس لأحد عليه حق . قوله تعالى: ﴿ومن الناس من بجادل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ فى كيفية النظم وجهان: (الأول ) أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة وشدتها ، ودعا الناس الى تقوى الله . ثم بين فى هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا فى الأول. وأخبر عن مجادلتهم ( الثانى) أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها ، فان من الناس من يجادل فى الله بغير علم، ثم فى قوله (ومن الناس) وجهان: (الأول) أنهم الذين ينكرون البعث، ويدل عليه قوله (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) إلى آخر الآية. وأيضاً فان ما قبل هذه الآية وصف البعث وما بعدها فى الدلالة على البعث ، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة فى البعث (والثانى) أنها نزلت فى النضر بن الحرث ، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين، ويقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما. ﴿ المسألة الثانية ﴾ هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة ، فالمجادلة الباطلة هى المراد من قوله (ما ضربوه لك إلا جدلا ) والمجادلة الحقة هى المراد من قوله (وجادلهم بالتى هى أحسن). المسألة الثالثة﴾ فى قوله ( ويتبع كل شيطان مريد) قولان: (أحدهما) يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر (والثانى) أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده، قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس ، يقال صخرة مرداء أى ملساء، ويجوز أن يستعمل فى غير الشيطان إذا جاوز حد مثله . أما قوله (كتب عليه) ففيه وجهان: (أحدهما) أن الكتبة عليه مثل أى كانما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك فى حاله (والثانى) كتب عليه فى أم الكتاب، واعلم أن هذه الها. بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان، يحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد منهما، فإن رجع إلى من ٧ قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث. سورة الحج. يَأْيُهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَ مِنْ نُطَقَةٍ ثُ مِنْ عَةٍثُ مِن مُضْفَةٍ مَّقَةٍ وَغَيرٍ مُخَلَّقَةٍ لُِّبَيْنَ لَكُمْ وَنُقِر فِالْأَرْحَاِ مَآءُ إلَ أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَ نُحْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُ مَنْ يُتَوَقَّ وَمِنْكُ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمِ شَيْئًا وَتَرَى يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذى هو موحد، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار. وذلك زجر منه تعالى فكانه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلا لهذا الوعيد ، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو فى ضلال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه، وفى الآية مسائل: المسألة الأولى ﴾ قال القاضى عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله ( كتب عليه) قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان ، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضى على الشيطان أنه يضل ، ويجوز أن يقضى على من يقبله بقوله ، قد أضله عن الجنة وهداه إلى النار . قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لا نقلب خبر الله الصدق كذباً، وذلك محال ومستلزم المحال محال، فكان لا وقوعه محالا . المسألة الثانية) دلت الآية على أن المجادل فى اللّه إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضى فيه دلالة على أن المجادلة فى اللّه ليست من خلق الله تعالى ويإرادته ، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان، وكان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله ( والجواب) المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعى. المسألة الرابعة) قرىء أنه بالفتح والكسر فن فتح فلان الأول فاعل كتب والثانى عطف عليه، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام ، كما يقول كتبت أن الله هو الغنى الحميد، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول . قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة. لنبين لكم ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمل لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ، وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ٨ قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث. سورة الحج. اُلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَقَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ◌َِجِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحِ الْمَوْنَى وَأَُّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ يٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الَّ يَبْعَثُ مَنْ فِ الْقُبُورِ (٣) بهيج ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شىء قدير ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور ﴾. القراءة قرأ الحسن (من البعث) بالتحريك ونظيره الحلب والطرد فى الحلب وفى الطرد (ومخلقة وغير مخلقة) بجر التاء والراء، وقرأ ابن أبى عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون فى قوله (لنبين) وفى قوله ( ونقر) وفى قوله ( ثم نخرجكم طفلا) ابن أبى عبلة بالياء فى هذه الثلاثة ، أما القراءة بالنون ففيها وجوه : ( أحدها ) القراءة المشهورة (وثانيها ) روى السيرافى عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه ، وفى رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء ( وثالثها ) ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه: (أحدها) يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم (وثانيها) يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم (وثالثها) بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم (ومنكم من يتوفى) بفتح الياء أى يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش (العمر) باسكان الميم القراءة المعروفة ( ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) وفى حرف عبد الله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخاً بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أى ارتفعت ، وروى العمرىُ عنه بتليين الهمزة وقرى. وأنه باعث. ( المعانى) اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم فى إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين : (أحدهما) الاستدلال بخلقة الحيوان أولا وهو موافق لما أجمله فى قوله (قل يحييها الذى أنشأها أول مرة) وقوله (فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة.) فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث، فتذكروا فى خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانياً ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة: (المرتبة الأولى) قوله ( فإنا خلقناكم من تراب) وفيه وجهان: ( أحدهما ) إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب، لقوله (كمثل آدم خلقه من تراب) وقوله ( منها خلقناكم)، (والثانى) أن خلقة الإنسان من المنى ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهى قطعاً للتسلسل إلى النبات، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله ( إنا خلقناكم من تراب) ٩ قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث. سورة الحج. (المرتبة الثانية ) قوله ( ثم من نطفة ) والنطفة اسم للماء القليل أى ماء كان، وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول: أنا الذى قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفاً، مع أنه لامناسبة بينهما البتة (المرتبة الثالثة) قوله (ثم من علقة) العلقة قطعة الدم الجامدة، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة (المرتبة الرابعة) قوله ( ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ، لنبين لكم ونقر فى الأرحام مانشاء) فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة خلقا. إذا كانت ملساء. ثم للفسرين فيه أقوال (أحدها) أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تم، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين ( أحدهما ) تامة الصور والحواس والتخاطيط (وثانيهما) الناقصة فى هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضغة منها ماخلقه إنساناً تاماً بلا نقص ومنها ماليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ماهو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس فى خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم (وثانيها) المخلقة الولد الذى يخرج حياً وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد (وثالثها) المخلقة المصورة وغير المخلقة أى غير المصورة وهو الذى يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبد الله قال: ((إذا وقعت النطفة فى الرحم بعث الله ملكا وقال يارب مخلقة أو غير مخلقة ، فان قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً ، وإن قال مخلقة ، قال يارب فما صفتها ، أذكر أم أنثى، ما رزقها، ما أجلها ، أشقى، أم سعيد ؟ فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتى على آخر صفتها )) ( ورابعها ) قال القفال: التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لنتابع الخلق عليه، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات . والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال فى أول الآية ( فانا خلقناكم) وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنساناً وذلك يبعد فى السقط لأنه قد يكون سقطاً ولم يتكامل فيه الخلقة فان قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله (ونقر فى الأرحام مانشاء) وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره فى الرحم وهو السقط ، قلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ماذكرنا فى كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله فى الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط . أما قوله تعالى (لنبين لكم) ففيه وجهان (أحدهما) لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار ، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق (وثانيهما) التقدير إن كنتم فى ريب من البعث فانا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب ١٠ قوله تعالى : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث. سورة الحج. فى أمر بعثكم ، فان القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة. أما قوله تعالى ( ونقر في الأرحام مانشاء إلى أجل مسمى ) فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخرستة أشهر، أو تسعة، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فان كتب ذلك صار أجلا سمى (المرتبة الخامسة) قوله ( ثم نخرجكم طفلا) وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلا كقوله (والملائكة بعد ذلك ظهر) (المرتبة السادسة) قوله (ثم لتبلغوا أشدكم) والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التى لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة فى غير شىء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمراد والله أعلم ثم سهل فى تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التى بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ فى السن ويكون طفلا كما يكون غلاماً ثم يدخل فى الأشد (المرتبة السابعة) قوله (ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً) والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف، فيصير كما كان فى أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم. فان قيل كيف قال (لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً) مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كانه لا يعلم شيئاًلا ن مثل ذلك قد يذكر فى النفى لأجل المبالغة، ومن الناس من قال هذه الحالة لاتحصل للمؤمنين لقوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وهو ضعيف. لأن معنى قوله (ثم رددناه أسفل سافلين ) هو دلالة على الذم فالمراد به مايجرى مجرى العقوبة ولذلك قال ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منون) فهذا تمام الاستدلال بحال خلفة الحيوان على صحة البعث (الوجه الثانى) الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى (وترى الأرض هامدة) وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة ( فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله (اهتزت وربت) أى تحركت بالنبات وانتفخت. أما قوله ( وأنبتت من كل زوج بهيج ) فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك، لکنه یضاف إليها توسعاً، ومعنى (من كل زوج بهيج) من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس، والبهجة حسن الشىء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشىء المشرق الجميل، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة (أحدها ) قوله ذلك ( بأن الله هو الحق) والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن ١١ قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم. سورة الحج. وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَبِ مُنِیٍ حدوث هذه الأعراض المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع ( وثانيها ) قوله تعالى ( وأنه يحيي الموتى) فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيماء هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات ( وثالثها) قوله (وأنه على كل شىء قدير) يعنى أن الذى يصح منه إيجاد هذه الأشياء لابد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لابد وأن يكون قادراً على الإعادة (ورابعها) قوله ( وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور) والمعنى أنه لما أقام الدلائل على أن الإعادة فى نفسها ممكنه وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة فى نفسها ، وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلابد من القطع بوقوعه، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظرى أن يقال الإعادة فى نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التى كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارى. سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضى القطع بامكان الإعادة لما قلنا إن تلك الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لولم تكن قابلة لها فى وقت لما كانت قابلة لها فى شىء من الأوقات لأن الأمور الذاتية لا تزول ، ولولم تكن قابلة لها فى شىء من الأوقات لما كانت حية عاقلة فى شىء من الأوقات ، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبداً لهذه الصفات. وأما أن البارى. سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالماً بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادراً على كل الممكنات، فيكون قادراً على إيجاد تلك الصفات فى تلك الذوات . فثبت أن الاعادة فى نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن. فثبت أن الاعادة ممكنة فى نفسها . فاذا أخبر الصادق عن وقوعها فلابد من القطع بوقوعها ، فهذا هو الكلام فى تقرير هذا الأصل . فان قيل فأى منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات فى هذه الدلالة؟ قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات، ومتى صح ذلك فقد صح كون الاعادة ممكنة فان الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين ، ولذلك فان اللّه تعالى حيث أقام الدلالة على البعث فى كتابه ذكر معه كونه قادراً عالماً كقوله ( قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) فقوله ( قل يحييها الذى أنشأها) بيان للقدرة وقوله ( وهو بكل خلق عليم ) بيان للعلم والله أعلم . قوله تعالى : ﴿ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثانى عطفه ١٢ قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم. سورة الحج. ثَانِى عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِ الدُّنْيَانِىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَلَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ليضل عن سبيل الله له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق،وذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد . القراءة: ( ثانى عطفه ) بكسر العين الحسن وحده بفتح العين (ليضل) قرى. بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة ( ونذيقه ) بالنون وقرأ زيد بن على أذيقه، المعانى فى الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى أن المراد بقوله ( ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) من هم؟ على وجوه (أحدها) قال أبو مسلم الآية الأولى وهى قوله (ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ) ويتبع كل شيطان مريد واردة فى الأتباع المقلدين وهذه الآية واردة فى المتبوعين المقلدين ، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوعاً وبين ذلك قوله ( ولا هدى ولا كتاب منير ) فان مثل ذلك لا يقال فى المقلد، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة ، فان قيل : كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلا ؟ قلنا قد يجادل تصويباً لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلى هو التقليد ( وثانيها ) أن الآية الأولى نزلت فى النضر بن الحرث ، وهذه الآية فى أبى جهل ( وثالثها) أن هذه الآية نزلت أيضاً فى النضر وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما وفائده التكرير المبالغة فى الذم وأيضاً ذكر فى الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليداً بغير حجة ، وفى الثانية مجادلته فى الدين وإضلاله غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم . المسألة الثانية) الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنيو حق حسن على ما مر تقريره. المسألة الثالثة﴾ المراد بالعلم العلم الضرورى، وبالهدى الإستدلال والنظر لأنه يهدى إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحى ، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله ( ويعبدون من دون الله مالم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم) وقوله (ائتونى بكتاب من قبل هذا ) أما قوله ( ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله ) فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ولى الجيد وقوله ( ليضل عن سبيل الله) فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكى يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق تجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. وأما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح حاله فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا فيوم ١٣ قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف. سورة الحج. وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيْرُ أَطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتُهُ فِتْنَةُ أُنقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْحُسْرَانُ الْمُبِينُ (@) يَدْعُواْ مِن دُونِ اللّهِ مَالَا يَضُرُّهُ، وَمَا لَا يَنفَعُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ﴿ يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرَهٍُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ، لَبِئْسَ الْمَوْلَ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ١٣ بدر روينا عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت فى النضر بن الحرث وأنه قتل يوم بدر ، وأما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزى فى الدنيا ما أمر المؤمنون بذمه ولعنه ومجاهدته وأما فى الآخرة فقوله ( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) ثم بين تعالى أن هذا الخزى المعجل وذلك العقاب المؤجل لأجل ما قدمت يداه، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب : ﴿ الأول) دلت الآية على أنه إنما وقع فى ذلك العقاب بسبب عمله وفعله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى استحال منه أن ينفك عنه ، وحينما لا يخلقه الله تعالى استحال منه أن يتصف به ، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فاذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك على خلاف النص. ﴿الثانى) أن قوله بعد ذلك (وأن اللّه ليس بظلام للعبيد) دليل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلا استحق به ذلك العقاب وذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً ، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم . ﴿ الثالث) أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النظام ، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة . ( الرابع) وهو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن عندهم صحة نبوة النبى صلى الله عليه وسلم موقوفة على نفى الظلم فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعى لزم الدور ( والجواب ) عن الكل المعارضة بالعلم والداعى. قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد اللّه على حرف، فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد، يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ١٤ قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف. سورة الحج. القراءة: قرى. (خاسر الدنيا والآخرة) بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وفى حرف عبدالله (من ضره) بغيرلام، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ماذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال ( ومن الناس من يعبد الله على حرف) وفى تفسير الحرف وجهان (الأول) ما قاله الحسن وهو أن المرء فى باب الدين معتمده القلب واللسان فهما حرفا الدين ، فاذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل فى الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفى قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف (الثانى) قوله ( على حرف ) أى على طرف من الدين لا فى وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب فى دينهم لا على سكون طمأنينة كالذى يكون على طرف من العسكر فان أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه. وهذا هو المراد ( فان أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) لأن الثبات فى الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فاما اذا كان غرضه الخير المعجل فانه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقا مذموما وهو مثل قوله تعالى ( مذبذين بين ذلك) وكقوله ( فان كان لكم فتح من اللّه قالوا ألم تكن معكم ). المسألة الثانية) قال الكلى نزلت هذه الآية فى أعراب كانوا يقدمون على النبى صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضى به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رما كه (١) وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه، وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة ( وثانيها ) وهو قول الضحاك نزلت فى المؤلفة قلوبهم ، منهم عيينة بن بدر والأفرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل فى دين محمد فان أصبنا خيراً عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل ( وثالثها ) قال أبو سعيد الخدرى «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يارسول الله أقلنى فانى لم أصب من دينى هذا خيراً ، ذهب بصرى وولدى ومالى. فقال صلى الله عليه وسلم: إن الاسلام لا يقال، إن الاسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة)) فيزلت هذه الآية . وأما قوله ( وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) ففيه سؤالات (الأول) كيف قال (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، (والجواب) مثل هذا كثير فى اللغة لأن النعمة بلا. وايتلا. لقوله (فأما الأنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه) ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوى ، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوى، لأنه لا دين له . فلذلك وردت (١) الرماك جمع رمكة وهى الفرس أثى الحصان، والبردونة أنثى الحمار، تتخذ للنسل والنتاج، وتجمع على أرماك أيضاً ١٥ قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف. سورة الحج. الآية على ما يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة،لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل . (السؤال الثانى) إذا كانت الآية فى المنافق فما معنى قوله (انقلب على وجهه) وهو فى الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟ (والجواب) المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب فى الحقيقة (السؤال الثالث) قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال ( فان أصابه خير اطمأن به) كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه ( الجواب ) لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح. أما قوله تعالى ( خسر الدنيا والآخرة) فذلك لأنه يخسر فى الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما فى الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم (وذلك هو الخسران المبين). أما قوله ( يدعو من الله مالا يضره وما لا ينفعه) فالأقرب أنه المشرك الذى يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد فى الهودی لأنهليس من يدعو من دون الله الأصنام، والأقرب أنها واردة فى المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى (أن ذلك هو الضلال البعيد)، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يعنى بذلك بعد فلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك فى أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد فى التيه ضالا وطالت وبعدت مسافة ضلاله . أما قوله تعالى ( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه.) ففيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ اختلفوا فى تفسيره على وجهين (أحدهما) أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن اللّه تعالى بين فى الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضى كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور فى هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض (القول الثانى) أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور (أحدها ) أنها لاتضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفى فى إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى ( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس ) فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سباً للضلال، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم فى الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم فى هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر ( وثانيها ) كأنه سبحانه وتعالى بين فى الآية الأولى أنها فى الحقيقة لا تضر ولا تنفع ، ثم قالم فى الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها (وثالثها) كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر فى الدنيا ، ثم إنهم فى الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها فى الآخرة : إن ضرر كم أعظم من نفعكم. ١٦ قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات. سورة الحج. إِنَّ الَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعمِلُواْالصَّالِحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْهَا الْأَنْهَرُ إِنَّاللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (2) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَئِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَ لْيَقْطَعْ فَلْيَظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (فَ وَكَلِكَ أَنزَلَْهُ ءَايَتٍ بَيِنَتٍ وَأَنَّ اللَّيَهْدِى مَنْ يُرِيدُ المسألة الثانية ﴾ اختلف النحويون فى إعراب قوله ( لمن ضره أقرب). أما قوله (لبئس المولى ولبئس العشير) فالمولى هو الولى والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل فى الأوثان ، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذى يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله (لبئس المولى) والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم. قوله تعالى: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار إن اللّه يفعل مايريد، من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ، وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدى من يريد ﴾ إعلم أنه سبحانه لما بين فى الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال معبودهم، بين فى هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم ، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذى لا يمكن صوابه ، وأما معبودهم فلا يضر ولا ينفع، وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة ، ثم بين كمال الجنة التى تجمع بين الزرع والشجر وأن تجرى من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى (فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) واحتج أصحابنا فى خلق الأفعال بقوله سبحانه (إن الله يفعل ما يريد) قالوا : أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة ما للعموم فوجب أن يكون فاعلا للايمان لقوله ((إن الله يفعل مايريد) أجاب الكعبى عنه بأن الله تعالى يفعل مايريد أن يفعله لا مايريد أن يفعله غيره (والجواب) أن قوله ما يريد أعم من قولنا مايريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص . أما قوله (من كان يظن أن لن ينصره اللّه فى الدنيا والآخرة) فالهاء إلى ماذا يرجع؟ فيه وجهان: (الأول) وهو قول ابن عباس والكلى ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدى، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد مؤلّه يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً بَّاتٍ فى الدنيا بإعلاء كلمته ١٧ قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا. سورة الحج. وإظهار دينه، وفى الآخرة بإعلاء درجته والإنتقام من كذبه والرسول رب له وإن لم يجر له ذكر فى الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان فى قوله (إن الله يدخل الذين آمنوا) والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث ههنا عن أمرين (أحدهما) أنه من الذى كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمداً وَ لِيم؟ ( والثانى) أنه ما معنى قوله (فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع)؟ . ﴿أما البحث الأول) فذكروا فيه وجوهاً (أحدها) كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه الآية ( وثانيها ) قال مقاتل : نزلت فى نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذى بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ( وثالثها) أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه على أعدائه، فتى شاهدوا أن اللّه نصره غاظهم ذلك. ﴿ وأما البحث الثانى) فاعلم أن فى لفظ السبب قولين (أحدهما ) أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا فى السماء فمنهم من قال هو سماء البيت ، ومنهم من قال هو السماء فى الحقيقة ، فقالوا المعنى: من كان يظن أن لن ينصره الله، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه فى إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذى يغيظه. وعلى هذا القول اختلفوا فى القطع فقال بعضهم: سمى الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ، وسمى فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه، والمراد ليس فى يده إلا ماليس بمذهب لما يغيظ . وهذا قول الكلبى ومقاتل وقال ابن عباس رضى الله عنه: يشد الحبل فى عنقه وفى سقف البيت ، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ويهلك، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين. وقال آخرون: المراد منه نفس السماء فانه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيداً، ولأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك، بل الغرض أن يكون ذلك صارفاً له عن الغيظ إلى طاعة الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا والاختناق به أبعد فى الإمكان من مده إلى سقف البيت، لأن ذلك ممكن . أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين (الأول) كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة، ثم لينظر فانه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئاً وهو قول أبى مسلم ( والثانى) كأنه قال فليطلب سبباً يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله لنبيه ، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة ، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله، فإذا كان ذلك متنعاً كان غيظه عديم الفائدة، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فانه زجر للكفار عن الغيظ فيما لافائدة فيه، وهو فى معنى قوله (فان استطعت أن الفخر الرازي - ج ٢٣ م ٢ ١٨ قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا. سورة الحج. إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّدِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ كُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ (َ أَرْ تَأَنَّالَّهَيَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِ السَّمَنْوَتِ وَمَّ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِرُ مِنَ النَّاسِ وَكَثِرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن ◌ُِّنِ تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلاً فى السماء) مبيناً بذلك أنه لا حيلة له فى الآيات التى اقترحوها (القول الثانى) أن الهاء فى قوله (أن ينصره اللّه) راجع إلى من فى أول الآية لا نه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق. وقال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بنى بكر فقال: من ينصرنى نصره الله. أى من يعطينى أعطاه الله، فكاً نهقال من کانیظنأن لنیرزقه الله فى الدنيا والآخرة، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد ێ کما وصفه تعالى فى قوله ( وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) فيبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقاً . أما قوله (وكذلك نزلناه آيات بينات) فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات. أما قوله (وأن الله يهدى من يريد) فقد احتج أصحابنا به فقالوا: المراد من الهداية، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك فى حق كل المكلفين ولأن قوله (يهدى من يريد) دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هى معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقى أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار فى الإعتذار هذا يحتمل وجوها: (أحدها ) يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه له (وثانيها) أن يكون المراد يهدى إلى الجنة ،والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً ( وثالثها) أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى) وهذا الوجه هو الذى أشار الحسن اليه بقوله: إن اللّه يهدى من قبل لا من لم يقبل، والوجهان الأولان ذكرهما أبو على (والجواب) عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف ، وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله ( يهدى من يريد ) يقتضى عدم الوجوب. قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شىء شهيد. ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات ١٩ قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا. سورة الحج. اللهُ هَا لَهُو مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ، ومن يهن الله فما له من مكرم إن اللّه يفعل ما يشاء ﴾. القراءة: قرى (حق ) بالضم وقرى. حقاً أى حق عليه العذاب حقاً وقرى. (مكرم) بفتح الرا بمعنى الاكرام، واعلم أنه تعالى لما قال (وأن الله يهدى من يريد) أتبعه فى هذه الآية بيان من يهديه ومن لا يهديه، واعلم أن المسلم لا يخالفه فى المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة (أحدها) الطبقة المشاركة له فى نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية فى خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتى الصفات والرؤية ونفاتها (وثانيها) الذين يخالفونه فى النبوة ولكن يشار كونه فى الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى فى نبوة محمد ټالم وعیی وموسى عليهما السلام (وثالثها) الذين يخالفونه فى الإله وهؤلاءهم السوفسطائية المتوقفون فى الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر فى العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً. فاذاً كانت الاختلافات الواقعة فى أصول الأديان محصورة فى هذه الأقسام الثلاثة ، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها . وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون فى العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بل يكونون مستترين، أما القسم الثانى وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام ، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعا لمن كان نبياً فى الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى ، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابتون، وأما أتباع المتنبى. فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الاطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان ، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم. فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات فى الأنبياء عليهم السلام هى هذه السنة التى ذكرها الله تعالى فى هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحد لله تعالى وهو الاسلام وخمسة الشيطان، وتمام الكلام فى هذه الآية قد تقدم فى سورة البقرة. أما قوله ( إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) ففيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى (إن الذين آمنوا) كما تقول إن أخاك، إن الدين,عليه لكثير . قال جرير : إن الخليفة إن الله سربه سربال ملك به ترجى الخواتيم المسألة الثانية ﴾ الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم فى الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم ٢٠ قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا. سورة الحج. جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم فى موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضى بينهم . أما قوله تعالى ( إن الله على كل شىء شهيد) فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجرى فى ذلك الفصل ظلم ولا حيف . أما قوله سبحانه وتعالى ( ألم تر أن الله يسجد له) ففيه أسئلة : ﴿ السؤال الأول ) ما الرؤية ههنا (الجواب) أنها العلم أى ألم تعلم أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض وإنما عرف ذلك بخبر اللّه لا أنه رآه. ﴿ السؤال الثانى) ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه: (أحدها) قال الزجاج أجود الوجوه فى سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة للّه تعالى وهو كقوله ( ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، (أن نقول له كن فيكون)، ( وإن منها لما يهبط من خشية الله)، (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)، (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التى يحدثها اللّه تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فان قيل هذا التأويل يبطله قوله ( وكثير من الناس ) فان السجود بالمعنى الذى ذكرته عام فى كل الناس فاسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه: (أحدها ) أن السجود بالمعنى الذى ذكرناه وإن كان عاماً فى حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود فى الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فانه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر (وثانيها) أن نقطع قوله ( وكثير من الناس ) عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: (الأول) أن نقول تقدير الآية: ولله يسجد من فى السموات ومن فى الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الإنقياد والثانى بمعنى الطاعة والعبادة، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك فى معنفيه جميعاً (الثانى) أن يكون قوله ( وكثير من الناس) مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله (حق عليه العذاب)، (والثالث) أن يبالغ فى تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب ( وثالثها) أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك فى مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود فى حق الأحياء العقلاء العبادة وفى حق الجمادات الانقياد، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها فى حق العقلاء، الطاعة وفى حق اجمادات الانقياد . ( السؤال الثالث) قوله (ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض) لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى ( وكثير من الناس) (الجواب) لو اقتصر على ما تقدم لاوم أن كل الناس يجدون کما أن كل الملاتکه یسجدون فبین أن كثيراً منهم يسجدون طوعا