Indexed OCR Text

Pages 101-120

قوله تعالى: قال فانا قد فتنا قومك من بعدك . سورة طه . ١٠١
فيهم، قولهم أضاف الإضلال إلى السامرى قلنا أليس أن جميع المسبيات العادية تضاف إلى أسبابها
فى الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا ههنا وأيضاً قرى" وأضلهم السامرى أى وأشدهم
ضلالا السامرى وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال ، ثم الذى يحسم مادة الشغب التمسك بفصل
الداعى على ماسبق تقريره فى هذا الكتاب مراراً كثيرة .
﴿ المسألة الثانية) المراد بالقوم ههنا هم الذين خلفهم مع هرون عليه السلام على ساحل
البحر وكانوا ستمائة ألف افتقنوا بالعجل غير اثنى عشر ألفاً .
المسألة الثالثة ؟. قال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية سعيد بن جبير كان السامرى علجاً
من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذى عليه الأكثرون أنه كان من
عظماء بنى إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس بل كان رجلا
من القبط جاراً لموسى عليه السلام وقد آمن به .
المسألة الرابعة ) روى فى القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين
مع أيامها وقالوا قد أ كملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى
عند مقدمه ( فإنا قد فتنا قومك من بعدك) من وجهين (الأول) أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة
بلفظ الموجودة الكائنة على عادته ( الثانى) أن السامرى شرع فى تدبير الأمر لما غاب موسى عليه
السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة .
﴿ المسألة الخامسة﴾ إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر
ذى الحجة .
﴿ المسألة السادسة) ذكروا فى الأسف وجوهاً (أحدها) أنه شدة الغضب وعلى هذا
التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله غضبان يفيد أصل الغضب وقوله أسفاً یفید کاله ( وثانيها) قال
الأكثرون حزناً وجزءاً يقال أسف يأسف أسفاً إذا حزن فهو آسف (وثالثها) قال قوم الآسف
المغتاظ وفرقوا بين الاغتياظ والغضب بأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب من
حيث كان الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك لا يصح إلا
على الأجسام كالضحك والبكاء ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه عاتبهم بعد رجوعه
إليهم قالت المعتزلة وهذا يدل على أنه ليس المراد من قوله ( فإنا قد فتنا قومك من بعدك) أنه
تعالى خلق الكفر فيهم وإلا لما عاتبهم بل يجب أن يعاتب اللّه تعالى قال الأصحاب وقد فعل ذلك
بقوله ( إن هى إلا فتنتك) ومجموع تلك المعاتبات أمور (أحدها) قوله ( ياقوم ألم يعدكم ربكم
وعداً حسناً ) وفيه سؤالان :
﴿السؤال الأول) قوله (ألم يعدكم ربكم) هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين
بإنه آخر سوى العجل أما لما اعتقدوا أنه لا إله سواء على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا هذا

١٠٢
قوله تعالى : قال فانا قد فتنا قومك من بعدك سبورة طه .
إلهكم وإله موسى كيف يتوجه عليهم هذا الكلام ( الجواب ) أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم
عبدوا العجل على التأويل الذى يذكره عبدة الأصنام.
﴿ السؤال الثانى) ما المراد بذلك الوعد الحسن (الجواب) ذكروا وجوهاً (أحدها) أن
المراد ماوعدهم من إنزال التوراة عليهم ليقفوا على الشرائع والأحكام ويحصل لهم بسبب ذلك
مزية فيما بين الناس وهو الذى ذكره الله تعالى فيما تقدم من قوله ( وواعدنا كم جانب الطور
الأيمن) ( وثانيها) أن الوعد الحسن هو الوعد الصدق بالثواب على الطاعات (وثالثها) الوعد هو
العهد وهو قول مجاهد وذلك العهد هو قوله تعالى ( ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى)
إلى قوله ( ثم اهتدى) والدليل عليه قوله بعد ذلك (أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل
عليكم غضب من ربكم ) فكانه قال أفنسيتم ذلك الذى قال الله لكم ولا تطغوا فيه
( ورابعها) الوعد الحسن ههنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً فى منافع الدين وأن يكون
فى منافع الدنيا ، أما منافع الدين فهو الوعد بإنزال الكتاب الشريف الهادى إلى الشرائع والأحكام
والوعد بحصول الثواب العظيم فى الآخرة، وأما منافع الدنيا فهو أنه تعالى قبل إهلاك فرعون
كان قد وعدهم أرضهم وديارهم ، وقد فعل ذلك ثم قال ( أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم
غضب من ربكم) فالمراد أفنسيتم ذلك العهد أم تعمدتم المعصية، واعلم أن طول العهد يحتمل أموراً:
(أحدها ) أفطال عليكم العهد بنعم الله تعالى من إنجائه إيا كم من فرعون وغير ذلك من النعم
المعدودة المذكورة فى أوائل سورة البقرة وهذا كقوله ( فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ).
(وثانيها) يروى أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم بأزاء ليلة وردوه إلى عشرين
قال القاضى هذا ركيك لأن ذلك لايكاد يشتبه على أحد ( وثالثها ) أن موسى عليه السلام وعدهم
ثلاثين ليله فلما زاد الله تعالى فيها عشرة أخرى كان ذلك طول العهد، وأما قوله ( أم أردتم أن
يحل عليكم غضب من ربكم) فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد ذلك ولكن
المعصية لما كانت توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب بالعرض صح هذا الكلام واحتج
العلماء بذلك على أن الغضب من صفات الأفعال لامن صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى
لا تنزل فى شىء من الأجسام. أما قوله (فأخلفتم موعدى) فهذا يدل على موعد كان منه عليه السلام
مع القوم وفيه وجهان: ( أحدهما ) أن المراد ما وعدوه من اللحاق به والمجىء على أثره (والثانى)
ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع اليهم من الطور، فعند هذا قالوا (ما أخلفنا موعدك
بماكنا) وفى أن قائل هذا الجواب من هو وجهان: (الأول) أنهم الذين لم يعبدوا العجل فكانهم
قالوا إنا ما أخلفنا موعدك بملكنا أى بأمر كنا نملكه وقد يضيف الرجل فعل قريبه الى نفسه كقوله
تعالى ( وإذ فرقنا بكم البحز، وإذ قتلتم نفساً) وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لاهم فكأنهم قالوا
الشبهة قويت على عبدة العجل فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا

قوله تعالى: قال فانا قد فتنا قومك من بعدك . سورة طه . ١٠٣
أن يصير ذلك سباً لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة ( الوجه الثانى) أن هذا قول عبدة العجل والمراد
أن غيرنا أوقع الشبهة فى قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف الوعد هو الذى أوقع الشبهة
فانه كان كالمالك لنا فان قيل كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين
عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة العجل الذى يعرف فسادها بالضرورة ، ثم إن مثل هذا الجمع
لما فارقوا الذين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب
رجوع موسى عليه السلام وحده اليهم قلنا هذا غير ممتنع فى حق البله من الناس ، واعلم أن فى
بملكنا ثلاث قراءات قرأ حمزة والكسائى بضم الميم ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر
وابن كثير بالكسر ، أما الكسر والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل . وأما الضم فهو
السلطان ، ثم إن القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا (ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم) قرأ
حمزة والكسائى وأبو عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر حملنا مخففة من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع
وحفص وابن عامر حملنا مشددةٍ فمن قرأ بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من
القوم ومن قرأ بالتشديد ففيه وجوه: (أحدها ) أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أى أمرهم
باستعارة الحلى والخروج بها فكانه ألزمهم ذلك ( وثانيها ) جعلنا كالضامن لها إلى أن نؤديها الى
حيث يأمرنا الله ( وثالثها) أن اللّه تعالى حملهم ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم، أما الأوزار
فهى الأثقال ومن ذلك سمى الذنب وزراً لأنه نقل ثم فيه احتمالات (أحدها ) أنه لكثرتها كانت
أثقالا ( وثانيها ) أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت
أثقالا ( وثالثها) المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملناآثاماً ، روى فى الخبر أن هرون عليه السلام
قال إنها نجسة فتطهروا منها ، وقال السامرى إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلى فيجوز
أن يكونوا أرادوا هذا القول، وقد يقول الانسان للشىء الذى يلزمه رده هذا كله إثم وذنب
(ورابعها) أن ذلك الحلى كان القبط يتزينون به فى مجامع لهم يجرى فيها الكفر لا جرم أنها وصفت
بكونها أوزاراً كما يقال مثله فى آلات المعاصى، أما قوله ( فقذفناها) فذكروا فيه وبجوها فى أنهم
أين قذفوها؟ (الوجه الأول ) قذفوها فى حفرة كان هرون عليه السلام أمرهم بجمع الحلى فيها
إنتظاراً لعود موسى عليه السلام (والوجه الثانى) قذفوها فى موضع أمرهم السامرى بذلك (الوجه
الثالث) فى موضع جمع فيه النار ثم قالوا فكذلك ألقى السامرى أى فعل السامرى مثل ما فعلنا ،
أما قوله ( فأخرج لهم عملا جسداً له خوار ) فاختلفوا فى أنه هل كان ذلك الجسد حياً أم لا ؟
(فالقول الأول) لا لأنه لا يجوز اظهار خرق العادة على يد الضال بل السامرى صور صورة على
شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل
( والقول الثانى) أنه صار حياً وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه: (أحدها) قوله
( فقبضت قبضة من أثر الرسول) ولو لم يصر حياً لما بقى لهذا الكلام فائدة ( وثانيها ) أنه تعالى

١٠٤
قوله تعالى : قال فانا قد فتنا قومك من بعدك . سورة طه .
سماه عجلا والعجل حقيقة فى الحيوان وسماه جسداً وهو إنما يتناول الحى (وثالثها) أثبت له
الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة على يد مدعى الإلهية جائز لأنه لا يحصل
الإلتباس وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع ، وروى عكرمة عن ابن عباس أن هرون عليه السلام
منْ بالسامرى وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لى فقال:
اللهم أعطه ماسأل فلما مضى هرون قال السامرى : اللهم إنى أسألك أن يخور فار وعلى هذا التقدير
يكون ذلك معجزاً للنبى، أما قوله ( فقالوا هذا إلهكم وإله موسى) ففيه إشكال وهو أن القوم إن
كانوا فى الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول فى تلك الساعة هو الخالق السموات والأرض
فهم مجانين وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وان لم يعتقدوا
ذلك فكيف قالوا هذا إلهكم وإله موسى ، وجوابه لعلهم كانوا من الحلولية جوزوا حلول الإله
"أو حلول صفة من صفاته فى ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً فى غاية البعد لأن ظهور
الخوار لايناسب الإلهية ، ولكن لعل القوم كانوا فى نهاية البلادة والجلافة، وأما قوله فنى ففيه
وحوه (الأول ) أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامرى أنه نسى الاستدلال على حدوث
الأجسام وأن الإله لا يحل فى شىء ولا يحل فيه شىء ثم إنه سبحانه بين المعنى الذى يجب الاستدلال
به وهو قوله (أفلا يرون أن لايرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضراً ونفعاً) أى لم يخطر ببالهم أن
من لا يتكلم ولا يضر ولا ينفع لا يكون إلها ولا يكون للاله تعاق به فى الحالية والمحلية (الوجه
الثانى) أن هذا قول السامرى وصف به موسى عليه السلام والمعنى أن هذا إلهكم وإله موسى
فنى موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه فى موضع آخر وهو قول الأكثرين (الوجه الثالث)
فنسى وقت الموعد فى الرجوع أما قوله (أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) فهذا
استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الاله لابد وأن يكون
موصوفاً بهذه الصفات وهو كقوله تعالى فى قصة إبراهيم عليه السلام (لم تعبد مالا يسمع ولا
يبصر ولا يغنى عنك شيئاً) وإن موسى عليه السلام فى أكثر الأمر لا يعول إلا على دلائل
إبراهيم عليه السلام بقى ههنا بحثان .
﴿ البحث الأول ) قال الزجاج الاختيار أن لا يرجع بالرفع بمعنى أنه لا يرجع وهذا كقوله
(وحسبوا أن لاتكون فتنة فعموا وصموا) بمعنى أنه لا تكون وقرىء بالنصب أيضاً على أن أن
هذه هى الناصبة للأفعال .
﴿البحث الثانى) هذه الآية تدل على وجوب النظر فى معرفة الله تعالى وقال فى آية أخرى
(ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) وهو قريب فى المعنى من قوله فى ذم عبدة الأصنام
(ألهم أرجل يمشون بها) وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً لأن الشىء
بحوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة فقوات واحد منها يقتضى فوات المشروط ، ولكن

قوله تعالى: ولقد قال لهم هرون من قبل . سورة طه . ١٠٥
وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَدُرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُ الَّْمَنُ
فَتَّعُونِى وَأَطِيعُواْ أَعْرِى (﴾ قَالُواْلَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَلَكِفِينَ خَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَ
حصول الواحد فيها لا يقتضى حصول المشروط (الثالث ) قال بعض اليهود لعلى عليه السلام
ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؟ فقال إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء
البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟
قوله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعونى
وأطيعوا أمرى ، قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾
أعلم أن هرون عليه السلام إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق أما شفقته على
نفسه فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكان فأموراً من عند
أخيه موسى عليه السلام بقوله ( اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) فلولم يشتغل
بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لكان مخالفا لأمر الله تعالى ولامر موسى عليه السلام وذلك
لا يجوز، أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أنى مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين
ألفاً من شرارهم، فقال يارب هؤلاء الأشرار فما بال إلأخيار؟ فقال إنهم لم يغضبوا لغضبى، وقال
ثابت البنانى قال أنس قال رسول الله بَ لّم من أصبح وهمه غير الله تعالى فليس من الله فى شىء
ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم. وعن الشعبى عن النعمان بن بشير عن النبي مؤتمر «مثل
المؤمنين فى تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى)) وقال أبو على الحسن الغورى كنت فى بعض المواضع فرأيت زروقاً فيها دنان
مكتوب عليها لطيف فقلت للملاح إيش هذا فقال أنت صوفى فضولى وهذه خمور المعتضد ، فقلت
له اعطنى ذلك المدرى، فقال لغلامه اعطه حتى نبصر إيش يعمل ، فأخذت المدرى وصعدت الزورق
فكنت أكسر دنادنا والملاح يصيح حتى بقى واحد فأمسكت بجاء صاحب السفينة فأخذنى وحملنى
إلى المعتضد وكان سيفه قبل كلامه فلما وقع بصره على قال من أنت؟ قلت المحتسب، قال من ولاك
الحسبة؟ قلت الذى ولاك الخلافة. قال لم كسرت هذه الدنان؟ قلت شفقة عليك إذا لم تصل يدى
إلى دفع مكروه عنك، قال فلم أبقيت هذا الواحد قلت إنى لما كسر هذه الدنان فانى إنما كسرتها
حمية فى دين الله فلما وصلت إلى هذا أعجبت فأمسكت ولو بقيت كما كنت لكسرته. فقال اخرج
ياشيخ فقد وليتك الحسبة، فقلت كنت أفعله لله تعالى فلا أحب أن أكون شرطياً. وأما الشفقة على

