Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . الخشبات بكبريت توبوا إلى الله (وخامسها) مسرجة الصبر (واستعينوا بالصبر والصلاة) (وسادسها) قتيلة الشكر ( لئن شكرتم لأزيدنكم). (وسابعها) دهن الرضا. (واصبر لحكم ربك) أى ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغى أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا مسك لها) ثم اطلبها بالخشوع والخضوع (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً) فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول (رب اشرح لى صدرى) فهنالك تسمع (قد أوتيت-ؤلك ياموسى) ثم نقول هذا النور الروحانى المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه (أحدها ) الشمس تحجبها غمامة وشمس المعرفة لا يحجبها السموات السبع (إليه يصعد الكلم الطيب) (وثانيها) الشمس تغيب ليلا وتعودنهاراً قال ابراهيم عليه السلام ( لا أحب الآفلين ) أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا ( إن ناشئة الليل هى أشد وطئاً، والمستغفرين بالأسحار ) بل أكمل الخلع الروحانية تحصل فى الليل ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) ( وثالثها ) الشمس تفنى ( إذا الشمس كورت ) وشمس المعرفة لا تفنى (سلام قولا من رب رحيم) (ورابعها) الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما ههنا فشمس المعرفة وهى معرفة أشهد أن لا إله إلا الله ما لم يقابلها قر أشهد أن محمداً رسول الله لم يصل نوره إلى عالم الجوارح (وخامسها) الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيضها ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه). (وسادسها) الشمس تحرق والمعرفة تنجى من الحرق ، جزيا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبى (وسابعها) الشمس تصدع والمعرفة تصعد (إليه يصعد الكلم الطيب). (وثامنها) الشمس منفعتها فى الدنيا والمعرفة منفعتها فى العقبى (والباقيات الصالحات خير). ( وتاسعها) الشمس فى السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة فى الأرض زينة لأهل السماء (وعاشرها) الشمس فوقانى الصورة تحتانى المعنى وذلك يدل على الحسد مع التكبر، والمعارف الإلهية تخثانية الصورة فوقانية المعنى، وذلك يدل على التواضع مع الشرف ( وحادى عشرها ) الشمس تعرف أحوال الخلق وبالمعرفة يصل القلب إلى الخالق (وثانى عشرها) الشمس تقع على الولى والعدو والمعرفة لا تحصل إلا للولى فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لاجرم قال موسى (رب اشرح لى صدرى) وأما النكت (فإحداها) الشمس سراج استوقدها الله تعالى للفناء ( كل من عليها فان) والمعرفة استوقدها للبقاء فالذى خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق (شهاباً رصداً) والمعرفة التى خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان (رب اشرح لى صدرى). (وثانيتها) استوقد اللّه الشمس فى السماء وإنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك ، وأوقد شمس المعرفة فى قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك ( وثالثتها ) من استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده واللّه تعالى هو الموقد السراج المعرفة (ولكن الله حبب إليكم الإيمان) أفلا يمده وهو معنى قوله (رب اشرح لى صدرى). (ورابعتها) اللص إذا رأى السراج يوقد فى البيت لا يقرب منه والله قد أوقد سراج المعرفة فى ٤٢ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال (رب اشرح لى صدرى). (وخامستها) المجوس أوقدوا زاراً فلا يريدون إطفاءها والملك القدوس أوقد سراج الإيمان فى قلبك فكيف يرضى باطفائه ، وأعلم أنه سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات (أحدها) الحياة (أو من كان ميتاً فأحييناه) فلما رغب موسى عليه السلام فى الحياة الروحانية قال (رب اشرح لى صدرى) ثم النكتة أنه عليه السلام قال من أحيا أرضاً ميتة فهى له فالعبد لما أحيا أرضاً فهى له فالرب لما خلق القلب وأحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب (قل اللّه ثم ذرهم) وكما أن الإيمان حياة القلب فالكفر موته (أموات غير أحياء وما يشعرون) (وثانيها) الشفاء (ويشف صدور قوم مؤمنين) فلما رغب موسى فى الشفاء رفع الأيدى قال (رب اشرح لى صدرى) والنكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء فى العسل بقى شفاء أبداً فههنا لما وضع الشفاء فى الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبداً ( وثالثها) الطهارة ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) فلما رغب موسى عليه السلام فى تحصيل طهارة التقوى قال (رب اشرح لى صدرى) والنكتة أن الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله فى النار فههنا لما امتحن الله قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانياً ولكن الله يدخل فى النار قلب الكافر (ليميز الله الخبيث من الطيب) (ورابعها) الهداية ومن يؤمن بالله يهد قلبه فرغب موسى عليه السلام فى طلب زوائد الهداية فقال ( رب اشرح لى صدرى) والنكتة أن الرسول يهدى نفسك والقرآن يهدى روحك والمولى يهدى قلبك فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى الله عليه وسلم لاجرم تارة تحصل وأخرى لا تحصل ( إنك لا تهدي من أحببت ، ولكن الله يهدى من يشاء) وهداية الروح لما كانت من القرآن فتارة تحصل وأخرى لاتحصل ( يضل به كثيراً ويهدى به كثيراً)أما هداية القلب فلما كانت من اللّه تعالى فإنها لا تزول لأن الهادی لایزول ( ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم). (وخامسها) الكتابة (أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان) فلما رغب، موسى عليه السلام فى تلك الكتابة قال (رب اشرح لى صدرى) وفيه نكت (الأولى) أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم وإذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات الله تعالى وصفاته فكيف يليق بالكريم إحراقه (الثانية ) بشر الحافى أكرم كاغداً فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين فإكرام قلب فيه معرفة الله تعالى أولى بذلك ( والثالثة) كاغد ليس فيه خط إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى أنه لا يجوز للجنب والحائض أن يمسه بل قال الشافعى رحمه الله تعالى ليس له أن يمس جلد المصحف، وقال الله تعالى ( لا يمسه إلا المطهرون) فالقلب الذى فيه أكرم المخلوقات (ولقد كرمنا بني آدم) كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه والله أعلم (وسادسها) السكينة (هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين) فلما رغب موسى عليه السلام فى طلب السكينة قال (رب اشرح لى صدرى) والنكتة أن أبا بكر رضى الله عنه كان مع رسول اللّه ◌َ اللهِ وكان خائفاً فلما نزلت السكينة عليه قال لا تحزن فلما نزلت سكينة ٤٢ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب ( أن لاتخافوا ولا تحزنوا) وأيضاً لما نزلت السكينة صار من الخلفاء ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض) أى أن يصيروا خلفاء الله فى أرضه (وسابعها) المحبة والزينة ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) والنكتة أن من ألقى حدة فى أرض فإنه لا يفسدها ولا يحرقها فهو سبحانه وتعالى ألقى حبة المحبة فى أرض القلب فكيف يحرقها (وثامنها) ( وألف بين قلوبكم) والنكتة أن محمداً صلى الله عليه وسلم ألف بين قلوب أصحابه ثم إنه ماتركهم [فى]غيبة ولا حضور «سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فالرحيم كيف يتركهم (وتاسعها) الطمأنينة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وموسى طلب الطمأنينة فقال ( رب اشرح لى صدرى) والنكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطى كل ما فى العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن حاجته غير متناهية والأجسام متناهية والمتناهى لا يصير مقابلالغير المتناهى بل الذى يكفى فى الحاجة الغير المتناهية الكمال الذى لا نهاية له وما ذاك إلا الحق سبحانه وتعالى فلهذا قال (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ولما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه ( أحدها ) فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( وثانيها) ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم (وثالثها) فى قلوبهم مرض ( ورابعها) جعلنا قلوبهم قاسية (وخامسها) إما جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( وسادسها ) ختم الله على قلوبهم (وسابعها) أم على قلوب أقفالها (ونامنها) كلا بل ران على قلوبهم ( وتاسعها) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم . إلهنا وسيدنا بفضلك وإحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا وأجبرنا بإحسانك وافتح لنا تلك الأبواب القسعة من إحسانك بفضلك ورحمتك إنك على ماتشاء قدير (الفصل الخامس) فى حقيقة شرح الصدر، ذكر العلماء فيه وجهين (الأول ) أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة أما الرغبة فهى أن يكون متعلق القلب بالأهل والولد وبتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم ، وأما الرهبة فهى أن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإذا شرح الله صدره صغر كل ما يتعلق بالدنيا فى عين همته ، فيصير كالذباب والبق والبعوض لا تدعوه رغبة إليها ولا تمنعه رهبة عنها ، فيصير الكل عنده كالعدم وحينئذ يقبل القلب بالكلية نحو طلب مر ضاة الله تعالى، فإن القلب فى المثال كينبوع من الماء والقوة البشرية لضعفها كالينبوع الصغير فإذا فرقت ماء العين الواحدة على الجداول الكثيرة ضعفت الكل فأما إذا انصب الكل فى موضع واحد قوى فسأل موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره بأن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها حتى يصير قلبه نفوراً عنها فإذا حصلت النفرة توجه إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات بالكلية (الثانى) أن موسى عليه السلام لما نصب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة منها ضبط الوحى والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى ومنها إصلاح العالم الجسدانى فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين والإلتفات إلى أحدهما يمنع من الإشتغال بالآخر، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير ٤٤ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . ممنوعاً عن السماع والمشتغل بالسماع يصير منوعاً عن الابصار والخيال، فهذه القوى متجاذبة متنازعة وأن موسى عليه السلام كان محتاجاً إلى الكل ومن استأنس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالا من القوة لتكون قوته وافية بضبط العالمين فهذا هو المراد من شرح الصدر وذكر العلماء لهذا المعنى أمثلة (المثال الأول ) اعلم أن البدن بالكلية كالمملكة والصدر كالقلعة والفؤاد كالقصر والقلب كالتخت والروح كالملك والعقل كالوزير والشهوة كالعامل الكبير الذى يجلب النعم إلى البلدة والغضب كالاسفهالار الذى يشتغل بالضرب والتأديب أبداً والحواس كالجواسيس وسائر القوى كالخدم والعملة والصناع ثم إن الشيطان خصم لهذه البلدة ولهذه القلعة ولهذا الملك فالشيطان هو الملك والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده فأول ما أخرج الروح وزيره وهو العقل فكذا الشبطان أخرج فى مقابلته الهوى جعل العقل يدعو إلى اللّه تعالى والهوى يدعو إلى الشيطان ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الشيطان فى مقابلة الفطنة الشهوة فالفطنة توقفك على معايب الدنيا والشهوة تحركك إلى لذات الدنيا ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتقوى الفطنة بالفكرة فتقف على الحاضر والغائب من المعائب على ماقال عليه السلام ((تفكر ساعة خير من عبادة سنة)) فأخرج الشيطان فى مقابلة الفكرة الغفلة ثم أخرج الروح الحلم والثبات فان العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً والحلم يوقف العقل على قبح الدنيا فأخرج الشيطان فى مقابلته العجلة والسرعة فلهذا قال عليه السلام (( ما دخل الرفق فى شىء إلا زانه ولا الخرق فى شىء إلا شانه)) ولهذا خلق السموات والأرض فى ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هى الخصومة الواقعة بين الصنفين، وقلبك وصدرك هو القلعة ، ثم إن لهذا الصدر الذى هو القلعة خندقا وهو الزهد فى الدنيا وعدم الرغبة فيها وله سور وهو الرغبة الآخرة ومحبة اللّه تعالى فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً معجز عسكر الشيطان عن تخريبه فرجعوا وراءهم وتركوا القلعة كما كانت وإن كان خندق الزهد غیر عميق وسور حب الآخرة غير قوى قدر الخصم على استفتاح قلعة الصدر فيدخلها ويبيت فيها جنوده من الهوى والعجب والكبر والبخل وسوء الظن بالله تعالى والنميمة والغيبة فينخصر الملك فى القصر ويضيق الأمر عليه فإذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح الأمر وانشرح الصدر وخرجت ظلمات الشيطان ودخلت أنوار هداية رب العالمين وذلك هو المراد بقوله ( رب اشرح لى صدرى) (المثال الثانى) اعلم أن معدن النور هو القلب واشتغال الإنسان بالزوجة والولد والرغبة فى مصاحبة الناس والخوف من الأعداء هو الحجاب المانع من وصول. نور شمس القلب إلى فضاء الصدر فإذا قوى اللّه بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة قائدتهم فى الدارين صغروا فى عينه ولا شك فى أنهم من حيث هم عدم محض على ما قال تعالى (كل شىء هالك إلا وجهه) فلا يزال العبد يتأمل فيما سوى الله تعالى إلى أن يشاهد أنهم عدم محض فعند ذلك يزول ٤٥ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . الحجاب بين قلبه وبين أنوار جلال اللّه تعالى وإذا زال الحجاب امتلأ القلب من النور فذلك هو انشراح الصدر . ﴿الفصل السادس) فى الصدر اعلم أنه يجىء والمراد منه القلب (أفمن شرح الله صدره للإسلام، رب اشرح لى ضدرى، وحصل مافى الصدور ، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ) وقد يجىء والمراد الفضاء الذى فيه الصدر ( فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ) واختلف الناس فى أن محل العقل هل هو القلب أو الدماغ وجمهور المتكلمين على أنه القلب ، وقد شرحنا هذه المسألة فى سورة الشعراء فى تفسير قوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) وقال بعضهم المواد أربعة الصدر والقلب والفؤاد والب فالصدر مقر الإسلام ( أفن شرح الله صدره للاسلام) والقلب مقر الإيمان (ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم) والفؤاد مقر المعرفة (ما كذب الفؤاد ما رأى)، (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) والب مقر التوحيد (إنما يتذكر أولو الألباب) وأعلم أن القلب أول ما بعث إلى هذا العالم بعث خالياً عن النقوش كاللوح الساذج وهو فى عالم البدن كاللوح المحفوظ ثم إنه تعالى يكتب فيه بقلم الرحمة والعظمة كل ما يتعلق بعالم العقل من نقوش الموجودات وصور الماهيات وذلك يكون كالسطر الواحد إلى آخر قيام القيامة لهذا العالم الأصغر وذلك هو الصورة المجردة والحالة المظهرة ، ثم إن العقل يركب سفينة