Indexed OCR Text

Pages 161-180

قوله تعالى: أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء . ١٦١
أَوَلَّمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَآءِ كُلِّ شَىْءٍ حَيِّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (﴾ وَجَعَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِدَ
◌ِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَفْفاً
تَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ (﴾ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلٍَ يَسْبَحُونَ
من حيث قال (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)(وهم من خشيته مشفقون) ومن حيث الوعيد
(وثانيها ) تدل أيضاً على أن الملائكة معصومون لأنه قال (وهم بأمره يعملون) (وثالثها) قال القاضى
عبد الجبار قوله ( كذلك نجزى الظالمين ) يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم كما توعد الملائكة به
وذلك يوجب القطع على أنه تعالى لا يغفر لأهل الكبائر فى الآخرة (والجواب) أقصى ما فى الباب
أن هذا العموم مشعر بالوعيد وهو معارض بعمومات الوعيد .
قوله تعالى: ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من
الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون ، وجعلنا فى الأرض رواسى أن تميد بهم وجعلنا فيها جاجاً سبلا
لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون . وهو الذى خلق الليل والنهار
والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون ﴾.
اعلم أنه سبحانه وتعالى شرع الآن فى الدلائل الدالة على وجود الصانع، وهذه الدلائل أيضاً
دالة على كونه منزهاً عن الشريك ، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب فى العالم، ووجود الإلهين
يقتضى وقوع الفساد . فهذه الدلائل تدل من هذه الجهة على التوحيد فتكون كالتوكيد لما تقدم.
وفيها أيضاً رد على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف
يجوز فى العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع ، فهذا وجه تعلق هذه الآية
بما قبلها ، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكرههنا ستة أنواع من الدلائل :
﴿ النوع الأول ) قوله (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما)
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو وإدخال الواو يدل على
العطف لهذا القول على أمر تقدمه. قال صاحب الكشاف قرىء رتقا بفتح التاء، وكلاهما فى معنى
الفخر الرازى - ج ٢٢ /١١

١٦٢
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء .
المفعول كالخلق والنفض أى كانتا مرتوقتين ، فان قلت الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه
مصدر فما بال الرتق ؟ قلت هو على تقدير موصوف أى كانتا شيئاً رتقاً .
﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول المراد من الرؤية فى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا)،
إما الرؤية. وإما العلم والأول مشكل، أما أولا فلأن القوم ما رأوهما كذلك البتة ، وأما ثانياً
فلقوله سبحانه وتعالى ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض)، وأما العلم فمشكل لأن الأجسام.
قابلة للفتق والرتق فى أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة
مع الكفار الذين ينكرون الرسالة. فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الاستدلال (والجواب) المراد
من الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: (أحدها) أنا نثبت نبوة محمد التّ
بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله ثم تجعله دليلا على حصول النظام فى العالم وانتقاء الفساد عنه
وذلك يؤكد الدلالة المذكورة فى التوحيد ( وثانيا) أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق
والفتق والعقل ، يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع
دون الافتراق أو بالعكس يستدعى مخصصاً ( وثالثها ) أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فانه
جاء فى التوراة إن اللّه تعالى خلق جوهرة ، ثم نظر اليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السموات
والأرض منها وفتق بينها ، وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك فى
عداوة محمد ◌ّ فاحتج اللّه تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود فى ذلك .
﴿ المسألة الثالثة) إنما قال كانتا رتقاً ولم يقل كن رتقاً لأن السموات لفظ الجمع والمراد به.
الواحد الدال على الجنس ، قال الأخفش السموات نوع والأرض نوع، ومثله (إن الله يمسك
السموات والأرض أن تزولا) ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين ، ومرت بنا غنمان أسودان ،
لأن هذا القطيع غنم وذلك غنم .
المسألة الرابعة ) الرتق فى اللغة السد يقال رتقت الشىء فارتتق والفتق الفصل بين الشيئين
الملتصقين قال الزجاج الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتى رق، قال المفضل: إنما لم يقل كانتا رتقين
كقوله ( وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) لأن كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه
كل واحد رآق .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اختلف المفسرون فى المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها وهو
قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهم أن المعنى كانتا
شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هى وأقر الأرض وهذا القول يوجب
أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هى وأصعد
الأجزاء السماوية قال كعب خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريجاً توسطتهما
ففتقهما بها (وثانيها) وهو قول أبى صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مر تتقة جعلت سبع سموات

قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء . ١٦٣
وكذلك الأرضون (وثالثها) وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض
كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى.
(والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع) ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعدذلك
(وجعلنا من الماء كل شىء حى) وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان
المراد ماذكرنا . فإن قيل هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهى
سماء الدنيا ، قلنا إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة
أعشار. واعلم أن على هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار (ورابعها) قول أبى مسلم
الأصفهانى يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله (فاطر السموات والأرض) وكقوله
(قال بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن) فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال
قبل الإيجاد بلفظ الرتق. أقول وتحقيقه أن العدم نفى محض، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان
متباينة ، بل كأنه أمر واخد متصل متشابه ، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز
بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض ، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازاً عن العدم
والفتق عن الوجود (وخامسها) أن الليل سابق على النهار، لقوله تعالى ( وآية لهم الليل نساخ منه
النهار) وكانت السموات والأرض مظلمة أولا فقتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر، فإن قيل
فأى الأقاويل أليق بالظاهر ؟ قلنا الظاهر يقتضى أن السماء على ماهى عليه، والأرض على ما هى
عليه كانتا رتقاً، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان، والرقق ضد الفتق فاذا كان الفتق
هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة ، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس
مرجوحاً، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثانى. وهو أن كل واحد منهما كان
رتقاً ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعاً ، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور
وفرج، ففتقهما لينزل المطر من السماء، ويظهر النبات على الأرض .
﴿ المسألة السادسة﴾ دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة، لأن أحداً
لا يقدر على مثل ذلك ، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقاً لما فيه من المصلحة للملائكة ، ثم لما أسكن
الله الأرض أهلها جعلهما فتقاً لما فيه من منافع العباد.
﴿ النوع الثانى من الدلائل ) قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون)
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف قوله: وجعلنا لا يخلو إما أن يتعدى إلى واحد أو
اثنين ، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل حيوان كقوله ( واللّه خلق كل دابة من ماء)
أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ( خلق الإنسان من
جل) وإن تعدی إلى اثنین فالمعنی صیرنا كل شىء حی بسبب من الماء لا بد له منه ومن هذا نحو من

