Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ قوله تعالى : وقل الحق من ربكم . سورة الكهف . ﴿ الفائدة الأولى) الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعى محال. ( الفائدة الثانية) أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب فى كتاب الله كثيرة ثم نقل عن على بن أمی طالب رضى الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد و ليست بتخيير. ( الفائدة الثالثة) أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين، بل تفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم ، كما قال تعالى (إن أحتم أحستتم لأنفسكم وان أسأتم فلها)، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة، وبذكر الوعد على الايمان والعمل الصالح. أما الوعيد فقوله تعالى (إنا أعتدنا للظالمين ناراً) يقول أعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة فى غير موضعها والأنفة فى غير محلها فعند ما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين، فهذا كله ظلم ووضع للشىء فى غير موضعه. فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام نارا وهى الجحيم، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين: (الصفة الأولى) قوله (أحاط بهم سرادقها) والسرادق هو الحجزة التى تكون حول الفسطاط فأثبت النارشيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لاعخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هى محيطة بهم من كل الجوانب. وقال بعضهم المراد من هذا السرادق الدخان الذى وصفه الله فى قوله ( انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب) وقالوا هذه الاحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشام هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط (والصفة الثانية ) لهذه النار قوله ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل) قيل فى حديث مرفوع إنه دردى الزيت وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلالأت ثم قال هذا هو المبل ، قال أبو عبيدة والأخفش كل شىء أذبته من ذهب أو تحاس أو فضة فهو المهل، وقيل إنه الصديد والقيح ، وقيل إنه ضرب من القطران . ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم إذا طلبواماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى ( تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ) ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء قال تعالى حكاية عنهم (أن أفيضوا علينا من الماء) وقال فى آية أخرى (سرابلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) فاذا استغاثوا من حرجهنم صب عليهم القطران الذى يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى (يغاثوا بما. كالمهل) وارد على سبيل الاستهزاء كقوله : تحية بينهم ضرب وجع. ثم قال تعالى ( بئس الشراب) أى أن الماء الذى هو كالمهل بئس الشراب لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ فى احتراق الأجسام مبلغاً عظيما ثم قال تعالى (وساءت مرتفقاً) قال قائلون ساءت النار منزلا ومجتمعاً للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة قال تعالى فى صفة أهل الجنة (وحسن أولئك رفيقاً) وأما رفقاء النار فهم الكفار والشياطين ١٢٢ قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . سورة الكهف . إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمِلُواْ الصَّالِحَتِ إِنَّا لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (يَ أُوْلَبِكَ لَهُمْ جَنَّْتُ عَدْنٍ تَخْرِى مِنْ تَحْيِهِمُ الْأَنْهُ يُحَلَوَّنَ فِهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًامِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَبِكُ نِعْمَ الثَّبُ وَحَسُنَتْ مُرْ تَفَقًّا (﴾ والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء وبئس موضع الترافق النار كما أنه نعم الرفقاء أهل الجنة ونعمُ موضع الرفقاء الجنة وقال آخرون مرتفقاً أى متكا، وسمى المرفق مرفقاً لأنه يتكاً عليه، فالاتكاء إنما يكون للاستراحة، والمرتفق موضع الاستراحة والله أعلم. قوله تعالى : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الآنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسو ثياباً خضراً من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسفت مرتفقاً ﴾. إعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى) قوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) يدل على أن العمل الصالح مغاير للايمان لأن العطف يوجب المغايرة . ﴿ المسألة الثانية﴾. قوله: ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) ظاهره يقتضى أنه يستوجب المؤمن بحسن عمله على اللّه أجراً، وعند أصحابنا ذلك الاستيجاب حصل بحكم الوعد وعند المعتزلة لذات الفعل وهو باطل لأن نعم الله كثيرة وهى موجبة للشكر والعبودية فلا يصير الشكر والعبودية موجبين لثواب آخر لأن أداء الواجب لايوجب شيئاً آخر. ﴿ المسألة الثالثة﴾ نظير قوله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الخ قول الشاعر: إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم كرر أن تأكيداً للاعمال والجزاء عليها . ﴿ المسألة الرابعة﴾ أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معاً ولك أن تجعل أولئك كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم وأعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه: (أولها) صفة مكانهم وهو قوله (أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار ) والعدن فى اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات إقامة كما يقال هذه دار إقامة ، ويجوز أن يكون العدن إسما لموضع معين من الجنة ١٢٣ قوله تعالى : واضرب لهم مثلاً رجلين . سورة الكهف .. وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا رَّجُلَنْ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهُمَا بِغْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٦ كِلْنَا الْخَنََّبْنِ ءَ اتَتْ أَكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خَلَهُمَا نَهَا ﴾ وَكَانَ لَهُ تَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُوَ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًاً وَأَعَنَّ نَفَرًّا (٨﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن .. وهو وسطها وأشرف أما كنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله ( جنات ) لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ماقاله تعالى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجرى من تحتها وذلك لأن أفضل المساكن فى الدنيا البساتين التى يجرى فيها الأنهار (وثانيها ) إن لباس أهل الدنيا إما لباس التحلى، وإما لباس القستر ، أما لباس التحلى فقال تعالى فى صفته ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) والمعنى أنه يحليهم اللّه تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى وحلوا أساور من فضة) وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى (ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير)، وأما لباس التستر فقوله (ويلبسون ثياباً خضرامن سندس واستبرق) والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثانى هو الديباج الصفيق وقيل أصله فارسى معرب وهو استبره أى غليظ فان قيل ما السبب فى أنه تعالى قال فى الحلى ( يحملون) على فعل مالم يسم فاعله وقال فى السندس والاستبرق ويلبسون فأضاف اللبس اليهم قلنا يحتمل أن يكون اللبس اشارة الى ما استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلى اشارة الى ما تفضل الله عليهم ابتداء من زوائد الكرم (وثالثها) كيفية جلوسهم فقال فى صفتها متكتين فيها على الأرائك قالوا الأرائك جمع أريكة وهى سرير فى حجلة ، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة. ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال (نعم الثواب وحسنت مرتفقاً) والمراد أن يكون هذا فى مقابلة ما تقدم ذكره من قوله (وساءت مرتفقاً). قوله تعالى: ﴿ واضرب لهم مثلارجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً، كلنا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ونجرنا خلالها نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن ١٢٤ قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا . سورة الكهف تَبِدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴾ وَمَا أَعُنُّ السَّاعَةَ قَآَيِمَةٌ وَلَيْن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِ لَأَِّدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ قَالَ لَغُر صَاحِبٌ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ وَ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمْ مِن نُطْفَّةٍ ثُمَّسَوَّنكَ رَجُلًا (﴿ أَنْكِنَّأْ هُوَ الهُ رَبِ وَلَا أَشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا ﴾ وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لَ قُوَّةَ إِلَّ ◌ِلّهِ إِن تَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَلَدًا فَعَسَى رَبِ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًاً مِّنِ جَنَّتِكَ وَبُرْسِلَ عَيْهَا حُْبَنَامِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ ٣٩ صَعِيدًا زَلَقًا ( أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٨) وَأُحِطَ ◌َِّرِِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوِشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْفَنِ لَّمْ أَشْرِكْ بِّ أَحَدًا (﴾ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٦َ هُنَالِكَ الْوَةُ لِِّالْحَقِّ هُوَخَيْرٌ ثَوَابًا وَخَبْرُّ عُقْبًا تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيراً منها منقلباً قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربى أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيدا زلقاً أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا ﴾. إعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيا والغنى فقيرا، أما الذى يجب قوله تعالى: واضرب لهم مثلاً رجلين . سورة الكهف . ١٢٥ حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهى حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور فى الآية فقال (واضرب لهم مثلا رجلين) أى مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخويز فى بنى اسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران فى سورة الصافات فى قوله تعالى ( قال قائل منهم انى كان لى قرين ) ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذكل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضا فقال المؤمن اللهم إنى أشترى منك أرضاً فى الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف فقال المؤمن اللهم إنى أشترى منك دارا فى الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إنى جعلت ألفاً صداقاً للحور العين ثم اشترى أخوه خدماً وضياعا بألف فقال المؤمن اللهم إنى اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة جلس لأخيه على طريقه فمر به فى حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى ( جعلنا لأحدهما جنتين )، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات: ( الصفة الأولى ) كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية، ( والصفة الثانية ) قوله ( وحففناهما بنخل) أى وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين نظيره قوله تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) أى واقفين حول العرش محيطين به، والحفاف جانب الشىء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أى صاروا فى أحفته وهى جوانبه قال الشاعر : إذا كرها فيها عقاب ونائل له لحظات فی حفافی سريره قال صاحب الكشاف حفوه إذا طافوا به ، وحففته بهم أى جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول وأحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقوله غشبته وغشيته به، قال وهذه الصفة ما يؤثرها الدهاقين فى كرومهم وهى أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسن فى المنظر ( الصفة الثالثة ) (وجعلنا بينهما زرعا) والمقصود منه أمور (أحدها) أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه (وثانيها) أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأ كتاف ومع ذلك فانها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض ( وثالثها) أن مثل هذه الأرض تأتى فى كل. وقت بمنفعة أخرى وهى ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة (الصفة الرابعة ) قوله تعالى ( كلتا الجنتين آتت أكلها. ولم تظلم منه شيئاً) كلا إسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، وكلنا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان. وإذا أضيفاً إلى المظهر كانا بالألف فى الأحوال الثلاثة كقولك جاءنى كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك. وجاءتى كلنا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا أختيك، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا فى الرفع بالألف، وفى الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف فى الأحوال الثلاثة أيضا. وقوله (أنت أكلها) حمل على اللفط لأن كلنا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أننا على المعنى لجاز، وقوله (ولم تظلم ١٢٦ قوله تعالى : واضرب لهم مثلا رجلين . سورة الكهف . منه شيئاً) أى لم تنقص والظلم النقصان ، يقول الرجل ظلمنى حقى أىّ نقصى (الصفة الخامسة) قوله تعالى (ونجرنا خلالهما نهراً) أى كان النهر يجرى فى داخل تلك الجنتين . وفى قراءة يعقوبو جرنا مخففة وفى قراءة الباقين وجيرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و(خلالها) أى وسطهماويينهما. ومنه قوله تعالى (ولأوضعواخلالكم). ومنه يقال خلت القوم أى دخلت بين القوم (الصفة السادسة) قوله تعالى (وكان له ثمر) قرأ عاصم بفتح التاء والميم فى الموضعين وهو جمع