Indexed OCR Text
Pages 181-200
قوله تعالى : قال بل ربكم رب السموات والأرض . سورة الأنبياء . ١٨١
قَالَ بَل ◌َّكُمْ رَبُّ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِىِ فَطَرَهُنَّ وَأَنََّى ◌َّالِكُمْ مِنَ
الشَّهِدِينَ ® وَِّ لَأِيدَنَّ أَصْنَكُم بَعْدَ أَن تُوَلَّا مُدُبِينٌ ﴾ فَجَعَهُمْ
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا كَالِهَتِنَآ إِنَّهُ
جُذَادًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ وَّ
لَمِنَ الظَّالِنَ ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُمْ يُقَالُ لَهُ وَ إِبْرَهِيُ ◌َهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)
٠٠٠٠
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال صاحب الكشاف لم ينوالعا كفين مفعولا وأجراه مجرى ما لا يتعدى
كقولك فاعلون العكوف أو واقفون لها ، قال فان قلت هلا قيل عليها عاكفون كقوله
( يعكفون على أصنام لهم)؟ قلت : لو قصد التعدية لعداه بصلته التى هى على .
أما قوله ( قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ) فاعلم أن القوم لم يجدوا فى جوابه إلا طريقة
التقليد الذى يوجب مزيد السكير لأنهم إذا كانوا على خطأ من أمرهم لم يعصمهم من هذا الخطأ أن
آباءهم أيضاً سلكوا هذا الطريق فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله (لقد كنتم أنتم
وآباؤكم فى ضلال مبين ) فبين أن الباطل لا يصير حقاً بسبب كثرة المتمسكين به ، فلما حقق عليه
السلام ذلك عليهم ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه ثابتاً على الانكار قوى القلب فيه وكانوا
يستبعدون أن يجرى مثل هذا الانكار عليهم مع كثرتهم وطول العهد بمذهبهم ، فعند ذلك قالوا له
(أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) موهمين بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً
فى ذلك فعنده عدل صلى الله عليه وسلم إلى بيان التوحيد.
قوله تعالى: ﴿قال بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن وأنا على ذلكم من
الشاهدين. وتالله لآ كيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم
إليه يرجعون ، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم)﴾
إعلم أن القوم لما أوهموا أنه إنما يمازح بما خاطبهم به فى أصنامهم أظهر عليه السلام
ما يعلمون به أنه مجد فى إظهار الحق الذى هو التوحيد وذلك بالقول أولاوبالفعل ثانياً ، أما الطريقة
القولية فهى قوله ( بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن) وهذه الدلالة تدل على أن
الخالق الذى خلقها لمنافع العباد هو الذى يحسن أن يعبد لأن من يقدر على ذلك يقدر على أن
يضر وينفع فى الدار الآخرة بالعقاب والثواب. فيرجع حاصل هذه الطريقة إلى الطريقة التى ذكرها
لأبيه فى قوله ( يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) قال صاحب الكشاف
الضمير فى فطرهن السموات والأرض أو التماثيل، وكونه للتماثيل أدخل فى الاحتجاج عليهم.
؟
١٨٢
قوله تعالى : قال بل ربكم رب السموات والأرض . سورة الأنبياء .
أما قوله ( وأنا على ذلكم من الشاهدين ) ففيه وجهان ( الأول ) أن المقصود منه المبالغة
فى التأكيد والتحقيق كقول الرجل إذا بالغ فى مدح أحد أو ذمه أشهد أنه كريم أو ذميم.
( والثانى) أنه عليه السلام عنى بقوله ( وأنا على ذلكم من الشاهدين ) ادعاء أنه قادر على
إثبات ماذكره بالحجة ، وأنى لست مثلكم فأقول مالا أقدر على إثباته بالحجة، كما لم تقدروا على
الاحتجاج لمذهبكم ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم ، وأما الطريقة الفعلية فهى قوله (وتالله
لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) فان القوم لما لم ينتفعوا بالدلالة العقلية عدل إلى أن
أراهم عدم الفائدة فى عبادتها ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه وبالله، وقرى.
تولوا بمعنى تقولوا ويقويها قوله (فتولوا عنه مدبرين) فان قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت
إن الباء هى الأصل والتاء بدل من الواو المبدل منها والتاء فيها زيادة معنى وهو التعجب ، كأنه
تعجب من تسهيل الكيد على يده لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته .
﴿"المسألة الثانية) إن قيل لماذا قال (لأ كيدن أصنامكم) والكيد هو الإحتيال على الغير
فى ضرر لا يشعر به وذلك لا يتأتى فى الأصنام (وجوابه) قال ذلك توسعاً لما كان عندهم أن
الضرر يجوز عليها ، وقيل المراد لأ كيدنكم فى أصنامكم لأنه بذلك الفعل قد أنزل بهم الغم .
﴿ المسألة الثالثة) فى كيفية أول القصة وجهان: (أحدهما) قال السدى كانوا إذا رجعوا من
عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر: لإبراهيم
عليه السلام لو خرجت معنا يخرج معهم فلما كان يبعض الطريق ألقى نفسه وقال إنى سقيم أشتكى
رجلى فلما مضوا وبقى ضعفاء الناس نادى وقال (تاته لأ كيدن أصنامكم) واحتج هذا القائل بقوله
تعالى ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) (وثانيها) قال الكلى كان إبراهيم عليه السلام من
أهل بيت ينظرون فى النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً فلما هم إبراهيم
بالذى هم به من كسر الأصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه أرانى أشتكى غداً فذلك
قوله ( فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم ) وأصبح من الغد معصوباً رأسه مخرج القوم لعيدهم
ولم يتخلف أحد غيره فقال: أما والله لأ كيدن أصنامكم، وسمع رجل منهم هذا القول حفظه عليه
ثم إن ذلك الرجل أخبر غيره وانتشر ذلك فى جماعة فلذلك قال تعالى ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم)
واعلم أن كلا الوجهين ممكن. ثم تمام القصة أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بيت الأصنام وجد
سبعين صنما مصطفة، وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وكان فى عينيه جوهرتان
تضيئان بالليل ، فكسرها كلها بفأس فى يده حتى لم يبق إلا الكبير ، ثم علق الفأس فى عنقه .
أما قوله تعالى ( جعلهم جذاذا إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾. إن قيل لم قال (فجعلهم جذاذاً) وهذا جمع لا يليق إلا بالناس (جوابه) من
حيث اعتقدوا فيها أنها كالناس فى أنها تعظم ويتقرب اليها ، ولعل كان فيهم من يظن أنها تضر و تنفع .
قوله تعالى: قال بل ربكم رب السموات والأرض . سورة الأنبياء . ١٨٣٠
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف جذاداً قطعاً من الجذ وهو القطع، وقرىء بالكسر
والفتح وقرى. جذذاً جمع جديد وجذذاً جمع جذة .
﴿ المسألة الثالثة) إن قيل مامعنى (إلا كبيراً) لهم قلنا يحتمل الكبير فى الخلقة ويحتمل فى التعظيم
ويحتمل فى الأمرين .