١٦٤
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء .
فى قوله عليه السلام ((ما أنا من دد ولا الدد منى)) وقرىء حياً وهو المفعول الثانى.
المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال (والجان
خلقناه من قبل من نار السموم ) وجاء فى الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النوز وقال تعالى
فى حق عيسى عليه السلام (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذنى)
وقال فى حق آدم (خلقه من تراب) (والجواب) اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة،
فان الدليل لابد وأن يكون مشاهداً محسوسا ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج
عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك.
المسألة الثالثة﴾ اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله ( كل شىء حى) الحيوان
فقط ، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار نامياً وصار فيه الرطوبة
والخضرة والنور والثمر ، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال (ففتقنا السماء) لإنزال
المطر وجعلنا منه كل شىء فى الأرض من النبات وغيره حياً، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى
حياً، قلنا لانسلم والدليل عليه قوله تعالى (كيف يحيى الأرض بعد موتها) أما قوله تعالى (أفلا
يؤمنون ) فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذى لا يشبه غيره
ويتركوا طريقة الشرك ..
﴿ النوع الثالث) قوله تعالى (وجعلنا فى الأرض رواسى أن تميد بهم) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم -حذف لا واللام الأولى
وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك فى قوله ( لئلا يعلم أهل الكتاب).
المسألة الثانية﴾ الرواسى الجبال ، والراسى هو الداخل فى الأرض.
المسألة الثالثة) قال ابن عباس رضى الله عنهما: إن الأرض بسطت على الماء فكانت
تكفىء باهلها كما تنكفى السفينة، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال.
﴿ الفرع الرابع) قوله تعالى ( وجعلنا فيها نجاجاً سبلا لعلهم يهتدون) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف الفج الطريق الواسع ، فان قلت فى الفجاج معنى
الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما فى قوله تعالى ( لتسلكوا منها سبلا بجاجاً) قلت لم
تقدم وهى صفة ، ولكنها جعلت حالا كقوله:
لعزة موحشاً طلل قديم
والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلا جاجاً، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاًواسعة، وأماقوله (نجاجاً
سبلا) فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم فى الآية الأولى.
﴿ المسألة الثانية) فى قوله فيها قولان (أحدهما) أنها عائدة إلى الجبال، أى وجعلنا فى الجبال
التى هى رواسى جاجا سبلا، أى طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس
وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق اللّه قوم نوح فرقها جاجاً وجعل فيها طرقاً (الثانى)

١٦٥
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء .
أنها عائدة إلى الأرض ، أى وجعلنا فى الأرض نجاحاً وهى المسالك والطرق وهو قول الكلى.
﴿ المسألة الثالثة) قوله (لعلهم يهتدون) معناه لكى يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله تعالى.
(المسألة الرابعة) فى يهتدون قولان ( الأول) ليهتدوا إلى البلاد ( والثانى) ليهتدوا إلى
وحدانية الله تعالى بالاستدلال، قالت المعتزلة وهذا التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع
المكلفين الاهتداء. والكلام عليه قد تقدم، وفيه قول ثالث وهو أن الإهتداء إلى البلاد والاهتداء
إلى وحدانية الله تعالى يشتركان فى مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك المشترك
وحينئذ تكون الآية متناولة الأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك مستعملا فى مفهوميه معاً .
﴿ النوع الخامس) قوله تعالى (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون)
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ سمى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت.
المسألة الثانية﴾ فى المحفوظ قولان (أحدهما) أنه محفوظ من الوقوع والسقوط الذين
يجرى مثلهما على سائر السقوف كقوله (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) وقال
( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) وقال تعالى (إن الله يمسك السموات والأرض
أن تزولا ) وقال ( ولا يؤوده حفظهما). (الثانى) محفوظاً من الشياطين قال تعالى (وحفظناها
من كل شيطان رجيم) ثم ههنا قولان (أحدهما أنه محفوظ بالملائكة من الشياطين ( والثانى ) أنه
محفوظ بالنجوم من الشياطين ، والقول الأول أقوى لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة
عظما لأنه سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين بخلاف القول الثانى لأنه لا يخاف على
على السماء من استراق سمع الجن .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (وهم عن آياتها معرضون) معناه عما وضع اللّه تعالى فيها من
الأدلة والعبر فى حركانها وكيفية حركانها وجهات حركاتها ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها
ببعض وانفصالانها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة
المسألة الرابعة) قرىء عن أيتها على التوحيد والمراد الجنس أى هم متفطنون لما يرد
عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمرها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض
بأمطارها وهم عن كونها آية بينة على وجود الخالق ووحدانيته معرضون .
﴿ النوع السادس) قوله تعالى (وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك
يستحون) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) اعلم أنه سبحانه لما قال (وهم عن آياتها معرضون) فصل تلك الآيات
ههنا لأنه تعالى لو خلق السماء والأرض ولم يخلق الشمس والقمر ليظهر بهما الليل والنهار
ويظهر بهما من المنافع بتعاقب الحر والبرد لم تتكامل نعم الله تعالى على عباده بل إنما يكون