١٠٦
قوله تعالى : قايا هرون ما منعك إذ رأيتهم . سورة طه .
المسلمين فلأن الانسان يحب أن يكون رقيق القلب مشفقاً على أننا. حنه وأى شفقة أعظم من أن
يرى جمعا يتهافتون على النار فيمنعهم منها، وعن أبى سعيد الخدرى عنه عليه السلام «يقول الله تعالى
اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادى تعيشوا فى أكنافهم فانى جعلت فيهم رحمنى ولا تطلبوها فى
القاسية قلوبهم فان فيهم غضبى)،وعن عبد الله بن أبى أو فى قال ((خرجت أريد النبى حريّم فاذا أبو بكر
وغمر معه فجاء صغير فبكى فقال لعمر ضم الصبى إليك فإنه ضال فأخذه عمر فاذا امرأة تولول
كاشفة رأسها جزعا على ابنها فقال رسول الله لم أدرك المرأة فناداها نجاءت فأخذت ولدها
وجعلت تبكى والصبى فى حجرها فالتفتت فرأت النبى ◌ِّاللهم فاستحيت فقال عليه السلام عند ذلك
أترون هذه رحيمة بولدها قالوا يارسول الله كفى بهذه رحمة فقال والذى نفسى بيده إن الله أرحم
بالمؤمنين من هذه بولدها)) ويروى ((أنه بينا رسول الله وبر لم جالس ومعه أصحابه إذا نظر إلى شاب
على باب المسجد فقال من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فسمع الشاب ذلك
فولى فقال إلهى وسيدى هذا رسولك يشهد على بأنى من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق فاذا كان
الأمر كذلك فأسألك أن تجعلنى فداء أمة محمد زينهم وتشعل النار بى حتى تبر يمينه ولا تشعل النار
بأحد آخر فهبط جبريل عليه السلام وقال يا محمد بشر الشاب بأبى قد أنقذته من النار بتصديقه لك
وقداته أمتك بنفسه وشفقته على الخلق)) إذا ثبت ذلك فاعلم أن الأمر بالمعروف والشفقة على المسلمين
واجب ثم إن هرون عليه السلام رأى القوم متهافتين على النار ولم يبال بكثرتهم ولا بقوتهم بل صرح
بالحق فقال ( ياقوم إنما فتنتم به) الآية وههنا دقيقة وهى أن الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام لعلى
((أنت منى بمنزلة هرون من موسى)) ثم إن هرون ما منعته التقية (١) فى مثل هذا الجمع بل صعد المنبر وصرح
بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره، فلو كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم
على الخطأ نكان يجب على على عليه السلام أن يفعل ما فعله هرون عليه السلام وأن يصعد على
المنبر من غير تقية وخوف وأن يقول (فاتبعونى وأطيعوا أمرى) فلما لم يفعل ذلك علمنا أن
الأمة كانوا على الصواب، واعلم أن هرون عليه السلام سلك فى هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه
زجرهم عن الباطل أولا بقوله ( إنما فتتم به ) ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانياً بقوله (وإن
ربكم الرحمن ) ثم دعاهم ثالثاً إلى معرفة النبوة بقوله ( فاتبعونى) ثم دعاهم الى الشرائح رابعاً بقوله
( وأطيعوا أمرى) وهذا هو الترتيب الجيد لأنه لابد قبل كل شىء من إماطة الأذى عن الطريق
وهو إزالة الشبهات ثم معرفة الله تعالى هى الأصل ثم النبوة ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب
على أحسن الوجوه، وإنما قال ( وإن ربكم الرحمن) خص هذا الموضع باسم الرحمن لأنه
كان ينبثهم بأنهم متى تابوا قبل اللّه توبتهم لأنه هو الرحمن الرحيم، ومن رحمته أن خلصهم من
آفات فرعون ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن فى الاستدلال بالتقليد والجحود فقالوا
( لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) كأنهم قالوا لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول
٠١) فى الأصل التنقية وهو خطأ، والتقية: المحافظة والخوف والحذر.

قوله تعالى : قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم . سورة طه . ١٠٧
قَالَ
قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُواْ ﴾ أَلَّا نَّبِعَنِ أَفَعَصَبْتَ أُمْرِى
يَبْنُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِّ إِ خَشِبْتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِّ إِسْرَِّيلَ
وَلْ تَقُبْ فَوْلِ
موسى وعادة المقلد ليس إلا ذاك .
قوله تعالى: ﴿قال ياهرون مامنعك إذا رأيتهم ضلوا، ألا تتبعن أفعصيت أمرى، قال
يا ابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى ﴾
إعلم أن الطاعنين فى عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه ( أحدها )
أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره، فان أمره به فإما أن
يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه، فان اتبعه كانت ملامة موسى لهرون معصية وذنباً لأن
ملامة غير المجرم معصية. وإن لم يتبعه كان هرون تاركا للواجب فكان فاعلا للمعصية ، وأما إن
قلنا إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على
جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون (وثانيها) قول موسى عليه السلام
(أفعصيت أمرى) استفهام على سبيل الافكار فوجب أن يكون هرون قد عصاه ، وأن يكون ذلك
العصيان منكراً، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذباً وهو معصية ، فإذا فعل هرون ذلك فقد
فعل المعصية (وثالثها) قوله ( باابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى) وهذا معصية لأن هرون
عليه السلام قد فعل ماقدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر، فان كان موسى عليه السلام قد
بحث عن الواقعة ، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ماقدر عليه كان الأخذ برأسه ولحبته معصية
وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضاً معصية ( ورابعها) أن هرون عليه السلام قال
( لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى) فان كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزاً كان قول هرون لا تأخذ حماً
له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى عليه السلام
فاعلا للمعصية فهذه أمثلة لطيفة فى هذا الباب (والجواب) عن الكل أنا بينا فى سورة البقرة فى
تفسير قوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها ) أنواعا من الدلائل الجلية فى أنه لا يجوز صدور المعصية
من الأنبياء، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل
بما يتسارع اليه التأويل غير جائز، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا فى الجواب عن هذه
الاشكالات وجوها (أحدها) أنا وإن اختلفنا فى جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على
. جواز ترك الأولى عليهم، وإذا كان كذلك فالفعل الذى يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعنى بهما

١٠٨
قوله تعالى : قال يا هرون ما منعك إذا رأيتهم . سورة طه .
موسى وهرون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعله أحدهما
وتركه الآخر، فان قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازما فيما يأتى به فعلا
كان أو تركا وفعل المندوب وتركه لا يجزم به، قلنا تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فنحن نحمل
ذلك الجزم فى الفعل والترك على أن المزاد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح ، وقد
يترك ذلك الشرط إذا كان تواطوهما على رعايته معلوماً متقرراً ( وثانيها) أن موسى عليه السلام
أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند
الغضب فان الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى
عليه السلام أخاه هرون مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه فى
حال الفكر والغضب فأما قوله ( لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى) فلا يمتنع أن يكون مرون عليه
السلام خاف من أن يتوهم بنوا إسرائيل من سوء ظهم أنه منكر عليه غير معاون له ، ثم أخذ فى
شرح القصة فقال ( إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل)، (وثالثها) أن بنى اسرائيل
كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام حتى أن هرون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه
السلام أنت قتلته، فلما واعد اللّه تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وكتب له فى
الألواح من كل شىء ثم رجع فرآى فى قومه مارآى فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية
الواقعة :خاف مرون عليه السلام أن يسبق انى قلوبهم مالا أصل له فقال إشفاقا على موسى لا تأخذ
بلحيتى _ لا برأسى لئلا يظن القوم مالا يليق بك ( ورابعها) قال صاحب الكشاف: كان موسى
عليه السلام رجلا حديداً مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب فى كل شىء شديد الغضب لله تعالى
ولدينه فلم يتمالك حين رآى قومه يعبدون عجلا من دون الله تعالى من بعد مارأوا من الآيات
العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب على ذهنه من الدهشة العظيمة غضباً لله تعالى وحمية وعنف
بأخيه وخليفته على قومه فأقبل عليه إقبال العدو المكاشر ، واعلم أن هذا الجواب ساقط لأنه يقال
هب أنه كان شديد الغضب ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلا بكلفاً أم لا؟ فان
بقى عاقلا مكلفاً فالأسئلة باقية بتمامها أكثر مافى الباب أنك ذكرت أنه أتى بغضب شديد وذلك
من جملة المعاصى فقد زدت إشكالا آخر، فإن قلتم بأنه فى ذلك الغضب لم يبق عاقلا ولا مكلفا فهذا مما
لايرتضيه مسلم البتة فهذه أجوبة من ليحوخ الصغائر وأما من جوز ها فلاشك فى سقوط السؤال والله أعلم
أماقوله (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبين عليه وجهات (الأول) أن لاصلة والمراد ما منعك أن
تتبعنى (والثانى) أن يكون المراد مادعاك إلى أن لا تتبعنى فأقام منعك مقام دعاك وفى الاتباع قولان
(أحدهما) ما منعك من أتباعى بمن أطاعك واللحوق بى وترك المقام بين أظهر هم وهذا فول ابن عباس
فى رواية عطاء (والثانى) أن تتبعنى فى وصيتى إذ قلت لك ( أخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل
المفسدين ) فلم تركت قتالهم وتأديبهم وهذا قول مقاتل ثم قال ( أفعصيت أمرى) ومعناه ظاهر