وأما قوله (لعلهم إليه يرجعون) فيحتمل رجوعهم إلى إبراهيم عليه السلام ، ويحتمل رجوعهم
إلى الكبير ( أما الأول) فتقريره من وجهين : (الأول ) أن المعنى أنهم لعلهم يرجعون إلى مقالة
إبراهيم ويعدلون عن الباطل ( والثانى) أنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسأمعوه
من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فبكتهم بما أجاب به من قوله ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم)
أما إذا قلنا الضمير راجع إلى الكبير ففيه وجهان: (الأول ) أن المعنى لعلهم يرجعون إليه كما
يرجع إلى العالم فى حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك.
وهذا قول الكلبى، وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب
وتتكلم (والثانى) أنه عليه السلام قال ذلك مع علمه أنهم لايرجعون إليه استهزاء بهم ، وإن قياس
حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه فى حل المشكلات .
﴿ المسألة الرابعة) إن قيل أولئك الأقوام إما أن يقال إنهم كانوا عقلاء أو ما كانوا عقلاء.
فان كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع
ولا تضر، فأى حاجة فى إثبات ذلك إلى كسرها ؟ أقصى ما فى الباب أن يقال القوم كانوا يعظمونها
كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب ، وكسرها لا يقدح فى كونها معظمة من هذا الوجه .
وإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لا تحسن المناظرة معهم ولا بعثة الرسل اليهم (الجواب)
أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل
الكواكب وأنها طلسمات موضوعة بحيث أن كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله
منها ضرر شديد، ثم إن إبراهيم عليه السلام كسرها مع أنه ما ناله منها البتة ضرر فكان فعله دالا
على فساد مذهبهم من هذا الوجه.
أما قوله تعالى (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) أى [أن] من فعل هذا الكسر والحطم
الشديد الظلم معدود فى الظلمة إما إراءته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام ، وإما لأنهم رأوا
إفراطاً فی کسرها وتمادياً فى الاستهانة بها.
أما قوله تعالى ( قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) ففيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ قال الزجاح ارتفع ابراهيم على وجهين: (أحدهما ) على معنى يقال هو
ابراهيم ( والثانى) على النداء على معنى يقال له يا ابراهيم، قال صاحب الكشاف والصحيح أنه
فاعل يقال لأن المراد الإسم دون المسمى.
١٨٤
قوله تعالى : قالوا فاتوا به على أعين الناس . سورة الأنبياء .
قَالُواْ فَأَنُواْ بِهِ، عَلَ أَعْبُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (﴾ قَالُوَاْءَ أَنْتَ فَعَلْتَ هَـذَا
﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ .. كَبِيرُهُمْ هَذَا فَدْعَلُوهُمْ إِن كَانُواْ
◌ِعَالِهَتِنَا يَإِبْرَاهِيم
يَنْطِقُونَ ﴾ فَرَجِعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّلُونَ ( ثُمَّ نُكِسُواْ
عَلَى رُ وِسِمْ لَقَدْ عَلِيْتَ مَاهَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٢﴾. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا
يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ (٨﴾ ٦ أُفِّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَفَلَا
نت (٦٧)
تَعْقِلُونَ
المسألة الثانية ﴾ ظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد، فكأنهم كانوا من قبل قد
عرفوا منه وسمعوا ما يقوله فى آلهتهم فغلب على قلوبهم أنه الفاعل ولو لم يكن إلا قوله ما هذه
التماثيل إلى غير ذلك لكفى .
قوله تعالى: ﴿إقالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا
يا إبراهيم؟ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم
أنتم الظالمون، ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قال أفتعبدون من دون الله
ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾.
إعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه السلام قالوا فيما بينهم
(فاتوا به على أعين الناس) قال صاحب الكشاف على أعين الناس فى محل الحال أى فأتوابه مشاهداً
أى بمرأى منهم ومنظر، فان قلت: مامعنى الاستعلاء فى على؟ قلت : هو وارد على طريق المثل أى
يثبت إتيانه فى الأعين ثبات الراكب على المركوب. أما قوله تعالى (لعلهم يشهدون) ففيه وجهان :
(أحدهما ) أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن يجيئوا به على أعين الناس لعلهم
يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما فعل ، وهذا قول الحسن وقتادة والسدى وعطاء وابن عباس
رضى الله عنهم ( وثانيهما) وهو قول محمد بن اسحق أى يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون
ذلك زاجراً لهم عن الاقدام على مثل فعله ، وفيه (قول ثالث) وهو قول مقاتل والكلى أن المراد
مجموع الوجهین فیشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه .
أما قوله تعالى (قالوا أأنت فعلت هذا) فاعلم أن فى الكلام حذفاً، وهو: فأتوا به وقالوا أأنت
١٨٥
قوله تعالى قالوا فاتوا به على أعين الناس . سورة الأنبياء .
فقلت، طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على إيذائه، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا
الخلاص منه، فقال (بل فعله كبيرهم هذا ) وقد علق الفأس على رقبته لكى يورد هذا القول فيظهر
جهلهم فى عبادة الأوثان، فإن قيل قوله : بل فعله كبيرهم كذب ( والجواب ) الناس فيه قولان
(أحدهما) وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب، وذكروا فى الاعتذار عنه وجوهاً (أحدها)
أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، وإنما قصد تقرير:
لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضنى يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لوقال
لك صاحبك، وقد كتبت كتاباً بخطَ رشيق، وأنت شهير بحسن الخط ، أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك
أمى لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة ، فقلت له بل كتبته أنت ، كأن قصدك بهذا
الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لانفيه عنك وإثباته للأمى أو المخرمش، لأن إثباته والأمر
دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات القادر (وثانيها) أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك
الأصنام حين أبصرها مصطفة مربنة ، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له
فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب فى استهانته بها وحطمه لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يد إلى
الحامل عليه (وثالثها) أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله
كبيرهم ، فإن من حق من يعبد وبدعى إلهاً أن يقدر على هذا وأشد منه. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها
صاحب الكشاف ( ورابعها) أنه كناية عن غير مذكور ، أى فعله من فعله وكبيرهم هذا ابتداء
الكلام ويروى عن الكسائى أنه كان يقف عند قوله بل فعله ثم يبتدى كبيرهم هذا (وخامسها)
أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله كبيرهم ثم يبتدى فيقول هذا فاسألوهم، والمعنى بل فعله
كبيرهم وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم (وسادسها) أن يكون فى الكلام تقديم وتأخير
كأنه قال بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسالوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً
بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين (وسابعها) قرأ محمد بن السميفع فعله
كبيرهم أى فلعل الفاعل كبيرهم (القول الثانى) وهو قول طائفة من أهل الحكايات ، أن ذلك
كذب واحتجوا بما روى عن النبي ◌َُّّ أنه قال ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها فى
ذات الله تعالى، قوله (إنى سقيم) وقوله (بل فعله كبير هم هذا) وقوله لسارة هى أختى)) وفى خبر آخر ((أن
أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال: إنى كذبت ثلاث كذبات)) ثم قرروا قولهم من جهة
العقل وقالوا الكذب ليس قبيحاً لذاته ، فان النبى عليه السلام إذا هرب من ظالم واختفى فى دار
إنسان ، وجاء الظالم وسأل عن حاله فانه يحب الكذب فيه، وإذا كان كذلك فأى بعد فى أن يأذن
اللّه تعالى فى ذلك لمصلحة لا يعرفها إلا هو، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه. أما الخبر الأول
وهو الذى رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه، فلنجوز هذا
١٨٦
قوله تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم . سورة الأنبياء .