١٦٦
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء .
ذلك بسبب حركانها فى أفلاكها ، فلهذا قال ( كل فى فلك يسبحون) وتقريره أن نقول قد ثبت
بالأرصاد أن للكواكب حركات مختلفة فيها حركة تشملها بأسرها آخذة من المشرق الى المغرب
وهى حركة الشمس اليومية ، ثم قال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة ، وههنا حركة أخرى من
المغرب الى المشرق قالوا وهى ظاهرة فى السبعة السيارة خفية فى الثابتة ، واستدلوا عليه بأنا وجدنا
الكواكب السيارة كلما كان منها أسرع حركة إذا قارن ماهو أبطأ حركة فانه بعد ذلك يتقدمه
نحو المشرق وهذا فى القمر ظاهر جداً فإنه يظهر بعد الإجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب
على بعد من الشمس ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها على قريب من نصف الشهر وكل
كوكب كان شرقياً منه على طريقته فى ثمر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه ثم إذا أدركه ستره
بطرفه الشرقى وتنكف تلك الكواكب عنه بطرفه الغربى فعرفنا أن لهذه الكواكب
السيارة حركة من المغرب الى المشرق، وكذلك وجدنا الكواكب الثابتة حركة بطيئة على
توالى البروج فعرفنا أن لها حركة من المغرب إلى المشرق . هذا ما قالوه ونحن خالفنام فيه ،
وقلنا إن ذلك محال لأن الشمس مثلا لو كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة
بطيئة ولا شك أنها متحركة بسبب الحركة اليومية من المغرب إلى المشرق لزم كون الجرم
الواحد متحركا حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة وذلك محال لأن الحركة إلى الجهة
تقتضى حصول المتحرك فى الجهة المنتقل إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين
لزم حصوله دفعة واحدة فى مكانين وهو محال. فان قيل لم لا يجوز أن يقال الشمس حال حركتها
إلى الجانب الشرقى تنقطع حركتها إلى الجانب الغربى وبالعكس، وأيضاً فما ذكر تموه ينتقض
بحركة الرحى إلى جانب والملة التى تكون عليها تتحرك إلى خلاف ذلك الجانب، فلنا أما الأول
فلا يستقيم على أصولكم لآن حركات الأفلاك مصونة عن الانقطاع عندكم، وأما الثانى فهو مثال
محتمل وما ذكرناه برهان قاطع فلا يتعارضان، أما الذى احتجوا به على أن للكواكب حركة
من المغرب إلى المشرق فهو ضعيف ، فانه يقال لم لا يجوز أن يقال إن جميع الكواكب متحركة
من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض فيتخلف بعضها عن بعض بسبب ذلك
التخلف فيظن أنها تتحرك إلى خلاف تلك الجهة مثلا الفلك الأعظم استدارته من أول اليوم
الأول إلى أول اليوم الثانى دورة تامة وذلك الثوابت استدارته من أول اليوم الأول إلى أول اليوم
الثانى دورة تامة إلا مقدار ثانية فيظن أن فلك الثوابت تحرك من الجهة الأخرى مقدار ثانية
ولا يكون كذلك بل ذلك لأنه تخلف بمقدار ثانية، وعلى هذا التقدير جميع الجهات شرقية
وأسرعها الحركة اليومية ثم يليها فى السرعة فلك الثوابت ثم يليها زحل وهكذا إلى أن ينتهى
إلى فلك القمر فهو أبطأ الأفلاك حركة وهذا الذى قلناه مع ما يشهد له البرهان المذكور فهو أقرب
إلى ترتيب الوجود، فان على هذا التقدير تكون نهاية الحركة الفلك المحيط وهو الفلك الأعظم

١٦٧
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا . سورة الأنبياء .
ونهاية السكون الجرم الذى هو فى غاية البعد وهو الأرض، ثم إن كل ما كان أقرب إلى الفلك
المحيط كان أسرع حركة وما كان منه أبعد كان أبطأ فهذا مانقوله فى حركات الأفلاك فى أطوالها
وأما حركاتها فى عروضها فظاهرة وذلك بسبب اختلاف ميولها إلى الشمال والجنوب . إذا ثبت
هذا فنقول لو لم يكن للكواكب حركة فى الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة فكان سائر
الجوانب تخلو عن المنافع الحاصلة منه ، وكان الذى يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة
هناك لكيفية واحدة، فان كانت حارة أفنت الرطوبات فأحالتها كلها إلى النارية، وبالجملة
فيكون الموضع المحاذى لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط
المتوسط بينهما على كيفية أخرى فيكون فى موضع شتاء دائم ويكون فيه الهواء والعجاجة.
وفى موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق وفى موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه
النضج ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة
والتأثير شديد الإفراط، وكان يعرض قريباً مما لو لم يكن ميل ولو كانت الكواكب أسرع
حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت ، وأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة فى جهة مدة
ثم ينتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة ويبقى فى كل جهة برهة تم بذلك تأثيره بحيث يبقى مصوناً
عن طر فى الإفراط والتفريط. وبالجملة فالعقول لا تقف إلا على القليل من أسرار المخلوقات
فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية .
﴿ المسألة الثانية ) أنه لا يجوز أن يقول ( وكل فى فلك يسبحون ) إلا ويدخل فى الكلام
مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة
أولا فأنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الفلك فى كلام العرب كل شىء دائر وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء
فيه فقال بعضهم الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول الضحاك، وقال
الأكثرون بل هى أجسام تدور النجوم عليها. وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا فى
كيفيته فقال بعضهم الفلك موج مكفوف تجرى الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبى ما.
مجموع تجرى فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا فى الماء. قلنا لا نسلم فإنه يقال فى
الفرس الذى يمديديه فى الجرى سامح، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة إنها أجرام صلبة
لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام والنمو والذبول، فأما الكلام على الفلاسفة فهو
مذكور فى الكتب اللائقة به ، والحق أنه لاسبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر .
المسألة الرابعة ﴾ اختلف الناس فى حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فانه
إما أن يكون الفلك ساكناً والكواكب تتحرك فيه حركة السمك فى الماء الراكد ، وإما أن
يكون الفلك متحركا والكوا كب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لجهته إما

١٦٨
قوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . سورة الأنبياء .
وَمَا جَعَلْنَا لِبَثَِ مِنِ قَبْلِكَ الْخُلَ أَفَإِنِ مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ
ذَا بِقَةُ الْمَوْنِ وَبْلُوكُ بِالشَِّ وَنْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا نُرْجَعُونَ (﴿2﴾ وَإِذَا رَاكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن ◌َِّذُونَكَ إِلَّا هُوًا أَهَذَا الَّذِىِيَذْكُرُءَالَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرٍ اَلَّْمِنِ
هُمْ كَفِرُونَ
بحركة مساوية لحركة الفلك فى السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركا
والكوكب ساكناً، أما الرأى الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك
وهو محال، وأما الرأى الثانى حركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضاً
يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فان كانت مخالفة لها فى السرعة والبطء لزم
الانخراق وإن استويا فى الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم لأن الكواكب تتحرك
بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث
وهو أن يكون الكوكب مغروزاً فى الفلك واقفاً فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب
حركة الفلك، واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق
أن الأقسام الثلاثة ممكنة واللّه تعالى قادر على كل الممكنات والذى يدل عليه لفظ القرآن أن
تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة فى الماء.
المسألة الخامسة﴾ قال صاحب الكشاف (كل ) التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أى
كلهم فى فلك يسبحون والله أعلم .
﴿ المسألة السادسة) احتج أبو على بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله
( يسبحون) قال والجمع بالواو والنون لايكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى (والشمس والقمر
رأيتهم لى ساجدين)، (والجواب) إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال
صاحب الكشاف فان قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل
لها لاستئنافها فان قلت لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون فى
فلك ؟ قلت هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقددهم سيفاً أى كل واحد منهم.
قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة
الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون، وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا
هزوأ، أهذا الذى يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون

١٦٩
قوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . سورة الأنبياء .
إعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء السنة التى شرحناها فى الفصل المتقدم وكانت
تلك الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى
وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا له ، بل خلقها سبحانه وتعالى للابتلاء والامتحان، ولكى
يتوصل بها إلى الآخرة التى هى دار الخلود .
فأما قوله تعالى ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) قال مقاتل
أن أناساً كانوا يقولون إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يموت فنزلت هذه الآية ( وثانيها) كانوا
يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى اللّه تعالى عنه الشماتة بهذا أى قضى الله تعالى أن لا يخلد في
الدنيا بشراً فلا أنت ولاهم إلا عرضة للموت أفاتن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفى معناه قول القائل:
سيلقى الشامتون كما لقينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا
( وثالثها) يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر مقدر أنه لا يموت
إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كمال غيره من الأنبياء عليهم السلام فى الموت .
أما قوله تعالى ( كل نفس ذائقة الموت ) ففيه أبحاث :
﴿البحث الأول ) أن هذا العموم مخصوص فانه تعالى نفس لقوله ( تعلم ما فى نفسى ولا
أعلم ما فى نفسك ) مع أن الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفوس وهى لاتموت ، والعام
المخصوص حجة فيبقى معمولا به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة فى أن الأرواح
البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت ( والثانى) الذوق ههنا لا يمكن إجراؤه
على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله
مجازاً عن أصل الإدراك، وأما الموت فالمراد منه ههنا مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت
قبل دخوله فى الوجود يمتنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتاً والميت لايدرك شيئاً
( والثالث) الإضافة فى ذائقة الموت فى تقدير الانفصال لأنه لما يستقبل كقوله (غير محلى الصيد،
وهدياًبالغ الكعبة) .
أما قوله تعالى (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف وتدل
على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين:
(أحدهما) ماسماه خيراً وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات (والثانى)
ماسماه شراً وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، فبين تعالى
أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين، لكى يشكر على المنح ويصبر فى المحن ، فيعظم
ثوابه إذا قام بما يلزم .
المسألة الثانية﴾ إنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم

١٧٠
قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل . سورة الأنبياء .
خُلِقَ آلْإِنْسَنُ مِنْ تَجَلٍ سَأُوْرِبِكُمْ ءَ ايَنِي فَلَا تَسْتَعْبِلُونِ (﴾ وَيَقُولُونَ مَى
هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن
لأنه فى صورة الاختبار .
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف (فتنة) مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه .
فى المسألة الرابعة ﴾ حتجت التناسخية بقوله ( وإلينا ترجعون) فإن الرجوع إلى موضع
مسبوق بالكون فيه (والجواب) أنه مذكور مجازاً .
المسألة الخامسة﴾ المراد من قوله (وإلينا ترجعون) أنهم يرجعون إلى حكمه ومحاسبته
ومجازاته ، فبين بذلك بطلان قولهم فى نفى البعث والمعاد، واستدلت التناسخية بهذه الآية ، وقالواإن
الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه، وقد كنا موجودين قبل دخولنا فى هذا العالم واستدلت
المجسمة بأنا أجسام ، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضى كون اللّه تعالى جسما (والجواب) عنه قد تقدم
فى مواضع كثيرة.
أما قوله تعالى ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزؤاً) قال السدى ومقاتل نزلت
هذه الآية فى أبى جهل مر به النبى ◌َّم وكان أبو سفيان مع أبى جهل، فقال أبو جهل لأبى سفيان:
هذا نبى بنى عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً فى بنى عبد مناف. فسمع النبى
سريع قولها فقال لأبى جهل: ((ما أراك تنتهى حتى ينزل بك مانزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما
أنت يا أبا سفيان: فإنما قلت ماقلت حمية)) فنزلت هذه الآية، ثم فسر اللّه تعالى ذلك بقوله (أهذا
الذى يذكر آلهتكم) والذكر يكون بخير وبخلافه، فاذا دلت الجال على أحدهما أطلق ولم يقيد
كقولك الرجل سمعت فلاناً يذكرك، فان كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدواً فهو ذم،
ومنه قوله تعالى (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها.
وأما قوله تعالى ( وهم بذكر الرحمن هم كافرون) فالمعنى أنهم يعيبون عليه ذكر آلهتهم التى
لا تضر ولا تنفع بالسوء، مع (أنهم بذكر الرحمن) الذى هو المنعم الخالق المحى المميت (كافرون)
ولا فعل أقبح من ذلك، فيكون الهزؤ واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون، ويحتمل
أن يراد (بذكر الرحمن) القرآن والكتب، والمعنى فى أعادتهم أن الأولى إشارة إلى القوم الذين
كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به ، وأيضاً فإن فى أعادتها تأكيداً
وتعظيما لفعلهم
قوله تعالى: ﴿ خلق الإنسان من مجل سأوريكم آياتى فلا تستعجلون، ويقولون متى هذا الوعد
إن كنتم صادقين . لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم

١٧١
قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل . سورة الأنبياء .
وُجُوِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ بَلْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً
فَتَبْهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَ هُمْ يُظَرُونَ (٤) وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّنْ
قَبْلِكَ ثَاقَ بِالَّذِينَ ◌َخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٤١
ولاهم ينصرون، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون، ولقد استهزى برسل
من قبلك حاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ﴾
أما قوله تعالى ( خلق الإنسان من مجل ) ففيه مسائل : .
المسألة الأولى﴾ فى المراد من الانسان قولان (أحدهما) أنه النوع (والثانى) أنه شخص معين
(أما القول الأول) فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله تعالى وآياته الملجثة إلى العلم والإقرار
(ويقولون متى هذا الوعد) فأراد زجرهم عن ذلك، فقدم أولا ذم الانسان على إفراط العجلة
ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال: لا يبعد منكم أن تستعجلوا فانكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسبحيتكم،
فإن قيل مقدمة الكلام لابد وأن تكون مناسبة للكلام ، وكون الانسان مخلوقاً من العجل
يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله (فلا تستعجلون) قلنا لأن العائق كلما كان
أشد، كانت القدرة على مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة
شريفة عالية مرغوب فيها (أما القول الثانى) وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان (أحدهما)
أن المراد آدم عليه السلام، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير ومكرمة والسدى والكلى ومقاتل
والضحاك، وروى ابن جريج وليث بن أبى سليم عن مجاهد قال : خلق الله آدم عليه السلام بعد
كل شىء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله، قال يارب استعجل خلقى
قبل غروب الشمس ، قال ليث ، فذلك قوله تعالى ( خلق الإنسان من مجمل ) وعن السدى لما نفخ
فيه الروح فدخل فى رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله ، فقال ذلك. فقال الله له ف
يرحمك ربك. فلما دخل الروح فى عينيه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل الروح فى جوفه اشتهى
الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة ، وهذا هو الذى أورث أولاده العجلة،
( وثانيهما) قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية عطاء: نزلت هذه الآية فى النضر بن الحرث
والمراد بالانسان هو، وأعلم أن القول الأول أولى لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا
إذا حملنا لفظ الانسان على النوع .
﴿ المسألة الثانية﴾ من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من قلبها ، أما
الاولون فلهم فيها أقوال (أحدها) قول المحققين وهو أن قوله ( خلق الانسان من عجل) أى خلق