التوفيق ويلقيها فى بحار أمواج المعقولات وعوالم الروحانيات فيحصل من مهاب رياح العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الإدبار أخرى ، فربما وصلت سفينة النظر الى جانب مشرق الجلال فتسطع عليه أنوار الإلهية ويتخلص العقل عن ظلمات الضلالات . وربما توغلت السفينة فى جنوب الجهالات فتنكسر وتغرق فيما تكون السفينة فى ملتطم أمواج العزة يحتاج حافظ السفينة إلى التماس الأنوار والهدايات فيقول هناك (رب اشرح لى صدرى) وأعلم أن العقل إذا أخذ فى الترقى من سفل الإمكان إلى على الوجوب كثر اشتغاله بمطالعة الماهيات ومقارفة المجردات والمفارقات، ومعلوم أن كل ماهية فهىّ إما هى معه أو هى له ، فان كانت هى معه امتلأت البصيرة من أنوار جلال العزة الإلهية فلا يبقى هناك. مستطلعاً لمطالعة سائر الأنوار فيضمحل كل ما سواه من بصر وبصيرة، وإن وقعت المطالعة لما هو له حصلت هناك حالة عجيبة. وهى أنه لو وضعت كرة صافية من البلور فوقع عليها شعاع الشمس فينعكس ذلك الشعاع إلى موضع معين فذلك الموضع الذى اليه تنعكس الشعاعات يحترق فجميع الماهيات الممكنة كالبلور الصافى الموضوع فى مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات اليها حصلت للقلب نسبة اليها بأسرها فينعكس شعاع كبريا. الإلهية عن كل واحد منها إلى القلب فيحترق القلب ، ومعلوم أنه كلما كان المحرق أكثر، كان الإحتراق أتم فقال (رب اشرح لى صدرى) حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات فأصل إلى ٤٦ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . مقام الاحتراق بأنوار الجلال ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام ((أرنا الأشياء كما هى)) فلما شاهد احتراقها بأنوار الجلال قال ((لا أحصى ثناء عليك)). ﴿ الفصل السابع) فى بقية الأبحاث إنما قال ( رب اشرح لى صدرى) ولم يقل رب اشرح صدرى ليظهر أن منفعة ذلك الشرح عائدة إلى موسى عليه السلام لا إلى الله، وأما كيفية شرح صدر رسول ◌ّ الله والمفاضلة بينه وبين شرح صدر موسى عليه السلام فنذكره إن شاء الله فى تفسير قوله ( ألم نشرح لك صدرك) والله أعلم بالصواب . ﴿ المطلوب الثانى) قوله (ويسر لى أمرى) والمراد منه عند أهل السنة خلقها وعند المعتزلة تحريك الدواعى والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فان قيل كل ما أمكن من اللطف فقد فعله اللّه تعالى فأى فائدة فى هذا السؤال، قلنا يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال ففائدة السؤال حسن فعل تلك الألطاف . ﴿ المطلوب الثالث) قوله ( واحلل عقدة من لساني، يفقّهوا قولى) وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ اعلم أن النطق فضيلة عظيمة ويدل عليه وجوه (أحدها) قوله تعالى ( خلق الإنسان علمه البيان ) ولم يقل وعلمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايراً له، أما إذا ترك الحرف العاطف صار قوله ( علمه البيان) كالتفسير لقوله ( خلق الإنسان) كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان، وذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أن ماهية الإنسان هى الحيوان الناطق ( وثانيها ) اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان، قال زهير: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقال على: ما الانسان لولا اللمان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة . والمعنى أنا لو أزانا الادراك الذهنى والنطق اللسانى لم يبق من الانسان إلا القدر الحاصل فى البهائم، وقالوا المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وقال صلى الله عليه وسلم ((المرء مخبوء تحت لسانه)) (وثالثها) أن فى مناظرة آدم مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال (يا.آدم أنبتهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض)، (ورابعها) أن الأنسان جوهر من كب من الروح والقالب وروحه من عالم الملائكة فهو يستفيد أبداً صور المغيبات من عالم الملائكة ثم بعد تلك الاستفادة يفيضها على عالم الأجسام وواسطته فى تلك الاستفادة هى الفكر الذهنى وواسطته فى هذه الافادة هى النطق اللسانفى فكما أن تلك الواسطة أعظم العبادات حتى قيل ((تفكر ساعة خير من عبادة سنة)) فكذلك الواسطة فى الافادة يجب أن تكون أشرف الأعضاء فقوله ( رب اشرح لى صدرى) إشارة إلى طلب النور الواقع فى الروح، وقوله ( ويسر لى أمرى) إشارة إلى تحصيل ذلك وتسهيل ذلك التحصيل، وعند ذلك يحصل الكمال فى تلك الاستفادة الروحانية فلا يبقى بعد هذا إلا المقام البيانى وهو إقاضة ذلك الكمال على الغير وذلك لا يكون قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . ٤٧ إلا باللسان. فلهذا قال (واحلل عقدة من لساني). (وخامسها) وهو أن العلم أفضل المخلوقات على ما ثبت والجود والاعطاء أفضل الطاعات، وليس فى الأعضاء أفضل من اليد ، فاليد لما كانت آلة فى العطية الجسمانية قيل («اليد العليا خير من اليد السفلى)) فالعلم الذى هو خير من المال لما كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء، ولا شك أن اللسان هو الآلة فى إعطاء المعارف فوجب أن يكون أشرف الأعضاء، ومن الناس من مدح الصمت لوجوه (أحدها) قوله عليه السلام ((الصمت حكمة وقليل فاعله)) ويروى أن الانسان تفكر أعضاؤه اللسان ويقلن اتق الله فينا فانك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. ( وثانيها ) أن الكلام على أربعة أقسام منه ماضررة خالص أو راجح ، ومنه ما يستوى الضرر والنفع فيه ومنه ما نفعه راجح ومنه ما هو خالص النفع ، أما الذى ضرره خالص أو راجح فواجب الترك، والذى يستوى الأمران فيه فهو عيب، فبقى القسمان الأخيران وتخليصهما عن زيادة الضرر. عسر ، فالأولى ترك الكلام ( وثالثها) أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفى ، فان كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق أو باطل، وهذه خاصية لا توجد فى سائر الأعضاء، فان العين لا تصل إلى غير. الألوان، والصور والآذان لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليدلا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له نهاية ولا حد فله فى الخير مجال رحب وله فى الشر بحر سحب ، وأنه خفيف المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصى فانه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا يتيسر تحصيلها فى الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام ( ورابعها ) قالوا ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والاصاخة فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام بمن يقدر على الكلام والانصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى ( فاستمعوا له وأنصتوا) والاصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد، واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه بل النطق فى نفسه فضيلة والرذيلة فى محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك فى قوله تعالى (واحلل عقدة من لسانى ). المسألة الثانية ) اختلفوا فى تلك العقدة التى كانت فى لسان موسى عليه السلام على قولين ( الأول ) كان ذلك التعقد خلقة اللّه تعالى فسأل الله تعالى إزالته ( الثانى) السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذى يزول ملكى على يده فقالت آسية إنه صى لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة جعلها فى فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهى الحجة ٤٨ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقى فى النور فكيف يحترق هنا؟ ومنهم من قال احترقت اليددون اللسان لثلا يحصل حق المواكلة والممالحة (الثالث) احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت (والرابع) احترقا معاً لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة. ا﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه (أحدها ) لتلا يقع فى أداء الرسالة خلل البتة (وثانيها) لازالة التنفير لأن العقدة فى اللسان قد تفضى إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الإلتفات إليه (وثالثها) إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزاً فى حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز فى حقه ( ورابعها) طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون فى جبروته وكبره عسر جداً فاذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية ، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفاً و تسهيلا . المسألة الرابعة ﴾ قال الحسن رحمه الله إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى ( قد أوتيت سؤلك ياموسى) وهو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقدة من لسانى بل قال (واحلل عقدة من لساني) فاذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقى منها شىء قليل لقوله ( حكاية عن فرعون أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين) أى يقارب أن لا يبين وفى ذلك دلالة على أنه كان يبين مع بقاء قدر من الانعقاد فى لسانه وأجيب عنه من وجهين (أحدهما ) المراد بقوله ولا يكاد يبين أى لا يأتى بيان ولاحجة ( والثانى) أن كاد بمعنى قرب ولو كان المراد هو البيان اللسانى لكان معناه أنه لا يقارب البيان فكان فيه نفى البيان بالكلية وذلك باطل لأنه خاطب فرعون والجمع وكانوا يفقهون كلامه فكيف يمكن نفى البيان أصلا بل إِنما قال ذلك تمويهاً ليصرف الوجوه عنه قال أهل الاشارة إنما قال (واحلل عقدة من لساني) لأن حل العقد كلها نصيب محمد عَ لي وقال تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن) فلما كان ذلك حقا ليقيم أبى طالب لا جرم ما دار حوله والله أعلم . ﴿ المطلوب الرابع) قوله ( واجعل لى وزيراً من أهل) واعلم أن طلب الوزير إما أن يكون لأنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر فطلب المعين أو لأنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة مزية عظيمة فى أمر الدعاء إلى الله ولذلك قال عيسى ابن مريم (من أنصارى إلى اللّه قال الحواريون نحن أنصار الله) وقال محمد مؤلتر ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) وقال عليه السلام ((إن لى فى السماء وزيرين وفى الأرض وزیرین، فاللذان فى السماء جبريل وميكائيل واللذان فى الأرض أبو بكر وعمر » وههنا مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الوزير من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أو زاره ومؤنه أو من الوزر ٤٩ قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه . وهو الجبل الذى يتحصن به لأن الملك يعتصم برأيه فى رعيته ويفوض إليه أموره أومن الموازرة وهى المعاونة ، والموازرة مأخوذة من إزار الرجل وهو الموضع الذى يشده الرجل إذا استعد لعمل أمر صعب قاله الأصمعى وكان القياس أزيراً فقبلت الهمزة إلى الواو . المسألة الثانية﴾ قال عليه السلام ((إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسى ذكره وإن نوى خيراً أعانه وإن أراد شراً كفه)» وكان أنو شروان يقول: لا يستغنى أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط ، ولا أعلم الملوك عن الوزير. المسألة الثالثة) إن قيل الإستعانة بالوزير إنما يحتاج إليها الملوك أما الرسول المكلف بتبليغ الرسالة والوحى من اللّه تعالى إلى قوم على التعيين فمن أين ينفعه الوزير؟ وأيضاً فانه عليه السلام سأل ربه أن يجعله شريكا له فى النبوة فقال ( وأشركه فى أمرى) فكيف يكون وزيراً. والجواب: عن الأول أن التعاون على الأمر والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة له مربة عظيمة فى تأثير الدعاء إلى الله تعالى فكان موسى عليه السلام واثقاً بأخيه هرون فسأل ربه أن يشد به أزره حتى يتحمل عنه ما يمكن من الثقل فى الإبلاغ . ﴿ المطلوب الخامس) أن يكون ذلك الوزير من أهله أى من أقاربه . ( المطلوب السادس ) أن يكون الوزير الذى من أهله هو أخوه هرون وإنما سأل ذلك لوجهين (أحدهما) أن التعاون على الدين منقبة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله، أو لأن كل واحد منهما كان فى غاية المحبة لصاحبه والموافقة له، وقوله هرون فی انتصابه وجهان (احدهما ) أنه مفعول الجعل على تقدير اجعل هرون أخى وزيراً لى ( والثانى) على البدل من وزيراً وأخى نعت لهرون أوبدل، واعلم أن هرون عليه السلام كان مخصوصاً بأمور منها الفصاحة لقوله تعالى عن موسی ( وأخی هرون هو أفصح منی لساناً) ومنها أنه كان فيه رفق قال ( یا ان أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ) ومنها أنه كان أكبر سناً منه. ﴿ المطلوب السابع) قوله (أشدد به أزرى) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾. القراءة العامة (أشدد به، وأشركه) على الدعاء، وقرأ ابن عامر وحده (أشدد، وأشركه) على الجزاء والجواب ، حكاية عن موسى عليه السلام أى أنا أفعل ذلك ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل (أخى) مرفوعا على الابتداء ( وأشددهبه) خبره ويوقف على هرون . المسألة الثانية﴾ الأزر القوة وآزره قواه قال تعالى (فآزره) أى أعانه قال أبو عبيدة (أزرى) آى ظهرى وفى كتاب الخليل ( الأزر ) الظهر. ﴿ المسألة الثالثة﴾﴾ أنه عليه السلام لما طلب من الله تعالى أن يجعل هرون وزيراً له طلب منه أن يشد به أزره ويجعله ناصراً له لأنه لا اعتماد على القرابة . الفخر الرازي - ج ٢٢ م ٤ ٥٠ قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى سورة طه . قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَدمُوسَى (﴾ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىَ (8) إِذْ أَوْ حَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ◌َّ أَنِ أَقْذِفِيهِ فِ النَّابُوتِ فَقْذِفِيهِ فِى الْبَمِّ فَلْبُلْقِهِ الُْ بِالَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُّلِ وَعَدُوٌّلَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَبَّةٌ مِنِى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ إِذْتَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلْكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْنَكَ إِلَى ٣٩ أُمِّكَ كَىْ تَفَرَّ عَبْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجْنَئِكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّكَ فُتُونًا فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَدْيَ ثُمَّ ◌ِثْتَ عَلَ قَدَرٍ يَدْمُوسَى (٢) وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِ أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ ﴿ أَذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِعَايَتِى وَلَا تَنِيَا فِ ذِكْرِى لـ ﴿ المطلوب الثامن) قوله (وأشركه فى أمرى) والأمر ههنا النبوة، وإنما قال ذلك لأنه عليه السلام علم أنه يشد به عضده وهو أكبر منه سناً وأفصح منه لساناً ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال (كى نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً) والتسبيح يحتمل أن يكون باللسان وأن يكون بالاعتقاد ، وعلى كلا التقديرين فالتسبيح تنزيه الله تعالى