الاحتمال فى كل ما أخبروا عنه، وفى كل ما أخبر الله تعالى عنه وذلك يطل الوثوق بالشرائع
وتطرق النهمة إلى كلها ، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ماقال عليه السلام
((إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب))
فأما قوله تعالى ( إنى سقيم) فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجىء فى موضعه .
وأما قوله ( بل فعله كبيرهم ) فقد ظهر الجواب عنه .
أما قوله لسارة: إنها أختى، فالمراد أنها أخته فى الدين، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره
من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام حينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق .
أما قوله تعالى (فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) ففيه وجوه (الأول) أن إبراهيم
عليه السلام لما نبهم بما أورده عليهم على قبح طريقهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة، وأنهم
على بغرور وجهل فى ذلك (والثانى) قال مقاتل: فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها وقالوا إنكم أنتم
الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدى الصنم الكبير (وثالثها) المعنى
أنكم أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتم منه عن ذلك حتى أخذ يستهزئ بكم فى الجواب، والأقرب
هو الأول .
أما قوله تعالى ( ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) فقال صاحب
الكشاف نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى المعنى وجوه (أحدها ) أن المراد استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم
وأتوابالفكرة الصالحة ، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة ، فأخذوا [فى] المجادلة بالباطل وأن هؤلاء
مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة (وثانيها) قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط
إطراقهم خجلا وانكساراً وانخذالا مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جواباً إلا ماهو حجة عليهم .
(وثالثها) قال ابن جرير ثم نكوا على رؤوسهم فى الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم. أى قلبوا
فى الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم، فقالوا (لقد علمت ماهؤلاء ينطقون)
فأقروا بهذه للحيرة التى لحقتهم ، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم.
﴿ المسألة الثانية ) قرى نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله، أى نكسوا
أنفسهم على رؤوسهم وهى قراءة رضوان بن عبد المعبود .
أما قوله تعالى ( قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئاً ولا يضركم ، أف لكم ولما
تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) فالمعنى ظاهر قال صاحب الكشاف أف صوت إذا صوت به علم
أن صاحبه متضجر ، وإن إبراهيم عليه السلام أضجره مارأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع
عذرهم ، وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل ، فتأفف بهم. ثم يحتمل أنه قال لهم ذلك وقد عرفوا
صحة قوله . ويحتمل أنه قال لهم ذلك وقد ظهرت الحجة وإن لم يعقلوا. وهذا هو الأقرب لقوله
١٨٧
قوله تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم . سورة الأنبياء .
قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَنصُرُوَاْ ءَالَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِينَ (#) قُلْنَا يَتَّارُ كُونِى بَدًا وَسَلَهًا
عَ إِرَهِيَ ﴾ وَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَنْسَرِ ينَ (٢﴾ وَّنَهُ وَلُوطًا إِلَى
الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكَ فِهَ لِلْعَلَمِينَ (َ الْعَالَيْنَ (٧١)
( أفتعبدون) ولقوله (أفلا تعقلون).
قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كونى برداً وسلاماً
على إبراهيم، وأرادوا به كيداً جعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها
للعالمین
إعلم أنه تعالى لما بين ما أظهره إبراهيم عليه السلام من دلائل التوحيد وإبطال ما كانوا عليه
من عبادة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم ، وأنهم (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم) وههنا مسائل:
{ المسألة الأولى 4 ليس فى القرآن من القائل لذلك والمشهور أنه نمروذ بن كنعان بن
سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ، وقال مجاهد سمعت ابن عمر يقول إنما أشار بتحريق
إبراهيم عليه السلام رجل من الكرد من أعراب فارس ، وروى ابن جريج عن وهب عن شعيب
الجبائى قال: إن الذى قال حرقوه رجل اسمه هرين، فسف اللّه تعالى به الأرض فهو يتجلجل
فيها إلى يوم القيامة .
المسألة الثانية﴾ أما كيفية القصة فقال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم
حبسوه فى بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة، وذلك قوله ( قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه فى الجحيم ) ثم
جمعوا له الحطب الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت: إن عافانى اللّه لأ جعلن حطباً لإبراهيم،
ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يوماً، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر
الطير فى أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم عليه السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوة،
ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيداً مغلولا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة
إلا الثقلين صيحة واحدة، أى ربنا ليس فى أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق فيك
فأذن لنا فى نصرته، فقال سبحانه: إن استغاث بأحد منكم فأغيشوه، وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به
وأنا ولية، خلوا بينى وبينه، فلما أرادوا إلقاءه فى النار، أتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت
النار فى الهواء فقال إبراهيم عليه السلام: لا حاجة بى إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: ((اللهم
أنت الواحد فى السماء، وأنا الواحد فى الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيرى، أنت حسبنا
ونعم الوكيل )) وقيل إنه حين ألقى فى النار قال: ((لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد
١٨٨
قوله تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم . سورة الأنبياء .
ولك الملك. لاشريك لك)) ثم وضعوه فى المنجنيق ورموا به النار، فأتاه جبريل عليه السلام
وقال يا إبراهيم هل لك حاجة ، قال: أما إليك فلا ؟ قال: فاسأل ربك، قال: حسى من سؤالى،
عليه بحالى. فقال الله تعالى ( يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم) وقال السدى: إنما قال ذلك
جبريل عليه السلام، قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية مجاهد ولو لم يتبع برداً سلاماً لمات
إبراهيم من بردها، قال ولم يبق يومئذ فى الدنيا نار إلاطفئت، ثم قال السدى: فأخذت الملائكة
بضبعى إبراهيم وأقعدوه فى الأرض. فاذا عين ماء عذب ، وورد أحمر، ونرجس. ولم تحرق النار
منه إلا وثاقه ، وقال المهال بن عمرو أخبرت أن إبراهيم عليه السلام لما ألقى فى النار كان فيها إما
أربعين يوماً أو خمسين يوماً. وقال ما كنت أياماً أطيب عيشاً من إذ كنت فيها، وقال ابن اسحق
بعث اللّه ملك الظل فى صورة إبراهيم، فقعد إلى جنب إبراهيم يؤله، وأتاه جبريل بقميص من
حرير الجنة ، وقال يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابى، ثم نظر نمروذ من
صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً فى روضة ، ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار
تحرق الحطب . فناداه نمروذ يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال نعم، قال قم فاخرج، فقام
يمشى حتى خرج منها ، فلما خرج قال له نمروذ: من الرجل الذى رأيته معك فى صورتك؟ قال
ذاك ملك الظل أرسله ربى ليؤنسنى فيها. فقال نمروذ: إنى مقرب إلى ربك قرباناً لما رأيت من
قدرته وعزته فيما صنع بك. فانى ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم عليه السلام: لا يقبل
الله منك مادمت على دينك، فقال نمروذ لا أستطيع ترك ملكى، ولكن سوف أذبحها له ، ثم ذبحها
له وكف عن ابراهيم عليه السلام، ورويت هذه القصة على وجه آخر ، وهى أنهم بنوا لإبراهيم
بنياناً وألقوه فيه ، ثم أوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عليه من الغد، فاذا
هو غير محترق يعرق عرقاً ، فقال لهم هاران أبو لوط: إن النار لاتحرقه لأنه سحر النار، ولكن
اجعلوه على شىء وأوقدوا تحته فان الدخان يقتله، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته، فطارت شرارة
فوفعت فى لحية أبى اوط فأحرقته .
( المسألة الثالثة) انما اختاروا المعاقبة بالنار لأنها أشد العقوبات، ولهذا قيل (إن كنتم
فاعلين ) أى إن كنتم تنصرون آلهتكم نصراً شديداً ، فاختاروا أشد العقوبات وهى الإحراق.
أما قوله تعالى ( قلنا يانار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) ففيه مسائل:
و المسألة الأولى﴾ قال أبو مسلم الأصفهانى فى تفسير قوله تعالى ( قلنا يانار كونى برداً)
المعنى أنه سبحانه جعل النار برداً وسلاماً، لا أن هناك كلاماً كقوله ( أن يقول له كن فيكون)
أى يكونه ، وقد احتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه، والأكثرون على أنه وجد ذلك القول.
ثم هؤلاء لهم قولان (أحدهما) وهو قول السدى أن القائل هو جبريل عليه السلام (والثانى) وهو
قول الأكثرين أن القاتل هو الله تعالى، وهذا هو الأليق الأقرب بالظاهر، وقوله النار جماد فلا
قوله تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم . سورة الأنبياء . ٩٨٩
يكون فى خطابها فائدة ، قلنا لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى أن النار كيف بردت على ثلاثة أقوال أحدها ) أن الله تعالى
أزال عنها مافيها من الحر والإحراق، وأبقى مافيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شىء قدير
(وثانيها) أن الله تعالى خلق فى جسم ابراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه ، كما يفعل بخزنة
جهنم فى الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السجندل.
بحيث لا يضره المكث فى النار ( وثالثها ) أنه سبحانه خلق بينه وبين النار حائلا يمنع من وصول
أثر النار إليه ، قال المحققون والأول أولى لأن ظاهر قوله (يانار كونى برداً) أن نفس النار
صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها، لا أن النار بقيت كما كانت ، فان قيل النار جسم موصوف
بالحرارة واللطافة ، فاذا كانت الحرارة جزء من مسمى النار امتنع كون النار باردة ، فاذاً
وجب أن يقال المراد من النار الجسم الذى هو أحد أجزاء مسمى النار وذلك مجاز فلم كان
مجازكم أولى من المجازين الآخرين ؟ قلنا المجاز الذى ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفى المجازين
اللذين ذكر تموهما لا يبقى ذلك فكان مجازنا أولى.
أما قوله تعالى (كونى برداً وسلاماً على إبراهيم ) فالمعنى أن البرد. إذا أفرط أهلك كالحر بل
لابد من الإعتدال ثم فى حصول الاعتدال ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه يقدر اللّه تعالى بردها
بالمقدار الذى لا يؤثر ( وثانيها ) أن بعض النار صار برداً وبقى بعضها على حرارته فتعادل الحر.
والبرد ( وثالثها) أنه تعالى جعل فى جسمه مزيد حر فسلم من ذلك البرد بل قد انتفع به والتذثم
ههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) أو كل النار زالت وصارت برداً (الجواب) أن النار هو اسم الماهية
فلا بد وأن يحصل هذا البرد فى الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية ، وقيل بل اختص
بتلك النار لأن الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار وفى النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها ، والمراد
خلاص إبراهيم عليه السلام لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق .
﴿ السؤال الثانى) هل يجوز ماروى عن الحسن من أنه سلام من الله تعالى على إبراهيم عليه
( الجواب ) الظاهر كما أنه جعل النار برداً جعلها سلاماً عليه حتى يخلص، فالذى قاله يبعد وفيه
تشتيت الكلام المرتب .
﴿ السؤال الثالث) أفيجوز ماروى من أنه لو لم يقل وسلاماً لأتى البرد عليه (والجواب)
ذلك بعيد لأن برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة اللّه تعالى فهو القادر على الحر والبرد
فلا يجوز أن يقال كان البر يعظم لولا قوله سلاماً .
﴿ السؤال الرابع) أفيجوز ما قيل من أنه كان فى النار أنعم عيشاً منه فى سائر أحواله.
( والجواب) لا يمتنع ذلك لما فيه من مزيد النعمة عليه وكمالها ، ويجوز أن يكون إنما صار أنعم
١٩٠
قوله تعالى : ووهنا له اسحق ويعقوب . سورة الأنبياء .
وَوَهَبْنَا لَهُوَ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلَُّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٨﴾ وَجَعَلْنَهُمْ
أَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ لَيْخَيْرَتِ أَ وَ إِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِشَآءُ
الَّكْوَةِ وَكَانُواْلَنَا عَنِدِينَ
عيشاً هناك لعظم ما ناله من السرور بخلاصه من ذلك الأمر العظيم ولعظم سروره بظفره بأعدائه
وبما أظهره من دين اللّه تعالى.
أما قوله تعالى (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين) أى أرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا
مغلوبين ، غالبوه بالجدال فلقنه اللّه تعالى الحجة المبكتة ، ثم عدلوا القوة والجبروت فنصره وقواه
عليهم، ثم إنه سبحانه أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجى لوطاً معه وهو ابن أخيه وهو لوط بن هاران
إلى الأرض التى بارك فيها للعالمين . وفى الأخبار أن هذه الواقعة كانت فى حدود بابل فنجاه الله تعالى
من تلك البقعة إلى الأرض المباركة ، ثم قيل إنها مكة وقيل أرض الشام لقوله تعالى ( إلى المسجد
الأقصى الذي باركنا حوله ) والسبب فى بركتها، أما فى الدين فلأن أكثر الأنبياء عليهم السلام
بعثوا منها وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها، وأما فى الدنيا فلأن الله تعالى بارك فيها بكثرة
الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش، وقيل ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت
الصخرة التى ببيت المقدس .
قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
وأوحينا اليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين
أعلم أنه تعالى بعد ذكره لإنعامه على إبراهيم وعلى لوط بأن نجاهما إلى الأرض المباركة أتبعه
بذكر غيره من النعم ، وإنما جمع بينهما لأن فى كون لوط معه مع ما كان بينهما من القرابة والشركة
فى النبوة مزيد إنعام، ثم إنه سبحانه ذكر النعم التى أفاضها على إبراهيم عليه السلام ثم النعم التى أفاضها
على لوط ، أما الأول فمن وجوه: (أحدها) ( ووهبنا له إسحق ويعقوب ناقلة) واعلم أن النافلة
١. العطية خاصة وكذلك النفل ويسمى الرجل الكثير العطايا نوفلا، ثم للفسرين ههنا قولان:
(الأول) أنه ههنا مصدر من وهبنا له مصدر من غير لفظه ولا فرق بين ذلك وبين قوله (ووهبنا له)
هبة أى وهبناهما له عطية وفضلامن غير أن يكون جزاء مستحقاً، وهذا قول مجاهد وعطاء (والثانى)
وهو قول أبي بن كعب وابن عباس وقتادة والفراء والزجاج: أن ابراهيم عليه السلام لما سأل الله
ولداً قال ( رب هب لى من الصالحين) فأجاب الله دعاءه (ووهب له إسحق) وأعطاه يعقوب من
غير دعائه فكان ذلك ( نافلة ) كالشىء المتطوع له من الآدميين فكانه قال ( وزهبنا له اسحق ) إجابة
١٩١
قوله تعالى : ووهبنا له اسحق ويعقوب . سورة الأنبياء .
لدعائه ( ووهبنا له يعقوب نافلة ) على ماسأل كالصلاة النافلة التى هى زيادة على الفرض وعلى هذا
النافلة يعقوب خاصة .
﴿ والوجه الأول) أقرب لأنه تغالى جمع بينهما، ثم ذكر قوله (نافلة) فاذا صلح أن يكون
وصفاً لهما فهو أولى .
﴿النعمة الثانية } قوله تعالى (وكلا جعلنا صالحين) أى وكلا من ابراهيم واسحق ويعقوب
أنبياء مرسلين ، هذا قول الضحاك وقال آخرون عاملين بطاعة الله عز وجل مجتنبين محارمه.
﴿ والوجه الثانى) أقرب لأن لفظ الصلاح يتناول الكل لأنه سبحانه قال بعد هذه الآية
(وأوحينا اليهم فعل الخيرات) فلو حملنا الصلاح على النبوة لزم التكرار واحتج أصحابنا بهذه الآية
على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأن قوله (وكلا جعلنا صالحين) يدل على أن ذلك الصلاح
من قبله، أجاب الجبائى بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم صالحين وبكونهم أئمة ويكونهم عابدين.
ولما مدحهم بذلك، ولما أثنى عليهم، وإذا ثبت ذلك فلا بد من التأويل وهو من وجهين:
(الأول ) أن يكون المراد أنه سبحانه آتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به ( والثانى) أن يكون
المراد أنه سماهم بذلك كما يقال زيد فسق فلاناً وضلله وكفره إذا وصفه بذلك وكان مصدقا عند
الناس، وكما يقال فى الحاكم زكى فلاناً وعدله وجرحه إذا حكم بذلك. واعلم أن هذه الوجوه مختلة،
أما اعتمادهم على المدح والذم (فالجواب ) المعهود أن نعارضه بمسألتى الداعى والعلم، وأما الحمل
على اللطف فباطل لأن فعل الإلطاف عام فى المكلفين فلا بد فى هذا التخصيص من مزيد فائدة،
وأيضاً فلأن قوله جعلته صالحاً ، كقوله جعلته متحركا. حمله على تحصيل شىء سوى الصلاح ترك
الظاهر ، وأما الحمل على التسمية فهو أيضاً مجاز أقصى ما فى الباب أنه قد يصار اليه عند الضرورة
فى بعض المواضع وههنا لاضرورة إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم ، حينئذ ترجع
أيضاً إلى مسألتى الداعى والعلم .
﴿ النعمة الثالثة) قوله تعالى ( وجعلناهم أئمة بهدون بأمرنا) وفيه قولان: (أحدهما) أى
جعلناهم أئمة يدعون الناس إلى دين الله تعالى والخيرات بأمرنا وإذننا (الثانى) قول
أبى مسلم أن هذه الأمامة هى النبوة، والأول أولى لئلا يلزم التكرار، واحتج أصحابنا بهذه
الآية على أمرين (أحدهما) على خلق الأفعال بقوله ( وجعلناهم أئمة) وتقريره مامضى (والثانى)
على أن الدعوة إلى الحق والمنع عن الباطل لا يجوز إلا بأمر الله تعالى لأن الأمر لو لم يكن معتبراً
لما كان فى قوله بأمرنا فائدة .
﴿ النعمة الرابعة) قوله تعالى (وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) وهذا يدل على أنه سبحانه
خصهم بشرف النبوة وذلك من أعظم النعم على الأب ، قال الزجاج حذف الهاء من إقامة الصلاة
لأن الإضافة عوض عنه، وقال غيره: الإقام والاقامة مصدر، قال أبو القاسم الأنصارى الصلاة
١٩٢
قوله تعالى: ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً . سورة الأنبياء.
وَلُوَطَاءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلَّمًا وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ اَلَّى كَانَتَ تَّعْمَلُ اَلْخَبَيِثَ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ﴿ وَأَدْ خَلْنَهُ فِى رَحْتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
٧٥
أشرف العبادات البدنية وشرعت لذكر الله تعالى، والزكاة أشرف العبادات المالية ومجموعهما
التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، واعلم أنه سبحانه وصفهم أولا بالصلاح لأنه أول
مراتب السائرين إلى الله تعالى ثم ترقى فوصفهم بالامامة. ثم ترقى فوصفم بالنبوة والوجى. وإذا
كان الصلاح الذى هو العصمة أول مراتب النبوة دل ذلك على أن الأنبياء معصومون فان المحروم
عن أول المرانب أولى بأن يكون محروماً عن النهاية، ثم إنه سبحانه كما بين أصناف نغمه عليهم بين
بعد ذلك اشتغالهم بعبوديته فقال ( وكانوا لنا عابدين ) كانه سبحانه وتعالى لما وفى بعهد الربوبية
فى الإحسان والإنعام فهم أيضاً وفوا بعهد العبودية وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة.
القصة الثالثة ، قصة لوط عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ولوطاً آتيناه حكما وعلماً ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا
قوم سوء فاسقين، وأدخلناه فى رحمتنا إنه من الصالحين ﴾
إعلم أنه سبحانه بعد بيان ما أنعم به على إبراهيم عليه السلام أتبعه بذكر نعمه على لوط عليه
السلام لما جمع بينهما من قبل، وههنا مسألتان:
﴿ المسألة الأولى) فى الواو فى قوله ( ولوطاً) قولان (أحدهما) وهو قول الزجاج أنه
عطف على قوله ( وأوحينا إليهم ) ، ( والثانى) قول أبى مسلم أنه عطف على قوله ( آتينا إبراهيم
رشده) ولا بد من ضمير فى قوله (ولوطاً) فكأنه قال وآتينا لوطاً فأضمر ذكره.
المسألة الثانية ) فى أصناف النعم وهى أربعة وجوه (أحدها) الحكم أى الحكمة وهى
التى يجب فعلها أو الفصل بين الخصوم وقيل هى النبوة ( وثانيها) العلم، واعلم أن إدخال التنوين
عليهما يدل على علو شأن ذلك العلم وذلك الحكم ( وثالثها) قوله ( ونجيناه من القرية التى كانت
تعمل الخبائث ) والمراد أهل القرية لأنهم هم الذين يعملون الخبائث دون نفس القرية ولأن
الهلاك بهم نزل فنجاه الله تعالى من ذلك، ثم بين سبحانه وتعالى بقوله (إنهم كانوا قوم سوء
فاسقين ) ما أراده بالخبائث، وأمرهم فيما كانوا يقدمون عليه ظاهر (ورابعها) قوله ( وأدخلناه
فى رحمتنا إنه من الصالحين) وفى تفسير الرحمة قولان (الاول) أنه النبوة أى أنه لما كان صالحاً
للنبوة أدخله الله فى رحمته لكى يقوم بحقها عن مقاتل ( الثانى) أنه الثواب عن ابن عباس
والضحاك. ويحتمل أن يقال إنه عليه السلام لما آتاه الله الحكم والعلم وتخلص عن جلساء السوء
فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الالهية وهى بحر لا ساحل له وهى الرحمة فى الحقيقة
١٩٣
قوله تعالى : ونوحاً اذ نادى من قبل . سورة الأنبياء .
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَجَيْنَهُ وَأَهْلُهُ، مِنَ الْكْبِ الْعَظِيمِ
زرزور ورأدرة
٧
وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِغَائِقِنَآَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَ قْتَهُمْ
٥٤
أجْمَعِينَ
٧٧
القصة الرابعة ، قصة نوح عليه السلام
قوله تعالى: ﴿ ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه
من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ﴾
أما قوله تعالى ( إذ نادى من قبل ) ففيه مس ألتان:
المسألة الأولى﴾ لا شبهة فى أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه بالعذاب ويؤكده
حكاية اللّه تعالى عنه ذلك تارة على الاجمال وهو قوله ( فدعا ربه أبى مغلوب فانتصر ) وتارة
على التفصيل وهو قوله (وقال نوح رب لانذر على الأرض من الكافرين دياراً) ويدل عليه أيضاً
أن الله تعالى أجابه بقوله (فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ) وهذا الجواب يدل على
أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب فى السؤال فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه
بما يلحقه من جهتهم من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه وبأن ينصره عليهم وأن
يهلكهم. فلذلك قال بعده ( ونصر ناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ).
المسألة الثانية﴾ أجمع المحققون على أن ذلك النداء كان بأمر الله تعالى لأنه لو لم يكن بأمره
لم يؤمن أن يكون الصلاح أن لا يجاب اليه فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء، ولآن الإقدام
على أمثال هذه المطالب لو لم يكن بالأمر لكان ذلك مبالغة فى الاضرار، وقال آخرون إنه عليه
السلام لم يكن مأذوناً له فى ذلك. وقال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله تعالى كسرة آدم
ونوح، حسرة آدم على قبول وسوسة إبليس ، وحسرة نوح على دعائه على قومه. فأوحى الله تعالى
اليه أن لا تتحسر فان دعوتك وافقت قدرى
أما قوله تعالى (فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) فالمراد بالأهل ههنا أهل دينه، وفى
تفسير الكرب وجوه ( أحدها ) أنه العذاب النازل بالكفار وهو الغرق وهو قول أكثر
المفسرين (وثانيها) أنه تكذيب قومه إياه وما لقى منهم من الأذى ( وثالثها) أنه مجموع الأمرين
وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما وهو الأقرب لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى الله تعالى
مدة طويلة وكان قد ينال منهم كل مكروه وكان الغم يتزايد بسبب ذلك وعند إعلام اللّه تعالى
- إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضاً على غم وخوف من حيث لم يعلم من الذى يتخلص
الفخر الرازي - ج ٢٢ م ١٣
١٩٤
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ بَحْكَانِ فِ الْحَرْثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَمُ أَلْقَوْمِ وَكَّ
◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴾ فَفَهَّعْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلَاءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا
وَرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَحْنَ وَالطَّرَ لَوَكَ فَعِلِينَ (﴾ وَعَلَّْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ
لَّكُمْ لِتُخْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَخْكُونَ لَّه وَلِسُلَيْمَنَ الرِيَحَ بَصِفَةً
تَجْرِى بِأَمْرِهِ إلَى الْأَرْضِ الِّى بَ كَ فِيهَا وَكُّ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِينَ ﴾ وَمِنَ
الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ، وَيَعْمِلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ
من الغرق ومن الذى يغرق فأزال اللّه تعالى عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص
جميع من.آمن به معه .
أما قوله تعالى (ونصر ناه من القوم) فقراءة أبى بن كعب ونصرناه على القوم ثم قال المبرد
تقديره ونصرناه من مكروه القوم، وقال تعالى ( فمن ينصرنا من بأس اللّه ) أى يعصمنا من
عذابه ، قال أبو عبيدة: من بمعنى على. وقال صاحب الكشاف إنه نصر الذى مطاوعه انتصر
وسمعت هذلياً يدعو على سارق : اللهم أنصرهم منه، أى اجعلهم منتصرين منه .
أما قوله تعالى ( إنهم كانوا قوم سوء) فالمعنى أنهم كانوا قوم سوء لأجل ردهم عليه
وتكذيهم له فأغرقناهم أجمعين ، فبين ذلك الوجه الذى به خلصه منهم .
﴿ القصة الخامسة ، قصة داود وسليمان عليهما السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم
شاهدين ، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلاً وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا
فاعلين ، وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون، ولسليمان الريح عاصفة
تجرى بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها وكنا بكل شىء عالمين، ومن الشياطين من يغوصون له
ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين
إعلم أن قوله تعالى: وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون ، كله نسق على ما تقدم من
قوله ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) ومن قوله (ولوطاً آتيناه حكما وعلماً) واعلم أن المقصود
ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان فذكر أولا النعمة المشتركة بينهما ، ثم ذكر ما يختص به كل
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء . ١٩٥
واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهى القصة المذكورة وهى قصة الحكومة، ووجه النعمة
فيها أن الله تعالى زيهما بالعلم والفهم فى قوله (وكلا آتينا حكما وعلما) ثم فى هذا تنبيه على أن العلم
أفضل الكمالات وأعظمها، وذلك لأن الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير
الجبال والطير والريح والجن ، وإذا كان العلم مقدما على أمثال هذه الأشياءفما ظنك بغير ها وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلاراع، وهذا قول
جمهور المفسرين ، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلا ونهاراً.
المسألة الثانية ﴾ أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع ، وقال بعضهم هو الكرم
والأول أشبه بالعرف.
و المسألة الثالثة) إحتج من قال أقل الجمع إثنان بقوله تعالى (وكنا لحكمهم شاهدين) مع أن
المراد داود وسليمان (جوابه) أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له ، فاذا
أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الإثنين ، وقرى وكنا لحكمهما شاهدين.
﴿ المسألة الرابعة﴾ فى كيفية القصة وجهان (الأول) قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على
داود عليه السلام (أحدهما) صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث : إن غم
هذا دخلت حربى وما أبقت منه شيئاً، فقال داود عليه السلام اذهب فان الغنم لك، فرجا فرا
على سليمان، فقال كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال: لو كنت أنا القاضى لقضيت بغير هذا. وأخير
بذلك داود عليه السلام فدعاه وقال: كيف كنت تقضى بينهما، فقال ادفع الغنم إلى صاحب
الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث من العام المستقبل كهينه
يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه (الثانى) قال ابن مسعود وشريح
ومقاتل رحمهم الله: أن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر
فأكلت القضبان وأفسدت الكرم ، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له
بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت، فرجوا ومروا بسليمان فقال لهم كيف
قضى بينكما فأخبراه به ، فقال غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر داود عليه السلام بذلك فدعا سليمان
وقال له بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتنى بالذى هو أرفق بالفريقين، فقال تسلم الغنم إلى صاحب
الكرم حتى يرتفق بمنافعها ويعمل الراعى فى إصلاح الكريم حتى يصير كما كان ، ثم ترد الغنم إلى
صاحبها . فقال داود عليه السلام إنما القضاء ماقضيت وحكم بذلك. قال ابن عباس رضى الله عنهما
حكم سليمان بذلك وهو ابن احدى عشرة سنة ، وههنا أمور ولا بد من البحث عنها .