١٠٩
قوله تعالى : قال فما خطبك يا سامري . سورة طه .
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَالَمْ يَبْصُرُواْبِهِ، فَقَبَضْتُ
قَبْضَةُ مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَ لِكَ سَوَلَتْ لِ نَفْسِى (﴾ قَالَ فَأَذْهَبُ فَإِنَّ
لَكَ فِى الْحَيَؤةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَ إِنَّلَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ، وَانْظُرْ إِلَىَ إِلَّهِكَ
وهذا يدل على أن تارك المأمور به عاص والعاصى مستحق للعقاب لقوله (ومن يعص الله ورسوله
فان له نار جهنم خالدين فيها) ولقوله ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً
فيها) فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب، فأجاب هرون عليه السلام وقال (يا ابن أم) قيل
إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه وقيل كان أخاه لأمه (لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى) واعلم أنه ليس
فى القرآن دلالة على أنه فعل ذلك ، فإن النهى عن الشىء لا يدل على كون المنهى فاعلا للمنهى عنه
كقوله ( ولا تطع الكافرين والمنافقين) وقوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) والذى فيه أنه
أخذ برأس أخيه بجره إليه وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض
على مابيناه، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال (إنى خشيت أن
تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى) ولقائل أن يقول إن قول موسى عليه السلام
( ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمرى) يدل على أنه أمره بشىء فكيف يحسن فى جوابه أن يقال
إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول ( ولم ترقب قولى ) فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل
( والجواب) لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدى ذلك إلى فساد فى
القوم فلما قال موسى (مامنعك أن لا تتبعن) قال لأنك إنما أمرتنى باتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو
جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لقولك. قال الإمام أبو القاسم الانصارى الهداية أنفع
من الدلالة فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا العذاب.
الشديد فى الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان، وأما قومه فإنهم رأوا انقلاب العصا ثعباناً والتقم كل
ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهى ورأوا
الآيات التسع مدة مديدة ثم رأوا أنفراق البحر إثنى عشر طريقاً وأن اللّه تعالى أنجاهم من الغرق
وأهلك أعداءهم مع كثرة عددهم، ثم إن هؤلاء مع ماشاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا من البحر
ورأوا قوماً يعبدون البقر قالوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، ولما سمعوا صوتاً من تجل عكفوا على
عبادته. وذلك يدا، على أنه لا يحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية، قرأ حمزة والكسائى (يا ابن أم)
بكسر الميم والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قال فما خطبك باسامري ، قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر

١١٠
قوله تعالى : قال فما خطبك يا سامري . سورة طه .
الَّذِىِ ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا تَّمُحَرِقَنَّهُ ثُمَ لَنَفِفَنَّهُ، فِ الِّْ نَسْفًا (٥) إِنَّمَآَ إِلَهُمُ اللهُ
الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وِسِعَ كُلّ شَىْءٍ عِلْمًاً
٩٨
الرسول فنبذتها وكذلك سولت لى نفسى ، قال فاذهب فإن لك فى الحياة أن تقول لامساس
وإن لك موعداً لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لنفسفنه فى اليم
نسفاً، إنما إلحكم الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء عداً ﴾
إعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من مخاطبة هرون عليه السلام وعرف العذر له فى التأخير
أقبل على السامرى ويجوز أن يكون قد كان حاضراً مع هرون عليه السلام فلما قطع موسى الكلام
مع هرون أخذ فى التكلم مع السامرى ، ويجوز أن يكون بعيداً ثم حضر السامرى من بعد أو
ذهب إليه موسى ليخاطبه ، فقال موسى عليه السلام(ما خطبك ياسامرى) والخطب مصدر خطب
الأمر إذا طلبه فإذا قيل لمن يفعل شيئاً ماخطبك معناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه
وتعظيم صنعه ثم ذكر السامرى عذره فى ذلك فقال ( بصرت بما لم يبصروا به) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى) قرى (بصرت بما لم يبصروا به) بالكسر وقرأ حمزة والكائى بما لم
تبصروا بالتاء المعجمة من فوق والباقون بالياء أى بما لم يبصر به بنو إسرائيل.
﴿ المسألة الثانية) فى الإبصار ( قولان) قال أبو عبيدة علمت بما لم يعلموا به ومنه قولهم
رجل بصير أى عالم وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما وقال الزجاج فى تقريره أبصرته بمعنى
رأيته وبصرت به بمعنى صرت به بصيراً عالماً وقال آخرون رأيت ما لم يروه فقوله بصرت به
بمعنى أبصرته وأراد أنه رأى دابة جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب
ثم قال ( فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾. قرأ الحسن قبضة بضم القاف وهى اسم للمقبوض كالغرفة والضفة وأما
القبضة فالمرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير
وقرى أيضاً فقبصت قبصة بالضاد والصاد فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع
ونظيرهما الخضم والقضم الخاء بجميع الفم والقاف بمقدمه قرأ ابن مسعود من أثر فرس الرسول.
﴿ المسألة الثانية) عامة المفسرين قالوا المراد بالرسول جبريل عليه السلام وأراد بأثره
التراب الذى أخذه من موضع حافر دابته ثم اختلفوا أنه متى رآه فقال الأكثرون إنما رآه يوم
فلق البحر . وعن على عليه السلام أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى عليه السلام إلى
الطور أبصره السامرى من بين الناس ، واختلفوا فى أن السامرى كيف اختص برؤية جبريل عليه
السلام ومعرفته من بين سائر الناس، فقال ابن عباس رضى الله عنهما فى رواية الكلى إنما عرفه

