Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى . وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
بأسكم أى من الجرح والقتل والسيف والسهم والريح .
و المسألة الخامسة﴾ فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه، فتوارث
الناس عنه ذلك. فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر ، فلزمهم شكر الله تعالى
على النعمة فقال (فهل أنتم شاكرون) أى اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة، واعلم أنه
ذبحانه لما ذكر النعم التى خص داود بها ذكر بعده النعم التى خص بها سليمان عليه السلام ، وقال
قتادة: ورث اللّه تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين .
﴿ الإنعام الأول) قوله تعالى (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره) أى جعلناها طائعة
منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة واللّه تعالى مسخرها
فى الحالتين ، فان قيل العاصف الشديدة الهبوب، وقد وصفها اللّه تعالى بالرخاوة فى قوله (رخاء حيث
أصاب) فكيف يكون الجمع بينهما ( والجواب ) من وجهين: (الأول ) أنها كانت فى نفسها
رخية طيبة كالنسيم ، فاذا مرت بكرسيه أبعدت به فى مدة يسيرة على ما قالی (غدوها شهر ورواحها
شهر) وكانت جامعة بين الأمرين رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام
وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة ( الثانى ) أنها كانت فى وقت رخاء
وفى وقت عاصفاً ، لأجل هبوبها على حكم إرادته.
المسألة السادسة) قرى. الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب
للعطف على الجبال ، فان قيل قال فى داود (وسخرنا مع داود الجبال) وقال فى حق سليمان (ولسليمان
الريح) فذ کره فی حق داود عليه السلام بکلمة مع وفی حق سلیمان عليه السلام باللام وراعی هذا
الترتيب أيضاً فى قوله ( ياجبال أوبى معه والطير ) وقال ( فسخرنا له الريح تجرى بأمره) فما
الفائدة فى تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع ، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغلى
بالتسبيح حصل له نوع شرف، فما أضيف اليه بلام التمليك ، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجرى
مجرى الخدمة ، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك، وهذا إقناعى .
أما قوله (إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) أى إلى المضى إلى بيت المقدس ، قال الكلى
كانت تسير من أصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه .
أما قوله ( وكنا بكل شىء عالمين) أى لعلمنا بالأشياء صح منا ان ندبر هذا التدبير فى رسلنا
وفى خلقنا ، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة.
﴿ الإنعام الثانى) قوله تعالى (ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك
وكنا لهم حافظين ) وفيه مسائل :
٠
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد أنهم يغوصون له فى البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون
ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال ( يعملون.
٠٠٠

٢٠٢
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ) وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين
والقوارير والصابون .
﴿ المسألة الثانية ) قوله (ومن الشياطين من يغوصون له) يعنى وسخرنا لسليمان من الشياطين
من يغوصون له، فيكون فى موضع النصب نسقاً على الريح قال الزجاج ويجوز أن يكون فى موضع
رفع من وجهين: (أحدهما ) النسق على الريح ، وأن يكون المعنى ( ولسليمان الريح وله من
يغوصون له من الشياطين . ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء ويكون له هو الخبر.
﴿ المسألة الثالثة) يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذى يعمل سائر الأعمال، ويحتمل
أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين فى لفظة من وإن كان الأول هو الأقرب .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ليس فى الظاهر إلا أنه سخرهم، لكنه قد روى أنه تعالى سخر كفارهم دون
المؤمنين وهو الأقرب من وجهين: (أحدهما) إطلاق لفظ الشياطين (والثانى) قوله ( وكنا لهم
حافظين) فان المؤمن إذا سخر فى أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك فى الكافر .
﴿ المسألة الخامسة) فى تفسير قوله ( وكنا لهم حافظين) وجوه: (أحدها) أنه تعالى وكل
بهم جمعا من الملائكة أو جمعاً من مؤمنى الجن (وثانيها) سخرهم الله تعالى بأن حبب اليهم طاعته
وخوفهم من مخالفته ( وثالثها) قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم
ما يشاء، فان قيل وعن أى شىء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه: (أحدها ) أنه تعالى كان
يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه (وثانيها) قال الكلى كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً فى زمانه
( وثالثها) كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفدونه
فى الليل .
المسألة السادسة﴾ سأل الجبائى نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة
لا يقدرون على عمل الثقيل ، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة
وقواهم وزاد فى عظمهم ليكون ذلك معجزاً لسليمان عليه السلام، فلما مات سليمان ردهم الله إلى
الخلقة الأولى لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ، ولو ادعى متنبى النبوة وجعله
دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى، واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه:
(أحدها ) لم قلت إن الجز من الأجسام. ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز
ويكون الجن منهم؟ فإن قلت لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للبارى تعالى قلت هذا ضعيف لأن
الاشتراك فى اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك فى الملزومات فكيف اللوازم السلبية . سلمنا
أنه جسم ، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة فى الجسم اللطيف، وكلامه بناء على
البنية شرط وليس فى يده الاالإستقراء الضعيف . سلمنا أنه لابد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت
بأنه لابد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام ، فإن قال لئلا يفضى إلى التلبيس

٢٠٣
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّنِىَ الضُّرُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الَّحِينَ ﴿٨) فَأَسْتَجَبْنَاً
◌َهُ فَكَثَفْنَا. مَاِء مِن ◌ُرِّوَءَايَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا
وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ ®
قلنا التلبيس غير لازم . لأن المتنى إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعى أن يقول لم لا يجوز أن يقال
إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبى آخر قبلك، ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنى من
الاستدلال به، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة، أما الكثيف فأكثف الأجسام
الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام، فأنطق الحجر ولين الحديد
وكلواحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة
فأى بعد فى إحياء العظام الرميمة ، وإذا قدر على أن يجعل فى إصبع داود عليه السلام قوة النار
مع كون الإصبع فى نهاية اللطافة . فأى بعد فى أن يجعل التراب اليابس جسما حيوانياً. وألطف
الأشياء فى هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام، أما الهواء فقوله
تعالى (فسخرنا له الريح) وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان
يأمرهم بالغوص فى المياه والنار تنطفىء بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته على
إظهار الضد من الضد .
القصة السادسة - قصة أيوب عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين . فاستجبنا له فكشفنا
مابه من ضر واتيناه أهله ومثلهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ﴾
أعلم أن فى أمر أيوب عليه السلام وماذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفى غيره من "قرآن من
العبر والدلائل ماليس فى غيره ، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله ما
كان عبرة له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفاً لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب
على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد فى القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتى
الضراء والسراء، وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ قال وهب بن منبه كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب
ابن أنوص وكان من ولّد عيص بن إسحق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان اللّه تعالى قد اصطفاه
وجعله نبياً ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظاً وافراً من النعم والدواب والبساتين وأعطاه
أهلا وولداً من رجال ونساء، وكان رحيما بالمساكين، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم

٢٠٤
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله، قال وهب وإِن لجبريل عليه السلام بين
يدى اللّه تعالى مقاماً ليس لأحد من الملائكة مثله فى القربة والفضيلة ، وهو الذى يتلقى الكلام
فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من
الملائكة المقربين، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه. ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة.
الأرض . وكان إبليس لم يحجب عن شىء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك
وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة . ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام
نفحجب عن أربع. فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد عبد الله حجب عند ذلك عن
جميع السموات إلا من استرق السمع، قال فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة عل أيوب
فأدر كه الحسد ، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال يارب إنك أنعمت على
عبدك أيوب فشكرك وعافيته حمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لتن ضربته بالبلاء
ليكفرن بك ، فقال الله تعالى انطاق فقد سلطتك على ماله. فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض
وجمع عفاريت الشياطين، وقال لهم ماذا عندكم من القوة فإنى سلطت. على مال أيوب؟ قال عفريت
أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرقت كل شىء آتى عليه ، فقال إبليس
فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لايدنو منها
شىء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك
الرعاة إلى أيوب فوجده قائماً يصلى ، فلما فرغ من الصلاة قال يا أيوب هل تدرى ما صنع ربك
الذى اخترته بإبلك ورعائها ؟ فقال أيوب إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه. قال إبليس
فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها .
فمن قائل يقول ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا فى غرور، ومن قائل يقول لو كان إله أيوب
يقدر على شىء لمنع من وليه ، ومن قائل آخر يقول بل هو الذى فعل ما فعل ليشمت عدوه به
ويفجع به صديقه. فقال أيوب عليه السلام الحمد لله حين أعطانى وحين نزع منى، عرباءاً خرجت
من بطن أمى، وعرياناً أعود فى التراب، وعرياناً أحشر إلى اللّه تعالى، ولو علم الله فيك أيها العبد
خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً وآجرنى فيك ، ولكن الله على منك شراً فأخرك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً . فقال عفريت آخر عندى من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا
يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت
ومات رعاؤها . نخرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول ورد عليه
أيوب الرد الأول ، فرجع إبليس صاغراً . فقال عفريت آخر عندى من القوة ما إذا شئت تحولت
ريحا عاصفة أقلع كل شىء أتيت عليه، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع
إبليس متمثلاحتى جاء أيوب وهو يصلى، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول، جعل

٢٠٥
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
إبليس يصيبٍ أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف
الذى كان يقفه عند الله تعالى، وقال يا إلهى هل أنت مسلطى على ولده ، فانها الفتنة المضلة . فقال
الله تعالى انطلق فقد سلطتك على ولده، فأتى أولاد أيوب فى قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده
حتى قلب القصر عليهم ، ثم جاء إلى أيوب متمثلا بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه
ودماغه، فقال لورأيت بنيك كيف انقلبوا منكوين على رءوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع
قلبك ، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من التراب
ووضعها على رأسه، فاغتنم ذلك إبليس ، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام حتى استغفر واسترجع فصعد
إبليس ووقف موقفه وقال يا إلهى إنما يهون على أبوب خطر المال والولد، لعلمه أنك تعيد له
المال والولد فهل أنت مسلطى على جسده وإنى لك زعيم لو ابتليته فى جسده ليكفرن بك ، فقال
تعالى انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله
سريعاً فوجد أيوب عليه السلام ساجدا لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ فى منخره نفخة
اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه ئآ ليل وقد وقعت فيه حكمة لا يملكها ، وكان يحك
بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حڪها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة ، ولم يزل
يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن ، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً.
ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح
أموره ، ثم إن وهبا طول فى الحكاية إلى أن قال إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى
مستغيئاً متضرعاً إليه فقال يارب لأى شىء خلقتنى باليتى كنت حيضة ألقتنى أمى، وياليقنى كنت
عرفت الذنب الذى أذنبته، والعمل الذى عملت حتى صرفت وجهك الكريم عنى، ألم أكن للغريب
داراً، وللمسكين قراراً، ولليقيم ولياً، وللأرملة قيما، إلهى أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك وإن
أسأت فبيدك عقوبتى ، جعلتى للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت على ما لوبسلطته على جبل
لضعف من حمله . إلهى تقطعت أصابعى، وتساقطت لهواتى، وتناثر شعرى وذهب المال، وصرت.
أسأل اللقمة فيطعمنى من يمن بها على ويعيرنى بفقرى وهلاك أولادى. قال الإمام أبو القاسم
الأنصارى رحمه الله، وفى جملة هذا الكلام: ليتك لوكرهتنى لم تخلفنى، ثم قال ولو كان ذلك صحيحاً
لاغتنمه إبليس، فإن قصده أن يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن حلية الصابرين، والله تعالى لم
يخبر عنه إلا قوله ( إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ) ثم قال ( إنا وجدناه صابراً نعم العيد
إنه أواب) واختلف العلماء فى السبب الذى قال لأجله ( إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين)
وفى مدة بلائه ( فالرواية الأولى) روى ابن شهاب عن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله
عَ لّم ((إن أيوب عليه السلام بقى فى البلاء ثمانى عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من
إخوانه كانا يغدوان ويروحان إليه، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله لقد أذنب أيوب ذنباً