ثمارأوثمرة، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم فى الحرفين والباقون بضم الثاء والميم فى الحرفين ذكرأهل اللغة: أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب كان أبو عمروبن العلاء يقول الثمر المال والولد، وأنشد ولقد رأيت معاشراً قد أثمروا مالا وولداً الحارث بن كلدة : وقال النابغة : ما أتمروه أمن مال ومن ولد مهلا فداء لك الأقوام کلهم وقوله ( وكان له ثمر ) أى أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد الذهب والفضة أى كان مع الجنتين أشياء من النقود، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده ( فقال له صاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفراً) والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم: حار إذا رجع، قال تعالى ( إنه ظن أن لن يحور بلى )، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر (أنا أكثر منك مالا وأعز نفراً) والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاعه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة مانه فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال (ودخل جنته) وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فان قيل لم أفرد الجنة بعد التثنية قلنا المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب فى الجنة التى وعد المتقون المؤمنون وهذا الذى ملكه فى الدنيا هو جنته لاغير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما، ثم قال تعالى ( وهو ظالم لنفسه ) وهو اعتراض وقع فى أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعا تلك النعم فى غير موضعها ، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال ( وما أظن أن تعيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة) جمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبد مع أنها متغيرة متبدلة . فإن قيل هب أنه شك فى القيامة فكيف قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية ؟ قلنا المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده، ثم قال ( ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيراً منها منقلباً) أى مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى ( ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى) وقوله (لأوتين مالا ١٢٧ قوله تعالى : واضرب لهم مثلاً رجلين . سورة الكهف . وولدا) والسبب فى وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال فى الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقاً له، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء. والمقدمة الأولى كاذبة فان فتح باب الدنيا على الإنسان يكون فى أكثر الأمر للاستدراج والتملية، قرأ نافع وابن كثير خيراً منهما ، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التى دخلها، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) وفيه بحثان: ﴿ البحث الأول ) أن الإنسان الأول قال ( وما أظن الساعة قائمة) وهذا الثانى كفره حيث قال (أ كفرت بالذى خلقك من تراب) وهذا يدل على أن الشاك فى حصول البعث كافر . ﴿ البحث الثانى) هذا الاستدلال يحتمل وجهين (الأول) يرجع إلى الطريقة المذكورة فى القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله ( خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) إشارة إلى خلق الإنسان فى الابتداء ( الوجه الثانى) أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثاً ، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ماذكرناه فى سورة يس ، ويدل على هذا الوجه قوله (ثم سواك رجلا) أى هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز فى العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن ( لكنا هو الله ربي) وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول ) قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا خذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن فى النون التى بعدها ومثله : وتقليفى لكن إياك لا أقلى أى لكن أنا لا أقليك وهو فى قوله (هو الله ربى) ضمير الشأن وقوله (اللّه ربى) جملة من المبتدأ والخبر واقعة فى معرض الخبر لقوله هو فان قيل قوله (لكنا) استدراك لماذا ؟ قلنا لقوله (أكفرت) كأنه قال لأخيه أ كفرت بالله لكنى مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر. ﴿ والبحث الثانى ) قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرى ونافع فى رواية (لكناهو الله ربى) فى الوصل بالألف. وفى قراءة الباقين ( لكن هو اللّه ربى) بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن (ولا أشرك بربى أحداً) ذكر القفال فيه وجوهاً: (أحدها) إنى لاأرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى واصبر إذا ابتلى ولا أتكبر عندما ينعم على ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسى وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكا فى إعطاء العز والغنى. (وثانيها) لعل ذلك الكافر مع كونه منكرا للبعث كان عابد صم فبين هذا المؤمن فساد قوله باثبات الشركاء ( وثالثها) أن هذا الكافر لما عجز اللّه عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق فى هذا العجز واذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر (ولولا إذ دخلت جنتك ١٢٨ قوله تعالى : واضرب لهم مثلاً رجلين . سورة الكهف . قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله ( ماشاء اللّه) وفيه وجهان: (الأول) أن تكون (ما) شرطية ويكون الجزاء محذونا والتقدير أى شىء شاء اللّه كان. (والثانى) أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ماشاء الله، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل مالم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الايمان من الكافر وهو صريح فى إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبى عنه بأن تأويل قولهم ماشاء ما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال لا يمتنع أن يحصل فى سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه، واعلم أن الذى ذكر الكعى ليس جواباً عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الارادة على الأمر باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس فى النصوص ما يدل على أنه لا يدخل فى الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الانسان هذه الأشياء الموجودة فى هذا البستان ما شاء الله ومثله قوله (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ) وهم ثلاثة وقوله ( وقولوا حطة) أى قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشىء الموجود فى البستان شىء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء اللّه وقع لأن هذا الحكم غير عام فى الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة فى البستان وهذا التأويل الذى ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبانى والكعبى، وأقول إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والمظلم