فى ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به ، وأما الذكر فهو عبارة عن وصف الله تعالى بصفات الجلال والكبرياء ولا شك أن النفى مقدم على الإثبات ، أما قوله تعالى (إنك كنت بنا بصيراً) ففيه وجوه: (أحدها ) إنك عالم بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ولا نريد بها أحداً سواك (وثانيها) (كنت بنا بصيراً) لأن هذه الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتى فى النبوة اليها ( وثالثها) إنك بصير بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح لنا، وإنما قيد الدعاء بهذا إجلالا لربه عن أن يتحكم عليه وتفويضاً للأمر بالكلية إليه . قوله تعالى: ﴿قال قد أوتيت سؤلك ياموسى، ولقدمننا عليك مرة أخرى، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى، أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى، إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى واصطنعتك لنفسى، إذهب أنت وأخوك بآياتى ولا تنيا فى ذكرى، قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . ٥١ فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّمِنًا لَّعَلَّهُ , يَتَذَكُّ أَوْ يَخْشَى طَغَی ٤٣ ٤٤ إذهبا إلى فرعون إنه طغى؛ فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى﴾ إعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية ، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا باجابته اليها ، لا جرم أجابه اللّه تعالى اليها ليكون أقدر على الابلاغ على الحد الذى كلف به فقال (قد أوتيت سؤلك يا موسى) وعد ذلك من النعم العظام عليه لمنا فيه من وجوه المصالح ثم قال ( ولقد مننا عليك مرة أخرى) فنبه بذلك على أمور: (أحدها ) كأنه تعالى قال إنى راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ( وثانيها ) إنى كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الاحسان فكيف يليق بكرمى ( وثالثها ) إنا لما أعطيناك فى الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب ، وههنا سؤالان : ﴿ السؤال الأول ﴾ لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه الفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف ؟ ( والجواب ) إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التى وصلت اليه ما كان مستحقاً لشىء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان. ﴿ السؤال الثانى) لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة؟ ( والجواب ) لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال فى القليل والكثير . واعلم أن المنن المذكورة ههنا ثمانية: (المنة الأولى) قوله ( إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه فى التابوت فاقدفيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له) أما قوله (إذ أوحينا) فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحى هو الوحى الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والامامة بل عند الشافعى رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى اليهم) وهذا صريح فى الباب، وأيضاً فالوحى قد جاء فى القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى (وأوحى ربك إلى النحل ) وقال: (وإذ أو حيت إلى الحواريين) ثم اختلفوا فى المراد بهذا الوحى على وجوه: (أحدها) المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام فى التابوت وقذفه فى البحر وأن الله تعالى يرده اليها (وثانيها) أن المراد عزيمة جازمة وقعت فى قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأى الذى هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحتى ( وثالثها ) المراد منه الالهام لكنا ٥٢ قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . متى ثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأى بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هو الوجه الثانى وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الالقاء فى البحر قريب من الاهلاك وهو مساو للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الاقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثانى ( والجواب ) لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء فى البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد فى يد فرعون ( ورابعها) لعله أوحى إلى بعض الأنبياء فى ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك التى عرفها ، إما مشافهة أو مراسلة ، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها ( والجواب) أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون. مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب اليه مراراً ( وخامسها ) لعل الأنبياء المتقدمين كابراهيم واسحق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة ( وسادسها) لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم فى قوله (فتمثل لها بشراً سوياً) وأما قوله ( مايوحى) فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحى لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحى فكان الوحى واجباً أما قوله تعالى (أن اقذفيه ) ففيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ أن هى المفسرة لأن الوحى بمعنى القول. المسألة الثانية﴾ القذف مستعمل فى معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى ( وقذف فى قلوبهم الرعب). ﴿ المسألة الثالثة ) روى أنها اتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته فى النيل وكان يشرع منه نهر كبير فى دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجىء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلبان والجوارى باخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبى من أصبح الناس وجهاً فلما رآه فرعون أحبه وسيأتى تمام القصة فى سورة القصص ، قال مقاتل إن الذى صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون . ﴿ المسألة الرابعة﴾ اليم هو البحر والمراد به ههنا نيل مصر فى قول الجميع واليم إسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الكسائى الساحل فاعل بمعنى مفعول سمى بذلك لأن الماء يسحله أى يقذفه إلى أعلاه . المسألة السادسة ﴾ قال صاحب الكشاف الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدى إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف فى البحر هو التابوت وكذلك الملق إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقي هو موسى عليه السلام قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . فى جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر . ﴿ المسألة السابعة) لما كان تقدير اللّه تعالى أن يجرى ماء اليم ويلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك فى ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله ( يأخذه عدو لى وعدو له ) ففيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ) قوله (يأخذه) جواب الأمر أى اقذفيه يأخذه. ﴿ البحث الثانى) فى كيفية الأخذ قولان (أحدهما) أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقى الجوارى فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه (الثانى) أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداء النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه. ﴿ البحث الثالث) قوله ( يأخذه عدو لى وعدو له) فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى (وجوابه) أما كونه عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدواً لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حاله لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة (المنة الثانية) قوله ( وألقيت عليك محبة منى) وفيه قولان: (الأول) وألقيت عليك محبة هى منى قال الزمخشرى (منى) لا يخلو إما أن يتغلق بألقيت فيكون المعنى على أنى أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثانى ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أى وألقيت عليك محبة حاصلة منى واقعة بخلقى فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت (قرة عين لی ولك لا تقتلوه) یروی أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفى عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى ( سيجعل لهم الرحمن وداً) قال القاضى هذا الوجه أقرب لأنه فى حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التى ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل فى المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته فى الخلقة يستحلى ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما فى التربية مالا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثانى يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال وأثقيت عليك محبة حاصلة منى وواقعة بتخليقى وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقى قوله إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلا فى حقه فى حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة (المنة الثالثة ) قوله ( ولتصنع على عينى) قال القفال لترى على عينى أى على وفق إرادتى، ومجاز هذا أن من صنع الإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا ههنا وفى كيفية المجاز قولان (الأول) المراد من العين العلم أى ترى على علم منى ولما كان العالم بالشىء يحربه عن الآفات. ٥٤ قوله تعالى : قال قد أوتیت سؤلك يا موسى. سورة طه . كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه (الثانى) المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشىء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى (إننى معكما أسمع وأرى) ويقال عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة ، قال القاضى ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله (ولتصنع على عينى الحفظ والحياطة) كقوله تعالى (إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن ) فصار ذلك كالتفسير لخياطة اللّه تعالى له، بقى ههنا بحثان: ﴿ الأول﴾ الواو فى قوله (ولتصنع على عينى) فيه ثلاثة أوجه (أحدها) كأنه قيل (ولتصنع على عينى) ألقيت عليك محبة منى ثم يكون قوله ( إذ تمشى أختك ) متعلقاً بأول الكلام وهو قوله (ولقد مننا عليك مرة أخرى ، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) وإذ تمشى أختك (وثانيها) يجوز أن يكون قوله (ولتصنع على عينى) متعلقاً بما بعده وهو قوله (إذ تمشى) وذكرنا مثل هذين الوجهين فى قوله ( وليكون من الموقنين). (وثالثها) يجوز أن تكون الواو مقحمة أى وألقيت عليك محبة منى لتصنع وهذا ضعيف . ﴿(الثانى) قرى ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرىء ولنصنع بفتح التاء والنصب أى وليكون عملك وتصرفك على علم منى (المنة الرابعة) قوله (إذ تمشى أختك) واعلم أن العامل فى إذ تمشى ألقيت أو تصنع، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً فى النيل وكان لا يرتضع من ثدى كل امرأة يؤتى بها لأن اللّه تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالتٍ ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير أما قوله تعالى ( فرجعناك إلى أمك) أى رددناك، وقال فى موضع آخر ( فرددناه إلى أمه) وهو كقوله ( قال رب ارجعون) أى ردونى إلى الدنيا، أما قوله ( كى تقر عينها ولا تحزن ) فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها ، فإن قيل لو قال كى لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من نفى الحزن حصول السرور لها، وأما لما قال أولا كى تقر عينها كان قوله بعد ذلك ( ولا تحزن ) فضلا لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك (٠ المنة الخامسة) قوله (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ) فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفساً وهو الرجل الذى قتله خطأ بأن وكزه حيث استغائه الاسرائيلى عليه وكان قبطياً حصل له الغم من وجهين (أحدهما ) من عقاب الدنيا وهو اقتصاص ١ فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه ( فأصبح فى المدينة خائفاً يترقب) والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنحاه الله تعالى من الغمين ، أما من فرعون حين وفق له المهاجرة إلى مدين قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . ٥٥ وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك (المنة السادسة ) قوله ( وفتناك فتوناً ) وفيه أبحاث : ﴿ البحث الأول ) فى قوله (فتوناً) وجهان (أحدهما) أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقاً وذلك على مذهبهم فى تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما ) ، (والثانى) أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كجوز وبدور فى حجزة وبدرة أى فتناك ضرباً من الفتن وههنا سؤالان (السؤال الأول ) أن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام فى هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله ( وفتناك فتوناً ) (الجواب عنه) من وجهين (أحدهما) أن الفتنة تشديد المحنة يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى (فاذا أوذى فى اللّه جعل فتنة الناس كعذاب الله ) وقال تعالى ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) وقال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) فالزلزلة المذكورة فى الآية ومس البأساء والضراء هى الفتنة والفتون، ولما كان التشديد فى المحنة ما يوجب كثرة الثواب لاجرم عده الله تعالى من جملة النعم (وثانيها) (فتناك فتونا ) أى خلصناك تخليصاً من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال نستأنف له نهاراً يا ابن جبير، ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الوارة فى شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بنى اسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام فى اليم والتقاطآل فرعون إياه وامتناعه من الارتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة فى فيه، ثم قصة قتل القبطى؛ ثم هربه الى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثم عوده الى مصر وأنه أخطأ الطريق فى الليلة المظلمة واستئناسه بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير . ﴿ السؤال الثانى) هل يصح اطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقا من قوله ( وفتناك فتونا) والجواب لا لأنه صفة ذم فى العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لاسيما فيما يوهم ما لا ينبغى ( المنة السابعة ) قوله تعالى ( فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى ) وأعلم أن التقدير ( وفتناك فتونا) فخرجت خائفاً الى أهل مدين فلبثت سنين فيهم ، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم إنها مشروحة فى قوله تعالى (ولما توجه تلقاء مدين - الى قوله - فلما قضى موسى الأجل) وهى إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى ( على أن تأجرنى ثمانى حجج فان أتممت عشراً فمن عندك) وقال وهب لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين ٥٦ قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤ لك يا موسى . سورة طه . مهر امرأته، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينقى الزيادة على العشر، واعلم أن قوله ( فلهنت سنين فى أهل مدين ) بعد قوله ( وفتناك فتونا) كالدلالة على أن لبثه فى مدين من الفتون وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محناً كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى (ثم جئت على قدر ياموسى ) فلا بد من حذف فى الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور ، وذكروا فى ذلك المحذوف وجوها ( أحدها) أنه سبق فى قضائى وقدرى أن أجعلك رسولا لى فى وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده ، ومنه قوله ( إنا كل شىء خلقناه بقدر)، ( وثانيها) على مقدار من الزمان يوحى فيه الى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة ( وثالثها) أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه ، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيباً عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد ، فان قيل كيف ذكر الله تعالى مجىء موسى عليه السلام فى ذلك الوقت من جملة منته عليه، قلنا لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شىء من ذلك (المنة الثامنة ) قوله تعالى (واصطنعتك لنفسى ) والاصطناع اتخاذ الصنعة، وهى افتعال من الصنع يقال اصطنع فلان فلانا أى اتخذه صفيعة ، فان قيل إنه تعالى غنى عن الكل فما معنى قوله لنفسى ( والجواب) عنه من وجوه (الأول) أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلا لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قرباً منه ( وثانيها) قالت المعتزلة إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف مالا يعلم إلا سمعاً فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقى فى عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه فى أداء ماوجب على الله تعالى، فصحأن بقول واصطنعتك لنفسى ، قال القفال واصطتعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسى أى لأصرفك في أوامرى لثلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتى وتبليغ رسالتى وأن تكون فى حركاتك وسكناتك لى لا لنفسك ولا لغيرك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية فى مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال (اذهب أنت وأخوك بآياتى) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال (واصطنعتك لنفسى) عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ الباء ههنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد. ﴿ المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى الآيات المذكورة ههنا على ثلاثة أقوال (أحدها) أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما فى هذا الموضع وفى سائر المواضع التى اقتص اللّه تعالى فيها قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . ٥٧ حديث موسى عليه السلام فانه تعالى لم يذكر فى شىء منها أنه عليه السلام قد أوتى قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقى فرعون فالنمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه ( قال فأت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فاذا هى ثعبان مبين ، ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين) وقال ( فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه) فاذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه (الأول) أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيواناً آية ثم إنها فى أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى (تهتز كأنها جان) ثم كانت تعظم وهذه آیة أخری ، ثم كانت تصیر ثعباناً وهذه آیةأخرى ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده فى فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى ، وكذلك اليد فان بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زواله) بعد حصولهها آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان (الثانى) هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً فهذه آيات كثيرة ولذلك قال (إن أول بيت وضع للناس لاذى بيكة مباركا إلى قوله (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) فاذا وصف الشىء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك ( الثالث ) من الناس من قال أقل الجمع إثنان على ماعرفت فى أصول الفقه (القول الثاني) أن قوله (اذهبا بآياتى) معناه أنى أمدكما بآياتى وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فان آياتى معكما كما يقال اذهب فان جندى معك أى أنى أمدك بهم متى احتجت (القول الثالث) أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضاً معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهى فهو قوله تعالى (ولا تنيا فى ذكرى) الونى الفتور والتقصير وقرى. ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للأتباع ثم قيل فيه أقوال (أحدها) المعنى لا تنيا بل اتخذاذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحداً ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف فى المقصود، ولأن ذاكر اللّه تعالى لابد وأن يكون ذاكراً لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر فى أداء أوامره ( وثانيها ) المراد بالذكر تبليغ الرسالة فان الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر (وثالثها) قوله (ولا تنيا فى ذكرى) عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرالهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب (ورابعها) أن يذكرا لفرعون آلاء اللّه ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك (إذهبا إلى فرعون إنه طغى) وفيه سؤالان (الأول) ما الفائدة فى ذلك بعد قوله (اذهب أنت وأخوك بآياتى) قال القفال فيه وجهان (أحدهما) أن قوله (اذهب أنت وأخوك بآياتى) يحتمل أن يكون كل واحد منهما ٥٨ قوله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى . سورة طه . مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى أذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به هرون دون موسى ( والثانى ) أن قوله (أذهب أنت وأخوك بآياتى) أمر بالذهاب إلى كل الناس من بنى إسرائيل وقوم فرعون، ثم إن قوله ( إذهبا إلى فرعون ) أمر بالذهاب إلى فرعون وحده . ﴿ السؤال الثانى ) قوله (إذهبا إلى فرعون) خطاب مع موسى وهرون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هرون عليه السلام لم يكن حاضراً هناك وكذلك فى قوله تعالى ( قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) أجاب القفال عنه من وجوه (أحدها) أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هرون جعل الخطاب معه خطاباً مع هرون وكلام هرون على سبيل التقدير فالخطاب فى تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما فى قوله ( وإذ قتلتم نفساً) وقوله ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) وحكى أن القائل هو عبد الله بن أبى وحده ( وثانيها ) يحتمل أن اللّه تعالى لما قال ( قد أوتيت سؤلك ياموسى) سكت حتى لقى أخاه، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله (اذهبا إلى