٢٠٦
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
ما أذنبه أحد من العالمين ، فقال له صاحبه: وما ذاك ؟ فقال منذ ثمانى عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى
ولم يكشف مابه. فلما ١حا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك لأيوب عليه السلام. فقال
أبوب ما أدرى ما تقولان ، غير أن الله تعالى يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران
الله عز وجل فأرجع إلى بيتى فأكفر منهما كراهية أن يذكر الله إلا فى حق. وفى رواية أخرى
أن الرجلين لما دخلا عليه وجدا ريحاً فقالا لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة ، قال
فاشق على أيوب شىء ما ابتلى به أشد ما سمع منهما ، فقال اللهم إن كنت تعلم أنى لم أبت شبعاناً وأنا
أعلم بمكان جائع مصدقى فصدقه وهما يسمعان، ثم خر أيوب عليه السلام ساجداً ثم قال: اللهم إنى
لا أرفع رأسى حتى تكشف مابى قال فكشف الله مابه (الرواية الثانية) قال الحسن رحمه الله
مكت أيوب عليه السلام بعد ما ألق على الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا
صديق غير امرأته رحمة صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام وتحمد الله تعالى مع أيوب وكان أيوب
مواظباً على حمد الله تعالى والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزءاً من صبر
أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض. وقالوا له ماخبرك؟ قال : أعيانى هذا العبد الذى سألت
الله أن يسلطنى عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولداً ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً لله
تعالى، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى فى كناسة وما يقربه إلا امرأته ، وهو مع ذلك لا يفتر
عن الذكر والحمدلله، فاستعنت بكم لتعينونى عليه فقالوا له: أين مكرك! أين عملك الذى أهلكت به
من مضى؟ قال بطل ذلك كله فى أيوب فأشيروا على، قالوا أدليت آدم حين أخرجته من الجنة من
أين أتيته؟ قال من قبل امرأنه، قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيهما
لأنه لا يقر به أحد غيرها. قال أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها فى صورة رجل ، فقال أين
بملك ياأمة الله؟ قالت هو هذا يحك قروجه وتتردد الدواب فى جسده، فلما سمعها طبع أن يكون
ذلك كله جزءاً . فوسوس اليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه.
قال الحسن رحمه اللّه فصرختٍ، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتاها بسنخلة، وقال ليذبح هذه لى
أيوب ويبرأ، قال بنجاءت تصرخ إلى أبوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك أين المال،
أين الماشية. أين الولد، أين الصديق، أين اللون الحسن ، أين جسمك الذى قد بلى وصار مثل
الرماد، وتردد فيه الدواب اذبح هذه السخلة واسترح؟ فقال أيوب عليه السلام: أتاك عدو الله
ونفخ فيك فأجبتيه! ويلك أتربن ما تبكين عليهما تذكرين بما كنا فيه من المال والولد والصحة ، من
أعطانا ذلك؟ قالت الله. قال فكم متعنا به؟ قالت ثمانين سنة. قال فنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟
قالت منذ سبع سنين وأشهر. قال ويلك والله ما أنصفت ربك، ألا صبرت فى البلاء ثمانين سنة
كما كنا فى الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفافى الله لأجلديك مائة جلدة. أمر تينى أن أذبح لغير الله،
وحرام على أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذى تأتينى به، فطردها فذهبت ، فلما نظر
1

٢٠٧
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
أيوب فى شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولاصديق، وقد ذهبت امرأته خرساجداً، وقال (رب
إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين) فقال ارفع رأسك فقد استجبت لك (اركض برجلك) فركض
برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها ، فلم يبق فى ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه ، ثم ضرب برجله
مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها ، فلم يبق فى جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً ، وعاد إليه
شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان ، ثم كى حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له
من الأهل والولد والمال ، إلا وقد ضعفه اللّه تعالى حتى صار أحسن مما كان ، حتى ذكر أن الماء
الذى اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب ، قال: جعل يضمه بيده فأوحى الله إليه ياأيوب
ألم أغتك؟ قال بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها ، قال :خرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن
امرأته قالت هب أنه طردنى أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لارجعن إليه ، فلما رجعت
مارأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وإذا بالأمورقد تغيرت ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة
و تبكى وذلك بعین أيوب عليه السلام، وهابت صاحب الحلة أن تأتیه و تسأله ، عنه فأرسل إلىها
أيوب عليه السلام ودعاها وقال: ماتريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذى
كان ملقى على الكناسة ، فقال لها أيوب عليه السلام: ما كان منك ، فبكت وقالت بعلى ، فقال:
أتعرفينه إذا رأيتيه، قالت وهل يخفى على أحد يراه! فتبسم وقال أنا هو ، فعرفته بضحكه فاعتنقته
ثم قال إنك أمر تيّى أن أذبح سخلة لإ بليس، وإنى أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد على
ما ترين (الرواية الثالثة) قال الضحاك ومقاتل بقى فى البلاء سبع سنين وسبعة أشهر و سبعة أيام وسبع ساعات
وقال وهب رحمه الله بقى فى البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته على
هيئة ليست كهيئة بنى آدم فى العظم والجمال على مركب ليس كمرا كب الناس وقال لها أنت صاحبة
أيوب؟ قالت نعم، قال فهل تعرفين؟ قالت لا ، قال أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ماصنعت ،
وذلك أنه عبد إله السماء وتركنى فأغضبنى ولو سجد لى سبحدة واحدة رددت عليك وعليه جميع ما لكما
من مال وولد فان ذلك عندى ، قال وهب وسمعت أنه قال لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم اللّه
تعالى لعوفى مما هو فيه من البلاء، وفى رواية أخرى بل قال لها لو شئت فاسحدى لى سجدة واحدة
حتى أرد عليك المال والولد وأعافى زوجك، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ، فقال لها أيوب
أناك عدو الله ليفشنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافانى اللّه لأجلدنك مائة جلدة، وقال عند ذلك
( مسنى الضر) يعنى من طمع إبليس فى سجودى له وسجود زوجتى ودعائه إياها وإيانى إلى
الكفر. ( الرواية الرابعة) قال وهب كانت امرأة أيوب عليه السلام تعمل للناس وتأتيه
بقوته، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام فلم تجد
شئاً. لتجزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها أين قرنك فأخبرته بذلك ، حينئذ قال
(مسنى الضر). (الرواية الخامسة) قال إسماعيل السدى لم يقل أيوب مسنى الضر إلا لأشياء