١٧٢
قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل . سورة الأنبياء .
مجولا ، وذلك على المبالغة كما قيل للرجل الذكى: هو نار تشتعل ، والعرب قد تسمى المرء بما
يكثر منه فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم ، وما هو إلا إقبال وإدبار ، قال الشاعر:
أما إذا ذكرت حتى إذا غفلت فانما هى إقبال وإدبار
وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى ( وكان الانسان مجولا) قال المبرد: (خلق الانسان من مجل)
أى من شأنه العجلة كقوله ( خلقكم من ضعف ) أى ضعفاء ( وثانيها) قال أبو عبيد: العجل
الطين بلغة حمير وأنشدوا :
والنخل يثبت بين الماء والعجل
(وثالثها) قال الأخفش: (من جل) أى من تعجيل من الأمروهو قوله كن (ورابعها) من مجل ،
أى من ضعف عن الحسن. ما الذين قلبوها فقالوا المعنى: خلق العجل من الانسان، كقوله (ويوم
يعرض الذين كفروا على النار ) أى تعرض النار عليهم والقول الأول أقرب إلى الصواب وأبعد
الأقوال هذا القلب لأنه إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن
يحمل على أنه مقلوب ، وأيضاً فإن قوله خلقت العجلة من الإنسان فيه وجوه من المجاز. فما الفائدة
فى تغيير النظم الى ما يجرى مجراه فى المجاز .
﴿ المسألة الثالثة) لقائل أن يقول القوم استجعلوا الوعد على وجه التكذيب ومن هذا
حاله لا يكون مستعجلا على الحقيقة. قلنا استعجالهم على هذا الوجه أدخل فى الذم لأنه إذا ذم المرء
استعجال الأمر المعلوم فبأن يذم على استعجال مالا يكون معلوماً له كان أولى، وأيضاً فان
استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو ملاك الدنيا يتضمن استعجال الموت وهم عالمون
بذلك فكانوا مستعجلين فى الحقيقة .
أما قوله تعالى ( سأريكمآياتى فلا تستعجلون) فقد اختلفوا فى المراد بالآيات على أقوال:
(أحدها ) أنها هى الهلاك المعجل فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، ولذلك قال ( فلا تستعجلون)
أى أنها ستأتى لا محالة فى وقتها (وثانيها) أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول (وثالثها) أنها آثار
القرون الماضية بالشام واليمن والأول أقرب إلى النظم .
أما قوله تعالى ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) فاعلم أن هـ ١٠ هو الاستعجال
المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء وهو كقوله ( ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى
لجاءهم العذاب ) فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم ، ثم إنه سبحانه ذكر فى رفع هذا
الحزن من قلب رسول الله بعد رقم وجهين: (الأول) بأن بين ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب
الشديد فقال: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهور هم ولا م
ينصرون) قال صاحب الكشاف: جواب لو محذوف وحين مفعول به ليعلم أى لو يعلمون
الوقت الذى يسألون عنه بقولهم ( متى هذا الوعد) وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من
قدام ومن خلف فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون أيضا ناصراً ينصرهم لقوله تعالى

١٧٣
قوله تعالى : قل من يكلؤكم بالليل والنهار . سورة الأنبياء .
قُلْ مَن يَكُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّهَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرٍ رَبِهِم مُّعْرِضُونَ
٤٣
أَمْ لَهُمْءَاِمَةٌ تَمْتَمُهُمْ مِن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِمْ وَلَ هُم مِنَّا يُصْحَبُونَ
٤٣
(بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَابَاءَهُمْ حَى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّانَأَتِى
اُلْأَرْضَ تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَاِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُنَ
٤٤
(فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال
ولكن جهلهم به هو الذى هونه عليهم وإنما حسن حذف الجواب لأن ما تقدم يدل عليه ، وهذا
أبلغ ومثله: ( ولو يرى الذين ظلموا، ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا، ولو أن قرآنا سيرت به
الجبال ) وإنما خص الوجوه والظهور لأن مس العذاب لهما أعظم موقعاً ولكثرة ما يستعمل
ذكرهما فى دفع المضرة عن النفس ثم إنه تعالى لما بين شدة هذا العذاب بين أن وقت مجيئه غير
معلوم لهم بل تأتيهم الساعة بغتة وهم لها غير محتسبين ولا لأمرها مستعدين فتبهتهم أى تدعهم
حائرين واقفين لا يستطيعون حيلة فى ردها ولا عما يأتيهم منها مصرفا ولا هم ينظرون أى
لا يمهلون لتوبة ولا معذرة، واعلم أن الله تعالى إنما لم يعلم المكلفين وقت الموت والقيامة لما فيه
من المصلحة لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً و أقرب إلى التلافى، ثم إنه إسبحانه ذكر (الوجه الثانى)
فى دفع الحزن عن قلب رسوله فقال ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فاق بالذين سخروا منهم
ما كانوا به يستهزءون) والمعنى (ولقد استهزى" برسل من قبلك) يا محمد كما استهزأ بك قومك
(فاق) أى نزل ( وأحاط بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ) أى عقوبة استهزائهم
وحاق وحق بمعنى كزال وزل وفى هذا تسلية النبى صلى الله عليه وسلم، والمعنى فكذلك يحيق
بهؤلاء وبال استهزائهم.
قوله تعالى: ﴿ قل من يكاؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون، أم لهم
آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون بل متعنا هؤلاء وآباءهم
حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون
﴾.
اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار فى الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار بسائر ما وصفهم
به أتبعه بأنهم فى الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا فى السلامة فقال لرسوله
قل لهؤلاء الكفار الذين يستهزءون ويغترون بما هم عليه (من يكلؤكم بالليل والنهار) وهذا كقول
الرجل لمن حصل فى قبضته ولا مخلص له منه إلى أين مقرك منى !هل لك محيص عنى او الكالى. الحافظ