فرعون) ( وثالثها) أنه حكى أنه فى مصحف ابن مسعود وحفصة ( قال ربنا إننا نخاف ) أى قال موسى أنا وأخى تخاف فرعون أما قوله تعالى ( فقولا له قولا ليناً ) ففيه سؤالان : ﴿ السؤال الأول) لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد (الجواب) لوجهين (الأول) أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين (الثانى ) أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم فى الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبراً، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر اللّه تعالى بالرفق . ﴿ السؤال الثانى) كيف كان ذلك الكلام اللين (الجواب) ذكروا فيه وجوها (أحدها ) ما حكى الله تعالى بعضه فقال (هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى) وذكر أيضاً فى هذه السورة بعض ذلك فقال (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك) إلى قوله (والسلام على من اتبع الهدى). (وثانيها) أن تعداه شباباً لا يهرم بعده وملكا لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته (وثالثها) كنياه وهو من ذوى الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة (ورابعها) حكى عن عمرو بن دينار قال بلغنى أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام إن أطعتنى عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة (أما الأول) فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة فى هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف (وأما الثانى) فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله (فقولا له قولا ليناً) ٥٩ قوله تعالى : قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط . سورة طه . قَالَ رَبََّآَ إِنَّنَا تَخَافُ أَنْ يَغْرِطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (َ﴾ قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى (٤ فَأْتِيَهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِّ إِسْرَاءِيلَ مَعَكُمَآ أَسْمَعَ وَأَرَى وَلَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَكَ بِغَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالَّلَهُمُ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الْمُدَىّ (﴾ إِنَّا قَدْ أُوِجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَّابَ عَ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ٤٨ بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد (وأما الثالث) فالاعتراض عليه كما فى الأول أما قوله تعالى ( لعله يتذكر أو يخشى) فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكا فى ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد: فقولا له قولا ليناً، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى. واعلم أن أحوال القلب ثلاثة (أحدها ) الإصرار على الحق (وثانيها) الإصرار على الباطل ( وثالثها ) التوقف فى الأمرين، وأن فرعون كان مصراً على الباطل وهذا القسم أرداً الأقسام فقال تعالى ( فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى) فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل فى قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فان هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا اللّه تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذى يمتنع زواله فيكون سبحانه عالما بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالماً بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ فى ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى اللّه تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون فى هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة فى هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأنه لا يحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول إنى ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟ يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان ، ويروى عن كعب أنه قال والذى يحلف به كعب إنه لمكتوب فى التوراة: فقولا له قولا ليناً وسأقسى قلبه فلا يؤمن . قوله تعالى ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافأ إننى معكما أسمع وأرى ، فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ، فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم، قد جئناك بآية من ربك، والسلام على من اتبع الهدى . إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) إعلم أن قوله (قالا ربنا إننا نخاف) فيه أسئلة : ٦٠ قوله تعالى : قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا . سورة طه . ﴿السؤال الأول) قوله (قالا ربنا) يدل على أن المتكلم بذلك موسى وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضراً هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد تقدم . ﴿ السؤال الثانى) أن موسى عليه السلام قال ( رب اشرح لى صدرى) فأجابه اللّه تعالى بقوله ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده (إننا نخاف) فان حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر (والجواب) أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواهى وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شىء آخر غير زوال الخوف . ﴿ السؤال الثالث) أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذى هو مقطعة عن الأداء (الجواب) قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهم) السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضاً فانهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد فى ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف الدليل النقلى إلى العقلى زيادة فى الطمأنينة كما قال ( ولكن ليطمئن قلبى). ﴿ السؤال الرابع ) لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية (الجواب) لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لاسيما وقد أكثر اللّه تعالى من أنواع التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور نزال السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضى الفور إذا ضممت إليه مايدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى (أن يفرط علينا أو أن يطغى) فاعلم أن فى (أن يفرط) وجوهاً (أحدها) فرط سبق وتقدم ومنه الفارط الذى يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة (وثانيها) أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى وهرون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم (قال الملأ من قومه) (وثالثها) يفرط من الإفراط فى الأذية أما قوله ( أو أن يطغى) فالمعنى يطغى بالتخطى إلى أن يقول فيك مالا ينبغى لجراءته عليك واعلم أن من أمر بشىء محاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد وأن يختم كلامه بما هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) فكذا ههنا بدأ موسى بقوله (أن يفرط علينا) وختم بقوله (أو أن يطغى) لما أن طغيانه فى حق الله تعالى أعظم من إفراطه فى حق موسى وهرون عليهما السلام أما قوله (قال لاتخافا إننى معكما أسمع وأرى) فالمراد لاتخافا مما عرض فى قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله (إنى معكما) فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال الله معك على وجه الدعاء وأكدذلك بقوله (أسمع وأرى) فان من يكون مع الغير وناصراً له وحافظاً