﴿ السؤال الأول) هل فى الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا فى الحكم أم لا؟ فإن
أبا بكر الأصم قال إنهما لم يختلفا البتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه
السلام ( الجواب ) الصواب أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضى الله عنهم على
١٩٦
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
مارويناه، وأيضاً فقد قال الله تعالى (وكنا لحكمهم شاهدين) ثم قال (ففهمناها سليمان ) والفاء
للتعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا التفهيم، وذلك الحكم السابق إما أن يقال اتفقا فيه
أو اختلفافيه، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله (ففهمناها سليمان) فائدة وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب.
﴿ السؤال الثانى) سلمنا أنهما اختلفا فى الحكم ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النص أو
عن الاجتهاد (الجواب) الأمران جائزان عندنا وزعم الجبائى أنهما كانا صادرين عن النص، ثم إنه
قارة يبنى ذلك على أن الإجتهاد غير جائز من الأنبياء، وأخرى على أن الاجتهاد وإن كان جائزاً
منهم فى الجملة، ولكنه غير جائز فى هذه المسألة .
( أما المأخذ الأول ) فتد تكلمنا فيه فى الجملة فى كتابنا المسمى بالمحصول فى الأصول ولنذكر
ههنا أصول الكلام من الطرفين احتج الجبائى على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام
بأمور (أحدها) قوله تعالى ( قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا مايوحى إلى)
وقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى) (وثانيها) أن الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إدراكه
يقيناً فلا يجوز مصيره إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له أن يجتهد (ثالثها) أن مخالفة الرسول توجب
الكفر لقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) ومخالفة المظنون والمجتهدات
لا توجب الكفر (ورابعها) لو جاز أن يجتهد فى الأحكام لكان لا يقف فى شىء منها، ولما وقف فى
مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحى دل على أن الاجتهاد غير جائز عليه (وخامسها) أن الاجتهاد
إنما يجوز المصير إليه عند فقد النص ، لكن فقدان النص فى حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز
الاجتهاد منه (وسادسها) لو جاز الاجتهاد من الرسول لجاز أيضاً من جبريل عليه السلام وحينئذ
لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائح التى جاء بها أهى من نصوص اللّه تعالى أو من اجتهاد جبريل؟
(والجواب) عن الأول أن قوله تعالى (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا مايوحى
إلى) لا يدل على قولكم لأنه وارد فى إبدال آية بآية لأنه عقيب قوله (قال الذين لا يرجون لقاءنا
انت بقرآن غير هذا أو بدله) ولا مدخل للاجتهاد فى ذلك. وأما قوله تعالى (وما ينطق عن الهوى)
فبعيد لأن من يجوز له الاجتهاد يقول إن الذى اجتهدفيه هو عن وحى على الجملة وإن لم يكن كذلك على
التفصيل، وإن الآية واردة فى الأداء عن اللّه تعالى لا فى حكمه الذى يكون بالعقل (والجواب) عن
الثانى أن الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللا فى الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك
قيام ذلك المعنى فى صورة أخرى فاحكم بذلك فههنا الحكم مقطوع به والظن غير واقع فيه بل فى
طريقه ( والجواب) عن الثالث أنا لا نسلم أن مخالفة المجتهدات جائزة مطلقاً بل جواز مخالفتها
مشروط بصدورها عن غير المعصوم والدليل عليه أنه يجوز على الأمة أن يجمعوا اجتهاداً ثم يمتنع
مخالفتهم وحال الرسول أؤكد ( والجواب) عن الرابع لعله عليه السلام كان منوعا من الإجتهاد
فى بعض الأنواع أو كان مأذوناً مطلقاً لكنه لم يظهر له فى تلك الصورة وجه الاجتهاد ، فلا جرم
١٩٧
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
أنه توقف (والجواب) عن الخامس لم لا يجوز أن يحبس النص عنه فى بعض الصور فيئذ يحصل
شرط جواز الاجتهاد ( والجواب ) عن السادس أن هذا الإحتمال مدفوع باجماع الأمة على خلافه
فهذا هو الجواب عن شبه المنكرين والذى يدل على جواز الاجتهاد عليهم وجوه: ( أحدها ) أنه
عليه السلام إذا غلب على ظنه أن الحكم فى الأصل معلل بمعنى ثم علم أوظن قيام ذلك المعنى فى
صورة أخرى فلابد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى فى هذه الصورة مثل ما فى الأصل، وعنده
مقدمة يقينية وهى أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب فيتولد من هاتين المقدمتين
ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون . وعند هذا ، إما أن يقدم على الفعل والترك معاً
وهو محال لاستحالة الجمع بين النقيضين. أو يتركهما وهو محال لاستحالة الخلو عن النقيضين، أو
يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل يبديهة العقل، أو يرجح الراجح على المرجوح وذلك هو
العمل بالقياس. وهذه النكتة هى التى عليها التعويل فى العمل بالقياس وهى قائمة أيضاً فى حق الأنبياء
عليهم السلام. وهذا يتوجه على جواز الاجتهاد من جبريل عليه السلام (وثانيها ) قوله تعالى
(فاعتبروا) أمر للكل بالإعتبار فوجب اندراج الرسول عليه السلام فيه لأنه إمام المعتبرين
وأفضلهم ( وثلثها ) أن الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل
وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه فى هذا الباب. فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم
تكن درجة أعلى من الاعتبار، وليس الأمر كذلك . لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على
سبيل اليقين. فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذى ليس قصاراه إلا الظن. قلنا لا يمتنع أن لا يجد
النص فى بعض المواضع، فلو لم يتمكن من الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذى يمكنه أن
يعرف ذلك الحكم من الإجتهاد. وأيضاً فقد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيداً
للقطع بالحكم (ورابعها) قال عليه السلام ((العلماء ورثة الأنبياء)) فوجب أن يثبت للأنبياء درجة
الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك. هذا تمام القول فى هذه المسألة (وخامسها) أنه تعالى قال (عنا
الله عنك لم أذنت لهم) فلك الإذن إن كان باذن الله تعالى استحال أن يقول لم أذنت لهم، وإن كان
بهوى النفس فهو غير جائز ، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.
٠
﴿ المأخذ الثانى) قال الجبائى لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام ففى هذه المسألة
يجب أن لا يجوز لوجوه : (أحدها) أن الذى وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها
مجهول المقدار . فكيف يجوز فى الاجتهاد جعل أحدهما عوضاً عن الآخر (وثانيها) أن اجتهاد
داود عليه السلام إن كان صواباً لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينتقض بالاجتهاد . وإن كان
خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام ، فلما مدحهما بقوله
( وکلا آتینا حکما وعلماً) دل على أنه لم يقع الخطأ منداود (وثالثها) لو حكم بالاجتهاد لكان الحامل
هناك ظناً لا علماً لأن الله تعالى قال (وكلا آتينا حكما وعلماً) (ورابعها) كيف يجوز أن يكون
١٩٨
قوله تعالى. وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
عن اجتهاد من مع قوله ( ففهمناها سلمان) ( والجواب) عن الأول أن الجهالة فى القدر لا تمنع
من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة (وعن الثانى) لعله كان خطأ من باب الصغائر (وعن الثالث)
بينا أن من تمسك بالقياس فالظن واقع فى طريق إثبات الحكم فأما الحكم فقطوع به (وعن الرابع )
أنه إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث بين له طريق ذلك.