١١١
قوله تعالى : قال فما خطبك يا سامري . سورة طه .
لأنه رآه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذيح أولاد بنى إسرائيل، فكانت المرأة
تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولد ان فيربونهم حتى يترعر عوا
ويختلطوا بالناس فكان السامرى ممن أخذه جبريل عليه السلام وجعل كف نفسه فى فيه وار تضع
منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه فلما رآه عرفه، قال ابن جريج فعلى هذا قوله (بصرت
بما لم يبصروا به) بمعنى رأيت ما لم يروه ومن فسر الكلمة بالعلم فهو صحيح ويكون المعنى علمت أن
تراب فرس جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء، قال أبو مسلم الأصفهانى ليس فى القرآن تصريح بهذا
الذى ذكره المفسرون فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وبأثره
سنته ورسمه الذى أمر به فقد يقول الرجل فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه
والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامرى باللوم والمسئلة عن الأمر الذى دعاه إلى
إضلال القوم فى باب العجل ، فقال بصرت بما لم يبصروا به، أى عرفت أن الذى أنتم عليه ليس
بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أى شيئاً من سنتك ودينك فقذفته أى طرحته
فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بماله من العذاب فى الدنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ
الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير فى كذا وبماذا يأمر
الأمير ، وأما دعاؤه موسى عليه السلام رسولا مع جحده وكفره فعلى مثل مذهب من حكى الله
عنه قوله (يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) وإن لم يؤمنوا بالانزال. واعلم أن هذا القول
الذى ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه (أحدها )
أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام
التعريف إشارة إليه فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل عليه السلام كأنه تكليف بعلم الغيب
(وثانيها) أنه لابد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر سافر فرس الرسول والإضمار خلاف
الأصل ( وثالثها) أنه لابد من التعسف فى بيان أن السامرى كيف اختض من بين جميع الناس
برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر والذى ذكروه
من أن جبريل عليه السلام هو الذى رباه فبعيد، لأن السامرى إن عرف جبريل حال كمال عقله
عرف قطعاً أن موسى عليه السلام فى صادق فكيف يحاول الإضلال وإن كان ماعرفه حال البلوغ
فأى منفعة لكون جبريل عليه السلام مربياً له فى الطفولية فى حصول تلك المعرفة (ورابعها) أنه
لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن يقول فلعل موسى عليه السلام
اطلع على شىء آخر يشبه ذلك فلأجله أتى بالمعجزات ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن فى
المعجزات ويقول لم لا يجوز أن يقال إنهم لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التى لها خاصية أن
تفيد حصول تلك المعجزة أتوا بتلك المعجزة ، وحينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية . أما قوله
( وكذلك سولت لى نفسى ) فالمعنى فعلت مادعتنى إليه نفسى وسولت مأخوذ من السؤال فالمعنى لم

١١٢
قوله تعالى : قال فما خطبك يا سامري . سورة طه .
يدعنى إلى ما فعلته أحد غيرى بل اتبعت هواى فيه ، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع ذلك من
السامرى أجابه بأن بين حاله في الدنيا والآخرة وبين حال إلهه أما حاله فى الدنيا فقوله ( فاذهب
فان لك فى الحياة أن تقول لامساس) وفيه وجوه (أحدها) أن المراد: أن لا أمس ولا أمس
قالوا وإذا مسه أحد حم الماس والمسنوس فكان إذا أراد أحد أن يمسه صاح خوفاً من الحمى وقال
لامساس(وثانيها) أن المراد بقوله (لامساس) المنع من أن يخالط أحداً أو يخالطه أحد وقال مقاتل إن
موسى عليه السلام أخرجه من محلة بنى إسرائيل وقال له أخرج أنت وأهلك خرج طريداً إلى
البرارى، اعترض الواحدى عليه فقال الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لامساس وإنما
يقال له ذلك وهذا الاعتراض ضعيف لأن الرجل إذا بقى طريداً فريداً فاذا قيل له كيف حالك
فله أن يقول لامساس أى لا يماسنى أحد ولا أماس أحداً، والمعنى إنى أجعلك يا سامرى فى
المطرودية بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لاماس وهذا الوجه أحسن
وأقرب إلى نظم الكلام من الأول ( وثالثها) ما ذكره أبو مسلم وهو أنه يجوز فى حمله ما أريد
مسى النساء فيكون من تحذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له ولد يؤنسبه فيخليه الله تعالى من
زينى الدنيا اللتين ذكرهما بقوله ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وقرى. لامساس بوزن نجار
وهو إسم علم المرة الواحدة من المس، وأما شرح حاله فى الآخرة فهو قوله ( وإن لك موعداً لن
تخلفه) والموعد بمعنى الوعد أى هذه عقوبتك فى الدنيا ثم لك الوعد بالمصير إلى عذاب الآخرة
فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ، قرأ أهل المدينة والكوفة لن تخلفه
بفتح اللام أى لن تخلف ذلك الوعد أى سيأتيك به اللّه ولن يتأخر عنك وقرأ ابن كثير
وأبو عمرو والحسن بكسر اللام أى تجىء إليه ولن تغيب عنه ولن تتخلف عنه وفتح اللام اختيار
أبى عبيد كأنه قال موعداً حقاً لا خلف فيه وعن ابن مسعود لن تخلفه بالنون فكانه عليه السلام
حكى قول الله تعالى بلفظه كما مر بيانه فى قوله (لأهب لك) وأما شرح حال إلهه فهو قوله (وانظر
إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفاً) قال المفضل فى ظلت إنه يقرأ بفتح الظاء وكسرها وكذلك
(فظلتم تفكهون) وأصله ظللت خذفت اللام الأولى وذلك إنما يكون إذا كانت اللام الثانية
ساكنة تستحب العرب طرح الأولى ومن كسر الظاء نقل كسرة اللام الساقطة إليها ومن فتحها
ترك الظاء على حالها وكذلك يفعلون فى المضاعف يقولون مسته ومسسته ثم قال ( لنحر قنه ثم
لنفسفنه فى البم نسفاً) وفى قوله (لنحرقنه) وجهان (أحدهما) المراد إحراقه بالنار وهذا أحد ما يدل
على أنه صار لحماً ودماً ، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ، وقال السدى أمر موسى عليه السلام
بذبح العجل فذج فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف رماده وفى حرف ابن مسعود لنذبحنه ولنحرقنه
وثانيهما لنحرقنه أى لنبردنه بالمبرد يقال حرقه يحرقه اذا برده وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب
لحماً ولادما فان ذلك لا يصح أن يبرد بالمبرد، ويمكن أن يقال إنه صار لحماً فذبح ثم بردت عظامه بالمبرد

قوله تعالى : كذلك نقص عليك من أنباء . سوره طه . ١١٣
كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ ءَاتَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِ كْرًا ﴾
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَُّ يَمِلُ يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ وِزْرًّا (٦ خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ
الْفِيَّْمَةِ حِمْلًا (٦َ بَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِ وَخْتُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَدٍ زُرْقًّا (﴾
يَفَنُونَ بَيْنَهُمْ إِن ◌َّبِثْتُمْ إِلَّا عَثْرًا لَيْهِ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ
طَرِيقَةٌ إِن ◌َّبِثُمْ إِلَّ يَوْمًا (
حتى صارت بحيث يمكن نسفها، قراءة العامة بضم النون وتشديد الراء ومعناه لنحرقنه بالنار، وقرأ
أبو جعفر وابن محيصن لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة يعنى لنبردنه، واعلم أن موسى عليه
السلام لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامرى عاد إلى بيان الدين الحق فقال (إنما إلهكم) أى
المستحق للعبادة والتعظيم ( اللّه الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علما) قال مقاتل يعلم من يعبده
ومن لا يعبده .
قوله تعالى: ﴿ كذلك نقص عليك من أبناء ما قد سبق وقد أتيناك من لدنا ذكراً ، من أعرض
عنه فأنه يحمل يوم القيامة وزراً، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا ، يوم ينفخ فى الصور
ونحشر المجرمين يومئذ رزقا، يتخافتون بينهم إن لبتم عشراً، نحن أعلم بما يقولون إذ يقول
أمثلهم طريقة إن لبتتم إلا يوماً
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولا ثم مع السامرى ثانيا
أتبعه بقوله ( كذلك نقص عليك ) من سائر أخبار الأمم وأحوالهم تكثيراً لشأنك وزيادة فى
معجزاتك وليكثر الاعتبار والاستبصار للمكلفين بها فى الدين (وقد آتيناك من لدنا ذكراً) يعنى
القرآن كما قال تعالى (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) (وإنه لذكر لك) (والقرآن ذى الذكر) (ما يأتيهم
من ذكر) (يا أيها الذى نزل عليه الذكر) ثم فى تسمية القرآن بالذكر وجوه: (أحدما) أنه
كتاب فيه ذكر ما يحتاج اليه الناس من أمر دينهم ودنياهم (وثانيها) أنه يذكر أنواع آلاء الله
تعالى وفائه ففيه التذكير والمواعظ (وثالثها) فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال ( وإنه
لذكر لك ولقومك)، واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً فقال (فاسألوا أهل الذكر) وكما
بین نعمته بذلك بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه ولم يؤمن به من وجوه: (أوها) قوله ( من
أعرض عنه) فانه يحمل يوم القيامة وزراً والوزر هو العقوبة الثقيلة سماها وزراً تشبيها فى ثقلها
الفخر الرازي - ج ٢٢ م ٨
7

