Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
قوله تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيها . سورة طه .
إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةُ أَكَاهُ أُخْفِيَهَا لِيُجْرَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى قَ فَلَا
يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى(
يصلى مافاته ثم ليعد التى صلاها مع الإمام)) وقد يروى هذا مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم،
وأما القياس فهو أنهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد فى اليوم والليلة فأشبهتا صلانى عرفة
والمزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة
كذلك حجة الشافعى رحمه الله أنه روى فى حديث أبى قتادة (أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم
انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها)) ولو كان
وقت التذكر معيناً للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن
لاعلى سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت وإيجاب أداء
فرض الوقت الحاضر يجرى مجرى التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون المكلف مخيراً فى تقديم
أيهما شاء ولأنه لو كان الترتيب فى الفوائت شرطاً لما سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر
والعصر بعرفة فى يوم غيم ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما
جميعاً ولم يسقط الترتيب بالنسيان لما كان شرطاً فيهما فههنا أيضاً او كان شرطاً فيهما لما كان
يسقط بالنسيان .
قوله تعالى: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، فلا يصدنك عنها من
لا يؤمن بها واتبع هواه فتردی
إعلم أنه تعالى لما خاطب موسى عليه السلام بقوله (فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى) أتبعه بقوله
( إن الساعة آتية أ كاد أخفيها) وما أليق هذا بتأويل من تأول قوله ( لذكرى) أى لأذكرك
بالأمانة والكرامة فقال عقيب ذلك ( إن الساعة آتية) لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة ثم قال
(أ کاداخفیها)وفيه سؤالان:
﴿ السؤال الأول) هو أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفى بدليل قوله ( وما كادوا يفعلون) أى
وفعلوا ذلك فقوله ( أ كاد أخفيها) يقتضى أنه ما أخفاها وذلك باطل لوجهين (أحدهما ) قوله
(إن الله عنده علم الساعة) (والثانى) أن قوله ( لتجزى كل نفس بما تسعى ) إنما يليق بالإخفاء لا
الإظهار (والجواب) من وجوه (أجدها) أن كاد موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفى والإثبات
فقوله (أكاد أخفيها) معناه قرب الأمر فيه من الإخفاء وأما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما
حصل فذلك غير مستفاد من اللفظ بل من قرينة قوله ( لتجزى كل نفس بما تسعى) فان ذلك إنما
يليق بالاخفاء لا بالإظهار (وثانيها) أن كاد من الله واجب فمعنى قوله (أكاد أخفيها) أى أنا أخفيها

٢٢
قوله تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيهاعن مسورة طه .
عن الخلق كقوله ( عسى أن يكون قريباً ) أى هو قريب قاله الحسن (وثالثها) قال أبو مسلم (أ كاد)
بمعنى أريد وهو كقوله ( كذلك كدنا ليوسف) ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أى
ولا أريد أن أفعله (ورابعها) معناه ( أ كاد أخفيها ) من نفسى وقيل إنها كذلك فى مصحف أبى
وفى حرف ابن مسعود (أكاد أخفيها) من نفسى فكيف أعلنها لكم قال القاضى هذا بعيد لأن
الإخفاء إنما يصح فيمن يصلح له الإظهار وذلك مستحيل على الله تعالى لأن كل معلوم معلوم له
فالإظهار والإسرار منه مستحيل ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ذلك واقع على التقدير يعنى لو صح
منى إخفاؤه على نفسى لأخفيته عنى والإخفاء وإن كان محالا فى نفسه إلا أنه لا يمتنع أن يذكر
ذلك على هذا التقدير مبالغة فى عدم إطلاع الغير عليه ، قال قطرب هذا على عادة العرب فى مخاطبة
بعضهم بعضاً يقولون إذا بالغوا فى كتمان الشىء كتمته جتى من نفسى فالله تعالى بالغ فى إخفاء
الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب فى مثله (وخامسها) (أكاد) صلة فى الكلام والمعنى (إن الساعة
آتية أخفيها) ، قال زيد الخيل
سريع الى الهيجاء شاك سلاحه فما إن يكاد قرنه يتنفس
والمعنى فما ان يتنفس قرنه (وسادسها) قال أبو الفتح الموصلى (أ كاد أخفيها) تأويله أكاد أظهرها
وتلخيص هذا اللفظ أ كاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتى بمعنى السلب والنفى كقولك
أعجمت الكتاب وأشكلته أى أزلت عجمته وإشكاله وأشكيته أى أزلت شكواه (وسابعها)
قرى. أخفيها بفتح الألف أى أكاد أظهرها من خفاه إذا أظهره أى قرب إظهارها كقوله
( اقتربت الساعة ) قال امرؤ القيس :
فان تدفنوا الداء لا نخفه
وإن تمنعوا الحرب لا نقعد
أى لا نظهره قال الزجاج وهذه القراءة أبين لأن معنى أكاد أظهرها يفيد أنه قد أخفاها ( وثامنها )
أراد أن الساعة آتية أكاد وانقطع الكلام ثم قال أخفيها ثم رجع الكلام الأول إلى أن الأولى
الإخفاء (لتجزى كل نفس بما تسعى) وهذا الوجه بعيد والله أعلم (السؤال الثانى) ما الحكمة فى
إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت؟ (الجواب) لأن الله تعالى وعد قبول التوبة فلو عرف وقت الموت
لاشتغل بالمعصية إلى قريب من ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف وقت
الموت كالإغراء بفعل المعصية ، وإنه لا يجوز. أما قوله (لتجزى كل نفس بما تسعى) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما حكم بمجىء يوم القيامة ذكر الدليل عليه وهو أنه لولا
القيامة لما نميز المطيع عن العاصى والمحسن عن المسىء وذلك غير جائز وهو الذى عناه الله تعالى
بقوله ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض. أم نجعل المتقين كالفجار ).
المسألة الثانية) احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل لأن الباء
للالصاق فقوله ( بما تسعى ) يدل على أن المؤثر فى ذلك الجزاء هو ذلك السعى.

٢٣
قوله تعالى : إن الساعة آتية أكاد أخفيها . سورة طه .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ احتجوا بها على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وذلك لأن الآية صريحة
فى إثبات سعى العبد ولو كان الكل مخلوقا لله تعالى لم يكن للعبد سعى البتة أما قوله ( فلا يصدنك
عنها من لا يؤمن بها ) فالصد المنع وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ فى هذين الضميرين وجهان (أحدهما) قال أبو مسلم لا يصدنك عنها أى
عن الصلاة التى أمرتك بها من لا يؤمن بها أى بالساعة فالضمير الأول عائد إلى الصلاة والثانى إلى
الساعة ومثل هذا جائز فى اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمى بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل
خبر حقه ( وثانيهما ) قال ابن عباس فلا يصدنك عن الساعة أى عن الإيمان بمجيئها من لا يؤمن
بها فالضميران عائدان إلى يوم القيامة قال القاضى وهذا أولى لأن الضمير يجب عوده إلى
أقرب المذكورين وههنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم فانما يصار إليه عند الضرورة
ولا ضرورة ههنا.
المسألة الثانية﴾ الخطاب فى قوله (فلا يصدنك) يحتمل أن يكون مع موسى عليه السلام وأن
يكون مع محمد مّ لهو الأقرب أنه مع موسى لأن الكلام أجمع خطاب له وعلى كلا الوجهين فلا معنى
لقول الزجاج إنه ليس بمراد وإنما أريد به غيره وذلك لأنه ظن أن النبى وت فهمه لما لم يجز عليه مع
النبوة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطباً بذلك وليس الأمر كما ظن، لأنه
إذا كان مكلفاً بأن لا يقبل الكفر بالساعة من أحد وكان قادراً على ذلك جاز أن يخاطب به ويكون
المراد هو وغيره، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله ( فلا يصدنك عنها ) النهى له عن الميل
إليهم ومقاربتهم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ المقصود نهى موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ظاهر اللفظ
يقتضى نهى من لم يؤمن عن صد موسى عليه السلام وفيه وجهان ( أحدهما ) أن صد الكافر عن
التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب ( والثانى) أن صد الكافر مسبب عن
رخاوة الرجل فى الدين فذكر المسبب ليدل حمله على السبب كقوله لا أرينك ههنا المراد نهيه عن
مشاهدته والكون بحضرته ، فكذا ههنا كأنه قيل لا تكن رخواً بل كن فى الدين شديداً صلباً .
و المسألة الرابعة) الآية تدل على أن تعلم علم الأصول واجب لأن قوله ( فلا يصدنك )
يرجع معناه إلى صلابته فى الدين وتلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد لم يتميز المبطل فيه من
المحق فلابد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قوياً فى تقرير الدلائل وإزالة الشبهات حتى
لا يتمكن الخصم من إزالته عن الدين بل هو يكون متمكناً من إزالة المبطل عن بطلانه.
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال القاضى قوله ( فلا يصدنك) يدل على أن العباد هم الذين يصدون
ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصاد دونهم فدل ذلك على بطلان القول بالجبر
(والجواب) المعارضة بمسألة العلم والداعى والله أعلم، أما قوله تعالى (واتبع هواه) فالمعنى أن منكر

٢٤
قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى . سورة طه .
وَمَا تِلْكَ بِمِينِكَ يَمُوسَى (لَ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَ كَّوْاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ ◌ِهَا عَلَى
غَنَمِى وَلِ فِيهَا مَعَارِبُ أَنْرَى (٨) قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى (٤) فَأَلْقَهَا فَإِذَا هِىَ حَبَّةٌ
تَسْعَى (٣٢) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى
البعث إنما أنكره اتباعا للهوى لا لدليل وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد لأن المقلد
متبع للهوى لا الحجة أما قوله (فتردى) فهو بمعنى ولا يصدنك فتردى وإن صدوك وقبلت فليس
إلا الهلاك بالنار . واعلم أن المتوغلين فى أسرار المعرفة قالوا المقام مقامان (أحدهما) مقام المحو
والفناء عما سوى الله تعالى (والثانى) مقام البقاء بالله والأول مقدم على الثانى لأن من أراد أن
يكتب شيئاً فى لوح مشغول بكتابة أخرى فلا سبيل له إليه إلا بإزالة الكتابة الأولى ثم بعد ذلك
يمكن إثبات الكتابة الثانية والحق سبحانه راعى هذا الترتيب الحسن فى هذا الباب لأنه قال لموسى
عليه السلام أولا (فاخلع نعليك) وهو إشارة إلى تطهير السر عما سوى الله تعالى ثم بعد ذلك أمره
بتحصيل ما يجب تحصيله وأصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة علم المبدأ وعلم الوسط وعلم المعاد فعلم
المبدأ هو معرفة الحق سبحانه وتعالى وهو المراد بقوله (إنى أنا الله لا إله إلا أنا) وأما علم الوسط
فهو علم العبودية ومعناها الأمر الذى يجب أن يشتغل الإنسان به فى هذه الحياة الجسمانية وهو
المراد بقوله ( فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى) ثم فى هذا أيضاً تعثر لأن قوله (فاعبدنى) إشارة إلى
الأعمال الجسمانية وقوله (لذكرى) إشارة إلى الأعمال الروحانية والعبودية أولها الأعمال الجسمانية
وآخرها الأعمال الروحانية وأما علم المعاد فهو قوله ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها) ثم إنه تعالى
افتح هذه التكاليف بمحض اللطف وهو قوله ( إنى أنا ربك) واختتمها بمحض القهر وهو قوله
(فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه وإشارة إلى
أن العبد لابد له فى العبودية من الرغبة والرهبة والرجاء والخوف، وعند الوقوف على هذه الجملة
تعرف أن هذا الترتيب هو النهاية فى الحسن والجودة وأن ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.
قوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى، قال هى عصاى أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمى ولى
فيها مآرب أخرى ، قال ألقها ياموسى فألقاها فإذا هى حية تسعى ، قال خذها ولا تخف سنعيدها
سيرتها الأولى﴾
إعلم أن قوله ( وما تلك بيمينك) لفظتان ، فقوله ( وما تلك ) إشارة إلى العصا ، وقوله
( بيمينك ) إشارة إلى اليد، وفى هذا نكت (إحداها) أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل
واحدة منهما معجزاً قاهراً وبرهاناً باهراً، ونقله من حد الجمادية إلى مقام الكرامة ، فاذا صار

٢٥
قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى . سورة طه .
الجماد بالنظر الواحد حيواناً، وصار الجسم الكثيف نورانياً لطيفاً، ثم إنه تعالى ينظر كل يوم
ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد، فأى جب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة
ونور المعرفة ( وثانيها) أن بالنظر الواحد صار الجماد ثعباناً يبتلع سحر السحرة ، فأى عجب لو صار
القلب بمدد النظر الإلهى بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء (وثالثها) كانت العصا فى يمين
موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعباناً وبرهاناً ، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع
الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه الكرامة والبركة . فأى عجب لو انقلب قلب
المؤمن بسبب إصبعى الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية، ثم ههنا سؤالات ( الأول )
قوله ( وما تلك بيمينك ياموسى) سؤال والسؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى
محال فما الفائدة فيه (والجواب) فيه فوائد ( إحداها ) أن من أراد أن يظهر من الشىء الحقير شيئاً
شريفاً فإنه يأخذه ويعرضه على الحاضرين ويقول لهم هذا ماهو ؟ فيقولون هذا هو الشىء الفلانى
ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة فيه يقول لهم خذا منه كذا وكذا . فالله تعالى لما أراد أن يظهر
من العصا تلك الآيات الشريفة كانقلا بها حية ، وكضربه البحر حتى انفلق. وفى الحجر حتى انفجر
منه الماء. عرضه أولا على موسى فكانه قال له ياموسى هل تعرف حقيقة هذا الذى بيدك وأنه
خشبة لا تضرولا تنفع ، ثم إنه قلبه ثعباناً عظيما. فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته
ونهاية عظمته من حيث إنه أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة
من قوله ( وما تلك بيمينك ياموسى). (وثانيها) أنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار
المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه، ثم إنه مزج اللطف
بالقهر فلاطفه أولا بقوله ( وأنا اخترتك ) ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه وإلزامه علم المبدأ
والوسط والمعاد ثم ختم كل ذلك بالتهديد العظيم، تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من
الشمال فقيل له ( وما تلك بيمينك يا موسى) ليعرف موسى عليه السلام أن يمينه هى التى فيها
العصا، أو لأنه لما تكلم معه أولا بكلام الإلهية وتحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر
إزالة لتلك الدهشة والخيرة ، والنكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى فى الحضرة أراد رب
العزة إزالتها فسأله عن العصا وهو لا يقع الغلط فيه. كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة
ذى الجلال فالدهشة تغلبه والحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذى لم يغلط فيه فى الدنيا
وهو التوحيد فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه ( وثالثها ) أنه تعالى لما عرف موسى كمال
الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن
فيها منافع أعظم ما ذكر ؛ تنبيهاً على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبى الحاضر فلولا التوفيق
والعصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها (ورابعها) فائدة هذا السؤال
أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافها ( السؤال الثانى) قوله ( وما تلك بيمينك

٢٦
قوله تعالى : وما تلك بیمینك يا موسى . سورة طه .
يا موسى) خطاب من الله تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد صلى الله
عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد (الجواب) من وجهين (الأول) أنه تعالى كما خاطب
موسى فقد خاطب محمداً عليه السلام فى قوله ( فأوحى إلى عبده ما أوحى) إلا أن الفرق بينهما
أن الذى ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه اللّه إلى الخلق، والذى ذكره مع محمد صلى الله عليه وسلم
كان سراً لم يستأهل له أحد من الخلق (والثانى) إن كان موسى تكلم معه وهو [ تكلم] مع موسى فأمة
محمد بدَّم يخاطبون الله فى كل يوم مرات على ماقال ◌َّ اليه ((المصلى يناجى ربه)) والرب يتكلم مع
آحاد أمة محمد ◌ّ يوم القيامة بالتسليم والتكريم والتكليم فى قوله ( سلام قولا من رب رحيم).
(السؤال الثالث) ما إعراب قوله (وماتلك بيمينك ياموسى) الجواب ، قال صاحب الكشاف (تلك
بيمينك) كقوله (وهذا بعلى شيخاً) فى انتصاب الحال بمعنى الاشارة ويجوز أن يكون تلك اسما
موصولا وصلته ( بيمينك ) قال الزجاج معناه وما التى بيمينك ، قال الفراء: معناه ماهذه التى فى
يمينك ، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة
أشياء، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال (الأول) قوله (هى عصاى) قرأ ابن أبى إسحق (هى
عصى) ومثلها (يا بشرى) وقرأ الحسن (هى عصاى) بسكون الياء والنكت ههنا ثلاثة (إحداها)
أنه قال ( هى عصاى ) فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولا بالعصا ومنافعها كيف يكون مستغرقا
فى بحر معرفة الحق ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم عرض عليه الجنة والنار فلم يلتفت إلى شىء
(ما زاغ البصر وما طفى) ولما قيل له امدحنا، قال: ((لا أحصى ثناء عليك)) ثم نسى نفسه ونسى
ثناءه، فقال ((أنت كما أثنيت على نفسك)) (وثانيها) لما قال (عصاى) قال اللّه سبحانه وتعالى (ألقها،
فلما ألقاها فاذا هى حية تسعى) ليعرف أن كل ماسوى اللّه فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة
لك. ولهذا قال الخليل عليه السلام (فانهم عدو لى إلارب العالمين) وفى الحديث ((يجاء يوم القيامة
بصاحب المال الذى لم يؤد زكاته ويؤتى بذلك المال على صورة شجاع أفرع )) الحديث بتمامه.
( وثالثها ) أنه قال هى عصاى فقد تم الجواب ، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان
يحب المكالمة مع ربه جعل ذلك كالوسيلة الى تحصيل هذا الغرض (الثانى) قوله (أتوكاً عليها )
والتوكى، والإتكام واحد كالتوقى، والإتقاء معناه أعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس
القطيع أو عند الطفرة جعل موسى عليه السلام نفسه متوكئاً على العصا وقال الله تعالى لنمحمد صلى
الله عليه وسلم ((اتكى، على رحمى)) بقوله تعالى ( يا أيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
وقال ( والله يعصمك من الناس ) فان قيل أليس قوله ( ومن اتبعك من المؤمنين ) يقتضى كون
محمد يتوكأ على المؤمنين؟ قلنا قوله (ومن اتبعك من المؤمنين ) معطوف على الكاف فى قوله
(حسبك اللّه) والمعنى الله حسبك، وحسب من اتبعك من المؤمنين (الثالث) قوله (وأهش
بها على غنمى ) أى أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمى فتأكله. وقال أهل

٢٧
قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى . سورة طه .
اللغة: هش على غنمه، يهش بضم الهاء فى المستقبل، وهششث الرجل أهش بفتح الهاء فى المستقبل،
وهش الرغيف يهش بكسر الهاء. قاله ثعلب، وقرأ عكرمة (وأهس) بالسين غير المنقوطة، والمش
زجر الغنم، واعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه فى قوله (أتوكأ عليها ) ثم بمصالح رعيته
فى قوله ( وأهش بها على غنمى ) فكذلك فى القيامة يبدأ بنفسه فيقول نفسى نفسى ومحمد صلى الله
عليه وسلم لم يشتغل فى الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ((اللهم
أهد قومى فانهم لا يعلمون)) فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضاً بأمته فيقول: ((أمتى أمتى)) (والرابع)
قوله ( ولى فيها مآرب أخرى) أى حواتج ومنافع واحدتها مأربة بفتح الراء وضمها، وحكى ابن
الأعرابى وقطرب بكسر الراء أيضا، والأرب بفتح الراء، والإربة بكسر الألف وسكوت
الراء الحاجة ، وإنما قال أخرى لأن المآرب فى معنى جماعة فكانه قال جماعة من الحاجات
أخرى ولو جاءت أخر لكان صواباً كما قال (فعدة من أيام أخر ) ثم ههنا نكت (إحداها )
أنه لما سمع قول الله تعالى (وما تلك بيمينك) عرف أن الله فيه أسراراً عظيمة فذكر ماعرف
وعبر عن البواقى التى ماعرفها إجمالا لا تفصيلا بقوله (ولى فيها مآرب أخرى). (وثانيها) أن
موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة . فقال موسى: إلهى
ما هذه العصا إلا كغيرها ، لكنك لما سألت عنها عرفت أن لى فيها مآرب أخرى ومن جملتها أنك
كلشى بسبيها فوجدت هذا الأمر العظيم الشريف بسببها (وثالثها) أن موسى عليه السلام أجمل رجاء
أن يسأله ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام اللّه مرة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك
( ورابعها) أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه وتشوش فكره فأجمل
مرة أخرى ، ثم قال وهب: كانت ذات شعبتين كالمحجن ، فاذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا حاول
كسره لواه بالشعبتين، [و]إذا ساروضعها على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس والكنانة والثياب،
وإذا كان فى البرية ركزها وألقى كساء عليها فكانت ظلا . وقيل كان فيها من المعجزات أنه كان
يستقى بها فتطول بطول البتر وتصير شعبتاها دلواً ويصيران شمعتين فى الليالى، وإذا ظهر عدو
حاربت عنه. وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت. وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت تماشيه
ويركزها فينبع الماء فاذا رفعها نصب وكانت تقيه الهوام . واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر
هذه الجوابات أمره الله تعالى بالقاء العصا فقال ( ألقها ياموسى) وفيه نكت (إحداها) أنه عليه
السلام لما قال ( ولى فيها مآرب أخرى ) أراد الله أن يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها
ولا يعرفها وأنها أعظم من سائر مآربه فقال ( ألقها يا موسى ؛ فألقاها فاذا هى حية تسعى )
( وثانيتها ) كان فى رجله شىء وهو النعل وفى يده شىء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد
آلة الطلب فقال أولا ( اخلع نعليك) إشارة إلى ترك الهرب، ثم قال ألقها ياموسى وهو إشارة
إلى ترك الطلب. كأنه سبحانه قال إنك مادمت فى مقام الهرب والطلب كنت مشتغلا بنفسك

٢٨
قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى . سورة طه .
وطالباً لحظك فلا تكون خالصاً لمعرفتى فكن تاركا للهرب والطلب لتكون خالصاً لى ( وثالثتها)
أن موسى عليه السلام مع على درجته ، وكمال منقبته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا
الفعلان والعصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف وقر من المعاصى
كيف يمكنك الوصول إلى جنابه ( ورابعتها) أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مجردا عن الكل
مازاغ البصر فلا جرم وجد الكل ، لعمرك أما موسى لما بقى معه تلك العصا لاجرم أمره بالقاء
العصا. واعلم أن الكعبى تمسك به فى أن الاستطاعة قبل الفعل فقال القدرة على إلقاء العصا، إما
أن توجد والعصا فى يده أو خارجة من يده فان أنته القدرة وهى فى يده فذاك قولنا ( وأن الله
ليس بظلام للعبيد) واذا أتته وليست فى يده وإنما استطاع أن يلقى من يده ماليس فى يده فذلك
محال ، أما قوله ( فألقاها فاذا هى حية تسعى) ففيه أسئلة: (السؤال الأول ) ما الحكمة فى قلب
العصاحية فى ذلك الوقت ؟ (الجواب ) فيه وجوه: (أحدها) أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة
لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء،
والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا أنه لم يكن معجزاً لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو
الجن فلا جرم قلب اللّه العصاحية ليصير ذلك دليلا قاهراً والعجب أنموسى عليه السلام قال أتوكأ
عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكاله بأن جعلها معجزة له ( وثانيها) أن النداء كان إكراما له
فقلب العصاحية مزيداً فى الكرامة ليكون توالى الخلع والكرامات سبباًلزوال الوحشة عن قلبه
( وثالثها) أنه عرض عليه ليشاهده أولا فإذا شاهده عند فرعون لايخافه ( ورابعها) أنه كان راعياً
فقيراً ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقى فى قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيهاً على انى
لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد منى نصرة مثلك فى إظهار الدين ( وخامسها ) أنه لما قال (هى
عصاى أتوكاً عليها ) إلى قوله ( ولى فيها مآرب أخرى) فقيل له ( ألقها فلما ألقاها) وصارت
حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر
منها، تنبيهاً على سر قوله (ففروا إلى الله) وقوله ( قل اللّه ثم ذرهم) (السؤال الثانى ) قال مهنا حية
وفى موضع آخر ثعبان وجان ، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير،
وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان:
(أحدهما ) أنها كانت وقت انقلابها خية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت
تعياناً وأريد بالجان أول خالها وبالثعبان مآلها ( والثانى) أنها كانت فى شخص الثعبان وسرعة
حركة الجان ، والدليل عليه قوله تعالى (فلما رآها تهتز كأنها جان). (السؤال الثالث) كيف كانت
صفة الحية (الجواب) كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحيها أربعون ذراعا، وابتلعت كل
مامرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر فى فمها وجوفها ، أما قوله تعالى
(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) ففيه سؤالات ( السؤال الأول) لما نودى موسى

٢٩
قوله تعالى : واضمم يدك إلى جناحك . سورة طه .
وَأَضُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرٍ سُوءٍ ◌َايَةً أُخْرَى
لِغُرِيَكَ مِنْ ءَبَتِنَا الْكُبْرَى ◌َ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنْهُ طَغَى
وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف (والجواب)
من وجوه: (أحدها ) أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك
ذلك قط ، وأيضاً فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول. وعند الفزع الشديد قديذهل الإنسان عنه
قال الشيخ أبو القاسم الأنصارى رحمه الله تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه فى
النبوة لأن الساحر يعلم أن الذى أتى به تمويه فلا يخافه البتة (وثانيها ) قال بعضهم خافها لأنه عليه
السلام عرف ما لقى آدم منها ( وثالثها) أن مجرد قوله ( لا تخف) لا يدل على حصول الخوف
كقوله تعالى ( ولا تطع الكافرين) لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله ( فلما رآها تهتز
كأنها جان ولى مدبراً) يدل عليه، ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد صلى
الله عليه وسلم فانه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان، وأما محمد عليه السلام
فما أظهر الرغبة فى الجنة ولا النفرة عن النار (السؤال الثانى) متى أخذها، بعد انقلابها عصا أو قبل
ذلك ( والجواب) روى أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة والقرآن يدل عليه أيضاً بقوله
(سنعيدها سيرتها الأولى) وذلك يقع فى الاستقبال، وأيضاً فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب
العصاحية معجزة فكذلك إدخال يده فى فمها من غير ضرر معجزة وانقلا بها خشباً معجز آخر
فيكون فيه توالى المعجزات فيكون أقوى فى الدلالة (السؤال الثالث) كيف أخذه . أمع الخوف
أو بدونه (والجواب) روى مع الخوف ولكنه بعيد. لأن بعد توالى الدلائل يبعد ذلك. وإذا علم
موسى عليه السلام أنه تعالى عند الآخذسيعيدها سيرتها الأولى فكيف يستمر خوفه ، وقد علم صدق
هذا القول وقال بعضهم لما قال له ربه (لا تخف) بلغ من ذلك ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه إلى أن
أدخل يده فى فمها وأخذ بلحييها ( السؤال الرابع) ما معنى سيرتها الأولى (والجواب) قال صاحب
الكشاف السيرة من السير كالر كبة من الركوب يقال سارفلان سيرة حسنة ثم لتسع فيها فنقلت إلى
معنى المذهب والطريقة (السؤال الخامس) علام انتصب سيرتها (الجواب) فيه وجهان (أحدهما)
بنزع الخافض يعنى إلى سيرتها (وثانيهما) أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى
أنها كانت أولا عصا فصارت حية فسنجعلها عصا كما كانت فنصب سيرتها بفعل مضمر أى تسير سيرتها
الأولى يعنى سنعيدها سائرة بسيرتها الأولى حيث كنت تتوكا عليها ولك فيها المآرب التى عرفتها.
قوله تعالى: ﴿ رأضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى، لنريك من آياتنا
الكبرى ، إذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ .

٣٠
قوله تعالى : واضمم يدك إلى جناحك . سورة طه .
أعلم أن هذا هو المعجزة الثانية وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) يقال اكل ناحيتين جناحان جناحى العسكر لطرفيه وجناحا الإنسان
جنياه والأصل المستعار منه جناحا الطائر لأنه يجنحهما عند الطيران، وروى عن ابن عباس رضى
الله عنهما إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى لأن يدى الإنسان يشبهان جناحى الطائر لأنه قال
( تخرج بيضاء) ولو كان المراد بالجناح الصدر لم يكن لقوله (تخرج) معنى واعلم أن معنى ضم اليد
إلى الجناح ما فال فى آية أخرى ( وأدخل يدك فى جيبك ) لأنه إذا أدخل يده فى جيبه كان قد ضم
يده إلى جناءه والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ السوء الرداءة والقبح فى كل شىء فكنى به عن البرص كما كى عن العورة
بالسوأة والبرص أبغض شىء إلى العرب فكان جديراً بأن يكنى عنه يروى أنه عليه السلام كان
شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى فى جيبه وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها كانت تبرق
مثل البرق وقيل مثل الشمس من غير برص ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ بيضاء وآية حالان معاً ومن غير سوء من صلة البيضاء كما تقول ابيضت من
غير سوء وفى نصب آية وجه آخر وهو أن يكون باضمار نحو خذ ودونك وما أشبه ذلك حذف
لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف لنريك أى خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا لنريك
نهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا أو لنريك من آياتنا الكبرى
فعلنا ذلك ، فان قيل الكبرى من نعت الآيات فلم لم يقل الكبر؟ قلنا بل هى نعت الآية والمعنى لنريك
الآية الكبرى ولئن سلمنا ذلك فهو كما قدمنا فى قوله ( مآرب أخرى، والأسماء الحسنى).
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الحسن اليد أعظم فى الإعجاز من العصا لأنه تعالى (ذكر لنريك من
آياتنا الكبرى عقيب ذكر اليد وهذا ضعيف لأنه ليس فى اليد إلا تغير اللون، وأما العصا ففيه
تغير اللون وخلق الزيادة فى الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر
والشجر، ثم عاد عصابعد ذلك. فقد وقع التغير مرة أخرى فى كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم ،
وأما قوله ( لنريك من آياتنا الكبرى ) فقد بينا أنه عائد إلى الكل وأنه غير مختص باليد
و المسألة الخامسة ﴾ أنه سبحانه وتعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى
فرعون وبين العلة فى ذلك وهى أنه طغى ، وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى عليه السلام
كان مبعوثاً إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر وكان متبوعا فكان ذكره أولى. قال وهب قال الله
تعالى لموسى عليه السلام ((اسمع كلامى واحفظ وصيتى وانطلق برسالتى فانك بعينى وسمعى وإن معك
يدى وبصرى وإنى ألبستك جنة من سلطانى لتستكمل بها القوة فى أمرى أبعثك إلى خلق ضعيف
من خلقى بطر نعمتى وأمن مكرى وغرته الدنيا حتى جحد حقى وأنكر ربو يتى، وإنى أقسم بعزنى
لولا الحجة والعذر الذى وضعت بينى وبين خلقى لبطشت به بطشة جبار ولكن هان على وسقط

٣١
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
﴿ وَيَسِّرْلِ أَمْرِى (﴾ وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّن
قَالَ رَبِّ اشْرِحْلِ صَدِی
تِسَائِى ◌ْ يَفْقَهُواْ قَوْلِ ﴿ وَأَجْعَل ◌ِّي وَزِيرًاً مِّنْ أَهْلِ ﴿ هَثُرُونَ أَنِى
أَشْدُدْ بِةَ أَزْرِى ﴾ وَأَشْرِكُ فِىَ أَعْرِى ◌َ كَىْ نُسَبِحَكَ كَثِيرً ﴾ وَنَذْكُرَكَ
كَثِيراً ( إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا يَصِيرًا دهـ
من عینی فبلغه عنی رسالتی وادعه إلى عبادتی وحذره نقمتی ( وقل له قولا ليناً ) لا يغترن بلباس
الدنيا فان ناصيته بيدى ، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلى، فى كلام طويل ، قال فسكت موسى سبعة
أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده )) .
قوله تعالى: ﴿قال رب اشرح لى صدرى، ويسر لى أمرى، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا
قولى ، واجعل لى وزيراً من أهلى، هرون أخى، أشدد به أزرى، وأشركه فى أمرى ، كى نسبحك
كثيراً، ونذكرك كثيراً ، إنك كنت بنا بصيراً
إعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ذلك تكليفاً شاقاً
فلا جرم سأل ربه أموراً ثمانية ، ثم ختمها بما يجرى مجرى العلة لسؤال تلك الأشياء.
﴿ المطلوب الأول) قوله ( رب اشرح لى صدرى) واعلم أنه يقال شرحت الكلام أى ينته
وشرحت صدره أى وسعته والأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ببسطه ، والسبب فى
هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه فى موضع آخر وهو قوله ( ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى)
فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، وقال (رب اشرح لى صدرى) فأفهم عنك ما أنزلت
على من الوحى ، وقيل شجعنى لأجترىء به على مخاطبة فرعون ثم الكلام فيه يتعلق بأمور (أحدها )
فائدة الدعاء وشرائطه ( وثانيها) ما السبب فى أن الانسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء الله تعالى
إلا الرب ( وثالثها) ما معنى شرح الصدر (ورابعها) بماذا يكون شرح الصدر (وخامسها)
كيف كان شرح الصدر فى حق موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ( وسادسها ) صفة
صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحا أو لم يكن منشرحا ، فإن كان منشرحا كان طلب شرح
الصدر تحصيلا للحاصل وهو محال ، وإن لم يكن منشرحا فهو باطل من وجهين (الأول) أنه سبحانه
بين له فيما تقدم كل ما يتعلق بالأديان من معرفة الربوبية والعبودية وأحوال المعاد وكل ما يتعلق
بشرح الصدر فى باب الدين فقد حصل، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله (وأنا اخترتك فاستمع لما
يوحى) ثم كلمة على سبيل الملاطفة بقوله (وما تلك بيمينك ياموسى) ثم أظهر له المعجزات

٣٢
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري سورة طه
العظيمة والكرامات الجسيمة ، ثم أعطاه منصب الرسالة بعد أن كان فقيراً وكل ما يتعلق به
الإعزاز والإكرام فقد حصل ، ولو أن ذرة من هذه المناصب حصلت لأدون الناس لصار
منشرح الصدر فبعد حصولها لكليم الله تعالى يستحيل أن لا يصير منشرح الصدر (والثانى) أنه
لما لم يصر منشرح الصدر بعد هذه الأشياء لم يجز من اللّه تعالى تفويض النبوة إليه فإن من كان ضيق
القلب مشوش الخاطر لا يصلح للقضاء على ماقال عليه السلام ((لا يقضى القاضى وهو غضبان))
فكيف يصلح للنبوة التى أقل مراتبها القضاء؟ فهذا مجموع الأمور التى لابد من البحث عنها فى
هذه الآية .
﴿ أما البحث الأول ) وهو فائدة الدعاء وشرائطه فقد تقدم فى تفسير قوله ( ربنا
لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) إلا أنه نذكر منها ههنا بعض الفوائد المتعلقة بهذا الموضع فنقول
اعلم أن الكمال مراتب ودرجات وأعلاها أن يكون كاملا فى ذاته مكملا لغيره ، أما كونه كاملا
فى ذاته فكل ما كان كذلك کان کاله من لوازم ذاته، وكل ما كان كذلك كان كاملا فى الأزل
ولكنه يستحيل أن يكون مكملا فى الأزل لأن التكميل عبارة عن جعل الشىء كاملا وذلك
لا يتحقق إلا عند عدم الكمال، فإنه لو كان حاصلا فى الأزل لاستحال التأثير فيه ، فان تحصيل
الحاصل محال وتكوين الكائن ممتنع فلا جرم أنه سبحانه ، وإن كان كاملا فى الأزل إلا أنه يصير
مكملا فيما لايزال ، فان قيل إذا كان التكميل من صفات الكمال حيث لم يكن مكملا فى الأزل
فقد كان عارياً عن صفات الكمال فيكون ناقصاً وهو محال ، قلنا النقصان إنما يلزم لو كان ذلك
ممكناً فى الأزل لكنا بينا أن الفعل الأزلى محال فالتكميل الأزلى محال فعدمه لا يكون نقصاناً ، كما
.أن قولنا إنه لا يقدر على تكوين مثل نفسه لا يكون نقصاناً لأنه غير ممكن الوجود فى نفسه،
وكقولنا أنه لا يعلم عدداً مفصلا كركات أهل الجنة لأن كل ماله عدد مفصل فهو متناه، وحركات
أهل الجنة غير متناهية فلا يكون له عدد مفصل ، فامتنع ذلك لالقصور فى العلم، بل لكونه فى نفسه
يمتنع الحصول. إذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه وتعالى لما قصد إلى التكوين وكان الغرض منه
تكميل الناقصين لأن الممكنات قابلة للوجود وصفة الوجود صفة كمال فاقتضت قدرة الله تعالى
على التكميل وضع مائدة الكمال للممكنات فأجلس على المائدة بعض المعدومات دون البعض
لأسباب (أحدها ) أن المعدومات غير متناهية فلو أجلس الكل على مائدة الوجود لدخل ما لانهاية*
له فى الوجود ( وثانيها ) أنه لو أوجد الكل لما بقى بعد ذلك قادراً على الإيجاد لأن إيجاد الموجود
محال ، فكان ذلك وإن كان كمالا للناقص لكنه يقتضى نقصان الكامل فإنه ينقلب القادر من القدرة
إلى العجز ( وثالثها) أنه لو دخل الكل فى الوجود لما بقى فيه تمييز فلا يتميز القادر عن الموجب
والقدرة كمال والإيجاب بالطبع نقصان ، فلهذه الأسباب أخرج بعض الممكنات إلى الوجود فان
قيل عليه سؤالان (أحدهما ) أن الموجودات متناهية والمعدومات غير متناهية ولانسبة للمتناهى

٣٣
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
إلى غير المتناهى ، فتكون أيضاً الضيافة ضيافة للأقل، وأما الحرمان فإنه عدد لما لا نهاية له ، وهذا
لا يكون وجودا ( الثانى) أن البعض الذى خصه بهذه الضيافة إن كان لاستحقاق حصل فيه دون
غيره فذلك الاستحقاق من حصل ؟ وإن كان لا لهذا الاستحقاق كان ذلك عبئاً وهو محال كما قيل :
يعطى ويمنع لا بخلا ولا كرماً
وإنه لا يليق بأكرم الأكرمين (والجواب) عن الكل أن هذه الشبهات إنما تدور فى
العقول والخيالات لأن الإنسان يحاول قياس فعله على فعلنا، وذلك باطل لأنه لا يسأل عما يفعل
وهم يسألون. إذا عرفت هذا فهذا الوجود الفائض من نور رحمته على جميع الممكنات هو الضيافة
العامة والمائدة الشاملة وهو المراد من قوله (ورحمتى وسعت كل شىء) ثم إن الموجودات انقسمت
إلى الجمادات وإلى الحيوانات ، ولا شك أن الجماد بالنسبة إلى الحيوان كالعدم بالنسبة إلى الوجود
لأن الجماد لا خبر عنده من وجوده فوجوده بالنسبة اليه كالعدم وعدمه كالوجود، وأما الحيوان
فهو الذى يميز بين الموجود والمعدوم ويتفاوتان بالنسبة اليه ولأن الجماد بالنسبة إلى
الحيوان آلة لأن الحيوانات تستعمل الجمادات فى أغراض أنفسها ومصالحها وهى كالعبد
المطيع المسخر والحيوان كالمالك المستولى. فكانت الحيوانية أفضل من الجمادية فكما أن إحسان
الله ورحمته اقتضيا وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون البعض كذلك اقتضيا وضع
مائدة الحياة لبعض الموجودات دون البعض ، فلاجرم جعل بعض الموجودات أحياء دون البعض .
والحياة بالنسبة إلى الجماديه كالنور بالنسبة إلى الظلمة والبصر بالنسبة إلى العمى والوجود بالنسبة
إلى العدم ، فعند ذلك صار بعض الموجودات حياً مدركا للمنافى والملائم واللذة والألم والخير
والشر ، فمن ثم قالت الأحياء عند ذلك يارب الأرباب إنا وإن وجدنا خلعة الوجود وخلعة الحياة
وشرفتنا بذلك، لكن ازدادت الحاجة لأنا حال العدم وحال الجمادية ما كنا نحتاج إلى الملائم
والموافق وما كنا نخاف المنافى والمؤذى، ولما حصل الوجود والحياة احتجنا إلى طلب الملائم
ودفع المنافى فإن لم تكن لنا قدرة على الهرب والطلب والدفع والجذب لبقينا كالزمن المقعد على
الطريق عرضة للآفات وهدفا لسهام البليات فأعطنا من خزائن رحمتك القدرة والقوة التى بها
نتمكن من الطلب تارة والهرب أخرى ، فاقتضت الرحمة التامة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما
اقتضت تخصيص بعض الموجودات بالحياة وتخصيص بعض المعدومات بالوجود. فقال القادرون
عند ذلك إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا لأحد القسمين إما
للمجانين المقيدين بالسلاسل والأغلال، وإما البهائم المستعملة فى حمل الأثقال وكل ذلك من صفات
النقصان وأنت قد رقيقنا من حضيض النقصان إلى أوج الكمال فأفض علينا من العقل الذى هو
أشرف مخلوقاتك وأعز مبدعاتك الذى شرفته بقولك (بك أهين وبك أثيب وبك أعاقب)» حتى
تفوز من خزائن رحمتك بالخلع الكاملة والفضيلة التامة فأعطاهم العقل وبعث فى أرواحهم نور
الفخر الرازى - = ٣٠٢٢

٣١
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
البصيرة وجوهر الهداية فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة الوجود والحياة والقدرة والعقل
فالعقل خاتم الكل والخاتم يجب أن يكون أفضل ألا ترى أن رسولنا بوليه لما كان خاتم النبيين
كان أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإنسان لما كان خاتم المخلوقات الجسمانية كان أفضلها
فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذى الجلال كان أفضل الخلع وأكملها ، ثم
نظر العقل فى نفسه فرأى نفسه كالجفنة المملوأة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء ملوأة من
الكواكب الزاهرة وهى العلوم الضرورية البديهية المركوزة فى بدائه العقول وصرائح الأذهان،
وكما أن الكواكب المركوزة فى السموات علامات يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر، فكذلك
الجواهر المركوزة فى سماء العقل كوا كب زاهرة يهتدى بها السائرون فى ظلمات عالم الأجسام إلى
أنوار العالم الروحانية وفسحة السموات وأضواتها . فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة
والجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث على تلك الجواهر وعلى جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام
على راقم ، وبتلك النقوش على ناقش . وعند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش والبانى بخلاف
البناء، فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم القدم وطالع عالم القدم
الأزلية والجلال وكان العقل إنما نظر إلى أضواء عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث والإمكان
فغلبته دهشة أنوار الأزلية فعميت عيناه فبقى متحيراً فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار، فقال(رب
اشرح لى صدرى) فان البحار عميقة والظلمات متكاثفة، وفى الطريق قطاع من الأعداء الداخلة
والخارجة وشياطين الإنس والجن كثيرة فإن لم تشرح لى صدرى ولم تكن لى عونا فى كل الأمور
انقطعت، وصارت هذه الخلع سبباً لنيل الآفات لاللفوز بالدرجات. فهذا هو المراد من قوله (رب
اشرح لى صدرى) ثم قال (ويسر لى أمرى) وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال
والأقوال والحركات والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلا له ، فهذه الإرادة
صفة محدثة ولابد لها من فاعل وفاعلها إن كان هو العبد افتقر فى تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة
أخرى، ولزم التسلسل بل لابد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدير العالم فيكون فى الحقيقة هو الميسر
للأمور وهو المتمم لجميع الأشياء وتمام التحقيق أن حدوث الصفة لابد له من قابل وفاعل فعبر
عن استعداد القابل بقوله ( رب اشرح لى صدرى) وعبر عن حصول الفاعل بقوله ( ويسرلى
أمرى) وفيه التنبيه على أنه سبحانه وتعالى هو الذى يعطى القابل قابليته والفاعل فاعليته، ولهذا كان
السلف رضى الله عنهم يقولون: يامبتدئاً بالنعم قبل استحقاقها . ومجموع هذين الكلامين كالبرهان
القاطع على أن جميع الحوادث فى هذا العالم واقعة بقضائه وقدره وحكمته وقدرته . ويمكن أن يقال
أيضاً كأن موسى عليه السلام قال إلهى لاأكتفى بشرح الصدر ولكن أطلب منك تنفيذ الأمر وتحصيل
الغرض فلهذا قال ( ويسرى أمرى) أو يقال إنه سبحانه وتعالى لما أعطاه الخلع الأربع وهى
الوجود والحياة والقدرة والعقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلابد فى

٣٥
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
مقابلتها من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة ، فقال موسى عليه السلام ما تلك الخدمات ؟ فقال
وأقم الصلاة لذكرى فإن فيها أنواعاً أربعة من الخدمة القيام والقراءة والركوع والسجود فإذا
أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة بخدمة. ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة وهى خلعة الرسالة
قال ( رب اشرح لى صدرى) حتى أعرف أنى بأى خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن تجتهد فى
أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى يارب إن هذا لا يتأتى منى مع عجزى وضعفى وقلة
آلانى وقوة خصمى فاشرح لى صدرى ويسر لى أمرى (الفصل الثانى) فى قوله (رب اشرح لى
صدرى) إعلم أن الدعاء سبب القرب من الله تعالى وإنما اشتغل موسى بهذا الدعاء طلباً للقرب
فتفتقر إلى بيان أمرين إلى بيان أن الدعاء سبب القرب ثم إلى بيان أن موسى عليه السلام طلب
القرب بهذا الدعاء أما بيان أن الدعاء سبب القرب فيدل عليه وجوه (الأول) أن الله تعالى ذكر
السؤال والجواب فى كتابه فى عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية أما الأصولية فأولها فى البقرة
(يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج) (وثانيها) فى بنى إسرائيل (ويسألونك عن الروح
قل الروح من أمر ربى) (وثالثها) ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفاً) (ورابعها)
(يسألونك عن الساعة أيان مرساها) وأما الفروعية فستة منها فى البقرة على التوالى (أحدها )
( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فالوالدين والأقربين ) ( وثانيها) ( يسألونك عن
الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) (وثالثها) (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير)
(ورابعها) (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) (وخامسها) ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح
لهم خير) (وسادسها) ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) (وسابعها) (يسألونك عن الأنفال
قل الأنفال لله والرسول) (وثامنها) (ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً)
(وتاسعها) ( ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق) (وعاشرها) ( يستفتونك قل الله يفتيكم
فى الكلالة). (والحادية عشر) (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب) إذا عرفت هذا فنقول جاءت
هذه الأسئلة والأجوبة على صور مختلفة، فالأغلب فيها أنه سبحانه وتعالى لما ذكر السؤال قال لمحمد
صلى الله عليه وسلم قل وفى صورة أخرى جاء الجواب بصيغة فقل مع فاء التعقيب وفى صورة
ثالثة ذكر السؤال ولم يذكر الجواب وهو قوله تعالى ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها) وفى
بصورة رابعة ذكر الجواب ولم يذكر فيه لفظ قل ولا لفظ فقل وهو قوله تعالى (وإذا سألك
عبادى عنى فإنى قريب) ولا بد لهذه الأشياء من الفائدة فنقول أما الأجوبة الواردة بلفظ قل فلا
إشكال فيها لأن قوله تعالى قل كالتوقيع المحدد فى ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكالتشريف
المحددفى كونه مخاطباً من اللّه تعالى بأداء الوحى والتبليغ. وأما الصورة الثانية وهى قوله (فقل ينسفها
ربى نسفاً) فالسبب أن قولهم (ويسألونك عن الجبال) سؤال إما عن قدمها أو عن وجوب بقائها
وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر الله تعالى محمداً بم لم أن يجيب بلفظ

٣٦
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
الفاء المفيد للتعقيب كأنه سبحانه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال فى الحال ولا تقتصر فإن الشك
فيه كفر ولا تمهل هذا الأمرلئلا يقعوا فى الشك والشبهة، ثم كيفية الجواب أنه قال (فقل ينسفها
ربى نسفاً ) ولا شك أن النسف مكن لأنه يمكن فى حق كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل عليه
فوجب أن يكون ممكناً فى حق كل الجبل وذلك يدل على أنه ليس بقديم ولا واجب الوجود لأن
القديم لا يجوز عليه التغير والنسف . فإن قيل إنهم قالوا أخبرنا عن إلهك أهو ذهب أو فضة أو
حديد فقال ( قل هو الله أحد) ولم يقل فقل هو الله أحد مع أن هذه المسألة من المهمات قلنا إنه
تعالى لم يحك فى هذا الموضع .سؤالهم وحرف الفاء من الحروف العاطفة فيستدعى سبق كلام فلما
لم يوجد ترك الفاء بخلاف ههنا فانه تعالى حكى سؤالهم حسن عطف الجواب عليه بحرف الهاء
( وأما الصورة الثالثة) فإنه تعالى لم يذكر الجواب فى قوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها )
فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على المفاسد التى شرحناها فيما سبق فلهذا
لم يذكر الله تعالى ذلك الجواب وذلك يدل على أن من الأسئلة مالا يجاب عنها (وأما الصورة الرابعة)
وهى قوله (فانى قريب) ولم يذكر فى جوابه قل ففيه وجوه (أحدها) أن ذلك يدل على تعظيم حال
الدعاء وأنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال يا عبدى أنت إنما تحتاج إلى الواسطة فى غير الدعاء
أما فى مقام الدعاء فلا واسطة بينى وبينك يدل عليه أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات
قال لرسوله صلى الله عليه وسلم اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى (واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق).
(واتل عليهم نبأ الذى آتيناه فانسلخ منها). (واذكر فى الكتاب موسى). (واذكر فى الكتاب
إسمعيل). (واذكر فى الكتاب إدريس). (ونبثهم عن ضيف إبراهيم)، ثم قال فى قصة يوسف
(نحن نقص عليك أحسن القصص ) وفى أصحاب الكهف ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق). وما
ذاك إلا لما فى هاتين القصتين من العجائب والغرائب، والحاصل كأنه سبحانه وتعالى قال يا محمد إذا
سئلت عن غيرى فكن أنت المجيب، وإذا سئلت عنى فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل (وثانيها)
أن قوله (وإذا سألك عبادي عنى) يدل على أن العبد له [أن يسأل] وقوله (فإنى قريب) يدل على أن
الرب قريب من العبد (وثالثها) لم يقل فالعبد منى قريب ، بل قال أنا منه قريب، وهذا فيه سر نفيس
فإن العبد مكن الوجود فهو من حيث هو ، هو فى مركز العدم وحضيض الفناء، فكيف يكون قريباً،
بل القريب هو الحق سبحانه وتعالى فإنه بفضله وإحسانه جعله موجوداً وقربه من نفسه فالقرب منه
لامن العبد فلهذا قال (فإنى قريب). (ورابعها) أن الداعى ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير الله
تعالى فإنه لا يكون داعياً لله تعالى فإذا فتى عن الكل وصار مستغرقاً بمعرفة اللّه الأحد الحق
امتنع أن يبقى فى مقام الفناء عن غير اللّه مع الالتفات إلى غير اللّه تعالى فلا جرم رفعت الواسطة
من البين فما قال (فقل إنى قريب) بل قال ((إنى قريب) فثبت بما تقرر فضل الدعاء وأنه من أعظم
القريات ثم من شأن العبد إذا أراد أن يتحف مولاه أن لا يتحفه إلا بأحسن التحف والهدايا فلا

٣٧
قوله تعالى : قال رب اشرح لي صدري : سورة طه .
جرم أول ماأراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات والعبادات أتحفها بالدعاء فلا
جرم قال (رب اشرح لى صدرى). (والوجه الثانى) فى بيان فضل الدعاء قوله عليه السلام (الدعاء
مخ العبادة، ثم إن أول شىء أمر الله تعالى به موسى عليه السلام (العبادة) لأن قوله (إنى أنا الله)
إخبار وليس بأمر إنما الأمر قوله (فاعبدنى) فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو
الآمر بالعبادة لاجرم أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو
تحفة الدعاء فقال (رب اشرح لى صدرى). (والوجه الثالث) وهو أن الدعاء نوع من أنواع العبادة
فكما أنه سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والصوم فكذلك أمر بالدعاء ويدل عليه قوله تعالى ( وإذا
سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب). (وقال ربكمادعونى أستجب لكم). (وادعوه خوفاً وطمعاً).
(ادعوا ربكم تضرعاً وخفية). (هو الحى لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين). ( قل أدعوا الله
أو ادعوا الرحمن). (واذكر ربك فى نفسك تضرعاً وخيفة) وقال له ((ادعوا بياذا الجلال
والإكرام) فبهذه الآيات عرفنا أن الدعاء عبادة قال بعض الجهال الدعاء على خلاف العقل من وجوه
(أحدها) أنه علام الغيوب يعلم ما فى الآنفس وما تخفي الصدور، فأى حاجة بنا إلى الدعاء
( وثانيها ) أن المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان معلوم اللاوقوع
فلا فائدة فيه ( وثالثها ) الدعاء يشبه الأمر والنهى وذلك من العبد فى حق المولى سوء أدب
( ورابعها) المطلوب بالدعاء إن كان من المصالح فالحكيم لا يهمله وان لم يكن من المصالح لم يجز
طلبه ( وخامسها ) فقد جاء أن أعظم مقامات الصديقين الرضا بقضاء الله تعالى، وقد ندب إليه
والدعاء ينافى ذلك لأنه اشتغال بالالتماس والطلب (وسادسها ) قال عليه السلام رواية عن الله
تعالى (( من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)) فدل على أن الأولى ترك
الدعاء والايات التى ذكر تموها تقتضى وجوب الدعاء ( وسابعها) أن إبراهيم عليه السلام لما
ترك الدعاء واكتفى بقوله ((حسبى من سؤالى علمه بحالى)) استحق المدح العظيم فدل على أن الأولى
ترك الدعاء (والجواب، عن الأول) أنه ليس الغرض من الدعاء الاعلام بل هو نوع تضرع كسائر
التضرعات ( وعن الثانى) أنه يجرى مجرى أن نقول للجائع والعطشان إن كان الشبع معلوم
الوقوع فلا حاجة إلى الأكل والشرب وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه ( وعن الثالث )
أن الصيغه وإن كانت صيغة الأمر إلا أن صورة التضرع والخشوع تصرفه عن ذلك (وعن الرابع)
يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء (وعن الخامس) أنه إذا دعا إظهاراً للتضرع ثم رضى
بما قدره الله تعالى فذاك أعظم المقامات وهو الجواب عن البقية إذا ثبت أنه من العبادات ، ثم
إنه تعانى أمره بالعبادة وبالصلاة أمراً ورد بحجملا لاجرم شرع فى أجل العبادات وهو الدعاء
( الوجه الرابع) فى فضل الدعاء أنه سبحانه لم يقتصر فى بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين
فى آلة أخرى أنه يغضب إذا لم يسأل فقال (فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم

٣٨
قوله تعالى : قال رب إشرح لي صدري . سورة طه .
وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) وقال عليه السلام ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفرلى إن شئت))
ولكن يجزم فيقول: اللهم اغفرلى فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء وقال رب اشرح
لى صدرى ( الوجه الخامس ) فى فضل الدعاء قوله تعالى (وقال ربكم ادعونى أستجب لكم) وفيه
كرامة عظيمة لأمتنا لأن بنى اسرائيل فضلهم الله تفضيلا عظيما فقال فى حقهم (وأنى فضلتكم على
العالمين ) وقال أيضاً: (وآتاكم مالم يؤت أحداً من العالمين ) ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا
لموسى عليه السلام (أدع لنا ربك يبين لنا ما هى) وأن الحواربين مع جلالتهم فى قولهم
(نحن أنصار الله ) سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه
وتعالى رفع هذه الواسطة فى أمتنا فقال مخاطباً لهم من غير واسطة (ادعونى أستجب لكم) وقال
( واسألوا الله من فضله) فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه السلام
قد عرفها لاجرم فقال «اللهم اجعلنى من أمة محمد عِّ)) فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال (رب اشرح
لى صدرى) واعلم أنه تعالى قال (وإذا سألك عبادي عنى فانى قريب ) ثم إنه تعالى جعل العباد
على سبعة أقسام ( أحدها ) عبد العصمة ( إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ) وموسى عليه السلام
كان مخصوصاً بمزيد العصمة ( واصطنعتك لنفسى) فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال (رب
اشرح لى صدرى ( وثانيها ) عبد الصفوة (وسلام على عباده الذين اصطفى) وموسى عليه السلام
كان مخصوصاً بمزيد الصفوة ( ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ) فلا جرم
أراد مزيد الصفوة فقال (رب اشرح لى صدرى) (وثالثها ) عبد البشارة ( فبشر عبادى الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه) وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك (وأنا اخترتك فاستمع
لما يوحى) فأراد مزيد البشارة فقال ( رب اشرح لى صدرى) (ورابعها) عبد الكرامة ( ياعباد
لاخوف عليكم) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك (لا تخافا إنى معكما) فأراد الزيادة عليها
فقال ( رب اشرح لى صدرى) (وخامسها) عبد المغفرة (نيء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم )،
وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك ( رب اغفر لى) فغفر له فأراد الزيادة فقال (رب اشرح
لى صدرى} (وسادسها ) عبد الخدمة (اعبدوا ربكم) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك
( واصطنعتك لنفسى ) فطلب الزيادة فيها فقال (اشرح لى صدرى) (وسابعها) عبد القربة (وإذا
سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعان ) وموسى عليه السلام كان مخصوصاً
بالقرب ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً) فأراد كمال القرب فقال (رب اشرح لى
صدری ) .
﴿ الفصل الثالث) فى قوله (رب اشرح لى صدرى) وفيه وجوه: (أحدها) أنه تعالى
لما خاطبه بالأشياء الستة [التى] (أحدها) معرفة التوحيد (إننى أنا الله لا إله إلا أنا)، (وثانيها) أمره
بالعبادة والصلاة ( فاعبدنى وأقم الصلاةلذكرى)، (وثالثها) معرفة الآخرة (إن الساعة آتية)

٣٩
قوله تعالى : قال رب اشرح لي صدري . سورة طه .
(ورابعها) حكمة أفعاله فى الدنيا ( وما تلك بيمينك ياموسى)، (وخامسها) عرض المعجزات
الباهرة عليه ( لنريك من آياتنا الكبرى)، (وسادسها) إرساله الى أعظم الناس كفراً وعتواً
فكانت هذه التكاليف الشاقة سباً للقهر فأراد موسى عليه السلام جبر هذا القهر بالمعجز فعرفه أن
كل من سأله قرب منه فقال ( رب اشرح لى صدرى) فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف
بالقرب منه فقال ( رب اشرح لى صدرى) أو يقال خاف شياطين الإنس والجن فدعا ليصل
بسبب الدعاء إلى مقام القرب فيصير مأموناً من غوائل شياطين الجن والإنس (وثانيها) أن المراد
أنه أراد الذهاب إلى فرعون وقومه فأراد أن يقطع طمع الخلق عن نفسه بالكلية فعرف أن من
دعا ربه قربه له وقربه لديه حينئذ تنقطع الأطماع بالكلية فقال ( رب اشرح لى صدرى)
( وثالثها ) الوجود كالنور والعدم كالظلمة وكل ماسوى الله تعالى فهو عدم محض فكل شىء
هالك إلا وجهه فالكل كأنهم فى ظلمات العدم وإظلال عالم الأجسام والإمكان فقال (رب اشرح
لى صدرى) حتى يجلس قلبى فى بهى ضوء المعرفة وسادة شرح الصدر والجالس فى الضوء لا يرى من
كان جالساً فى الظلبة فين جلس فى ضوء شرح الصدر لا يرى أحداً فى الوجود فلهذا عقبه بقوله
(ويسر لى أمرى) فإن العبد فى مقام الاستغراق لا يتفرغ لشىء من المهمات (ورابعها) رب اشرح لى
صدرى فان عين العين ضعيفة فأطلع يا إلهى شمس التوفيق حتى أرى كل شىء كما هو ، وهذا فى معنى
قول محمد ري (أرنا الأشياء كما هى)) واعلم أن شرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية فى القلب
والاستماع مقدمة الفهم الحاصل من سماع الكلا فالله تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية
وهى فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى فقال ( رب
اشرح لى صدرى) ولما آل الأمر إلى محمد رَّم قيل له (وقل رب زدنى علما) والعلم هو المقصود،
فلما كان موسى عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد برويتم لاجرم أعطى المقدمة، ولما كان محمد
کالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ماأدق حكمته فی کل شیء ( وسادسها ) الداعىله صفتان
(إحداهما ) أن يكون عبداً للرب (وإذا سألك عبادي عنى فانى قريب )، ( وثانيتهما) أن يكون
الرب له ( وقال ربكم ادعونى أستجب لكم) أضاف نفسه إلينا وما أضافنا إلى نفسه والمشتغل
بالدعاء قد صار كاملامن هذين الوجهين فأراد موسى عليه السلام أن ير تع فى هذا البستان فقال (رب
اشرح لى صدرى) (وسابعها) أن موسى عليه السلام شرفه الله تعالى بقوله (وقربناه نجياً) فكان
موسى عليه السلام قال إلهى لما قلت (وقربناه نجياً) صرت قريباً منك ولكن أريد قربك منى
فقال ياموسى أما سمعت قولى ( وإذا سألك عبادي عنى فانى قريب) فأشتغل بالدعاء حتى أصير
قريباً منك فعند ذلك (قال رب اشرح لى صدرى). (وثامنها) قال موسى عليه السلام (رقبه
أشرح لى صدرى) وقال محمد صلى الله عليه وسلم ( ألم نشرح لك صدرك) ثم إنه تعالى ماتركه على
هذه الحالة بل قال (وسراجاً منيراً) فانظر إلى التفاوت فان شرح الصدر هو أن يصير الصغير

٤٠
قوله تعالى : قال رب اشرح لي صدري . سورة طه .
قابلا للنور والسراج المنير هو أن يعطى النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد صلى الله
عليه وسلم كالتفاوت بين الآخذ والمعطى ثم نقول إلهنا إن ديننا وهى كلمة لا إله إلا الله نور،
والوضوء نور، والصلاة نور، والقبر نور، والجنة نور، فبحق أنوارك التى أعطيتنا فى الدنيا
لاتحرمنا أنوار فضلك وإحسانك يوم القيامة ( الفصل الرابع) فى قوله (رب اشرح لى صدرى)
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال نور يقذف فى القلب ، فقيل: وما أمارته
فقال التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل النزول ، ويدل
على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من
ربه) واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور (أحدها) وصف ذاته بالنور ( الله
نور السموات والأرض). (وثانيها ) الرسول (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) ( وثالثها)
القرآن ( واتبعوا النور الذى أنزل معه). (ورابعها) الإيمان (يريدون أن يطفئوا نور الله
بأفواههم). (وخامسها) عدل الله (وأشرقت الأرض بنور ربها). (وسادسها) ضياء القمر
( وجعل القمر فيهن نوراً)، (وسابعها) النهار ( وجعل الظلمات والنور ) ( وثامنها ) البينات
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور). (وتاسعها) الأنبياء (نور على نور). (وعاشرها ) المعرفة
( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) إذا ثبت هذا فنقول كان موسى عليه السلام قال ( رب اشرح
لى صدرى) بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك ( وثانيها) رب اشرح لى صدرى ، بالتخلق بأخلاق
رسلك وأنبيائك (وثالثها) رب اشرح لى صدرى، باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك ( ورابعها)
رب اشرح لى صدرى، بنور الإيمان والايقان بالهيتك (وخامسها) رب اشرح صدرى بالاطلاع
على أسرار عدلك فى قضائك وحكمك ( وسادسها) رب اشرح لى صدرى، بالانتقال من نور
شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من الكوكب
والقمر والشمس إلى حضرة العزة (وسابعها) رب اشرح لى صدرى من مطالعة نهارك وليلك
إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك ( وثامنها ) رب اشرح لى صدرى بالاطلاع على مجامع آياتك.
ومعاقد بيناتك فى أرضك وسمواتك ( و تاسعها) رب اشرح لى صدرى فى أن أكون خلف صور
الأنبياء المتقدمين ومتشبهاً بهم فى الانقياد لحكم رب العالمين (وعاشرها) رب اشرح لىصدرى بأن
تجعل سراج الايمان فى قلبى كالمشكاة التى فيها المصباح، واعلم أن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور
فى القلب حتى يصير القلب كالسراج وذلك النور كالنار ، ومعلوم أن من أراد أن يستوقد سراجاً
احتاج إلى سبعة أشياء : زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن . فالعبد إذا طلب
النور الذى هو شرح الصدر افتقر إلى هذه السبعة (فأولها) لابد من زند المجاهدة ( والذين جاهدوا
فينا لنهدينهم سبلنا). (وثانيها) حجر التضرع (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية) (وثالثها) حراق منع
الهوى (ونهى النفس عن الهوى) (ورابعها) كبريت الإنابة (وأنيبوا إلى ربكم) ملطخاً رموس تلك