فهذا جملة الكلام فى بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان عليهما السلام فى ذلك
الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أن يكون إختلافهما فيه بسبب النص
فطريقه أن يقال إن داود عليه السلام كان مأموراً من قبل اللّه تعالى فى هذه المسألة بالحكم الذى
حكم به، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحى إلى سليمان عليه السلام خاصة وأمره أن يعرف داود ذلك
فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً فقوله (فقهمناها سليمان) أى أوحينا إليه فان قيل هذا باطل لوجهين:
(الأول) لما أنزل الله تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على
سليمان (الثانى) أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن فى
فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة فى الاستنباط .
. ﴿السؤال الثالث) إذا أثبتم أنه يجوز أن يكون اختلافهما لأجل النص وأن يكون لأجل
الاجتهاد فأى القولين أولى ( والجواب ) الاجتهاد أرجح لوجوه: (أحدها ) أنه روى فى الأخبار
الكثيرة أن داود عليه السلام لم يكن قد بت الحكم فى ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى،
وفى بعضها أن داود عليه السلام ناشده لكى يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص ، لأنه لو
كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه .
﴿ السؤال الرابع ) بينوا أنه كيف كان طريق الاجتهاد ( الجواب) أن وجه الاجتهاد فيه
ما ذكره ابن عباس رضى الله عنهما من أن داود عليه السلام قوم قدر الضرر بالكرم فكان
مساويا لقيمة الغنم فكان عنده أن الواجب فى ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع فلا جرم سلم
الغنم إلى المجنى عليه كما قال أبو حنيفة رحمه اللّه فى العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك
أو يفديه، وأما سليمان عليه السلام فان اجتهاده أدى إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول
والزوائد بالزوائد ، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه يقتضى الحيف والجور ، ولعل
منافع الغنم فى تلك السنة كانت موازية لمنافع الكرم حكم به، كما قال الشافعى رضى الله عنه فيمن
غصب عبداً وأبق من يده أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بازاء ما فوته الغاصب من
منافع العبد فاذا ظهر ترادا .
﴿ السؤال الخامس) على تقدير أن ثبت قطعاً أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد ، فهل
تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون (الجواب ) أما الفائلون بأن المصيب
واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى (ففهمناها سليمان) قال ولو كان الكل مصيبا لم يكن لتخصيص
١٩٩
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سررة الأنبياء .
سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة ، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله
( وكلا آتينا حكما وعلماً) ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال (وكلا آتينا
حكما وعلماً) واعلم أن الإستدلالين ضعيفان (أما الأول) فلأن اللّه تعالى لم يقل إنه فهمه
الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما
مصيب فيما حكم به، على أن أكثر ما فى الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ما كانا
مصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك فى شرعنا (وأما الثانى) فلأنه تعالى لم يقل إن
كلا آتيناه حكما وعلماً بما حكم به ، بل يجوز أن يكون آتيناه حكما وعلماً بوجوه الاجتهاد وطرق
الأحكام، على أنه لا يلزم من كون كل مجتهد مصيباً فى شرعهم أن يكون الأمر كذلك
فى شرعنا .
﴿ السؤال السادس) لو وقعت هذه الواقعة فى شرعنا ما حكمها؟ (الجواب) قال الحسن
البصرى هذه الآية محكمة ، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة. واعلم أن كثيراً من العلماء يزعمون
أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا فى حكمه فقال الشافعى رحمه الله إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن
لصاحب الماشية تسبيب ماشيته بالنهار ، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه . وإن كان ليلا يلزمه
الضمان لأن حفظها بالليل عليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ضمان عليه ليلا كان أو نهاراً إذا لم
يكن متعدياً بالإرسال، لقوله عي الي ((جرح العجماء جبار)) واحتج الشافعى رحمه الله بما روى عن
البراء بن عازب أنه قال ((كانت ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدته فذكروا ذلك لرسول ◌َلت
فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل
الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل)) وهذا تمام القول فى هذه الآية. ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك
من النعم التى خص بها داود عليه أمرين (الأول) قوله تعالى ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن
والطير وكنا فاعلين ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى تفسير هذا التسبيح وجهان (أحدهما ) أن الجبال كانت تسبح ثم
ذكروا وجوهاً (أحدها) قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير
ربها معه ( وثانيها) قال الكلبى إذا سبح داود أجابته الجبال ( وثالثها ) قال سليمان بن حيان كان
داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقا (القول
الثانى) وهو اختيار بعض أصحاب المعانى أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله
( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه
السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما ، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة فى
صرف اللفظ عن ظاهره. وأما المعتزلة فقالوا لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل
الله تعالى فيه (والأول ) محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لايكون حياً
٢٠٠
قوله تعالى : وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث . سورة الأنبياء .
عالماً قادراً يستحيل منه الفعل (والثانى ) أيضاً محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام
لأ من كان محلا للكلام، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو اللّه تعالى لكان المتكلم هو اللّه تعالى لا
الجبل ، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا فى (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن)
ومثله قوله تعالى ( ياجبال أوبى معه ) معناه قصر فى معه وسيرى بأمره ويسبحن من السبح الذى
السباحة خرج اللفظ فيه على التنكثير ولولم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل يسبحن معه
أى سيرى وهو كقوله ( إن لك فى النهار سبحاً طويلا) أى تصرفا ومذهباً. إذا ثبت هذا فنقول:
إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله تعالى وعلى سائر ماتنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول
على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضاً منوع.
المسألة الثانية﴾. أما الطير فلا امتناع فى أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على
أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ فى العقل إلى درجة التكليف،
بل تكون على حالة كمال الطفل فى أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من
حيث جعلها فى الفهم بمنزلة المراهق ، وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز
فيكون القول فيه كالقول فى الجبال .
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف يسبحن حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلا
قال: كيف سخرهن؟ فقال يسبحن. والطير إما معطوف على الجبال وإما مفعول معه . فإن قلت لم
قدمت الجبال على الطير ؟ قلت لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل فى الإعجاز،
لأنها جماد والطير حيوان ناطق .
أما قوله ( وكنا فاعلين ) فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل نفعل
ذلك بالأنبياء عليهم السلام.
﴿ الإنعام الثالث ) قوله تعالى ( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم
شاكرون ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ اللبوس اللباس، قاله البس لكل حالة لبوسها .
المسألة الثانية﴾. لتحصنكم قرى. بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها فالنون
لله عز وجل والتاء الصنعة أو البوس على تأويل الدرع والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قالى قتادة أول من صنع الدرع داود عليه السلام، وإنما كانت صفائح
قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقاً ، ذكر الحسن أن لقمان الحكيم عليه السلام حضره وهو
يعمل الدرع، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت حتى فرغ منها ولبسها على نفسه ، فقال الصمت
حكمة وقليل فاعله (١) قالوا إن الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين.
المسألة الرابعة﴾. البأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله، والمعنى ليمتعكم ويحرسكم من
(١) الذى أحفظه: الصمت حكم وقليل فاعله، ولو كان حكمة كما روى لقال فاعلها