١١٤
قوله تعالى : كذلك نقص عليك من أنباء . سورة طه .
على المعاقب وصعوبة احتمالها الذى يثقل على الحامل وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو
الإثم وقرى، يحمل، ثم بين تعالى صفة ذلك الوزر من وجهين: (أحدهما) أنه يكون مخلداً مؤبداً
( والثانى) قوله ( وساء لهم يوم القيامة حملا) أى وما أسوأ هذا الوزر حملا أى محمولا وحملا
منصوب على التميز ( وثانيها) (يوم ينفخ فى الصور) فالمراد بيان أن يوم القيامة هو يوم ينفخ فى
الصور وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو نفخ بفتح النون كقوله (ونحشر) وقرأ الباقون ينفخ
على ما لم يسم فاعله ونحشر بالنون لأن النافخ ملك التقم الصور والحاشر هو الله تعالى، وقرى، يوم
ينفخ بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله تعالى أو الإسرافيل عليه السلام، وأما (يحشر المجرمين)
فلم يقرأ به إلا الحسن وقرى. فى الصور بفتح الواو جمع صورة .
﴿ المسألة الثانية﴾ (فى الصور) قولان (أحدهما) أنه قرن ينفخ فيه يدعى به الناس إلى المحشر.
(والثانى) أنه جمع صورة والنفخ نفخ الروح فيه ويدل عليه قراءة من قرأ الصور بفتح الواو
والأول أولى لقوله تعالى (فاذا نقر فى الناقور) والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال
ما شوهد فى الدنيا ومن عادة الناس النفخ فى البوق عند الأسفار وفى العساكر.
المسألة الثالثة﴾ المراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لأن قوله بعد ذلك ( ونحشر المجرمين
يومئذ زرقاً) كالدلالة على أن النفخ فى الصور كالسبب لحشرهم فهو نظير قوله ( يوم ينفخ فى الصور
فتأتون أفواجا)، أما قوله ( ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً) ففيه مسائل:
المسألة الأولى) قالت المعتزلة قوله (المجرمين) يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم
العفو عن العصاة، وقال ابن عباس رضى الله عنهما يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع اللّه إلهاً آخر،
وقد تقدم هذا الكلام .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى المراد بالزرقة على وجوه: (أحدها) قال الضحاك ومقاتل يعنى
زرق العيون سود الوجوه وهى زرقة تتشوه بها خلقتهم والعرب تتشاءم بذلك ، فان قيل أليس أن
الله تعالى أخبر أنهم (يحشرون عمیاً) فکیف یکونأعمىوأزرق قلنا لعله يكون أعمى فىحال وأزرق
فى حال (وثانيها) المراد من الزرقة العمى قال الكلبى زرقا أى عمياً، قال الزجاج يخرجون بصرا. فى
أول مرة ويعمون فى المحشر. وسواد العين إذا ذهب تزرق فان قيل كيف يكون أعمى، وقد قال
تعالى (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) وشخوص البصرمن الأعمى محال، وقد قال فى حقهم
(إقرأْ كتابك) والأعمى كيف يقرأ (فالجواب) أن أحوالهم قد تختلف (وثالثها) قال أبو مسلم
المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقاً نحو الشىء
يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره وهو كقوله ( إنما يؤخرهم ليوم تشخص
فيه الأبصار) (ورابعها) زرقاً عطاشاً هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابى قال لأنهم من شدة

فوله تعالى : كذلك نقص عليك من أنباء . سورة طه . ١١٥
العطش، يتغير سواد عيونهم حتى تزرق ويدل على هذا التفسير قوله تعالى (ونسوق المجرمين إلى
جهنم ورداً) (وخامسها) حكى ثعلب عن ابن الأعرابى قال طامعين فيما لا ينالونه ( الصفة الثالثة )
من صفات الكفار يوم القيامة قوله تعالى ( يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾) يتخافتون أى يتسارون يقال خفت يخفت وخافت مخافتة والتخافت السرار
وهوه نظير قوله تعالى (فلا تسمع إلا همساً) وإنما يتخافتون لأنه امتلأت صدورهم من الرعب
والهول أو لأنهم صاروا بسبب الخوف فى نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى أن المراد بقوله ( إن لبثتم) اللبث فى الدنيا أو فى القبر، فقال
قوم أرادوا به البث فى الدنيا، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك، واحتجوا عليه بقوله تعالى (قال
كم لبنتم فى الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين) فان قيل: إما أن يقال
إنهم نسوا قدر لبثهم فى الدنيا، أو ما نسوا ذلك، والأول غير جائز إذلو جاز ذلك لجاز أن يبقى
الانسان خمسين سنة فى بلد ثم ينساه ، والثانى غير جائز لأنه كذب وأهل الآخرة لا يكذبون
لا سما وهذا الكذب لا فائدة فيه قلنا فيه وجوه: (أحدها) لعلهم إذا حشروا فى أول الأمر
وعاينوا تلك الأهوال فلشدة وقعها عليهم ذهلوا عن مقدار عمرهم فى الدنيا وما ذكروا إلا القليل
فقالوا ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام القليلة فى الدنيا حتى لا نقع فى هذه الأهوال ، والانسان عند
الهول الشديد قد يذهل عن أظهر الأشياء وتمام تقريره مذكور فى سورة الأنعام فى قوله (ثم لم
تكن فتقتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)، (وثانيها) أنهم عالمون بمقدار عمرهم فى الدنيا
إلا أنهم لما قابلوا أعمارهم فى الدنيا بأعمار الآخرة وجدوها فى نهاية القلة فقال بعضهم ما لبثنا
فى الدنيا إلا عشرة أيام وقال أعقلهم بل ما لبثنا إلا يوماً واحداً أى قدر لبثنا فى الدنيا بالقياس
إلى قدر لبثنا فى الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم ، وإنما خص العشرة
والواحد بالذكر لأن القليل فى أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد ( وثالثها )
أنهم لما عاينوا الشدائد تذكروا أيام النعمة والسرور وتأسفوا عليها فوصفوها بالقصر لأن
أيام السرور قصار (ورابعها) أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة والذاهب
وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتى وإن قصرت مدته فكيف والأمر بالعكس ولهذه الوجوه
رجح اللّه تعالى قول من بالغ فى التقليل فقال ( إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبنتم إلا يوماً)
(القول الثانى) أن المراد منه البث فى القبر ويعضده قوله تعالى (ويوم تقوم الساعة يقسم
المجرمون مالبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) وقال ( الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم
فى كتاب الله إلى يوم البعث) فأما من جوز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له فى الآية ، أما
من لم يجوز ، قال إن الله تعالى لما أحياهم فى القبر وعذبهم ثم أماتهم ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا
أن قدر لبثهم فى القبركم كان، خطر ببال بعضهم أنه فى تقدير عشرة أيام ، وقال آخرون إنه يوم