٢٠٨
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
ثلاث ( أحدها) قول الرجلين له لو كان عملك الذى كنا نرى لله تعالى لما أصابك الذى أصابك
( وثانيها ) كان لامر أته ثلاث ذوائب فعمدت الى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً
ولحماً فجاءت إلى أيوب عليه السلام فقال من أين هذا ؟ فقالت كل فإنه حلال فلما كان من الغد لم تجد
شيئاً فباعت الثانية وكذلك فعلت فى اليوم الثالث، وقالت كل فانه حلال فقال لا آكل ما لم
تخبرينى فأخبرته ، فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم ، وقيل إنما باعت ذواتبها لأن إبليس تمثل
لقوم فى صورة بشر ، وقال لئن تركتم أيوب فى قريتكم فانى أخاف أن يعدى إليكم مابه من العلة
فأخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم إن امرأته تدخل فى بيوتكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون
أن تعدى اليكم علته، فينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها (وثالثها) حين قالت له امرأته ماقالت
فحينئذ دعا ( الرواية السادسة ) قيل سقطت دودة من هذه فرفعها وردها إلى موضعها ، وقال قد
جعلنى الله تعالى طعمة لك فعضته عضة شديدة، فقال مسنى الضر. فأوحى الله تعالى اليه لولا أنى
جعلت تحت كل شعرة منك صبراً لما صبرت .
﴿ المسألة الثانية﴾ إعلم أن المعتزلة قد طعنوا فى هذه القصة من وجوه (أحدها) قال
الجبائى ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلا للشيطان سلطه اللّه عليه، لقوله
تعالى حكاية عنه ( مسنى الشيطان بنصب وعذاب) وهذا جهل ، أما أولافلأنه لو قدر على إحداث
الأمراض والأسقام وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلها، وأما
ثانياً فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال ( وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم
فاستجبتم لى) والواجب تصديق خبر اللّه تعالى، دون الرجوع إلى مايروى عن وهب بن منبه رضى
الله عنه. واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور فى الحكاية أن الشيطان نفخ فى منخره
فوقعت الحكة فيه ، فلم قلتم إن القادر على النفخة التى تولد مثل هذه الحكة لابد وأن يكون قادراً على
خلق الأجسام، وهل هذا إلا محض التحكم، وأما التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا
الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى عنه، وهذه الحالة لم تحصل إلا فى حق أيوب
عليه السلام على مادلت الحكاية علیه من أنه استأذن الله تعالىفأذن له فيه، ومتى كان كذلك لم يبق
بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة ( وثانيها) قالوا ماروى أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند
أمور مخصوصة فبعيد، لأن الثابت فى العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل فى ذلك ربه ويفزع إليه
كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم ما يراه من إخوانه وأهله جاز أيضاً أن
يسأل ربه من قبل نفسه ، فان قيل أفلا يجوزأنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا فى آخر أمره،
قلنا يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لامحالة ، فعلم
عليه السلام أنه لا وجه للمسألة فى هذا الأمر الخاص ، فاذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك ، من
حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع ( وثالثها) قالوا انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير

٢٠٩
قوله تعالى : وأيوب اذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
بجائز؛ لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل
فى هذه الحكاية.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف قوله تعالى ( أنى مسنى الضر ) أى ناداه بأنى
مسنى الضر، وقرىء إنى بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه، والضر بالفتح الضرر
فى كل شىء، وبالضم الضرر فى النفس من مرض وهزال.
المسألة الرابعة﴾ أنه عليه السلام ألطف فى السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة
وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب، فان قيل أليس أن الشكوى تقدح فى تكونه صابراً
(الجواب) قال سفيان بن عيينة رحمه اللّه من شكا إلى اللّه تعالى فانه لا يعد ذلك جزءا اذا كان
فى شكواه راضياً بقضاء الله تعالى اذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب
عليه السلام (إنما أشكو بى وحزنى الى الله) أما قوله (وأنت أرحم الراحمين) فالدليل على أنه
سبحانه ( أرحم الراحمين ) أمور (أحدها ) أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلباً للثناء فى
الدنيا أو الثواب فى الآخرة أو دفعاً للرقة الجنسية عن الطبع، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم
منفعة نفسه، أما الحق سبحانه فانه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه، ومن غير أن
يعود اليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال، فكان سبحانه أرحم
الراحمين ( وثانيها) أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك الا بمعونة رحمة الله تعالى لأن منأعطى
غيره طعاما أو ثوباً أودفع عنه بلاء، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية
وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشىء، ثم بعد وصول تلك العطية اليه . فلولا أنه سبحانه جعله
سباً للراحة لما حصل النفع بذلك ، فاذاً رحمة العباد مسيوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمنه بل
رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة فى البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين (وثالثها) أن
الله تعالى لو لم يخلق فى قلب العبد تلك الدواعى والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ،
فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذى أنشأ تلك الداعية . فثبت أنه أرحم الراحمين .
فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض
والآلام وسلط البعض على البعض بالذيح والكسر والإيذاء، وكان قادراً على أن یغنی كل واحد
عن إيلام الآخر وإيذائه؟ ( والجواب) أن كونه سبحانه ضاراً لا ينافى كونه نافعاً، بل هو الضار
النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا يسأل عما يفعل .
أما قوله تعالى ( فاستجبنا له ) فانه يدل على أنه دعا ربه، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون
واقعاً منه على سبيل التعريض، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا . ويجوز أن يكون
على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول، ثم إنه سبحانه بين أنه كشف
ما به من ضرو ذلك يقتضى إعادته إلى ما كان فى بدنه وأحواله، وبين اللّه تعالى أنه آتاه أهله ويدخل
الفخر الرازى - ج ٢٢ /١٤
١

٢١٠
قوله تعالى : واسماعيل وإدريس وذا الفكل . سورة الأنبياء ،
وَإِسْمَعِيلَ وَإِذْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلُّ مِنَ الصَّبِينَ (2﴾ وَأَدْخَلْنَُهُمْ فِى
رَحْمَتِّنَ لِنَّهُمٍ مِنَ الصَّالِينَ
فيه من ينسب إليه من زوجة ولد وغيرهما ثم فيه قولان ( أحدهما) وهو قول ابن مسعود وابن
عباس وقتادة ومقاتل والكلبى وكعب رضى الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعنى أولاده
بأعيانهم ( والثانى) روى الليث رضى الله عنه، قال أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال
قيل له إن أهلك لك فى الآخرة فإن شئت عجلناهم لك فى الدنيا ، وإن شئت كانوا لك فى الآخرة
وآتيناك مثلهم فى الدنيا . فقال يكونون لى فى الآخرة وأوتى مثلهم فى الدنيا. والقول الأول أولى
لأن قوله ( وآتيناه أهله ) يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم فى الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضاً.
وأما قوله تعالى (وذكرى للعابدين) ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكى يتفكر فيه
فيكون داعية للعابدين فى الصبر والإحتساب، وإنما خص العابدين بالذكر [ى] لأنهم يختصون
بالإنتفاع بذلك .
القصة السابعة ﴾
قوله تعالى: ﴿وإسمعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين، وأدخلناهم فى رحمتنا إنهم
من الصالحين﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب عليه السلام وانقطاعه إليه أتبعه بذكر هؤلاء فإنهم كانوا
أيضاً من الصابر بن على الشدائد والمحن والعبادة، أما إسمعيل عليه السلام فلأنه صبر على الإنقياد
للذج، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولاضرع ولا بناء، وصبر فى بناء البيت، فلاجرم أكرمه
اللّه تعالى وأخرج صلبه خاتم النبيين، وأما إدريس عليه السلام فقد تقدمت قصته فى سورة مريم
عليها السلام، قال ابن عمر رضى الله عنهما: بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله تعالى فأبوا فأهلكهم
اللّه تعالى ورفع إدريس إلى السماء الرابعة)) وأما ذو الكفل ففيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ فيها بحثان:
﴿ الأول ) قال الزجاج الكفل فى اللغة الكساء الذى يجعل على عجز البعير، والكفل
أيضاً النصيب واختلفوا فى أنه لم سمى بهذا الاسم على وجوه (أحدها ) وهو قول المحققين أنه كان
له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام فى زمانه وضعف ثوابهم ( وثانيها ) قال ابن عباس رضى الله
عنهما فى رواية ((إن نبياً من أنبياء بنى اسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أنى أريد
قبض روحك ، فاعرض ملكك على بنى اسرائيل، فمن تكفل لك أنه يصلى بالليل حتى يصبح ويصوم
بالنهار فلا يفطر، ويقضى بين الناس فلا يغضب فادفع ملكك إليه، فقام ذلك النبى فى بنى إسرائيل