الشديد فلا يصح أيضاً على قول المعتزلة أن يقال هذا واقع بمشيئة الله . اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل (والكلام الثانى) الذى أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله (لا قوة إلا بالله) أى لاقوة لأحد على أمرمن الأمور إلا باعانة اللّه وإقداره. والمقصود إنه قال المؤمن للكافر هلاقلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ماقدره الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فان أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها ،و هلا قلت لاقوة إلا بالله اقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد فى بدنه ولا فى ملك يده إلا بالله ثم ان المؤمن لما علم الكافر الايمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال (إن ترن أنا أقل منك مالا وولداً ) من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلا وأقل مفعولا ثانيا ومن قرأ أقل بالرفع جعل قوله (أنا ) مبتدأ وقوله ( أفل ) خبر والجملة مفعولا ثانياً لترن واعلم أن ذكر الولد ههنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور فى قوله ( وأعز نفراً) الأعوان والأولاد كأنه يقول له إن كنت ترانى (أقل مالا (ولداً) وأنصاراً فى الدنيا الفانية (فعسى ربى أن يؤتين خيراً من جنتك) إما فى الدنيا، وإما فى الآخرة. ويرسل على جنتك (حسباناً من السماء) أى عذاباً وتخريباً والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب ١٢٩ قوله تعالى : واضرب لهم مثلاً رجلين سورة الكهف . أى مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها . قال الزجاج عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كـبت يداك وقيل حسباناً أى مرامى الواحد منها حسبانة وهى الصواعق (فتصبح صعيداً زلقاً) أى فتصبح جنتك أرضاً ملساء لانبات فيها والصعيد وجه الأرض، زلقاً أى تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقاً ثم قال (أو يصبح ماؤها غوراً) أى يغوص ويسفل فى الأرض ( فلن تستطيع له طلباً ) أى فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه قال أهل اللغة فى قوله ( ماؤها غوراً) أى غائراً وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال فلان زور وصوم للوأحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أى نوائح ثم أخبر اللّه تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال (وأحيط بثمره) وهو عبارة عن إهلا كه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل فى كل إهلاك ومنه قوله ( إلا أن يحاط بكم) ومثله قولهم أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم . ثم قال تعالى ( فأصبح يقلب كفيه) وهو كناية عن الندم والحسرة فان من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى، وقد يمسح إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق فى الجنة التى وعظه أخوه فيها وعذله (وهى خاوية على عروشها ) أى ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهى سقطت على الجدران. وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلا كها ، ثم قال تعالى ( ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحداً) والمعنى أن المؤمن لما قال (لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا) فهذا الكافر تذكر كلامه وقال (ياليتنى لم أشرك بربى أحدا) فان قيل هذا الكلام يوم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل)، وأيضاً فلما قال ( يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا ) فقد ندم على الشرك ورغب فى التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال بعده ( ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا) والجواب عن (السؤال الأول) أنه لما علمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره فى تحصيل الدنیا وکان معرضاً فی کل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقى الحرمان عن الدنيا والدين عليه . فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن (السؤال الثانى) أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحدا غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب فى التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا لهذا السبب ما صار توحيده مقبولا عند الله ثم قال تعالى (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون اللّه) وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول ) قرأ حمزة والكسائى (ولم يكن له فئة) بالياء لأن قوله (فئة) جمع فاذا الفخر الرازي - ج ٢١ م ٩ ١٣٠ قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا . سورة الكهف وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَ الْخَيَؤَةِ الدُّنْيَا كَآءٍ أَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِنَبَاتُ الْأَرْضِ تقدم على الكناية جاز التذكير، ولأنه رعاية للمعنى . والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهى الفئة . (البحث الثانى) المراد من قوله ( ينصرونه من دون الله) هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أى هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى ( هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقى ) ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف القراء فى ثلاثة مواضع من هذه الآية (أولها) فى لفظ الولاية فنى قراءة حمزة والكسانى بكسر الواو وفى قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبى عمرو بن العلاء أنه قال كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف الولاية بالفتح النصرة والتولى وبالكسر السلطان والملك (وثانيها) قرأ أبو عمرو والكسائى قوله الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق الله وقرأ الباقون بالجر صفة لله (وثالثها) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائى وابن عامر عقباً بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف. المسألة الثانية﴾ (هنالك الولاية لله) فيه وجوه (الأول) أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ماذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون فى حق كل مؤمن وكافر فقال (هنالك الولاية لله الحق) أى فى مثل ذلك الوقت وفى مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالى أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذى يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه [فيهما] (والوجه الثانى) فى. التأويل أن يكون المعنى فى مثل تلك الحالة الشديدة يتولى اللّه ويلتجىء إليه كل محتاج مضطر يعنى أن قوله (ياليتنى لم أشرك بربى أحدا) كلمة ألجىء إليها ذلك الكافر فقالها جزءاً مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها (والوجه الثالث) المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفى صدورهم من أعدائهم يعنى أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله فى قوله (فعى ربى أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء) ويعضده قوله (هو خير ثواباً وخير عقب) أى لأولياته (والوجه الرابع) أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أى فى تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى (هو خير ثواباً أى فى الآخرة لمن آمن به والتجأ اليه (وخير عقى) أى هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرىء عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة (١). قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض (١) عقي رسمت في المصحف هكذا (عقبا) بالألف وهى ترسم إملاء (عقبى) بالياء إذا سكنت القاف فى قراءة عاصم وحمزة على زنة فعلى ، وأما إذا ضمت القاف فتكون جمع عقي وترسم بالألف حينئذ فى قراءة الباقين . : ١٣١ قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا . سورة الكهف . فَأَصْبَحَ هَشِيَمَا تَذْرُوهُ أَِّيَحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَكِرًا ◌ِ الْمَالُ وَلْبُونَ زِينَةُ الْحَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرُ أَمَلًا ٤٦ فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا اعلم أن المقصود: اضرب مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين فقال (واضرب لهم) أى لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين (مثل الحياة الدنيا) ثم ذكر المثل فقال (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) وحينئذ يربو ذلك النبات ويهتز ويحسن منظره كما قال تعالى (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) ثم إذا انقطع ذلك مدة جف ذلك النبات وصار هشيما، وهو النبت المتكسر المتفتت . ومنه قوله: هشمت أنفه وهشمت الثريد. وأنشد : عمرو الذی هشم الثريد لأهله ورجال مکه مسنتون عماف وإذا صار النبات كذلك طيرته الرياح وذهبت بتلك الأجزاء إلى سائر الجوانب ( وكان الله على كل شىء مقتدراً) بتكوينه أولا وتنميته وسطاً وإبطاله آخراً وأحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولا فى غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلا قليلا ثم تأخذ فى الانحطاط إلى أن تنتهى إلى الهلاك والفناء؛ ومثل هذا الشىء ليس للعاقل أن يبتهج به. والباء فى قوله (فاختلط به نبات الأرض) فيه وجوه (الأول) التقدير فاختلط بعض أنواع النبات بسائر الأنواع بسبب هذا الماء وذلك لأن عند نزول المطر يقوى النبات ويختلط بعضه بالبعض ويشتبك بعضه بالبعض ويصير فى المنظر فى غاية الحسن والزينة (والثانى) فاختلط ذلك الماء بالنبات واختلط ذلك النبات بالماءحتى روی ورف رفيقا. وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منها بصفة صاحبه . قوله تعالى: ﴿المال والبنون رية الحياة الدنياوالباقيات الصالحات خير عندربك ثوابا وخير أملا لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل وسنعقد منه قياس الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض ينتج إنتاجا بديهياً أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض. ومن المقتضى البديهى أن ما كان كذلك فائه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له ١٣٢ قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا سورة الكهف فى نظره وزناً فهذا برهان باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد ثم ذكر ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا) وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقى خير من المنقرض المنقضى وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة، لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة فى تفسير قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) فى بيان أن الادراكات العقلية أفضل من الحسية وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات العقلية والحسية هى السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات الحسية الدنيوية والله أعلم. والمفسرون ذكروا فى الباقيات الصالحات أقوالا قيل إنها قولنا ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) والشيخ الغزالى رحمه الله فى تفسير هذه الكلمات وجه لطيف ، فقال روى أن من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات ، فإذا قال والحمد لله صارت عشرين، فإذا قال ولا إله إلا الله صارت ثلاثين، فإذا قال والله أكبر صارت أربعين. قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق فى معرفة اللّه وفى محبته فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزهاً عن كل مالا ينبغى فصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فاذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزهاً عن كل مالا ينبغى فهو المبدأ لإفادة كل ما ينبغى ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا تضاعف الثواب فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن الذى تنزه عن كل مالا ينبغى فهو المبدأ لكل ما ينبغى وليس فى الوجود موجود هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فاذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لاجرم صارت درجات الثواب أربعة (والقول الثانى) أن الباقيات الصالحات هى الصلوات الخمس (والقول الثالث) أنها الطيب من القول كما قال تعالى (وهدوا إلى الطيب من القول) (والقول الرابع) أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك وذلك أن كل ماسوى الحق سبحانه فهو فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات اليه عملا باطلا وسعياً ضائعا . أما الحق لذاته فهو الباقى لا يقبل الزوال لاجرم كان الاشتغال بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذى يبقى بقاء لايزول ولا يفنى ثم قال تعالى (خير عند ربك ثوابا وخير أملا) أى كل عمل أريد به وجه الله فلا شك أن مايتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيراً وأفضل ، لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل فى الدنيا ثواب الله ونصيبه فى الآخرة. ١٣٣ قوله تعالى : ويوم نسير الجبال . سورة الكهف . وَيَوْمَ نُسَبِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَلَّمْ تُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا (﴾ وَعُرِ ضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَقَّالَّقَدْ جِئْتُونَا كَا خَفْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَّنْ تَجْعَلَ لَكُ مَّوْعِدًا ﴾ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ◌ِمَا فِهِ وَيَقُولُونَ يَنْوَ يْلَتَنَا مَلِ هَذَا الْكِتَبِ لَأَيْفَادِرُ صَغِيرَةً وَلَ كَبِرَةٌ إلَّ أَحْصَنْهَا وَوَجَدُواْ مَاعِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ٩ قوله تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا. وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتموناكما خلقناكم أول مرة بل زعتم أن لن نجعل لكم موعدا . ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحداً. أعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال ( ويوم نسير الجبال) والمقصود منه الرد على المشركين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا فى الناصب لقوله ( ويوم نسير الجبال) على وجوه: (أحدما) أنه يكون التقدير واذكر لهم (يوم نسير الجبال) عطفا على قوله (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا). (الثانى) أنه يكون التقدير (ويوم نسير الجبال) حصل كذا وكذا يقال لهم ( لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) لأن القول مضمر فى هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم هذا فى هذا الموضع (الثالث) أن يكون التقدير (خير أملا) فى (يوم نسير الجبال) والأول أظهر. إذا عرفت هذا فنقول: إنه ذكر فى الآية من أحوال القيامة أنواعا (النوع الأول ) قوله ( ويوم نسير الجبال) وفيه بحثان: ﴿ البحث الأول) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع باسناد تسير إليه اعتباراً بقوله تعالى ( وإذا الجبال سيرت ) والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه [تعالى و] الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتباراً بقوله (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه. ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهى تسير الجبال باسناد تسير إلى الجبال. ﴿ البحث الثانى) قوله ( ويوم نسير الجبال) ليس فى لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذى يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه ١٣٤ قوله تعالى : ويوم نسير الجبال . سورة الكهف . والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى (ويستلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفاً فيذرها قاعا صفصفاً لاترى فيها عوجا ولا أمتا) ولقوله (وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً) و (النوع الثانى) من أحوال القيامة قوله تعالى (وترى الأرض بارزة) وفى تفسيره وجوه: (أحدها) أنه لم يبق على وجهها شىء من العمارات، ولا شىء من الجبال، ولا شىء من الأشجار، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من قوله (لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً ) (وثانيها ) أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما فى بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهى بارزة الجوف والبطن حذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى (وألقت ما فيها وتخلت) وقوله (وأخرجت الأرض أثقالها) وقوله ( وبرزواللّه جميعاً). (وثالثها) أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار، فلما أفنى اللّه تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة و(النوع الثالث) من أحوال القيامة قوله (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحداً، أى لم نترك من الأولين والآخرين أحداً إلا وجعناهم لذلك اليوم، ونظيره قوله تعالى (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) ومعنى لم تغادر لم تترك، يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول ، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها . ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم، فقال (وعرضوا على ربك صفاً) وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ فى تفسير الصف وجوه (أحدها) أنه تعرض الخلق كلهم على اللّه صفاً واحداً ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً ، قال القفال ويشبه أن يكون الصف راجعا الى الظهور والبروز، ومنه اشتق الصفصف للصحراء ( وثانيها) لا يبعد أن يكون الخلق صفونا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التى يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفاً صفوفا كقوله (يخرجكم طفلا) أى أطفالا (وثالثها) صفا أى قياما، كما قال تعالى (فاذكروا اسم الله عليها صواف) قالوا قياما، المسألة الثانية) قالت المشبهة قوله تعالى (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) يدل على أنه تعالى يحضر فى ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفاً ، وكذلك قوله تعالى (لقد جئتمونا) يدل على أنه تعالى يحضر فى ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم فى الموضع الذى يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضاً عليه ، لا على أنه تعالى يحضر فى مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم، ثم قال تعالى (لقد جئتموناكما خلقناكم أول مرة ) وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه، لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين فى الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار ١٣٥ قوله تعالى : ويوم نسير الجبال . سورة الكهف . (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ) عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى (لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) وقال تعالى (أفر أيت الذى كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا - الى قوله - ويأتينا فرداً) ثم قال تعالى (بل زعتم أن لن تجعل لكم موعدا) أى كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار فى الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق ، ثم قال تعالى (ووضع الكتاب) والمراد أنه يوضع فى هذا اليوم كتاب كل إنسان فى يده إما فى اليمين أو فى الشمال ، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال (وترى المجرمين مشفقين مما فيه) أى خائفين مما فى الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون ، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة عندالخلق ويقولون ياويلتنا ينادون هلكتهم التى هلكوها خاصة من بين الملكات (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وهى عبارة عن الإحاطة بمعنى لا يترك شيئاً من المعاصى سواء كانت صغيرة أو كبيرة إلا وهى مذكورة فى هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون) وقوله (إنا كنانستنسخ ما كنتم تعملون) وإدخال تاء التأنيث فى الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة (إلا أحصاها) إلا ضبطها وحصرها ، قال بعض العلماء: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر (١). لأن تلك الصغائر هى التى جرتهم الى الكبائر فاحترزوا من الصغائر جداً ( ووجدوا ما عملوا حاضرا) فى الصحف عنيداً أو جزاء ما عملوا ( ولا يظلم ربك أحداً) معناه أنه لا يكتب عليه مالم يفعل ، ولا يزيد فى عقابه المستحق ، ولا يعذب أحداً بجرم غيره ، بقى فى الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الجيائى هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة فى مسائل: (أحدها) أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم الكان ظالماً (وثانيها) أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب (وثالثها ) بطلان قولهم لله أن يفعل مايشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان كذلك لما كان لنفى الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أى شىء أراد لم يكن ظلماً منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له ( أما الجواب) عن الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعى، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه تعالى قال ( ما كان لله أن يتخذ من ولد) ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا ههنا . ﴿ المسألة الثانية﴾ عن رسول اللّه يرقم أنه قال ((يحاسب الناس فى القيامة على ثلاثة يوسف، وأيوب، وسليمان. فيدعو بالمملوك ويقول له ما شغلك عنى فيقول جعلتنى عبداً للآدمى فلم تفرغنى فيدعو يوسف السلام ، ويقول كان هذا عبدا مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتى فيؤمر به الى النار ، (١) نظير هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أيحاسب الانسان على ما يتكلم به؟ فقال . . وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم، والحصائد جمع حديدة، وهى الكلمة الهيئة . ١٣٦ قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا . سورة الكهف . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَمَ فَسَجَدُوَاْإِلَّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ آلْجِنِّ قَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيَِّةٍ أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًّا (٤) مَّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِينَ عَضُدًالََّ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْشُرَ كَءِىَ الّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (٦﴾ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُواْ ثم يدعو بالمبتلى فإذا قال شغلتنى بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام فيقول قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتى فيؤمر به الى النار ، ثم يؤتى بالملك فى الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة ، فيقول ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلنى الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام فيقول هذا عبدى سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتى اذهب فلا عذر لك ويؤمر به الى النار))، وعن معاذ عن رسول اللّه صَّ الي أنه قال ((لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيم أبلاه ، وعن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه كيف عمل به )) ﴿ المسألة الثالثة) دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر فى الذنوب، وهذا متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا فى تفسيره فقالت المعتزلة الكبيرة مايزيد عقابه على ثواب فاعله ، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب فاعله، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثواباً وعقاباً وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها فى سورة البقرة، فى إبطال القول بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة فى نوعين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى فى كونه جهلا باللّه كان أعظم فى كونه كبيرة ، وكل ما كان أقوى فى كونه إضرارا بالغير كان أكثر فى كونه ذنبا أو معصية فهذا هو الضبط . قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو بتس للظالمين بدلا . ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا . ويوم يقول نادوا شركائى الذين زعتهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا . ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا . سورة الكهف . ١٣٧ أَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ( ٥٣ ولم يجدوا عنها مصرفا) وفيه مسائل: المسألة الأولى) اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الردعلى القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال خلقتنى من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه فى الأصل والنسب فكيف أحد وكيف أتواضع له! وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هى بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الإقتداء بها فى قوله (أفتتخذونه وذريته أولياء) فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر، وذكر القاضى وجهاً آخر فقال إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجرى عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا أنه ينادى المشركين ويقول لهم أين شركائى الذى زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذى يحمل الانسان على إثبات هؤلاء الشركاء ، لاجرم قدم قصته فى هذه الآية إتماماً لذلك الغرض ثم قال القاضى وهذه القصة وإن كان تعالى قد کررها فی سور کثیرة إلا أن فی کل موضع منها فائدة محددة . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى بين فى هذه الآية أن إبليس كان من الجن والناس فى هذه المسألة ثلاثة أقوال (الأول) أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافى كونه من الجن ولهم فيه وجوه (الأول ) أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) (وجعلوا لله شركاء الجن) (والثانى) أن الجن سموا جناً للاستنار والملائكة كذلك فهم داخلون فى الجن (الثالث ) أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم کوفی وبصرى وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون فى الجنات حى من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذخلقوا رواه القاضى فى تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير (والقول الثانى) أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم (والقول الثالث) قول من قال كان من الملائكة فسخ وغير . وهذه المسألة قد أحكمناها فى سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلا فى هذه الآية وهو قوله (افتخذونه وذريته أولياء من دونى) والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة . بقى أن يقال إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر؛ وأيضاً ١٣٨ قوله تعالى . وإذا قلنا للملائكة اسجدوا . سورة الكهف . لولم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالی ( نفسق عن أمی ربه) وفی ظاهره إشكال لأن الفاسق لا یفسق عن أمر ربه، لهذا السبب ذكروا فيه وجوهاً (الأول) قال الفراء ففسق عن أمر ربه أى خرج عن طاعته. والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أى خرجت، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة: فواسقا عن قصدها جواثرا هوین فی نجد وغور غائرا (الثانى) حکی الزجاج عن الخليل وسيیویه أنه قال : لما أمر فعصی کان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق ، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال فسق عن أمر ربه (الثالث ) قال قطرب: فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل الغير قال تعالى(أفنتخذونه وذريته أولياء من دونی وم لكم عدو ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولتك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم، إنكم فى هذا القول اقتديتم بابليس فى تكبره على آدم فلما علتم أن إبليس عدو لكم بكيف تقتدون به فى هذه الطريقة المذمومة. هذا هو تقرير الكلام. فإن قيل إن هذا الكلام لا يتم إلا باثبات مقدمات (فأولها) إثبات إبليس (و ثانیها) إثبات ذرية إبليس (وثالثها) إثبات عداوة بین إبليس وذريته وبين أولاد آدم (ورابعها) أن هذا القول الذى قاله أولئك الكفاراقتدوا فيه بابليس. وكل هذه المقدمات الأربعة لاسبيل إلى إثباتها إلا بقول النبى ◌َلّم . فالجاهل بصدق التى جاهل بها. إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبياًصادقا أو ماعرفوا ذلك؟ فان عرفوا كونه نبياً صادقا قبلوا قوله فى كل ما يقوله فكلما نهاهم النبى محمد فوز لي عن فول انتهوا عنه، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبياً جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صمتها حينئذ لا يكون فى إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشر کین کانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن ابليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه ، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجراً لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع . المسألة الثانية﴾ قال الجبائى فى هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه فى العبد، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهم! فكيف يوبخهم بقوله ( بئس للظالمين بدلا)!؟ تعالى الله عنه علوا كبيرا. بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله. والجواب المعارضة بالداعى والعلم . المسألة الثالثة﴾ إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا . سورة الكهف . ١٣٩ أفتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله، لأن الداعى لهم إلى ترك دين محمد ولم هو النخوة واظهار العجب . فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعى فهو متبع لأبليس حتى أن من كان غرضه فى إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بابليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى (بئس للظالمين بدلا ) أى بئس البدل من اللّه أبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته، ثم قال ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلقٍ أنفسهم ) وفيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ اختلفوا فى أن الضمير فى قوله (ما أشهدتهم) إلى من يعود؟ فيه وجوه: (أحدها) وهو الذى ذهب اليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذى اتخذتموم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله ( اقتلوا أنفسكم) يعنى ما أشهدتهم لاعتضد بهم والدليل عليه قوله ( وما كنت متخذ المضلين عضداً) أى وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لإضلالهم وقوله (عضداً) أى أعواناً ( وثانيها) وهو أقرب عندى أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقترح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لى فى تدبير العالم بدليل قوله تعالى ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) ولا اعتضدت بهم فى تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فانك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة ، فلم تقدم عليها والذى يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وفى هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى ( بئس للظالمين بدلا ) والمراد بالظالمين أولئك الكفار ( وثالثها ) أن يكون المراد من قوله ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) كون هؤلاء الكفار جاهلين بماجرى به القلم فى الأزل من أحوال السعادة والشقاوة. فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته فى الأزل والشقى من حكم الله بشقاوته فى الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال ( ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل ، بل ربما صار الأمر فى الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قرى، وما كنت بالفتح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغى لك أن تعتز بهم. وقرأ على رضوان الله عليه (متخذاً المضلين) بالتنوين على الأصل، وقرأ الحسن (عضداً) بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين، وقرى. (عضداً) بالفتح وسكون الضاد (وعضداً) بضمتين (وعضداً) ١٤٠ قوله تعالى : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا . سورة الكهف بفتحتين جمع عاضد كادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذى قالوه فى الافتخار على الفقراء اقتداء بابليس عاد بعده الى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال ( ويوم يقول نادوا شركائى الذين زعمتم ) وفيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ) قرأ حمزة (نقول) بالنون عطفاً على قوله ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) و(أولياء من دونى) (وما أشهدتهم خلق السموات والأرض، وما كنت متخذ المضلين عضداً) والباقون قرأوا باليا .. ( البحث الثانى) واذكريوم نقول عطفاً على قوله (وإذقلنا للملائكة اسودوا). ( البحث الثالث ) المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم (نادوا شركائى) أى ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لى حيث أهلتموهم للعبادة، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى فى هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك فى آية أخرى وهو أنهم قالوا (إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم معنون عنا) ثم قال تعالى (فلم يستجيبوا لهم) أى لم يجيبوهم إلى مادعوهم اليه ولم يدفعوا عنهم ضررا وما أوصلوا اليهم نفعاً. ثم قال تعالى (وجعلنا بينهم موبقاً) وفيه وجوه: (الأول) قال صاحب الكشاف الموبق المهلاك من وبق يبق وبوقا ووبقا. إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال: إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادى فى جهنم (الوجه الثانى) قال الحسن (موبقاً) أى عداوة والمعنى عداوة هى فى شدتها هلاك. ومنه قوله: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفا . ( الوجه الثالث ) قال الفراء البين المواصلة أى جعلنا مواصلتهم فى الدنيا هلاكا فى يوم القيامة (الوجه الرابع) الموبق البرزخ البعيد أى جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا يهلك فيه السارى لفرط بعده ، لأنهم فى قعر جهنم وهم فى أعلى الجنان ثم قال تعالى( ورأی المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) وفى هذا الظن قولان: (الأول) أن الظن ههنا بمعنى العلم واليقين ( والثانى) وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها فى تلك الساعة من غير تأخير ومهلة ، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها . كما قال (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً) وقوله ( مواقعوها) أى مخالطوها فان مخالطة الشىء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى (ولم يجدوا عنها مصرفا) أى لم يجدوا عن النار معدلا إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم اليها .