١١٦
قوله تعالى : ويسألونك عن الجبال . سورة طه .
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِ نَسْفًا هَ﴾ فَيَذَرُهَا قَاءَاً
صَفْصَفًا (٤) لَا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْنًا ي يَوْمَِّذٍ يَنَّعُونَ الدَّاعِىَ لَا عَوَجَ لَهُ
وَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلََِّ فَلاَ تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا هّه يَوْمَيِذٍ لَّا تَنفَعُ النَّفَاعَةُ
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الََّنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا (٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا (٨﴾ وَعَنَتِ الْوُجُرُهُ لِلْحَىِ الْقَبُّوِمِ وَقَدْ خَابَ
مَنْ حَلَ ظُلْبًا لَ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا
٤٠٠
وَلَا مَضْمًا
واحد، فلما وقعوا فى العذاب مرة أخرى ، تمنوا زمان الموت الذى هو زمان الخلاص لما نالهم
من هول العذاب .
المسألة الثالثة﴾، الأكثرون على أن قوله ( إن لبنتم إلا عشراً) أى عشرة أيام، فيكون
قول من قال (إن لبنتم إلا يوماً) أقل وقال مقاتل (إن لبثتم إلا عشراً) أى عشر ساعات كقوله
(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) وعلى هذا التقدير يكون اليوم أكثر، والله أعلم
واعلم أنه سبحانه وتعالى بين بهذا القول أعظم مانالهم من الحيرة التى دفعوا عندها إلى هذا الجنس
من التخافت .
قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفاً، فيذرها قاعاً صفصفاً، لا ترى
فيها عوجاً ولا أمتاً ، يومئذ يتبعون الداعى لاعوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا
همساً، يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا ، يعلم مابين أيديهم وما خلفهم
ولا يحيطون به علماً، وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلماً، ومن يعمل من
الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما ﴾
إعلم أنه تعالى لما وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر فقال (ويسألونك
عن الجبال) وفى تقرير هذا السؤال وجوه (أحدها) أن قوله (يتخافتون) وصف من الله تعالى
لكل المجرمين بذلك، فكأنهم قالوا كيف يصح ذلك والجبال حائلة ومانعة من هذا التخافت

١١٧
قوله تعالى : ويسألونك عن الجبال . سورة طه .
(وثانيها) قال الضحاك نزلت فى مشركى مكة قالوا يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة ؟ وكان
سؤالهم على سبيل الاستهزاء (وثالثها) لعل قومه قالوا يا محمد إنك تدعى أن الدنيا ستنقضى فلو صح
ماقلته لوجب أن تبتدى أولا بالنقصان ثم تنتهى إلى البطلان، لكن أحوال العالم باقية كما كانت فى
أول الأمر، فكيف يصح ماقلته من خراب الدنيا؟ وهذه شبهة تمسك بها جالينوس فى أن السموات
لا تفنى ، قال لأنها لو فنيت لابتدأت فى النقصان أولا حتى ينتهى نقصانها إلى البطلان، فلما لم يظهر
فيها النقصان علمنا أن القول بالبطلان باطل، ثم أمر الله تعالى رسوله بالجواب عن هذا السؤال
وضم إلى الجواب أموراً أخر فى شرح أحوال القيامة وأهوالها .
﴿ الصفة الأولى ) قوله ( فقل ينسفهاربى نسفاً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ إنما قال (فقل) مع فاء التعقيب لأن مقصودهم من هذا السؤال الطعن فى
الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بفاء التعقيب. لأن تأخير البيان فى مثل هذه
المسألة الأصولية غير جائز، أما فى المسائل الفروعية بجائزة، لذلك ذكر هناك قل من غير
حرف التعقيب .
المسألة الثانية ) الضمير فى قوله ( ينسفها) عائد إلى الجبال والنسف التذرية، أى تصير
الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية فإذا زالت الجبال زالت الحوائل فيعلم صدق قوله ( يتخافتون)
قال الخليل ( ينفها) أى يذهبها ويطيرها، أما الضمير فى قوله (فيذرها) فهو عائد إلى الأرض
فاستغنى عن تقديم ذكرها كما فى عادة الناس من الإخبار عنها بالإضمار كقولهم ما عليها أكرم من
فلان وقال تعالى (ما ترك على ظهرها من دابة) وإنما قال ( فيذرها قاعاً صفصفاً) ليبين أن ذلك
الفسف لا يزيل الاستواء لئلا يقدر أنها لما زالت من موضع إلى موضع آخر صارت هناك حائلة ،
هذا كله إذا كان المقصود من سؤالهم الاعتراض على كيفية المخافتة، أما لو كان الغرض من السؤال
ماذكرنا من أنه لانقصان فيها فى الحال فوجب أن لا ينتهى أمرها إلى البطلان، كان تقرير الجواب
أن بطلان الشىء قد يكون بطلاناً يقع توليدياً، حينئذ يجب تقديم النقصان على البطلان وقد يكون
بطلاناً يقع دفعة واحدة ، وههنا لا يجب تقديم النقصان على البطلان ، فبين اللّه تعالى أنه يفرق
تركيبات هذا العالم الجسماذ دفعة بقدرته ومشيئته فلا حاجة ههنا إلى تقديم النقصان على البطلان.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات (أحدها) كونها فاعاً وهو
المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء (وثانيها) الصفصف وهو الذى لانبات عليه، وقال أبو مسلم
القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف (وثالثها) قوله (لاترى فيها عوجاً ولا أمناً)
وقال صاحب الكشاف قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا العوج بالكسر فى المعانى والعوج
بالفتح فى الأعيان، فإن قيل الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين ؟ قلنا اختيار هذا اللفظ
له موقع بديع فى وصف الأرض بالاستواء ونفى الاعوجاج، وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة

١١٨
قوله تعالى : ويسألونك عن الجبال . سورة طه .
أرض فسويتها وبالغت فى التسوية فإذا قابلتها المقاييس الهندسية وجدت فيها أنواعا من العوج
خارجة عن الحس البصرى قال فذاك القدر من الاعوجاج لما لطف جداً ألحق بالمعانى فقيل فيه
موج بالكسر، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأرض تكون ذلك اليوم كرة حقيقية لأن المضلع
لابد وأن يتصل بعض سطوحه بالبعض لا على الاستقامة بل على الاعوجاج وذلك يبطله ظاهر
الآية (ورابعها) الأمت النتوء اليسير يقال مد حبله حتى مافيه أمت وتحصل من هذه الصفات الأربع
أن الأرض تكون ذلك اليوم ملساء خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج.
﴿ الصفة الثانية ) ليوم القيامة قوله ( يومئذ يتبعون الداعى لاعوج له) وفى الداعى قولان
(الأول ) أن ذلك الداعى هو النفخ فى الصور وقوله (لاعوج له) أى لا يعدل عن أحد بدعائه
بل يحشر الكل (الثانى) أنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادى ويقول: أيتها العظام النخرة ،
والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة ، قومى إلى ربك للحساب والجزاء . فيسمعون صوت
الداعى فيقبعونه ، ويقال إنه إسرافيل عليه السلام يضع قدمه على الصخرة فان قيل هذا الدعاء يكون
قبل الإحياء أو بعده ؟ قلنا إن كان المقصود بالدعاء إعلامهم وجب أن يكون ذلك بعد الإحياء لأن
دعاء الميت عبث وإن لم يكن المقصود إعلامهم بل المقصود مقصود آخر مثل أن يكون لطفاً
للملائكة ومصلحة لهم فذلك جائز قبل الاحياء.
(الصفة الثالثة) قوله (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً) وفيه وجوه: (أحدها)
خشعت الأصوات من شدة الفزع وخضعت وخفيت فلا تسمع إلا همساً وهو الذكر الخفى، قال
أبو مسلم: وقد علم الإنس والجن بأن لا مالك لهم سواه فلا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس وهو
أخفى الصوت ويكاد يكون كلاماً يفهم بتحريك الشفتين لضعفه. وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع
طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه (وثانيها) قال ابن عباس رضى الله عنهما والحسن
وعكرمة وابن زيد: الهمس وط. الأقدام، فالمعنى أنه لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.
( الصفة الرابعة) قوله ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا ) قال
صاحب الكشاف من يصلح أن يكون مرفوعاً ومنصوباً فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير
حذف المضاف اليه أى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن والنصب على المفعولية ،
وأقول الاحتمال الثانى أولى لوجوه: ( الأول) أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار وتغيير الأعراب
والثانى لا يحتاج فيه إلى ذلك ( والثانى) أن قوله تعالى ( لا تنفع الشفاعة) يراد به من يشفع بها
والاستثناء يرجع اليهم فكانه قال لا تنفع الشفاعة أحداً من الخلق إلا شخصاً مرضياً (والثالث )
وهو أن من المعلوم بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهى لا تحصل إلا لمن أذن الله له فيها
وكان عندالله مرضياً، فلو حملنا الآية على ذلك صارت جارية مجرى إيضاح الواضحات ، أما لو حملنا
الآية على المشفوع له لم يكن ذلك إيضاح الواضحات فكان ذلك أولى، إذا ثبت هذا فنقول : المعتزلة

١١٩
قوله تعالى : ويسألونك عن الجبال . سورة طه ..
قالوا: الفاسق غير مرضى عند الله تعالى فوجب أن لا يشفع الرسول فى حقه لأن هذه الآية دلت
على أن المشفوع له لا بد وأن يكون مرضياً عند الله .. واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على
ثبوت الشفاعة فى حق الفساق لأن قوله ورضى له قولا يكفى فى صدقه أن يكون اللّه تعالى قد رضى
له قولا واحداً من أقواله، والفاسق قد ارتضى الله تعالى قولا واحداً من أقواله وهو: شهادة أن
أن لا إله إلا الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفى إثبات فان قيل إنه
تعالى استثنى عن ذلك النفى بشرطين (أحدهما ) حصول الإذن (والثانى) أن يكون قد رضى له
قولا، فهب أن الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين وهو أنه تعالى قد رضى له قولا، لكن لم قلتم إنه
أذن فيه ، وهذا أول المسألة قلنا هذا القيد وهو أنه رضى له قولا كاف فى حصول الاستثناء بدليل
قوله تعالى ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) فاكتفى هناك بهذا القيد ودلت هذه الآية على أنه لا بد
من الإذن فظهر من مجموعهما أنه إذا رضى له قولا يحصل الإذن فى الشفاعة ، وإذا حصل القيدان
حصل الاستثناء وتم المقصود.
(الصفة الخامسة) قوله ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير فى قوله (بين أيديهم) عائد إلى الذين يتبعون الداعى ومن قال
إن قوله ( لمن أذن له الرحمن ) المراد ه الشافع قال ذلك الضمير عائد إليه والمعنى لا تنفع شفاعة
الملائكة والأنبياء إلا لمن أذن له الرحمن فى أن تشفع له الملائكة والأنبياء، ثم قال ( يعلم مابين
أيديهم ) يعنى ما بين أيدى الملائكة كما قال فى آية الكرسى ، وهذا قول الكلى ومقاتل
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له قال مقاتل يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة وما كان
منهم بعد خلقهم .
المسألة الثانية ﴾ ذكروا فى قوله تعالى ( يعلم مابين أيديهم وماخلفهم) وجوها: (أحدها)
قال الكلبى ( ما بين أيديهم) من أمر الآخرة ( وما خلفهم) من أمر الدنيا (وثانيها) قال مجاهد
(ما بين أيديهم) من أمر الدنيا والأعمال (وما خلفهم) من أمر الآخرة والثواب والعقاب
( وثالثها ) قال الضحاك يعلم ما مضى وما بقى ومتى تكون القيامة .
﴿ المسألة الثالثة). كروا فى قوله (ولا يحيطون به علماً) وجهين: (الأول) أنه تعالى بين أنه
يعلم ما بين أيدى العباد وما خلفهم. ثم قال: (ولا يحيطون به علماً) أى العباد لا يحيطون بما بين
أيديهم وما خلفهم علياً (الثانى) المراد لا يحيطون بالله علماً والأول أولى لوجهين: (أحدهما) أن الضمير
يحب عوده إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا قوله (ما بين أيديهم وما خلفهم) (وثانيهما) أنه
تعالى أورد ذلك مورد الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله تعالى.
﴿ الصفة السادسة) قوله (وعنت الوجوه الحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما )
ومعناه أن فى ذلك اليوم تعنوا الوجوه أى تذل ويصير الملك والقهر للّه تعالى دون غيره ومن
:

١٢٠
قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً . سورة طه .
وَكَذَلِكَ أَنْزَ لْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ
يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا () فَتَعَلَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِأَلْقُرْءَانِ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ, وَقُل رَّبٍّ زِدْنِعِلْمًا
لفظ العنو أخذوا العانى وهو الأسير يقال عنا يعنو عناء إذا صار أسيراً وذكر الله تعالى (الوجوه)
وأراد به المكلفين أنفسهم لأن قوله (وعنت ) من صفات المكلفين لامن صفات الوجوه وهو
كقوله ( وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية ) وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يبين
وفيها يظهر و تفسير (الحى القيوم) قد تقدم، وروى أبو أمامة الباهلى عن النبى معَّ اللي أنه قال ((أطلبوا
اسم الله الأعظم فى هذه السور الثلاث البقرة وآل عمران وطه)) قال الراوى فوجدنا المشترك
فى السور الثلاث (الله لا إله إلا هو الحى القيوم) فبين تعالى على وجه التحذير أن ذلك اليوم لا يصح
الإمتناع مما ينزل بالمرء من المجازاة، وأن حاله مخالفة لحال الدنيا التى يختار فيها المعاصى ويمتنع من
من الطاعات ، أما قوله تعالى ( وقد خاب من حمل ظلماً) فالمراد بالخيبة الحرمان أى حرم الثواب
من حمل ظلما والمراد به من وافى بطالظلم ولم يتب عنه واستدلت المعتزلة بهذه الآية فى المنع من العفو
فقالوا قوله ( وقد خاب من حمل ظلماً) يعم كل ظالم، وقد حكم الله تعالى فيه بالخيبة والعفو ينافيه
والكلام على عمومات الوعيد قد تقدم مراراً، وأعلم أنه تعالى لما شرح أحوال يوم القيامة ختم
الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين فقال ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً
ولاهضما) يعنى ومن يعمل شيئا من الصالحات والمراد به الفرائض فكان عمله مقروناً بالإيمان
وهو قوله ( ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات ) فقوله ( فلا يخاف) فى موضع جزم لكونه فى
موضع جواب الشرط والتقدير فهو لا يخاف ونظيره (ومن عاد فينتقم الله منه)، (فمن يؤمن بربه
فلا يخاف بخساً ولا رهقاً) وقرأ ابن كثير فلا يخف على النهى وهو محسن لأن المعنى فليأمن والنهى
عن الخوف أمر بالأمن والظلم هو أن يعاقب لا على جريمة أو يمنع من الثواب على الطاعة ، والهضم
أن ينقص من ثوابه، والهضيمة النقيصة ومنه هضيم الكشح أى ضامر البطن ومنه (طلعها هضيم) أى.
لازق بعضه ببعض ومنه انهضم طعامى، وقال أبو مسلم الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لايو فى
حقه من الإعظام لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم وقد يدخل
النقص فى بعض الثواب ويدخل فيما يقارنه من التعظيم فنفى اللّه تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين.
قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم
ذكراً، فتعالى الله الملك الحق، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدنى علماً »