٢١١
قوله تعالى : واسماعيل وإدريس وذا الكفل . سورة الأنبياء .
وأخبرهم بذلك ، فقام شاب وقال أنا أتكفل لك بهذا، فقال فى القوم من هو أكبر منك فاقعد ثم
صاح الثانية والثالثة فقام الرجل وقال أتكفل لك بهذه الثلاث فدفع إليه ملكه ، ووفى بما ضمن.
فسده ابليس فأتاه وقت ما يريد أن يقيل ، فقال إن لى غريماً قد مطلنى حقى وقد دعوته إليك فأنى
فأرسل معى من يأتيك به ، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى
الصباح، ثم أتاه من الغد عند القيلولة فقال إن الرجل الذى استأذنتك له فى موضع كذا فلا تبرح حتى
آتيك به ، فذهب وبقى منتظراً حتى فاتته القيلوله ، ثم أتاه فقال له هرب منى فمضى ذو الكفل إلى
صلاته فصلى ليلته حتى أصبح، فأتاه ابليس وعرفه نفسه، وقال له حسدتك على عصمة الله إياك
فاردت أن أخرجك حتى لاتفى بما تكفلت به. فشكره الله تعالى على ذلك ونبأه، فسمى ذا الكفل))
وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة (وثالثها) قال مجاهد لما كبر اليسع عليه السلام، قال لوأنى
استخلفت رجلا على الناس فى حياتى حتى أنظر كيف يعمل ، جمع الناس وقال من يتقبل منى حتى
استخلفه ثلاثاً يصلى بالليل ويصوم بالنهار ويقضى فلا بغضب، وذكر على كرم الله وجهه نحو
ماذكره ابن عباس رضى الله عنه من فعل إبليس وتفويته عليه القيلولة ثلاثة أيام. وزاد أن ذا
الكفل قال للبواب فى اليوم الثالث قد غلب على النعاس فلا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى
أنام وإنى قد شق على النعاس ، جاء إبليس لم يأذن له البواب فدخل من كوة فى البيت وتسور فيها
فإذا هو يدق الباب من داخل ، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب. فقال أما من قبلى فلم تؤت . فقام
إلى الباب فاذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ معه فى البيت ،فقال له أتنام والخصوم على الباب.
فعرفة فقال أنت إبليس قال نعم أعييتنى فى كل شىء ففعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله منى.
فسمی ذا الکفل لأنه قد وفی بما تكفل به .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه ومجاهد ذو الكفل لم يكن نبياً ولكن
كان عبداً صالحاً ، وقال الحسن والأكثرون إنه من الأنبياء عليهم السلام وهذا أولى الوجوه
(أحدها) أن ذا الكفل يحتمل أن يكون لقباً وأن يكون اسماً، والأقرب أن يكون مفيداً، لآن
الاسم إذا أمكن حمله على ما يفيد فهو أولى من اللقب. إذا ثبت هذا فنقول الكفل هو النصيب
والظاهر أن الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو كفل
الثواب فهو إنما سمى بذلك لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره
ولقد كان فى زمنه أنبياء على ماروى ومن ليس بنى لا يكون أفضل من الأنبياء ( وثانيها) أنه
تعالى قرن ذكره بذكر إسماعيل وإدريس والغرض ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم وذلك
يدل على نبوته ( وثالثها) أن السورة ملقبة بسورة الأنبياء فكل من ذكره للّه تعالى فيها فهو نبى ..
المسألة الثالثة) قيل إن ذا الكفل زكريا وقيل يوشع وقيل إلياس، ثم قالوا خمسة من
الأنبياء سماهم الله تعالى باسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس

٢١٢
قوله تعالى : وذا النون اذ ذهب مغاضباً . سورة الأنبياء .
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ
◌َّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِىِ كُنتُ مِنَ الَّلِنَ ﴿٨) فَسْتَجَبَهُ ، وَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ
وَكَذَلِكَ نَجِى الْمُؤْمِنِينَ.
M
وذوالنون، محمد وأحمد .
وأما قوله تعالى ( كل من الصابرين ) أى على القيام بأمر الله تعالى واحتمال الأذى فى نصرة
دينه. وقوله ( وأدخلناهم فى رحمتنا) قال مقاتل: الرحمة النبوة ، وقال آخرون بل يتناول جميع
أعمال البر والخير .
القصة الثامنة - قصة يونس عليه السلام
قوله تعالى: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات
أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى
المؤمنين ) إعلم أن ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه لاخلاف فى أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن النون هو
السمكة ، وقد ذكرنا أن الإسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مفيداً ، فحمله على
المفيد أولى، خصوصاً إذا علمت الفائدة التى يصلح لها ذلك الوصف .
﴿ المسألة الثانية) اختلفوا فى أن وقوعه عليه السلام فى بطن السمكة كان قبل اشتغاله بأداء
رسالة الله تعالى أو بعده (أما القول الأول) فقال ابن عباس رضى الله عنه: كان يونس عليه السلام
وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً، وبقى سبطان ونصف.
فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبى عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نيياً.
قوياً أميناً فإنى ألقى فى قلوب أولئك أن يرسلوا معه بنى إسرائيل. فقال له الملك فمن ترى وكان
فى مملكته خمسة من الأنبياء، فقال يونس بن متى فانه قوى أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج
فقال يونس : هل أمرك الله باخراجى؟ قال لا ، قال فهل سمانى لك ؟ قال لا قال فههنا أنبيا.
غيرى، فألحوا عليه خرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوما هيأوا سفينة فركب
معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون ههنا رجل عاص أو
عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل عاص، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا
بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه فى البحر، ولأن يغرق [و]احد خير من أن
تغرق السفينة ، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام ، فقال أنا

٢١٣
قوله تعالى: وذا النون اذ ذهب مغاضباً . سورة الأنبياء .
الرجل العاصى والعبد الآبق، وألقى نفسه فى البحر جاء حوت فابتلعه ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت
لا تؤذ منه شعرة. فانى جعلت بطنك سبوناً. له ولم أجعله طعاماً لك، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن
الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من
يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، فلا يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام
فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب
راحتهم. ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب اليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل
أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلى إليك
لترسل معى بنى إسرائيل، فقالوا ما نعرف ما تقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا، ولقد أتيناكم
فى دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه
فأوحى الله تعالى إليه: قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا، خرج من عندهم فلا فقدوه
ندموا على فعلهم، فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين
كانوا فى دينهم ، فقالوا انظروا واطلبوه فى المدينة فان كان فيها فليس ما ذكر من نزول العذاب شىء،
وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشى فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم
فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عز ولدها وكذا الصبيان والأمهات ، ثم قاموا ينتظرون
الصبح. فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما فى
بطونها، وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر ، فرفع الله تعالى عنهم العذاب، فبعثوا إلى يونس
عليه السلام (آمنوا به ، وبعثوا معه بنى إسرائيل. فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام
بعد مانبذه الحوت، ودليل هذا القول قوله تعالى فى سورة الصافات ( فتبذناه بالعراء وهو سقيم،
وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه الى مائة ألف أو يزيدون ) وفى هذا القول رواية أخرى
وهى أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب
قد حضرهم ، فقال يونس عليه السلام ألتمس دابة فقال الأمر أجمل من ذلك فغضب وانطلق إلى
السفينة ، وباقى الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك.
( أما القول الثانى) وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة اللّه اليهم
قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم
مغاضباً، ثم ذكروا فى سبب الخروج والغضب أموراً (أحدها) أنه استحى أن يكون بين قوم قد
جربوا عليه الكذب (وثانيها) أنه كان من عادتهم قتل الكاذب (وثالثها ) أنه دخلته الأنفة
(ورابعها) لما لم ينزل العذاب بأولئك، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب
يونس عليه السلام مغاضاً بعد أن أرسله الله تعالى اليهم ، وبعد رفع العذاب عنهم.
المسألة الثالثة) حتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من
(

٢١٤
قوله تعالى : وذا النون اذ ذهب مغاضباً . سورة الأنبياء :
وجوه (أحدها) أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال ، هذا قول ابن
مسعود وابن عباس والحسن والشعبى وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة و محمد بن جرير
فاذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة
لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضا كان محظوراً لأن الله تعالى
قال ( فاصبر لحكم ربك، ولا تكن كصاحب الحوت) وذلك يقتضى أن ذلك الفعل من يونس
كان محظوراً (وثانيها) قوله تعالى (فظن أن لن نقدر عليه) وذلك يقتضى كونه شاكا فى قدرة الله
تعالى (وثالثها) قوله ( إنى كنت من الظالمين) والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى ( ألا لعنة الله على
الظالمين ) (ورابعها) أنه لولم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه الله بأن ألقاه فى بطن الحوت (وخامسها)
قوله تعالى فى آية أخرى ( فالنقمه الحوت وهو مليم) والمليم هو ذو الملامة ، ومن كان كذلك فهو
مذنب ( وسادسها ) قوله ( ولا تكن كصاحب الحوت ) فان لم يكن صاحب الحوت مذنباً لم يحز
النهى عن التشبه به وإن كان مذنباً فقد حصل الغرض (وسابعها ) أنه قال ( ولا تكن كصاحب
الحوت) وقال ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) فلزم أن لا يكون يونس من أولى العزم
وكان موسى من أولى العزم ، ثم قال: فى حقه لو كان ابن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعى، وقال:
فى يونس ((لا تفضلونى على يونس بن متى)) وهذا خارج عن تفسير الآية (والجواب) عن الأول أنه
ليس فى الآية من غاضبه، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على فى الله أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة
من يجهل كون الله مالكا للأمر والنهى والجاهل باللّه لا يكون مؤمناً فضلا عن أن يكون نبياً،
وأما ما روى أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد، وتناول النفل فما يرتفع حال الأنياء
عليهم السلام عنه، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشىء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى (وما كان لمؤمن
ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) وقوله ( فلا وربك
لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) إلى قوله ( ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا ما قضيت )
فاذا كان فى الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة
إلى اللّه تعالى، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير اللّه، والغالب أنه إنما يغاضب من
يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعاً، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته
لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ، وقرأ أبو شرف مغضباً .
أما قوله مغاضبة القوم أيضاً كانت محظورة لقوله تعالى ( ولا تكن كصاحب الحوت ) فلنا
لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة اليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم
أبداً فظاهر الأمر لا يقتضى التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم أنه
معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من حيث إنه لم يفعله إلا
غضباً لله تعالى وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله

قوله تعالى : وذا النون اذ ذهب مغاضباً . سورة الأنبياء . ٢١٥
تعالى فى المهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى (ولا تكن كصاحب الحوت ) كأن الله تعالى أراد لمحمد
مَّ لي أفضل المنازل وأعلاها ( والجواب) عن الشبهة الثانية وهى التمسك بقوله تعالى (فظن أن
لن نقدر عليه) أن نقول من ظن عجز اللّه تعالى فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد
المؤمنين ، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فاذن لابد فيه من التأويل وفيه وجوه : (أحدها) (فظن
أن لن نقدر عليه ) لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى ( اللّه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر)
أى يضيق (ومن قدر عليه رزقه) أى ضيق ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) أى ضيق ومعناه
أن لن نضيق عليه، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا، وذلك لأن يونس عليه السلام
ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه فى اختياره، وكان فى المعلوم أن
الصلاح فى تأخر خروجه ، وهذا من الله تعالى بيان لما يجرى مجرى العذرله من حيث خرج، لاعلى
تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر فیخرو جه موسع يجوز أنيقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف
ذلك ( وثانيها ) أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر
عليه فى خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى (وثالثها ) أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى
فظن أن لن نقضى عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلى ، ورواية العوفى عن ابن
عباس رضى الله عنهم واختيار الفراء والزجاج، قال الزجاج نقدر بمعنى نقدر، يقال قدر الله الشىء
قدراً وقدره تقديراً ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبدالعزيز والزهرى (فظن أن لن نقدر عليه)
بضم النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب ( يقدر
عليه) بالتخفيف على المجهول، وروى أنه دخل ابن عباس رضى الله عنهما على معاوية رضى الله
عنه ، فقال معاوية لقد ضربتنى أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسى خلاصاً إلا بك
فقال: وما هى؟ قال: يظن نبى الله أن لن يقدر اللّه عليه ؟ فقال ابن عباس رضى الله عنهما هذا من
القدر لا من القدرة ( ورابعها) فظن أن لن نقدر أى فظن أن أن نفعل لأن بين القدرة والفعل
مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر (وخامسها) أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه
أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد ( وسادسها ) أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل
رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلا قبل الرسالة ، ولا يبعد فى حق غير الأنبياء والرسل
أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان. ثم إنه يرده بالحجة والبرهان ( والجواب) عن الثالث
وهو التمسك بقوله ( إنى كنت من الظالمين ) فهو أن نقول إنا لو حملناه على ماقبل النبوة فلا كلام،
ولو حملناه على ما بعدها فهى واجبة التأويل لأنا لوأجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبى
مستحقاً للعن، وهذا لا يقوله مسلم. وإذا وجب التأويل فتقول لا شك أنه كان تاركا للأفضل مع
القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلها (والجواب) عن الرابع أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ
الأنبياء لا يجوز أن يعلقبوا، بل المراد به المحنة. لكن كثير من المفسرين يذكرون فى كل مضرة تفعل.

٢١٦
قوله تعالى : وذا النون اذ ذهب مغاضباً . سورة الأنبياء .
لأجل ذنب أنها عقوبة (والجواب) عن الخامس أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل .
المسألة الرابعة﴾ قال صاحب الكشاف فى الظلمات أى في الظلمة الشديدة المتكاثفة
فى بطن الحوت كقوله تعالى ( ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات) وقوله (يخرجونهم من
النور الى الظلمات) ومنهم من اعتبر أنواعا مختلفة من الظلمات فان كان النداء فى الليل فهناك
ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، وإن كان فى النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت ، أو أن حوتا
ابتلع الحوت الذى هو فى بطنه، أو لأن الحوت اذا عظم غوصه فى قعر البحر كان ما فوقه من
البحر ظلمة فى ظلمة ، أما قول من قال إن الحوت الذى ابتلعه غاص فى الأرض السابعة فان
ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، وإن قيل بذلك لكى يقع نداؤه فى الظلمات فما قدمناه يغنى عن ذلك.
أما قوله: ( أن لا إله إلا أنت) فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت، أو بمعنى أى، عن النبى معَّ لي أنه
قال ((مامن مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيبُ له)) وعن الحسن: ماتجاه الله تعالى إلا بإقراره
عن نفسه بالظلم .
أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من
قوله ( فظن أن لن نقدر عليه) أنه ظن العجز. وإنما قال ( سبحانك) لأن تقديره سبحانك أن
تفعل ذلك جوراً أو شهوة للانتقام ، أو عجزاً عن تخليصى عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية
وبمقتضى الحكمة .
أما قوله (إنى كنت من الظالمين) فالمعنى ظلمت نفسى بفرارى من قومى بغير إذنك، كأنه
قال كنت من الظالمين، وأنا الآن من التائبين النادمين، فاكشف عنى المحنة . يدل عليه قوله
(فاستجبنا له) وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله (لا إله إلا أنت ) بكمال الربوبية
ووصف نفسه بقوله ( إنى كنت من الظالمين ) بضعف البشرية والقصور فى أداء حق الربوبية ،
وهذا القدر يكفى فى السؤال على ما قال المتفى :
وفى النفس حاجات وفيك فطانة سكوتى كلام عندها وخطاب
وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبى رؤيتم قال ((لما أراد الله حبس يونس عليه
السلام، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ، ولا تكسر له عظماً )) فأخذه وهوى به
إلى أسقل البحر ، فسمع يونس عليه السلام حساً ، فقال فى نفسه: ما هذا ؟ فأوحى الله إليه هذا
تسبيح دواب البحر ، قال فسبح، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله.
أما قوله ( فنجيناه من الغم .) أى من غمه بسبب كونه فى بطن الحوت، وبسبب خطيئته، وكما
أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذا دعانا (كذلك ننجى المؤمنين) من كربهم إذا استغائوا
بنا. روى سعد بن أبى وقاص عن النبى ◌َّم قال ((دعوة ذى النون فى بطن الحوت لا إله إلا
أنت سبحانك، إنى كنت من الظالمين، مادعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب الله دعاءه»

٢١٧
قوله تعالى : وذكريا إذ نادى ربه . سورة الأنبياء .
وَزَكَرِ يَّا إِذْ نَادَى رَبَُّ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَ رِثِينَ (
فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيِ وَأَصْلَحْنَا لَهُو ◌َزَوْجَهُهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوْ يُسَرِعُونَ فِى
أْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوْ لَنَا خَاشِعِينَ
قال صاحب الكشاف قرى* ننجى وننجى ونجى والنون لا تدغم فى الجيم، ومن تمحل لصحته
نجعله فعل وقال نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين بالنجاء،
فتعسف بارد التعسف .
والقصة التاسعة - قصة زكريا عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿ وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فرداً وأنت خير الوارثين، فاستجبنا له
ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه ، إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً .
وكانوا لنا خاشعين
إعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده ، وأحب من
يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائماً متمامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف
بأنه قادر على ذلك ، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة.
وقال ابن عباس رضى الله عنهما كان سنه مائة وسن زوجته تسعاً وتسعين .
أما قوله (وأنت خير الوارثين) فقيه وجهان (أحدهما) أنه عليه السلام إنما ذكره فى جملة دعائه
على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى الله تعالى ( والثانى) كأنه عليه
السلام قال (( إن لم ترزقنى من يرثنى فلا أبالى فانك خير وارث)).
وأما قوله تعالى (فاستجبنا له) أى فعلنا ما أراده لأجل سؤاله، وفى ذلك إعظام له ، فلذلك
تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام .
وأما قوله تعالى ( ووهبنا له يحيى) فهو كالتفسير للاستجابة وفى تفسير قوله ( وأصلحنا له
زوجه) ثلاثة أقوال (أحدها) أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة
(والثانى) أنه أصلحها فى أخلافها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل
ذلك من نعمه عليه (والثالث) أنه سبحانه جعلها مصلحة فى الدين ، فإن صلاحها فى الدين من أكبر
أعوانه فى كونه داعياً إلى الله تعالى فكانه عليه السلام، سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد
والأهل جميعاً، وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل أصلح الله فلاناً فالأظهر فيه ما يتصل
بالدين ، واعلم أن قوله (ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ) يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب

٢١٨
قوله تعالى : والتي أحصنت فرجها فنفحنا فيها . سورة الأنبياء .
وَالَِّيّ أَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهَا مِن رُوِحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَءَ ايَةُ
لِلْعَلَبِينَ
لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره فى اللفظ وبين تعالى مصداق ماذكرناه
فقال (إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات) وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ماطلبوه
وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون فى الخيرات ، والمسارعة فى طاعة
الله تعالى من أكبر مايمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة .
أما قوله تعالى ( ويدعوننا رغباً ورهباً) قرى رغباً ورهباً وهو كقوله (يحذر الآخرة ويرجو
رحمة ربه) والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين (أحدهما ) الفزع إلى الله
تعالى لمكان الرغبة فى ثوابه والرهبة من عقابه ( والثانى) الخشوع وهو المخافة الثابتة فى القلب،
فيكون الخاشع هو الحذر الذى لا ينبسط فى الأمور خوفاً من الإثم .
القصة العاشرة - قصة مريم عليها السلام﴾
قوله تعالى: ﴿والتى أُحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين
إعلم أن التقدير واذكر التى أحصنت فرجها، ثم فيه قولان (أحدهما) أنها أحصنت فرجها
إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت (ولم يمسسنى بشر ولم أك بغياً) (والثاني) من نفخة
جبريل عليه السلام حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ.
وأما قوله ( فنفخنا فيها من روحنا) فلقائل أن يقول : نفخ الروح فى الجسد عبارة عن إحيائه
قال تعالى ( فاذا سويته ونفخت فيه من روحى ) أى أحييته وإذا تبت ذلك كان قوله (فنفخنا فيها
من روحنا) ظاهر الأشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام ( والجواب ) من وجوه
(أحدها ) معناه فنفخنا الروح فى عيسى فيها ، أى أحييناه فى جوفها كما يقول الزمار نفخت فى
بيت فلان أى فى المزمار فى بيته ( وثانيها ) فعلنا النفخ فى مريم عليها السلام من جهة روحنا
وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ فى جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر
الكلام ماخص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات فقال (وجعلناها وابنها آية للعالمين )
أما مريم فآياتها كثيرة (أحدها ) ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ومعجزة خارجة
عن العادة (وثانيها) أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة وهو قوله تعالي ( أنى لك هذا ؟ قالت
هو من عند الله) (وثالثها ورابعها) قال الحسن إنها لم تلتقم ثديا يوما قط وتكلمت هى أيضاً فى
صباها كا تكلم عيسى عليه السلام، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها فبين سبحانه أنه
جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون به على قدرته وحكمته سبحانه

٢١٩
قوله تعالى: ان هذه امتكم أمة واحدة . سورة الأنبياء .
إِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ (٢) وَقَّطَعُواْ أَمْرَهَم
بَيْتَمَّ كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ
٩٣
وتعالى فان قيل هلا قيل آيتين كما قال (وجعلنا الليل والنهار آيتين)؟ فلنا لأن حالهما بمجموعهما
آية واحدة، وهى ولادتها إياه من غير خل . وههنا آخر القصص.
قوله تعالى: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم كل
إلينا راجعون )
قال صاحب الكشاف الأمة الملة وهو إشارة إلى ملة الإسلام، أى أن ملة الإسلام هى ٠لتكم
التى يجب أن تكونوا عليها يشار إليها بملة واحدة غير مختلفة ، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون. ونصب
الحسن أمتكم على البدل من هذه ورفع أمة خبراً وعنه رفعهما جميعاً خبرين أو نوى الثانى المبتدأ .
. أما قوله تعالى ( وتقطعوا أمرهم بينهم) والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة
على طريق الالتفات كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم ألا
ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء. والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشىء
ويقسمونه فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرفاً وأحزاباً شتى.
أما دوله تعالى (كل إلينا راجعون) فقد توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون ، فهو
محاسبهم ومجازيهم، وروى عن رسول اللّه عَّ الله أنه قال ((تفرقت بنو اسرائيل على إحدى وسبعين
فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتى ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة فتهلك إحدى وسبعون
فرقة وتخلص فرقة واحدة، قالوايا رسول الله من تلك الفرقة الناجية؟ قال الجماعة الجماعة الجماعة)»
فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى (وأن هذه أمتكم) الجماعة المتمسكة بما بينه اللّه تعالى فى هذه
السورة من التوحيد والنبوات، وأن فى قول الرسول ◌ِ ليتم فى الناجية إنها الجماعة إشارة إلى أنّ
هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله فى تعريف الفرقة الناجية إنها الجماعة لغواً إذ لافرقة
تمسكت بيباطل أو بحق إلا وهى جماعة من حيث العدد وطعن بعضهم فى صحة هذا الخبر ، فقال إن
أراد بالثنتين والسبعين فرقة أصول الأديان فلم يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فانها تتجاوزهذا
القدر إلى أضعاف ذلك، وقيل أيضاً قد روى ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة
( والجواب) المراد ستفترق أمتى فى حال ما وليس فيه دلالة على افتراقها فى سائر الأحوال
لا يجوز أن يزيد وينقص .

٢٢٠
قوله تعالى : فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن . سورة الأنبياء .
◌َنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحِتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَلْتِبُونَ
(٦) وَحَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَم ◌ْنَا أَنَّهُمْ لَبَرْجِعُونَ (٥) خََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوحُ وَمَأْجُوُجُ
وَمُم ◌ِنْ كُلِّ حَدٍَ يَنِلُونَ﴾﴾
وَأَقْتَرَبَ الَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىُ شَدِخِصَةٌ أَبْصَُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيَّلَنَا قَدْ كَا فِى عَقْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كّ ◌َلِينَ (﴾ لَّهِ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا
ظَالمِينَ ((٩٧)
٠٠
قوله تعالى: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون، وحرام
على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون،
واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا فى غفلة من هذا بل
.(
كنا ظالمين
أعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع راجعون إلى حيث
لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه بين أن من
جمع بين أن يكون مؤمناً وبين أن يعمل الصالحات فيدخل فى الأول العلم والتصديق بالله ورسوله
وفى الثانى فعل الواجبات وترك المحظورات (فلا كفران لسعيه) أى لابطلان لثواب عمله وهو
كقوله تعالى ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكوراً)
فالكفران مثل فى حرمان الثواب والشكر مثل فى إعطائه وقوله ( فلا كفران ) المراد ننى الجنس
ليكون فى نهاية المبالغة لأن نفى الماهية يستلزم نقفى جميع أفرادها .
وأما قوله تعالى ( وإنا له كاتبون) فالمراد وإنا لسعيه كاتبون، فقيل المراد حافظون لنجازى
عليه، وقيل كاتبون إما فى أم الكتاب أو فى الصحف التى تعرض يوم القيامة، والمراد بذلك ترغيب
العباد فى التمسك بطاعة الله تعالى .
أما قوله ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) فاعلم أن قوله ( وحرام) خبر فلا بد
له من مبتدأ وهو إما قوله ( أنهم لايرجعون) أو شىء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم
حرام أى يمتنع وإذا كان عدم رجوعهم متنعاً كان رجوعهم واجباً فهذا الرجوع إما أن يكون
المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا ( أما الأول ) فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة
في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ماتقدم أنه لا