Indexed OCR Text

Pages 141-160

قوله تعالى : ولقد صرفنا في هذا القرآن . سورة الكهف . ١٤١
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَشَىْءٍ
جَدَلًا ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إلَّ أَن
تَأْتِهُمْ سُنَّهُ الْأَوَِّينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَُّ اتِ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلََّ مُبَثِِّينَ
وَمُنِذِرِينَ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِ الْحَقِّ وَخَذُوَاْءَايَتِى وَمَاَ
أَنْذَرُواْ هُرُوا
٥٦
قوله تعالى : ﴿ولقد صرفنا فى هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شى.
جدلا . وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين
أو يأتيهم العذاب قبلا وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل
ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتى وما أنذروا هزوا ﴾.
اعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين تعالى
بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبهتهم باطلة وذكرفيه المثلين المتقدمين ، قال بعده (ولقدصرفنا
فى هذا القرآن للناس من كل مثل) وهو إشارة إلى ماسبق والتصريف يقتضى التكرير والأمر
كذلك لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التى ذكروها من وجوه كثيرة ومع تلك الجوابات الشافية
والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة فقال وكان الإنسان أ کثر شىء جدلا
أى أكثر الأشياء التى يتأتى منها الجدل وانتصاب قوله جدلا على التميز قال بعض المحققين والآية
دالة على أن الأنبياء عليهم السلام جادلوهم فى الدين حتى صاروا هم مجادلين لأن المجادلة لا تحصل
إلا من الطرفين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ، ثم قال ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ
جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم) وفيه بحثان:
﴿ البحث الأول) قالت المعتزلة الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع من الإقدام على الإيمان
وذلك يدل على فساد قول من يقول إنه حصل المانع. قال أصحابنا العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود
الإيمان . فإذا كان ذلك العلم قائماً كان المانع قائماً. وأيضاً حصول الداعى إلى الكفر قائم وإلا
لما وجب لأن الفعل الاختيارى بدون الداعى محال، ووجود الداعى إلى الكفر مانع من حصول
الإيمانُ. وإذا ثبت هذا ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة .
﴿ البحث الثانى) المعنى أنه لما جاءهم الهدى وهو الدليل الدال على صحة الإسلام، وثبت أنه

١٤٢
قوله تعالى : ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه . سورة الكهف .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِّن ذُكِرَ بِعَايَتِ رَبِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُإِنَّا جَعَلْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ◌َاذَانِمْ وَقْرًا وَ إِن ◌َدْعُهُمْ إِلَى الْمُدَى فَلَنَ
يَهْتَدُوَاْ إِذَّا أَبَدًا (﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاِذُهُم ◌ِمَا كَسَبُواْلَعَجَّلَ
وَتِلْكَ الْقُرَىّ
لَهُمُ الْعَذَابَ بَل ◌َّهُم ◌َّوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا (﴾
أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُوْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم ◌َّوْعِدًا
لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة. والأعذار زائلة فلم لم يقدموا
على الإيمان ثم قال تعالى (إلا أن تأتيهم سنة الأولين - وهو عذاب الاستئصال - أو يأتيهم العذاب
قبلا) قرأ حمزة وعاصم والكسائى قبلا بضم القاف والباء جميعاً وهو جمع قبيل بمعنى ضروب من
العذاب تتواصل مع كونهم أحياء وقيل مقابلة وعيانا والباقون قبلا بكسر القاف وفتح الباء أیعیانا
أيضا، وروى صاحب الكشاف قبلا بفتحتين أى مستقبلا . والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان
إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم فى
الحياة الدنيا، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين، لأن العاقل لايرضى بحصول
هذين الأمرين إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين الشرطين . ثم بين تعالى أنه إنما
أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكى يؤمنوا طوعا وبين
مع هذه الأحوال أنه يوجد من الكفار المجادلة بالباطل لغرض دحض الحق. وهذا يدل على أن
الأنبياء كانوا يجادلونهم لما بينا أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين وبين تعالى أيضا أنهم اتخذوا.
آيات الله وهى القرآن وإنذارات الأنبياء هزواً وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة. تال
النحويون مافى قوله ( وما أنذروا) يجوز أن تكون موصولة ويكون العائد من الصلة محذوفا
ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إنذارهم.
قوله تعالى: ﴿ومن أظلم من ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على
قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبدا. وربك الغفور
ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا نعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا. وتلك
القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا مهلكهم موعد! ؟
إعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزى

١٤٣
قوله تعالى : وإذا قال موسى لفتاة . سورة الكهف .
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَهُ لَ أَبْرَحُ خََّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًّاً
فَلَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَّ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ مَرَبًا ﴾
والخذلان (الصفة الأولى) قوله ( ومن أظلم من ذكر بآيات ربه) أى لاظلم أعظم من كفر من
ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها وينسى ما قدمت يداه أى مع إعراضه عن التأمل فى الدلائل
والبينات يتناسى ماقدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من النسيان التشاغل
والتغافل عن كفره المتقدم (الصفة الثانية) [قوله] (إنا جعلنا على قلوبهم أ كنة أن يفقهوه وفى آذانهم
وقراً، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبداً) وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء فى سورة
الأنعام، والعجب أن قوله ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه)
متمسك القدرية ، وقوله ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) إلى آخر الآية متمسك الجبرية
وقلما نجد فى القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر ، والتجربة تكشف عن
صدق قولنا. وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من
المقلدين ثم قال تعالى (وربك الغفور ذو الرحمة ) الغفور البليغ المغفرة وهو اشارة إلى دفع المضار
ذو الرحمة الموصوف بالرحمة ، وإنما ذكر لفظ المبالغة فى المغفرة لا فى الرحمة، لأن المغفرة ترك
الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادرا عليها ، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن
ترك ما لا نهاية له ممكن، أما فعل ما لا نهاية له فحال ويمكن أن يقال المراد أنه يغفر كثيراً
لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به اليها فيهبها من المحتاجين كثيراً ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة
عاجلا من غير إمهال مع إفراطهم فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ( بل لهم موعد)
وهو إما يوم القيامة، وإما فى الدنيا وهويوم بدروسائرأيام الفتح [وقوله](لن يجدوامن دونه موئلا)
[أى] منجى ولا ملجأ، يقالٍ وأل إذا لجأ. ووأل اليه إذا لجأ اليه ،ثم قال تعالى (وتلك القرى) يريد
قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار اليها ليعتبروا، وتلك مبتدأ، والقرى صفة لأن
أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى، وتلك أصحاب القرى أهلكناهم
لما ظلمو مثل ظلم أهل مكة (وجعلنا لمهلكهم موعداً) أى وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً
لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمهلك الإهلاك أو وقته، وقرى. لمهلكهم بفتح
الميم واللام مفتوحة أو مكسورة، أى لهلا كهم أو وقت هلاكهم، والموعد وقت أو مصدر،
والمراد إنا مجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتا ليكونوا إلى التوبة أقرب.
قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقباً. فلما بلغا

١٤٤
قوله تعالى : قال ذلك ما كنا نبغ . سورة الكهف .
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًّا (١) قَالَ أَرَءَيْتَ
إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَْفِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغٍ فَأَرْتَدَّا عَلَى
أَذْكُرَهُ وَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرَِبًا
٦٣
ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا (
مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سرباً. فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من
سفرنا هذا نصباً . قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فانى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان
أناذ کرہ واتخذ سبیلہ فی البحر عجباً . قال ذلك ما کنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا.
اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى فى هذه السورة وهى أن موسى عليه السلام
ذهب الى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم، وهذا وإن كان كلاما مستقلافى نفسه إلا أنه يعين على
ماهو المقصود فى القصتين السابقتين . أما نفع هذه القصة فى الرد على الكفار الذين افتخروا على
فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو
منصبه واستجماع موجبات الشرف التام فى حقه ذهب الى الخضر لطلب العلم وتواضع له وذلك
يدل على أن التواضع خير من التكبر، وأما نفع هذه القصة فى قصة أصحاب السكيف فهو أن
اليهود قالوا لكفار مكة : إن أخبركم محمد عن هذه القصة فهو نى وإلا فلا، وهذا ليس بشىء لأنه
لا يلزم من كونه نياً من عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع، كما أن كون
موسى عليه السلام نبياً صادقاً من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى الخضر ليتعلم منه
فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها، ومع ذلك فهى نافعة فى تقرير المقصود فى
فى القصتين المتقدمتين .
المسألة الأولى ﴾ أكثر العلماء على أن موسى المذكور فى هذه الآية هو موسى بن عمران
صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة . وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس إن نونا
ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن عمران ، وإنما هو صاحب موسى بن
ميشا بن يوسف بن يعقوب ، وقيل هو كان نبياً قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو
الله، واعلم أنه كان ليوسف عليه السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع
ابن نون وهو صاحب موسى وولى عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل
موسى بن عمران، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذى طلب هذا العلم ليتعلم والخضر هو الذى خرق

١٤٥
قوله تعالى : قال ذلك ما كنا نبغ . سورة الكهف .
السفينة ، وقتل الغلام، وأقام الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا هو قول جمهور اليهود، واحتج
القفال على صحة قولنا إن موسى هذا هو صاحب التوراة قال إن اللّه تعالى ماذكر موسى فى
كتابه إلا وأراد به صاحب التوراة فاطلاق هذا الاسم يوجب الإنصراف إليه ،
ولو كان المراد شخصاً آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة
الشبهة، كما أنه لما كان المشهور فى العرف من أبى حنيفة رحمه اللّه هو الرجل المعين فلو ذكرنا هذا
الإسم وأردنا به رجلا سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو حنيفة الدينورى، وحجة الذين قالوا
موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى بعد أن أنزل التوراة عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه(١)
بالمعجزات القاهرة العظيمة التى لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك لتعلم
الاستفادة، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل فى أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج
فى تعلمها إلى من دونه وهذا أمر متعارف معلوم ،
المسألة الثانية ) اختلفوا فى فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون، وروى القفال
عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبى هريرة عن أبى
ابن كعب عن النبى مؤلّ يقول فتاه يوشع بن نون، (والقول الثانى ) أن قتى موسى أخو
يوشع وكان صاحباً لموسى عليه السلام فى هذا السفر ( والقول الثالث ) روى عمرو بن عبيد
عن الحسن فى قوله ( وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح) قال يعنى عبده، قال القفال واللغة تحتمل
ذلك روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى، وليقل فتاى
وفتاتى)) وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى والأمة فتاة .
المسألة الثالثة) قيل إن موسى عليه السلام لما أعطى الألواح وكلمه اللّه تعالى قال: من
الذى أفضل منى وأعلم ؟ فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو الخضر، وفى رواية أخرى أن
موسى عليه السلام لما أوتى من العلم ما أوتى ظن أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل
البحر قال ياموسى أنظر إلى هذا الطير الصغير بهوى إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت
فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر ، قال الأصوليون هذه الرواية
ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله لانهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق
يجب كونها متناهية وكل قدر متناه فان الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها
مرتبة ولهذا قال تعالى ( وفوق كل ذي علم عليم) وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن المستبعد
جداً أن يقطع العاقل بأنه لا أحدأعلم منى (٢) لاسيما موسى عليه السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء
وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة كالعجب والتيه والصلف ( والرواية الثالثة ) قيل إن موسى
(١) قوله وحج خصمه يريد بخصمه فرعون وما ذكره الله تعالى فى كتابه من الآيات فى نحاجة فرعون، هذا ولموسى عليه السلام
محاجة مع آدم عليه السلام فى الأكل من الشجرة ولكن كانت الحجة لآدم على موسى ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحج آدم موسى))
(٢) يعنى أنه لا يجرؤ إنسان على ادعاء انتهاء العلم إليه إلا إذا سلب نعمة العقل؛ وكان الأنسب أن يقول (منه).
الفخر الرازى - ج ٢١ م ١٠

١٤٩
قوله تعالى : قال ذلك ما كنا نبغ . سورة الكهف .
عليه السلام سأل ربه أى عبادك أحب إليك ؟ قال الذى يذكرنى ولا ينسانى، قال فأى عبادك أقضى؟
قال الذى يقضى بالحق ولا يتبع الهوى ، قال فأى عبادك أعلم؟ قال الذى يبتغى علم الناس الى علمه
على أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ، فقال موسى عليه السلام إن كان فى عبادك
من هو أعلم منى فادللنى عليه ، فقال أعلم منك الخضر قال فأين أطلبه؟ قال على الساحل عند الصخرة
قال يا رب كيف لى به؟ قال تأخذ حوتاً فى مكتل حيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه إذا فقدت
الحوت فأخبرنى فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب الحوت وطفر الى البحر فلما جاء وقت الغداء
طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه فى البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذى طفر الحوت
فيه إلى البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال وأنى بارضك السلام ! فعرفه
نفسه، فقال ياموسى أنا على علم علمنى الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك الله لا أعله أنا، فلما
ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر فى الماء فقال الخضر ما ينقص على وعليك من
على الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر - أقول نسبة ذلك القدر القليل الذى أخذه ذلك
العصفور من ذلك الماء الى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة معلومات جميع المخلوقات الى
معلومات اللّه تعالى نسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى واللّه العالم بحقائق
الأمور، ونرجع إلى التفسير ، أما قوله تعالى ( لا أبرح) قال الزجاج قوله (لا أبرح) ليس
معناه لا أزول، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضاً، أقول يمكن أن يجاب عنه بأن الزوال
عن الشىء عبارة عن تركه والاعراض عنه، يقال زال فلان عن طريقته فى الجود أى تركها ، فقوله
لاأبرح بمعنى لا أزول عن السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل - وأقول المشهور
عند الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول، والعرب تقول لا أبرح ولا أزال ولا أنفك ولا أفتا
بمعنى واحد . قال القفال وقالوا أصل قولهم لا أبرح من البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال
يقال زال يزال ويزول كما يقال دام بدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل فى هذه اللفظة
يزال فقوله لا أبرح أى أقيم لأن البراج هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدماً للعدم فيكون ثبوتاً
فقوله لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فان قيل إذا كان قوله لا أبرح بمعنى
لا أزال فلابد من الخبر قلنا حذف الخبر لأن الحال والكلام يدلان عليه، أما الحال فلأنها كانت
حال سفر ، وأما الكلام فلأن قوله ( حتى أبلغ مجمع البحرين ) غاية مضروبة تستدعى شيئاً هى غاية
له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون المعنى لا أبرح مما أنا عليه
يعنى ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان . وأما بجمع
البحرين فهو المكان الذى وعد فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحرى فارس
والروم مما يلى المشرق وقيل غيره وليس فى اللفظ مايدل على تعيين هذين البحرين فإن صح
بالخبر الصحيح شىء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه، ومن الناس من قال: البحران موسى والخضر

١٤٧
قوله تعالى: قال ذلك ما كنا نبغ . سورة الكهف .
لأنهما كانا بحرى العلم وقرىء مجمع بكسر الميم ثم قال أو أمضى حقباً أى أسير زماناً طويلا وقيل
الحقب ثمانون سنة وقد تكلمنا فى هذا اللفظ فى قوله تعال ( لا بثين فيها أحقاباً) وحاصل الكلام
أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه موضعه بعينه، فقال موسى عليه
السلام لا أزال أمضى حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضى دهراً طويلا حتى أجد
هذا العالم، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم فى السفر
لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة
لحق له ذلك ثم قال تعالى ( فلما بلغا مجمع بينهما) والمعنى فانطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما والضمير فى
قوله بينهما إلى ماذا يعود؟ فيه قولان (الأول) مجمع بينهما. أى مجمع البحرين وهو ،كأنه إشارة إلى
[قول] موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أى حقق [اللّه] ما قاله (والقول الثانى) أن المعنى فلما بلغ
الموضع الذى يجتمع [فيه] موسى وصاحبه الذى كان يقصده لأن ذلك الموضع الذى وقع فيه نسيان
الحوت هو الموضع الذى كان يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى
وفتاه بعد أن ذكر الحوت صار إليه وهو معنى حسن، والمفسرون على القول الأول، ثم قال تعالى
( نسيا حوتهما) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) الروايات تدل على أنه تعالى بين لموسى عليه السلام أن هذا العالم موضعه
مجمع البحرين إلا أنه تعالى جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكنه المعين كمن يطلب إنساناً
فيقال له إن موضعه محلة كذا من الرى فإذا انتهيت إلى المحلة فسل فلاناً عن داره وأين ماذهب بك
فاتبعه فانك تصل إليه فكذا ههنا قيل له إن موضعه مجمع البحرين فإذا وصلت إليه رأيت الحوت
انقلب حياً وطفر إلى البحر ، فيحتمل أنه قيل له فهنالك موضعه ويحتمل أنه قيل له فاذهب على
موافقة ذهاب ذلك الحوت فانك تجده . إذا عرفت هذا فنقول إن موسى وفتاه لما بلغا مجمع بينهما
طفرت السمكة إلى البحر وسارت وفى كيفية طفرها روايات أيضاً قيل إن الفتى كان يغسل السمكة
لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت وقيل إن يوشع توضأ فى ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت
المالح فعاش ووثب فى الماء وقبل انفجر[ت]هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين
إلى السمكة حميت وطفرت إلى البحر فهذا هو الكلام فى صفة الحوت .
﴿ البحث الثانى) المراد من قوله ( نسيا حوتهما) أنهما نسيا كيفية الاستدلال بهذه الحالة
المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فان قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة فلما جعل
الله حصول هذه الحالة العجيبة دليلا على الوصول إلى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان فى
هذا المعنى؟ أجاب العلماء عنه بأن يوشع كان قد شاهد المعجزات القاهرة من موسى عليه السلام
كثيراً فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم بجاز حصول النسيان. وعندى فيه جواب آخر وهو
أن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضرورى تنبيهاً

١٤٨
قوله تعالى : قال ذلك ما كنا نبغ . سورة الكهف
لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على القلب والخاطر، أما قوله (فاتخذ
سبيله فى البحر سرباً) ففيه وجوه (الأول) أن يكون التقدير سرب فى البحر سرباً إلا أنه أقيم
قوله فاتخذ مقام قوله سرب والسرب هو الذهاب ومنه قوله (وسارب بالنهار) (الثانى) أن الله تعالى
أمسك إجراء الماء على البحر وجعله كالطاق والكوة حتى سرى الحوت فيه فلما جاوز أى موسى
وفتاه الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور وذهبا كثيراً وتعبا وجاءا
( قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال ) الفتى ( أرأيت إذ أوينا إلى
الصخرة) الهمزة فى أرأيت همزة الاستفهام ورأيت على معناه الأصلى وقد جاء هذا الكلام على
ماهو المتعارف بين الناس فانه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه أرأيت ما حدث لى؟ كذلك
ههنا كأنه قال أرأيت ماوقع لى منه إذ أو ينا إلى الصخرة، فذف مفعول أرأيت لأن قوله(فانى نسيت
الحوت) يدل عليه ثم قال ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول ) أنه اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير فانى نسيت
الحوت واتخذ سبيله فى البحر عجبا، والسبب فى وقوع هذا الاعتراض ما يجرى مجرى العذر والعلة
لوقوع ذلك النسيان .
﴿ البحث الثانى﴾ قال الكعبى (وما أنسانيه إلا الشيطان ان أذكره) يدل على أنه تعالى ماخلق
ذلك النسيان وما أراده وإلا كانت إضافته إلى الله تعالى أوجب من إضافته إلى الشيطان لأنه تعالى
إذا خلقه فيه لم يكن لسعى الشيطان فى وجوده ولا فى عدمه ، أثر قال القاضى والمراد بالنسيان أن
يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التى هى من فعله دون النسيان الذى يضاد الذكر لأن ذلك لا يصح
أن يكون إلا من قبل اللّه تعالى.
﴿ البحث الثالث) قوله أن أذكره بدل من الهاء فى أنسانيه أى) وما أنسانى ذكره إلا
الشيطان ثم قال ( واتخذ سبيله فى البحر عجباً) وفيه وجوه: (الأول) أن قوله عجباً صفة لمصدر
محذوف كأنه قيل واتخذ سبيله فى البحر إتخاذاً عجباً ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل وصيرورته
حياً وإلقاء نفسه فى البحر على غفلة منهما ( والثانى) أن يكون المراد منه ماذكرنا أنه تعالى جعل
الماء عليه كالطاق وكالسرب (الثالث) قيل إنه تم الكلام عند قوله (واتخذ سبيله فى البحر) ثم قال
بعده عجباً والمقصود منه تعجبه من تلك العجيبة التى رآها ومن نسيانه لها وقيل إن قوله عجباً حكاية
لتعجب موسی وهو ليس بقوله، ثم قالتعالى (قال ذلك ما کنا نبغ) أى قال موسى ذلك الذی کنا
نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر وقوله نبغ أصله نبغى فذفت الياء طلباً للتخفيف
لدلالة الكسرة عليه، وكان القياس أن لا يحذف لأنهم إنما يحذفون الياء فى الأسماء وهذا فعل
إلا أنه قد بجوز على ضعف القياس حذفها لأنها تحذف مع الساكن الذى يكون بعدها كقولك
مانبغى اليوم ؟ فلما حذفت مع الساكن حذفت أيضاً مع غير الساكن ثم قال فار تداعلى آثار هم! أى

١٤٩
قوله تعالى : فوجدا عبداً من عبادنا . سورة الكهف .
فَوَجَدًا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَآءَ اتَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِنْ عِدِنَا وَعَّْنَهُ مِن ◌َُّنَّا عِلْمًا ◌َ قَالَ لَهُ
مُوسَى هَلْ أَتَِّعُكَ عَ أَنْ تُعَلِيَنِ مِمَّا ◌ُلِّْتَ رُفْدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ
مَِّىَ صَبْرًا ﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَالَمْ تُمِطْ بِهِ، خُبْرًا (﴾ قَالَ سَتَجِدُنِيِّ إن
شّآءَ الهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَّكَ أَمْرًا ﴾ قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلا تَسْعَلْنِى عَن شَىْء
خََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا !
فرجعا وقوله ( قصصاً) فيه وجهان ( أحدهما) أنه مصدر فى موضع الحال أى رجعا على آثارهما
مقتصين آثارهما ( والثانى) أن يكون مصدراً لقوله فارتدا على آثارهما، لأن معناه فاقتصا على
آثارهما . وحاصل الكلام أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذى يسكن فيه ذلك العالم
رجعا وعادا إليه والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إفوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال له موسى
هل أتبعك على أن تعلن ما علمت رشدا. قال إنك لن تستطيع معى صبرا. وكيف تصبر على مالم
تحط به خبرا. قال ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراء قال فان اتبعتنى فلا تسألنى
عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً﴾ فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( فوجدا عبداً من عبادنا) فيه بحثان :
﴿ البحث الأول) قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه (الأول)
أنه تعالى قال (آتيناه رحمة من عندنا) والرحمة هى النبوة بدليل قوله تعالى (أهم يقسمون رحمة ربك)
وقوله ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) والمراد من هذه الرحمة
النبوة، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة.
﴿الحجة الثانية) قوله تعالى ( وعلمناه من لدنا علا) وهذا يقتضى أنه تعالى عليه لا بواسطة
تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا بواسطة البشر وجب أن يكون نياً يعلم الأمور
بالوحى من الله. وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك
لا يدل على النبوة .
(الحجة الثالثة) أن موسى عليه السلام قال (هل أتبعك على أن تعلمنى) والنبى لا يتبع غير النبى

١٥٠
قوله تعالى : فوجدا عبداً من عبادنا . سورة الكهف
فى التعليم وهذا أيضاً ضعيف، لأن التى لا يقبع غير النبى فى العلوم التى باعتبارها صار نياً أما فى
غير تلك العلوم فلا.
﴿الحجة الرابعة) أن ذلك العبد أظهر الترفع على مومى حيث قال له (وكيف تصبر على مالم
تخط به خبراً) وأما موسى فانه أظهر التواضع له حيث قال (لا أعصى لك أمراً) وكل ذلك يدل على
أن ذلك العالم کان فوق موسی،ومن لا یکون نیاً لا یکون فوقالنی وهذا أيضا ضعيف لأنه يجوز
أن يكون غير التى فوق النبى فى علوم لا تتوقف نبوته عليها. فلم قلتم إن ذلك لا يجوز فان قالوالأنه
يوجب التنفير. كلنا فارسال موسى إلى التعلم منه بعد إنزال الله عليه التوراة وتكليمه بغير واسطة
يوجب التنفير، فإن قالوا إن هذا لا يوجب التنفير فكذا القول فيما ذكروه.
﴿الحجة الخامسة) احتج الأصم على نبوته بقوله فى أثناء القصة (وما فعلته عن أمرى) ومعناء
فعلته بوحى الله، وهو يدل على النبوة . وهذا أيضا دليل ضعيف وضعفه ظاهر.
﴿ الحجة السادسة) ماروى أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال السلام عليك، فقال
وعليك السلام بانى بنى اسرائيل. فقال موسى عليه السلام من عرفك هذا ؟ قال الذى بعثك إلى.
قالوا وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحى والوحى لا يكون إلا مع النبوة ، ولقائل أن يقول:
لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات .
﴿ البحث الثانى) قال الأكثرون إن ذلك العبد هو الخضر، وقالوا إنما سمى بالخضر
لأنه كان لا يقف موقفاً إلا اخضر ذلك الموضع، قال الجبائى قد ظهرت الرواية أن الخضر إنما
بعث بعدموسى عليه السلام من بنى إسرائيل . فان صح ذلك لم يجزأن يكون هذا العبد هو الخضر.
وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العبد هو الخضر ، وقد ثبت أنه يجب أن يكون نبياً فهذا يقتضى أن
يكون الخضر أعلى شأنا من موسى صاحب التوراة، لأنا قد بينا أن الألفاظ المذكورة فى هذه
الآيات تدل على أن ذلك كان يترفع على موسى، وكان موسى يظهر التواضع له إلا أن كون
الخضر أعلى شأنا من موسى غير جائز لأن الخضر إما أن يقال إنه كان من بنى إسرائيل أو ما كان
من بنى إسرائيل، فان قلنا إنه كان من بنى إسرائيل [فقد] كان من أمة موسى لقوله تعالى حكاية عن
موسى عليه السلام أنه قال لفرعون (أرسل معنا بنى إسرائيل) والأمة لا تكون أعلى حالا من النبى،
وإن قلنا إنه ما كان من بنى إسرائيل لم يجز أن يكون أفضل من موسى لقوله تعالى لبنى إسرائيل
( وإنى فضلتكم على العالمين ) وهذه الكلمات تقوى قول من يقول: إن موسى هذا غير موسى
صاحب التوراة .
المسألة الثانية) قوله ( وعليناه من لدنا علما) يفيد أن تلك العلوم حصلت عنده من عند
الله من غير واسطة ، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية، وللشيخ
أبى حامد الغزالى رسالة فى إثبات العلوم اللدنية، وأقول تحقيق الكلام فى هذا الباب أن نقول:

١٥١
قوله تعالى : فوجدا عبدا من عبادنا . سورة الكهف .
إذا أدر كنا أمراً من الأمور وتصورنا حقيقة من الحقائق فإما أن نحكم عليه بحكم وهو التصديق
أو لا يحكم وهو التصور، وكل واحد من هذين القسمين فاما أن يكون نظرياً حاصلا من غير
كسب وطلب، وإما أن يكون كسيياً، أما العلوم النظرية فهى تحصل فى النفس والعقل من غير
كسب وطلب، مثل تصورنا الألم واللذة، والوجود والعدم ، ومثل تصديقنا بأن النفى والإثبات
لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الواحد نصف الإثنين . وأما العلوم الكسيبية فهى التى لا تكون
حاصلة فى جوهر النفس ابتداء بل لابد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم، وهذا
الطريق على قسمين (أحدهما ) أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل
بتركبها إلى استعلام المجهولات. وهذا الطريق هو المسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروى
والاستدلال، وهذا النوع من تحصيل العلوم هو الطريق الذى لا يتم إلا بالجهد والطلب. و(النوع
الثانى) أن يسعى الانسان بواسطة الرياضات والمجاهدات فى أن تصيررى الحسية والخيالية
ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية فى جوهر العقل، وحصلت
المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعى وطلب فى التفكر والتأمل ، وهذا هو المسمى بالعلوم
اللدنية ، إذا عرفت هذا فنقول : جواهر النفس الناطقة مختلفة بالماهية فقد تكون النفس نفساً
مشرقة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية فلا جرم كانت أبداً
شديدة الاستعداد لقبول الجلايا القدسية والأنوار الإلهية ، فلا جرم فاضت عليها من عالم الغيب
تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام، وهذا هو المراد بالعلم اللدنى وهو المراد من قوله (آتيناهرحمة
من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) وأما النفس التى ما بلغت فى صفاء الجوهر وإشراق العنصر فهى
النفس الناقصة البليدة التى لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشرى يحتال فى تعليمه
وتعلمه والقسم الأول بالنسبة إلى القسم الثانى كالشمس بالنسبة الى الأضواء الجزئية وكالبحر بالنسبة
إلى الجداول الجزئية وكالروح الأعظم بالنسبة إلى الأرواح الجزئية. فهذا تنبيه قليل على هذا المأخذ،
ووراءه أسرار لا يمكن ذكرها فى هذا الكتاب. ثم قال تعالى (قال له موسى هل أتبعك على أن
تعلنى مما علمت رشداً) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب (رشداً) بفتح الراء والشين وعن ابن عباس
رضى الله عنهما بضم الراء والشين والباقون بضم الراء وتسكين الشين قال القفال وهى لغات فى
معنى واحد يقال رَشَد ورُشْد مثل نكر ونكر كما يقال سقم وسقم وشغل وشغل وبخل وبخل
وعدم وعدم وقوله (رشداً) أى علماً ذا رشد قال القفال قوله (رشداً) يحتمل وجهين: (أحدهما)
أن يكون الرشد راجعا إلى الخضر: أى مما علمك الله وأرشدك به (والثانى) أن يرجع ذلك إلى
موتى ويكون المعنى على أن تعلنى وترشدنى مما علمت .
--

١٥٢
قوله تعالى : فوجدا عبداً من عبادنا . سورة الكهف .
المسألة الثانية) اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعا كثيرة
من الأدب واللطف عندما أراد يتعلم من الخضر (فأحدها ) أنه جعل نفسه تبعاً له لأنه قال (هل
أتبعك). (وثانيها) أن استأذن فى إثبات هذا التبعية فانه قال هل تأذن لى أن أجعل نفسى تبعاً
لك وهذا مبالغة عظيمة فى التواضع ( وثالثها ) أنه قال على أن (تعدمنى ) وهذا إقرار له على نفسه
بالجهل وعلى أستاذه بالعلم ( ورابعها) أنه قال (مما علمت) وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم
بعض ما علمه الله، وهذا أيضا مشعر بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلنى مساوياً فى
العلم لك ، بل أطلب منك أن تعطينى جزأ من أجزاء علمك ، كما يطلب الفقير من الغنى أن يدفع اليه
جزأ من أجزاء ماله ( وخامسها ) أن قوله ( مما علمت) اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم (وسادسها)
أن قوله (رشداً) طلب منه للارشاد والهداية والارشاد هو الأمر الذى لو لم يحصل لحصلت
الغواية والضلال ( وسابعها ) أن قوله ( تعلنى مما علمت ) معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله
الله به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك على عند هذا التعليم شبيهاً بانعام اللّه تعالى عليك فى هذا التعليم
ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفاً ( وثامنها) أن المتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل
الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير ، فانا إذا قلنا لا إله إلا الله فاليهود الذين كانواقبلنا كانوا يذكرون
هذه الكلمة فلا يجب كوننا متبعين لهم فى ذكر هذه الكلمة ، لأنا لانقول هذه الكلمة لأجل أنهم
قالوها بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يحب ذكرها، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على
موافقة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فانما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها لا جرم كنامتا بعين
فى فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ثبت هذا فنقول قوله (هل أتبعك) يدل
على أنه يأتى بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتياً بها. وهذا يدل على أن المتعلم
يجب عليه فى أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض (وتاسعها) أن قوله (أتبعك) يدل
على طلب متابعته مطلقاً فى جميع الأمور غير مقيد بشىء دون شىء ( وعاشرها ) أنه ثبت بالإخبار
أن الخضر عرف أولا أنه فى بنى إسرائيل وأنه هو موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذى كله
الله عز وجل من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه
المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل على
كونه عليه السلام آتياً فى طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو اللائق به لأن كل من كانت
إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر فكان طلبه لها أشد وكان تعظيمه
لأرباب العلم أكمل وأشد (والحادى عشر) أنه قال (هل أتبعك على أن تعلنى) فأثبت كونه
تبعاً له أولا ثم طلب ثانياً أن يعلمه وهذا منه ابتداء بالخدمة ثم فى المرتبة الثانية طلب منه التعليم.
(والثانى عشر) أنه قال (هل أتبعك على أن تعلنى ) فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئاً
كان قال لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لى إلا طلب العلم ثم إنه تعالى

١٥٣
قوله تعالى : فوجدا عبداً من عبادنا . سورة الكهف .
حكى عن الخضر أنه قال (إنك لن تستطيع معى صبراً. وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يملوس القيل
والقال ولم يتعود التقرير و الاعتراض، ومتعلم حصل العلوم الكثير هومارس الاستدلال والاعتراض.
ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم فى هذا القسم الثانى شاق
شديد، وذلك لأنه إذا رأى شيئاً أو سمع كلاما فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكراً إلا أنه كان
فى الحقيقة حقاً صواباً، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال
يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته، وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض
والمجادلة ، وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين
أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة، وهذا هو الذى أشار اليه الخضر بقوله (إنك
لن تستطيع معى صبرا ) إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال
والاعتراض، وقوله ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق
الأشياء كما هى، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر
بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر ،
المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بقوله (إنك لن تستطيع معى صبراً) على أن الاستطاعة
لا تحصل قبل الفعل ، قالوا لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت
الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله ( إنك
لن تستطيع معى صبراً) كذباً، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب
الجبائى عنه أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه، يقال فى العرف: إن
فلانا لا يستطيع أن يرى فلاناً و لا أن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى (ما كانوا
بيستطيعون السمع) أى كان يشق عليهم الاستماع، فيقال له هذا عدول عن الظاهر من غير دليل
وإنه لا يجوز. وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذى ذكره الأصحاب قوله تعالى ( وكيف تصبر
على مالم تحط به خبرا ) استبعد حصول الصبر على مالم يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت
الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما
كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك
الفعل، ولما حكم الله باستبعاده علينا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل. ثم حكى الله تعالى عن
موسى أنه قال ( ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج الطاعنون فى عصمة اللّه الأنبياء بهذه الآية فقالوا إن الخضر قال
لموسى (إنك لن تستطيع معى صبراً) وقال موسى ( ستجدنى إن شاء اللّه صابراً ولا أعصى

١٥٤
قوله تعالى : فانطلقنا حتى إذا ركبا في السفينة . سورة الكهف .
فَأَنْطَلَقَا حَتََّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ تَقَهَا قَالَ أَنَقْتَهَاَ لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ
◌ِثْتَ شَيْئًا إِمْرَأَ (ي قَالَ أَلْ أَقُلْ إِنّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (8) قَلَ لَا
تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ﴾
لك أمراً) وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى
التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام، والجواب أن يحمل قوله ( إنك لن
تستطيع معى صبرا) على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ماذكروه.
﴿ المسألة الثانية﴾ لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله (ستجدنى إن شاء اللّه صابراً) معناه
ستجدنى صابرا إن شاء اللّه كونى صابراً، وهذا يقتضى وقوع الشك فى أن الله هل يريد كونه
صابراً أم لا ، ولا شك أن الصبر فى مقام التوقف واجب ، فهذا يقتضى أن الله تعالى قد
لا يريد من العبد ما أوجبه عليه، وهذا يدل على صحة قولنا إن الله تعالى قد يأمر بالشىء مع أنه لا يريده،
قالت المعتزلة هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الانسان أن يفعله فى المستقبل فيقال
لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن فسد فأى أدب فى ذكر هذا الكلام الباطل؟
المسألة الثالثة) قوله تعالى (ولا أعصى لك أمرا) يدل على أن ظاهر الأمر يفيد
الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية، والعاصى يستحق العقاب لقوله تعالى
( ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم) وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قول الخضر لموسى عليه السلام (وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً)
نسبة إلى قلة العلم والخبر، وقول موسى له ( ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً)
تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم
إظهار التواضع بأقصى الغايات، وأما المعلم فان رآى أن فى التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا
وإرشاداً إلى الخير. فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم فى الغرور والنخوة وذلك
يمنعه من التعلم ثم قال (فان اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكراً) أى لا تستخبرنى
عما تراه منى بما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدى. لتعليمك إياه وإخبارك به ، وفى قراءة ابن
عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء .. وروى عنه لا تسألنى مثقلة مع الياء وهى
قراءة نافع، وفى قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد .
قوله تعالى: ﴿فانطلقاحتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقدجئت شيئاً إمراً.
قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبراً. قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسراً﴾

١٥٥
قوله تعالى : فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً . سورة الكهف .
فَانْطَلَقًا حَتّىَ إِذَا لَفِيَا ◌ُلَمَا فَقَلَهُ، قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسَازَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ
شَيْئًا نُكْرًا ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرَارٌ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ
عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَدِحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُفِ عُذْرًا
أعلم أن موسى وذلك العالم لما تشارطا على الشرط المذكور وسارا فانتهيا إلى موضع احتاجا
فيه إلى ركوب السفينة فر كباها وأقدم ذلك العالم على خرق السفينة، وأقول لعله أقدم على خرق
جدار السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك الخرق معيبة ظاهرة العيب فلا يتسارع الغرق إلى أهلها
فعند ذلك قال موسى له ( أخرقتها لتغرق أهلها ) وفيه بحثان :
﴿البحث الأول) قرأ حمزة والكسائى (ليغرق أهلها) بفتح الياء على إسناد الغرق الى الأهل
والباقون لتغرق أهلها على الخطاب ، والتقدير لتغرق أنت أهل هذه السفينة .
﴿ البحث الثانى) أن موسى عليه السلام لما شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نسى
الشرط المتقدم فلهذا المعنى قال ماقال ، واحتج الطاعنون فى عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية
من وجهين ( الأول ) أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان من الأنبياء ، ثم قال موسى عليه السلام.
(أخرفتها لتغرق أهلها) فان صدق موسى فى هذا القول دل ذلك على صدور الذنب العظيم عن ذلك
التى، وإن كلب دل على صدور الكذب عن موسى عليه السلام. (الثانى) أنه التزم أن لا يعترض
على ذلك العالم . وجرت العهود المؤكدة لذلك ، ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب (والجواب
عن الأول) أنه لما شاهد موسى عليه السلام منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام، لا
لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً ، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه ، وقد يقال فى الشىء
العجيب الذى لا يعرف سببه إنه إمر يقال أمر الأمر إذا عظم وقال الشاعر: داهية دهياء
(وعلى الثانى) أنه فعل بتاء على النسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه لما خالف الشرط
لم يزد على أن قال (ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبراً) فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام
بقوله ( لا تؤاخذنى بما نسيت) أراد أنه نسى وصيته ولا مؤاخذة على الناسى بشىء (ولا ترهقنى
من أمرى عسراً) يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أى ولا تغشنى من أمرى عسراً، وهو اتباعه
إياه يعنى ولا تعسر على متابعتك ويسرها على بالاغتناء وترك المناقشة، وقرى. (عسراً) بضمتين.
قوله تعالى: ﴿ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت
شيئاً نكراً. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً. قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا
قصاحینی قد بلغت من لدنی عذرا

١٥٦
قوله تعالى : فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً . سورة الكهف .
أعلم أن لفظ الغلام قد يتناول الشاب البالغ بدليل أنه يقال رأى الشيخ خير من مشهد الغلام
جمل الشيخ نقيضاً للغلام وذلك يدل على أن الغلام هو الشاب وأصله من الاغتلام وهو شدة
الشبق وذلك إنما يكون فى الشباب، وأما تناول هذا اللفظ للصبى الصغير فظاهر، وليس فى القرآن
كيف لقياه هل كان يلعب مع جمع من الغلمان الصبيان أو كان منفردا؟ وهل كان مسلماً أو كان
كافراً؟ وهل كان منعزلا؟ وهل كان بالغاً أو كان صغيرا، وكان اسم الغلام بالصغير أليق وإن
احتمل الكبير إلا أن قوله ( بغير نفس ) أليق بالبالغ منه بالصبى لأن الصبى لا يقتل وإن قتل ،
وأيضاً فهل قتله بأن حز رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس فى لفظ القرآن
ما يدل على شىء من هذه الأقسام فعند هذا قال موسى عليه السلام ( أقتلت نفساً زكية بغير نفس
لقد جئت شيئاً فكراً) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو زاكية بالألف والباقون زكية بغير ألف
قال الكسائى الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة ، وقال أبو عمرو الزاكية التى لم تذنب
والزكية التى أذنبت ثم تابت .
﴿ البحث الثانى ) ظاهر الآية يدل على أن موسى عليه السلام استبعد أن يقتل النفس إلا
لأجل القصاص بالنفس وليس الأمر كذلك لأنه قد يحل دمه بسبب من الأسباب، وجوابه أن
السبب الأقوى هو ذلك.
﴿البحث الثالث) النكر أعظم من الإمر فى القبح، وهذا إشارة إلى أن قتل الغلام أقبح من
خرق السفينة لأن ذلك ما كان اتلافاً للنفس لأنه كان يمكن أن لا يحصل الغرق ، أما ههنا حصل
الإتلاف قطعاً فكان أنكر وقيل إن قوله ( لقد جئت شيئاً إمراً) أى عجباً والنكر أعظم من
العجب وقيل النكر ما أنكرته العقول ونفرت عنه النفوس فهو أبلغ فى تقبيح الشىء من الإمر
ومنهم من قال الإمر أعظم قال لأن خرق السفينة يؤدى إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل.
ليس إلا إتلاف شخص واحد وأيضاً الإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر وأنه تعالى
حكى عن ذلك العالم أنه مازاد على أن ذكره ماعاهده عليه فقال ( ألم أقل لك انك لن تستطيع معى
صبراً) وهذا عين ما ذكره فى المسألة الأولى إلا أنه زاد ههنا لفظة لك لأن هذه اللفظة تؤكد
التوبيخ فعند هذا قال موسى ( إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى) مع العلم بشدة حرصه على
مصاحبته وهذا كلام نادم شديد الندامة ثم قال (قد بلغت من لدنى عذرا) والمراد منه أنه يمدجه
بهذه الطريقة من حيث احتمله مرتين أولا وثانياً ، مع قرب المدة وبقى مها يتعلق بالقراءة فى
هذه الآية ثلاثة مواضع: (الأول) قرأ نافع برواية ورش وقالون وابن عامر وأبو بكر عن
عاصم نكرا بضم الكاف فى جميع القرآن والباقون ساكنة الكاف حيث كان وهما لغتان (الثانى)
الكل قرأوا (لا تصاحبنى) بالألف إلا يعقوب فإنه قرأ (لا تصحبنى) من صحب والمعنى واحد

قوله تعالى: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل القرية . سورة الكهف ١٥٧٠
فَانْطَلَقَا حَتَّ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبُواْ أَنْ يُضَبِعُوهُمَا فَوَجَدَا فِهَا
◌ِدَارًاً يُرِيدُ أَنْ يَنَقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَبْرً (٨﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى
وَبَيْنِكَ سَأُنَِّئُكَ بِتَأْوِيلٍ مَالَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرً له
(الثالث) فى (لدنى) قراءات (الأولى) قراءة نافع وأبى بكر فى بعض الروايات عن عاصم (من
لدنى) بتخفيف النون وضم الدال (الثانية) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائى
وحفص عن عاصم (لد نى) مشددة النون وضم الدال ( الثالثة) قرأ أبو بكر عن عاصم بالإشمام
وغير إشباع ( الرابعة ) (لدنى) بضم اللام وسكون الدال فى بعض الروايات عن عاصم وهذه
القراءات كلها لغات فى هذه اللفظة .
قوله تعالى: ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطا أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها
جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لوشئت لاتخذت عليه أجراً، قال هذا فراق بينى وبينك سأنبك
بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾.
اعلم أن تلك القرية هى أنطاكية وقيل هى الأيلة وههنا سؤالات: (الأول ) إن الاستطعام
ليس من عادة الكرام فكيف أقدم عليه موسى وذلك العالم لأن موسى كان من عادته عرض الحاجة
وطلب الطعام ألاترى أنه تعالى حکیعنه أنهقال فى قصة موسى عند ورود ما. مدین (رب إنی لما
أنزلت إلى من خير فقير ) (الجواب) أن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح فى كل الشرائع بل
ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد (السؤال الثانى) لم قال ( حتى إذا أتيا أهل قرية.
استطعما أهلها) وكان من الواجب أن يقال استطعما منهم، والجواب أن التكرير قد يكون التأكيد
كقول الشاعر :
ليت الغراب غداة ينعب دائماً كان الغراب مقطع الأوداج
(السؤال الثالث) إن الضيافة من المندوبات فتركها ترك للمندوب وذلك أمر غير منكر فكيف
يجوز من موسى عليه السلام مع على منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذى لأجله ترك
العهد الذى التزمه مع ذلك العالم فى قوله (إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى) وأيضاً مثل
هذا الغضب لأجل ترك الأكل فى ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلا عن كليم الله (الجواب)
أما قوله الضيافة من المندوبات قلنا قد تكون من المندوبات ، وقد تكون من الواجبات بأن كان
الضيف قد بلغ فى الجوع إلى حيث لولم يأكل لهلك وإذا كان التقدير ماذكرناهلم يكن الغضب الشديد
لأجل ترك الأكل يوماً فان قالوا ما بلغ فى الجوع إلى حد الهلاك بدليل أنه قال (أو شئت لا يبذت عليه

١٥٨
قوله تعالى : فانطلقا حتى إذا أتيا أهل القرية . سورة الكهف .
أجراً) وكان يطلب على إصلاح ذلك الجدار أجرة، ولو كان قد بلغ فى الجوع إلى حد الهلاك لما
قدر على ذلك العمل فكيف يصح منه طلب الأجرة قلنا لعل ذلك الجوع كان شديداً إلا أنه ما بلغ
حد الهلاك ، ثم قال تعالى ( فأبوا أن يضيفوهما) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول ) يضيفوهما يقال ضافه إذا كان له ضيفاً، وحقيقته مال إليه من ضاف
السهم عن الغرض. ونظيره: زاره من الإزورار، وأضافه وضيفه أنزله ، وجعله ضيفه ، وعن
النبى صلى الله عليه وسلم كانو أهل قرية لتاماً.
﴿ البحث الثانى ) رأيت فى كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية
استحيوا وجاؤًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب وقالوا يارسول اللّه نشترى
بهذا الذهب أن تجعل الباء تاءاً حتى تصير القراءة هكذا: فأتوا أن يضيفوهما. أى أتوا لأن
يضيفوهما ، أى كإن إتيان أهل تلك القرية إليهما لأجل الضيافة ، وقالوا غرضنا منه أن يندفع عنا
هذا اللؤم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب
فى كلام اللّه، وذلك يوجب القدح فى الإلهية. فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب
بطلان الربوبية والعبودية ، ثم قال تعالى (فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه) أى فرآیا
فى القرية حائطاً مائلا، فان قيل كيف بحور وصف الجدار بالإرادة مع أن الارادة من صفات.
الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة، وله نظائر فى الشعر قال:
ويرغب عن دماء بنى عقيل
یرید الرمح صدر أبى براء
وأنشد الفراء :
لزمان يهم بالإحسان
إن دهراً يلف شعلى يجمعل
وقال الراعى :
فى مهمه فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردن نصولا
ونظيره من القرآن قوله تعالى ( ولما سكت عن موسى الغضب) وقوله ( أن يقول له كن
فيكون) وقوله ( قالتا أتينا طائعين) وقوله (أن ينقض) يقال انقض إذا أسرع سقوطه من
انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته. وقيل انقض فعل من النقض كاحمر من الخمرة .
وقرىء أن ينقض من النقض، وأن ينقاض من انقاضت العين إذا انشقت طولا، وأما قوله
(فأقامه) قيل يقضه ثم بناه، وقيل أقامه بيده، وقيل مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من
معجزاته، واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك . وكانت الحالة حالة اضطرار وافتقار إلى الطعام
فلأجل تلك الضرورة نسى موسى ماقاله من قوله ( إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى ) فلا
جرم قال ( لو شئت لاتخذت عليه أجراً) أى طلبت على عملك أجرة تصرفها فى تحصيل المطعوم
وتحصيل سائر المهمات، وقرى. (لتخذت عليه أجراً) والتاء فى تخذ أصل كما فى تبع، واتخذ

قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين . سورة الكهف . ١٥٩
أَمَّا السَّفِيْنَةُ فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُمْ
وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ◌َشِينَآ أَن
مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٢َ فَأَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا
وَأَمَّ ◌ِخِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيَمَيْنِ فِ اْلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ ، كَتْرُ فَّهُمَا وَكَانَ.
٨١
أَبُوهُمَا صَبِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا
فَعَتُهُ, عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًاً
٨٢
افتعل منه كقولنا اتبع من قولنا تبع، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال العالم
( هذا فراق بينى وبينك) وههنا سؤالات (السؤال الأول) قوله هذا إشارة إلى ماذا ؟ والجواب
من وجهين (الأول) أن موسى عليه السلام قد شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالا آخر يحصل
الفراق حيث قال ( إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى ) فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك
العالم وقال ( هذا فراق بينى وبينك ) أى هذا الفراق الموعود ( الثانى) أن يكون قوله هذا
إشارة إلى السؤال الثالث أى هذا الاعتراض هو سبب الفراق ( السؤال الثانى) مامعنى قوله
( هذا فراق بينى وبينك)؟ (الجواب) معناه هذا فراق حصل بينى وبينك، فأضيف المصدر إلى
الظرف ، حكى القفال عن بعض أهل العربية أن البين هو الوصل لقوله تعالى (لقد تقطع بينكم )
فكان المعنى هذا فراق بيننا، أى اتصالنا، كقول القائل: أخزى الله الكاذب منى ومنك، أى
أحدنا هكذا قاله الزجاج، ثم قال العالم لموسى عليه السلام ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه
صبراً) أى سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاثة، وأصل التأويل راجع إلى قولهم آل الأمر إلى
كذا أى صار اليه ، فاذا قيل ما تأويله فالمعنى ما مصيره .
قوله تعالى: ﴿ أما السفينة فكانت لمسا كين يعملون فى البحر فأردت أن أعيها وكان وراءهم
ملك يأخذ كل سفينة غصباً . وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين خشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرأ.
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى
المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما
رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأوبل ما لم نسطع عليه صبراً ﴾ فى الآية مسائل:

١٦٠
قوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين . سورة الكهف .
المسألة الأولى﴾ أعلى أن هذه المسائل الثلاثة مشتركة فى شىء واحد وهو أن أحكام
الأنبياء صلوات الله عليهم مبنية على الظواهر كما قال عليه السلام ((نحن نحكم بالظاهر والله يتولى
السرائر، وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور بل كانت مبنية على الأسباب
المتبقية الواقعة فى نفس الأمر وذلك لأن الظاهر أنه يحرم التصرف فى أموال الناس
وفى أرواحهم فى المسألة الأولى وفى الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف لأن
تخريق السفينة تنقيص لملك الإنسان من غير سبب ظاهر، وقتل الغلام تفويت لنفس معصومة
من غير سبب ظاهر، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل فى المسألة الثالثة تحمل التعب والمشقق
من غير سبب ظاهر ، وفى هذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنياً عن الأسباب الظاهرة
المعلومة ، بل كان ذلك الحكم مبنياً على أسباب معتبرة فى نفس الأمر، وهذا يدل على أن ذلك
العالم كان قد آتاه الله قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور ويطلع بها على حقائق
الأشياء فكانت مرتبة موسى عليه السلام فى معرفة الشرائع والأحكام بناء الأمر على الظواهر
وهذا العالم كانت مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائق الأمور والاطلاع على أسرارها
الكامنة ، فيهذا الطريق ظهر أن مرتبته فى العلم كانت فوق مرتبة موسى عليه السلام. إذا عرفت هذا
فنقول: المسائل الثلاثة مبنية على حرف واحد وهو أن عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى
لدفع الأعلى؛ فهذا هو الأصل المعتبر فى المسائل الثلاثة .
. فلأن ذلك العالم علم أنه لو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها
المسألة الأولى
ذلك الملك، وفاتت منافعها عن ملاكها بالكلية فوقع التعارض بين أن يخرقها ويعيبها فتبقى مع
ذلك على ملاكها ، وبين أن لايخرقها فيغصبها الملك فتفوت منافعها بالكلية على ملاكها، ولا شك
أن الضرر الأول أقل فوجب محمله لدفع الضرر الثانى الذى هو أعظمهما .
المسألة الثانية ﴾ فكذلك لأن بقاء ذلك الغلام حياً كان مفسدة للوالدين فى دينهم
وفى دنياهم، ولعله علم بالوحى أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب
حصول تلك المفاسد للأبوين ، فلهذا السبب أقدم على قتله .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أيضاً كذلك لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة ذلك الجدار
ضررها أقل من سقوطه لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام . وفيه ضرر شديد، فالحاصل أن
ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على بواطن الأشياء وبالاطلاع على حقائقها كما هى عليها فى
أنفسها ، وكان مخصوصاً ببناء الأحكام الحقيقية على تلك الأحوال الباطنة ، وأما موسى عليه السلام
فما كان كذلك بل كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور فلا جرم ظهر التفاوت بينهما فى العلم،
فإن قال قائل فاصل الكلام أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها فى نفسها، وهذا النوع
من العثّ لا يمكن تعلمه، وموسى عليه السلام إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم فكان من الواجب