١٧٤
قوله تعالى : قل من يكلؤكم بالليل والنهار . سورة الأنبياء .
وأما قوله ( من الرحمن ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فى معناه وجوه: (أحدها) (من يكلؤكم من الرحمن) أى مما يقدر على
إنزاله بهم من عذاب تستحقونه، وثانيها) من بأس اللّه فى الآخرة (وثالثها) من القتل والسبى
وسائر ما أباحه الله لكفرهم فبين سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافع عن هذه الأمور لو أنزلها بهم
وأولا تفضله بحفظهم لما عاشوا ولما متعوا بالدنيا.
﴿ المسألة الثانية ﴾ إنما خص ههنا إسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل
أنت الكالى. يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك، كما فى قوله (ما غرك بربك الكريم) إنما خص إسم
الكريم بالذكر تلقيناً للجواب.
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما ذكر الليل والنهار لأن لكل واحد من الوقتين آفات تختص به
والمعنى من يحفظكم بالليل إذا تمتم وبالنهار إذا تصرقتم فى معايشكم.
أما قوله ( بل هم عن ذكر ربهم معرضون) فالمعنى أنه تعالى مع إنعامه عليهم ليلا ونهاراً
بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذى هو الدلائل العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون
فلا يتأملون فى شىء منها ليعرفوا أنه لا كالى. لهم سواه ويتركون عبادة الأصنام التى لاحظ لها فى
حفظهم ولا فى الإنعام عليهم .
أما قوله تعالى (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولاهم منا يصحبون)
فاعلم أن الميم صلة يعنى ألهم آلهة تكلؤهم من دوننا، والتقدير ألهم آلهة من تمنعهم . وتم الكلام ثم
وصف آلهتهم بالضعف فقال (لا يستطيعون نصر أنفسهم ) وهذا خبر مبتدأ محذوف أى فهذه
الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات ، وحماية النفس أولى من حماية الغير. فإذا لم تقدر على
حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها، وفى قوله ( ولاهم منا يصحبون) قولان: ( الأول )
قال المازنى أصحبت الرجل إذا منعته فقوله (ولاهم منا يصحبون ) من ذلك لا من الصحبة (الثانى)
أن الصحبة ههنا بمعنى النصرة والمعونة وكلها سواء فى المعنى يقال صحبك الله ونصرك الله ويقال
للمسافر فى صحبة الله وفى حفظ الله فالمعنى ولاهم منا فى نصرة ولا إعانة، والحاصل أن من لا يكون
قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من اللّه بالإعانة ، كيف يقدر على شىء ثم بين سبحانه
تفضله عليهم مع كل ذلك بقوله ( بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر ) يعنى ما حملهم
على الإعراض إلا الإغترار بطول المهلة ، يعنى طالت أعمارهم فى الغفلة فنوا عهدنا وجهلوا موقع
مواقع نعمتنا واغتروا بذلك .
أما قوله تعالى ( أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها) فالمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله
المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا فى إتيان الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد ونفتح
البلاد والقرى مسا حول مكة ونزيدها فى ملك محمد مرلتم ونميت رؤساء المشركين الممتعين بالدنيا

قوله تعالى: قل إنما أنذركم بالوحي . سورة الأنبياء . ١٧٥
قُلْ إِنََّآَ أَنِذِرُ كُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدَّعَ إِذَا مَايُنْذَرُونَ (٤) وَلَيْنِ مَّسَّتْهُمْ
نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَقُولُنَّ ◌َوَلَنَآ إِنَّ كُ ظَلِينَ (٦﴾ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْفِيَةِ فَلَ تُعْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَّةٍ مِنْ تََّلِ أَعَّنَاَ يَّ
وَكَفَ بِنَا حَسِينَ (®) بَنَا حَاسبين (٤٧)
٠٠
وننقص من الشرك بإهلاك أهله أما كان لهم فى ذلك عبرة فيؤمنوا برسول الله بح لته ويعلموا أنهم
لا يقدرون على الامتناع من الله وإرادته فيهم ولا يقدرون على مغالبته ثم قال (أفهم الغالبون) أى
فهؤلاء هم الغالبون أم نحن وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع والمعنى بل نحن الغالبون وهم
المغلوبون وقد مضى الكلام فى هذه الآية فى سورة الرعد. وفى تفسير النقصان وجوه (أحدها )
قال ابن عباس ومقاتل والكلى رضى الله عنهم تنقصها بفتح البلدان ( وثانيها ) قال ابن عباس فى
رواية أخرى يريد نقصان أهلها وبركتها ( وثالثها ) قال عكرمة تخريب القرى عند موت أهلها
( ورابعها) بموت العلماء وهذه الرواية إن صحت عن رسول اللّه ◌َ ي فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر
من الأقاويل ما يتعلق بالغلبة فلذلك قال (أفهم الغالبون) والذى يليق بذلك أنه ينقصها عنهم ويزيدها
فى بلاد الإسلام، قال القفال نزلت هذه الآية فى كفار مكة فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء فبين
تعالى أن كل ذلك من العبر التى لو استعملوا عقلهم فيها لأعرضوا عن جهلهم .
قوله تعالى: ﴿ قل إنما أنذركم بالوحى ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون. ولئن مستهم
نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين. ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم
نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين
أعلم أنه سبحانه لما كرر فى القرآن الأدلة وبالغ فى التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله ( قل
إنما أنذركم بالوحى ) أى بالقرآن الذى هو كلام ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلى بل الله آتيكم به
وأمرفى بإنذاركم فاذا قمت بما ألزمنى ربى فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود، ومثلهم :
من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا يسمعون أصلا إذ
الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به فى إقدام على واجب وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق .
فاذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع. قال صاحب الكشاف قرى. ولا تسمع الصم الدعاء
بالتاء والياء أى لا تسمع أنت أولا يسمع رسول اللّه أولا يسمع الصم من أسمع، فان قلت الصم
لا تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر. فكيف قال إذا ما ينذرون؟ قلت اللام فى الصم

١٧٦
قوله تعالى : قل إنما أنذركم بالوحي . سورة الأنبياء .
إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون
فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أى هم على هذه
الصفة من الجراءة والجسارة على التصامم عن آيات الانذار ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن
يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين
لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا
ظالمين ) وأصل النفح من الريح اللينة والمعنى ولئن مسهم شىء قليل من عذاب الله كالرائحة من
الشىء دون جسمه لتنادوا بالويل واعترفوا على أنفسهم بالظلم. قال صاحب الكشاف فى المس
والنفحة ثلاث مبالغات لفظ المس وما فى النفح من معنى القلة والنزارة يقال نفحته الدابة وهو
ريح يسيرونفحه بعطية رضخه، ولفظ المرة . ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم فى الآخرة
لا يكون إلا عدلا فهم وإن ظلموا أنفسهم فى الدنيا فلن يظلوا فى الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه
وتعالى ( ونضع الموازين القسط) وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيما وقد يكون
بخلافه، فبين أن تلك الموازين تجرى على حد العدل والقسط ، وأكد ذلك بقوله ( فلا تظلم نفس
شيئاً ) وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ معنى وضعها إحضارها قال الفراء القسط صفة الموازين وإن كان موحداً
وهو كقولك للقوم أنتم عدل ، وقال الزجاج ونضع الموازين ذوات القسط وقوله ( ليوم القيامة )
قال الفراء فى يوم القيامة وقيل لأهل يوم القيامة .
المسألة الثانية ﴾ فى وضع الموازين قولان (أحدهما) قال مجاهد هذا مثل والمراد بالموازين
العدل ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط بينهم فى الأعمال فمن أحاطت
حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعنى أن حسناته تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته ( فقد
خفت موازينه ) أى أن سيئاته تذهب بحسناته، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضى الله
عنهما (الثانى) وهو قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال ، وعن
الحسن هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام ويروى ((أن داود عليه السلام
سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشى عليه ، فلما أفاق قال يا إلهى من الذى يقدر أن يملأ كفته
حسنات ، فقال يا داود إنى إذا رضيت عن عبدى ملأنها بتمرة)) ثم على هذا القول فى كيفية وزن
الأعمال طريقان (أحدهما) أن توزن صحائف الأعمال (والثانى) يجعل فى كفة الحسنات جواهر
بيض مشرقة وفى كفة السيئات جواهر سود مظلمة فان قيل أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين
بكونه سبحانه وتعالى عادلا غير ظالم أو لا يعلمون ذلك . فان علموا ذلك كان مجرد حكمه كافياً فى
معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون فى وضع الميزان فائدة البتة ، وإن لم يعلموا لم
تحصل الفائدة فى وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً
فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خال عن الفائدة. وجوابه على قولنا قوله تعالى ( لا يسأل

١٧٧
قوله تعالى : قل إنما أنذركم بالوحي . سورة الأنبياء .
عما يفعل وهم يسألون) وأيضاً ففيه ظهور حال الولى من العدو فى مجمع الخلائق، فيكون لأحد
القبيلين فى ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره . إذا
ثبت هذا فنقول : الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز
وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث
الكثيرة بالأسانيد الصحيحة فى هذا الباب .
المسألة الثالثة ﴾ قال قوم إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)
( والجواب) أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم .
المسألة الرابعة ﴾ إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم ، ويجوز
أن يرجع إلى الموزونات .
أما قوله تعالى ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان
محسن ولا يزاد فى إساءة مسىء، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرى (مثقال حبة) على كان التامة كقوله تعالى (وإن كان ذو عسرة) وقرأ
ابن عباس رضى الله عنهما ( آتينا بها) وهى مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه
بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرأ حميد أثبنا بها من الثواب، وفى حرف أبى جئنا بها.
﴿ المسألة الثانية﴾ لم أنث ضمير المثقال؟ قلنا لاضافته إلى الحبة كمقولهم ذهبت بعض أصابعه.
المسألة الثالثة﴾ زعم الجبائى أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها
خمسين جزاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان . واعلم أن هذه الآية
تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائى
لسقطت الطاعة من غير فائدة.
المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة قوله ( فلا تظلم نفس شيئاً) فيه دلالة على أن مثل ذلك لو
ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل
المضار فى الدنيا إلا للمنافع والمصالح (والجواب ) الظلم هو التصرف فى ملك الغير وذلك فى حق
اللّه تعالى محال لأنه المالك المطلق، ثم الذى يدل على استحالة الظلم عليه عقلا أن الظلم عند الخصم
مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على اللّه تعالى ومستلزم المحال محال، فالظلم على اللّه تعالى محال .
وأيضاً فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلوصح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية ، حينئذ يكون
كونه إلها من الجائزات لا من الواجبات ، وذلك يقدح فى إلهيته .
﴿ المسألة الخامسة) إن قيل الحبة أعظم من الخردلة، فكيف قال حبة من خردل ؟ قلنا:
الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار . والغرض المبالغة فى أن شيئاً
من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند اللّه تعالى.
أما قوله تعالى ( وكفى بنا حاسبين ) فالغرض منه التحذير فان المحاسب إذا كان فى العلم بحيث
الفخر الأزهر - - ٢٢-١٢

١٧٨
٠٠
قوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهرون . سورة الأنبياء .
١٠٠٠٠
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ(
رَبَهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (8﴾ وَهَذَا ذِ كْرٌمُبَارَكُ أَنْتَهُ ؟ أَفَأُمْلَهُ,
مُنْكُونَ (٣ لهُ مُنْكُرُونَ ... ،
لا يمكن أن يشتبه عليه شىء، وفى القدرة بحيث لا يعجز عن شىء، حقيق بالعاقل أن يكون فى أشد
الخوف منه، ويروى عن الشبلى رحمه اللّه تعالى أنه رأى فى المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال:
.. ثم منوا فأعتقوا
حاسبونا فدققوا
قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين، الذين يخشون ربهم
بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾
أعلم أنه سبحانه لما تكلم فى دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع فى قصص الأنبياء عليهم
السلام ، تسلية للرسول عليه السلام فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على
كل عارض دونها وذكر ههنا منها قصصاً .
القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام ﴾
ووجه الإتصال أنه تعالى لما أمر رسوله ◌َّ الله أن يقول (إنما أنذركم بالوحى) أتبعه بأن
هذه عادة اللّه تعالى فى الأنبياء قبله فقال ( ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى
للمتقين) واختلفوا فى المراد بالفرقان على أقوال (أحدها) أنه هو التوراة ، فكان فرقاناً إذكان
يفرق به بين الحق والباطل ، وكان ضياء إذ كان لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل
النجاة فى معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع، وكان ذكرى أى موعظة أوذ کرمايحتاجون إليه فی دینهم
ومصالحهم أو الشرف أما الواو فى قوله (وضياء) فروى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قرأ
ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان، وأما القراءة المشهورة فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة
وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين . والمعنى أنه فى نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه من الشرائع
والمواعظ ضياء وذكرى(١) (القول الثانى) أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه:
( أحدها ) عن ابن عباس رضى الله عنهما الفرقان هو النصر الذى أوتى موسى عليه السلام كقوله
( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) يعنى يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة
(١) رسمت فى الأصل (ذكري) هكذا بالياء وجاء رسمها فى المصحف (وذكراً) بالتنوبن وفد جري المصنف على تفسيرها
بالذكرى لا بالذكر. لهذا فاننا أثبتناها فى الآيات (ذكراً) متابعة لرسم المصحف . وأثبتتناها فى التفسير ( ذكري ) متابعة
للتفسير، ولعل المفسر رحمه الله جرى على قراءة غير قراءة حفص المشهورة بيننا، والله أعلم وأحكم.

قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل . سورة الأنبياء . ١٧٩
وَلَقَدْ ءَيْئَ إِبَ هِمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَمُ بِهِ، عَالِمِينَ ﴾ إِذْقَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ
مَاهَذِهِ الَّمَائِلُ الَِّّ أَنتُمْ لَمَا عَنْكِفُونَ (7) قَالُواْ وَجَدْنَاه ◌َابَآءَ نَالَهَا عَِدِينَ(
٥٣
، قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ
١٤
قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَابَاؤُكُمْ فِ ضَلَْلِمٍُِّ (
مِنَ الَّعِبِينَ
٥٥
اللاعبین «ەە»
(وثانيها) هو البرهان الذى فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد (وثالثها ) فلق
البحر عن الضحاك ( ورابعها الخروج عن الشبهات . قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما
خصص الذكرى بالمتقين لما فى قوله (هدى للمتقين) أما قوله تعالى (الذين يخشون ربهم
بالغيب ) فقال صاحب الكشاف محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه
وفى معنى الغيب وجوه (أحدها ) يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره ويتهون عن نواهيه
وإيمانهم بالله غيى استدلالى، فالعباد يعملون لله فى الغيب والله لا يغيب عنه شىء عن ابن عباس
رضى الله عنهما ( وثانيها) يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها ( وثالثها ) يخشون
ربهم فى الخلوات إذا غابوا عن الناس وهذا مر الأقرب، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم
لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه فى الملا دون الخلا (وهم من) عذاب (الساعة) وسائر مايجرى فيها
من الحساب والسؤال (مشفقون) فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى. ثم قال وكما
أنزلت عليهم الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله (وهذا ذكر مبارك) بركته
كثرة منافعه وغزارة علومه وقوله (أفأنتم له منكرون) فالمعنى أنه لا إنكار فى إيزاهو فى عجائب ما فيه
فقد آتينا موسى وهرون التوراة ، ثم هذا القرآن معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة
واشتماله على الأدلة العقلية وبيان الشرائع، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره.
القصة الثانية ، [قصة] إبراهيم عليه السلام ﴾
قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه
التماثيل التى أنتم لها عاكفون، قالواوجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فى ضلال
مبين ، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين
إعلم أن قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده ) فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى الرشد قولان (الأول) أنه النبوة واحتجوا عليه بقوله ( وكنا به
عالمين ) قالوا لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه فى المستقبل يقوم بحقها ويجتنب

١٨٠
قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل . سورة الأنبياء .
مالا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول ( والثانى ) أنه الاهتداء لوجوه الصلاح فى الدين
والدنيا قال تعالى ( فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) وفيه قول ( ثالث) وهو أن
تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجور أن يبعث فى إلا وقد دله الله تعالى على ذاته
وصفاته ودله أيضاً على مصالح نفسه ومصالح قومه وكل ذلك من الرشد.
المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا فى أن الإيمان مخلوق لله تعالى بهذه الآية فإنه لو كان الرشد
هو التوفيق والبيان فقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم . أجاب
الكعبى بأن هذا يقال فيمن قبل لا فيمن رد ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره
ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه. فيقال أغنى فلان ابنه فيمن أثمر المال ، ولا يقال مثله فيمن
ضيع ( والجواب عنه) هذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرشد وذلك
باطل ، لأن المسمى إذا كان مركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك
المسمى إلى ذلك الفاعل فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص
وهو قوله ( ولقد آتينا إبراهيم رشده) صريح فى أن ذلك الرشد إنما حصل من اللّه تعالى فيطل ما قالوه.
المسألة الثالثة ) قال صاحب الكشاف قرى. رشده كالعدم والعدم ، ومعنى إضافته إليه
أنه رشد مثله وأنه رشد له شأن .
أما قوله تعالى ( من قبل ) ففيه وجوه (أحدها) آتينا إبراهيم نبوته واهتداءه من قبل موسى
عليه السلام عن ابن عباس وابن جرير ( وثانيها) فى صغره قبل بلوغه حين كان فى السرب
وظهرت له الكواكب فاستدل بها . وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم
بنبوته عليه السلام قبل البلوغ عن مقاتل ( وثالثها ) يعنى حين كان فى صلب آدم عليه السلام حين
أخذ الله ميثاق النبيين عن ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية الضحاك.
أما قوله تعالى (وكنا به عالمين ) فالمراد أنه سبحانه علم منه أحوالا بديعة وأسراراً عجيبة
وصفات قد رضيها حتى أهله لأن يكون خليلا له، وهذا كقولك فى رجل كبير أنا عالم بفلان
فإن هذا الكلام فى الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت جلال كماله .
أما قوله تعالى ( إذ قال لأبيه وقومه) فقال صاحب الكشاف: إذ إما أن تتعلق بآتينا أو
برشده أو بمحذوف أى اذكر من أوقات رشده هذا الوقت .
أما قوله ( ما هذه التماثيل التى أنتم لها عا كفون ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ التمثال اسم للشىء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى، وأصله من
مثلت الشىء بالشىء إذا شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال .
المسألة الثانية ) أن القوم كانوا عباد أصنام على صور مخصوصة كصورة الانسان أو
غيره ، فجعل عليه السلام هذا القول منه ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم.