Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض . سورة الكهف .
المسألة الأولى﴾ قال القاضى وجه النظم كأنه تعالى يقول يا محمد إنى خلقت الأرض
وزيتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق
بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم . فأنت أيضاً
يا محمد ينبغى أن لا تنتهى فى الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى تفسير هذه الزينة فقال بعضهم النبات والشجر وضم بعضهم
إليه الذهب والفضة والمعادن، وضم بعضهم إليه سائر الحيوانات وقال بعضهم بل المراد الناس
فهم زينة الأرض. وبالجملة فليس بالأرض إلا المواليد الثلاثة وهى المعادن والنبات والحيوان
وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، وقال القاضى الأولى أنه لا يدخل فى هذه الزينة المكلف لأنه
تعالى قال ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم) فمن يبلوه يجب أن لا يدخل فى ذلك فأما
سائر النبات والحيوان فانهم يدخلون فيه كدخول سائر ما ينتفع به، وقوله (زينة لها) أى للأرض
ولا يمتنع أن يكون ما يحسن به الأرض زينة للأرض كما جعل الله السماء حزينة بزينة الكواكب
أما قوله ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند دخولها فى
الوجود فعلى هذا الإبتلاء والإمتحان على الله جائز، واحتج عليه بأنه تعالى لو كان عالماً بالجزئيات
قبل وقوعها لكان كل ما علم وقوعه واجب الوقوع وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع وإلا لزم إنقلاب
علبه جهلا وذلك محال والمفضى إلى المحال محال ولو كان ذلك واجباً فالذى علم وقوعه يجب كونه
فاعلا له ولا قدرة له على الترك والذى علم عدمه يكون ممتنع الوقوع ولا قدرة له على الفعل وعلى
هذا يلزم أن لا يكون اللّه قادراً على شىء أصلا بل يكون موجبا بالذات وأيضاً فيلزم أن لا يكون
للعبد قدرة لا على الفعل ولا على الترك لأن ما علم الله وقوعه امتنع من العبد تركه
وما علم الله عدمه امتنع منه فعله فالقول بكونه تعالى عالماً بالأشياء قبل وقوعها يقدح فى الربوبية
وفى العبودية وذلك باطل فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها وعلى هذا التقدير فالابتلاء
والامتحان والاختبار جائز عليه وعند هذا قال يجرى قوله تعالى ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا) على
ظاهره ، وأما جمهور علماء الاسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا إنه تعالى من الأزل إلى الأبد
عالم بجميع الجزئيات فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه الألفاظ فالمراد أنه تعالى
يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان ذلك على سبيل الابتلاء والامتحان وقد
ذكرنا هذه المسألة مراراً كثيرة .
المسألة الثانية﴾ قال القاضى معنى قوله ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا) هو أنه يبلوم ليبصرهم
أيهم أطوع لله وأشد استمراراً على خدمته لأن من هذا حاله هو الذى يفوز بالجنة فبين تعالى أنه
تلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى ، فدل ذلك على بطلان قول من يقول خلق بعضهم النار .
الفخر الرازي - ج ٢١ م ٦

٨٢
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
أُمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَعْحَبَ الْكَهْفِ وَالَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَاتِنَا عَبًا ﴾ إِذْ
أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبََّءَ اتِنَا مِن ◌َُّكَ رَحْمَةٌ وَهَبٍ لَنَا مِنْ أَمِْنَا
رَشَدًّا ﴿ فَضَرَبْتَ عَءَاذَانِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (٨) ثُمَّبَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ
أَىُّالْخِرْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا
المسألة الثالثة﴾ اللام فى قوله (لنبلوهم) تدل ظاهراً على أن أفعال الله معللة بالأغراض عند
المعتزلة ، وأصحابنا قالوا هذا محال لأن التعليل بالغرض إنما يصح فى حق من لا يمكنه تحصيل
ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة، وهذا يقتضى العجز وهو على اللّه محال.
المسألة الرابعة﴾ قال الزجاج أيهم رفع بالإبتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى
لتختبر ونمتحن هذا أحسن عملا أم ذاك، ثم قال تعالى (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا)
والمعنى أنه تعالى بين أنه إنما زين الأرض لأجل الإمتحان والإبتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان
فيها متنعماً أبداً لأنه يزهد فيها بقوله (وإنا لجاعلون ما عليها الآية) ونظيره قوله ( كل من عليها
فان) وقوله (فيذرها قاعا ) الآية، وقوله (وإذا الأرض مدت) الآية. والمعنى أنه لابد من
المجازاة بعد فناء ما على الأرض، وتخصيص الإبطال والإهلاك بما على الأرض يوهم بقاء الأرض
إلا أن سائر الآيات دلت على أن الأرض أيضاً لاتبقى وهو قوله ( يوم تبدل الأرض غير
الأرض) قال أبو عبيدة: الصعيد المستوى من الأرض ، وقال الزجاج هو الطريق الذى لانبات
فيه، وقد ذكرنا تفسير الصعيد فى آية التيمم، وأما الجرز فقال الفراء: الجرز الأرض التى
لانبات عليها ، يقال جرزت الأرض فهى مجروزة، وجرزها الجراد والشاء والإبل إذا أكلت
ما عليها، وامرأة جروز إذا كانت أكولا ، وسيف جراز إذا كان مستأصلا ، ونظيره قوله تعالى
( نسوق الماء إلى الأرض الجرز).
قوله تعالى: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذ أوى الفتية
إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهىء لنا من أمرنا رشداً. فضربنا على آذانهم فى
الكهف سنين عدداً. ثم بعثناهم لنعلم أى الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ فى الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى) اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألواً عنها الرسول
على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط ، فلا تحسين ذلك فان
آياتنا كلها عجب ، فان من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم يزين الأرض بأنواع المعادن

٨٣
قوله تعالى : أم حسب أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
والنبات والحيوان ثم يجعلها بعد ذلك صعيداً جرزاً خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته
وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر فى النوم، هذا هو الوجه فى تقرير
النظم ، والله أعلم
( المسألة الثانية ﴾ قد ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله ( ويسألونك عن
الروح قل الروح من أمر ربى) وذكر محمد بن اسحاق سبب نزول هذه القصة مشروعا فقال كان
النضر بن الحارث من شياطين قريش وكان يؤذى رسول اللّه والتم وينصب له العداوة وكان قد
قدم الحيرة وتعلم بها أحاديثْ رستم واسفنديار، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا جلس
مجلساً ذكر فيه الله وحدث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه فى
مجلسه إذا قام، فقال أنا والله يامعشر قريش أحسن حديناً منه، فهلوا فأنا أحدثكم بأحسن من
حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ، ثم إن قريشاً بعثوه وبعثوا معه عتبة بن أبي معيط إلى أحبار
اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفته وأخبروهم بقوله فانهم أهل الكتاب الأول،
وعندهم من العلم ماليس عندنا من علم الأنبياء فرجا حتى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود
عن أحوال محمد فقال أحبار اليهود سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان من
أمرهم فان حديثهم معجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ،
وسلوه عن الروح وما هو؟ فان أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول، فلما قدم النضر وصاحبه مكة
قالا قد جئنا كم بفصل مابيننا وبين محمد، وأخبروا بما قاله اليهود بجاؤا رسول اللّه مؤليتم وسألوه
فقال رسول الله وت لتم أخبركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله والتّه
فيما يذكرون خمس عشرة ليلة حتى أرجف أهل مكة به ، وقالوا وعدنا محمد غداً واليوم خمس
عشرة ليلة فشق عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة
الله إياه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرجل الطواف.
﴿ المسألة الثالثة﴾ الكهف الغار الواسع فى الجبل فاذا صغر فهو الغار، وفى الرقيم أقوال
(الأول) روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال كل القرن أعلمه إلا أربعة غسلين وحنانا والأواه
والرقيم (الثانى) روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال زعم كعب أنها القرية التى
خرجوا منها وهو قول السدى (الثالث) قال سعيد بن جبير ومجاهد : الرقيم لوح من حجارة
وقيل من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ذلك اللوح على باب الكهف، وهذا قول
جميع أهل المعانى والعربية قالوا الرقيم الكتاب، والأصل فيه المرقوم، ثم نقل إلى فعيل، والرقم
الكتابة ، ومنه قوله تعالى ( كتاب مرقوم ) أى مكتوب ، قال الفراء: الرقيم لوح كان فيه أسماؤهم
وصفاتهم ، ونظن أنه إنما سمى رقما لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه، وقيل الناس رقموا حديثهم
نقراً فى جانب الجبل، وقوله ( كانوا من آياتنا عجبا) المراد أحسبت أن واقعتهم كانت عجيبة فى

٨٤
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
حوال مخلوقاتنا فلا تحسب ذلك فان تلك الواقعة ليست عجيبة فى جانب مخلوقاتنا ، والعجب
ههنا مصدر سمى المفعول به، والتقدير كانوا معجوبا منهم، فسموا بالمصدر والمفعول به من هذا
يستعمل باسم المصدر، ثم قال تعالى ( إذأوى الفتية إلى الكهف) لا يجوز أن يكون إذ هنا متعلقا
بما قبله على تقدير أم حسبت إذ أوى الفتية لأنه كان بين النبى وبينهم مدة طويلة فلم يتعلق الحسبان
بذلك الوقت الذى أووا فيه إلى الكهف بل يتعلق بمحذوف، والتقدير اذكر إذ أوى، ومعنى
أوى الفتية فى الكهف صاروا إليه وجعلوه مأواهم قال فقالوا (ربنا آتنا من لدنك رحمة) أى
رحمة من خزان رحمتك وجلائل فضلك وإحسانك وهى الهداية بالمعرفة والصيروالرزق والأمن من
الأعداء وقوله من لدنك يدل على عظمة تلك الرحمة وهى التى تكون لائقة بفضل الله تعالى وواسع
جوده وهيء لنا أى أصلح من قولك هيأت الأمر فتهياً (من أمرنا رشداً) الرشد والرشاد نقيض
الضلال وفى تفسير اللفظ وجهان (الأول) التقدير وهيء لنا أمراً ذا رشد حتى نكون بسببه
راشدين مهتدين (الثانى) اجعل أمرنا رشداً كله كقولك رأيت منك رشداً ثم قال تعالى ( فضربنا
على آذانهم ) قال المفسرون معناه أنمناهم وتقدير الكلام أنه تعالى ضرب على آذانهم حجاباً يمنع من
أن تصل إلى أسماعهم الأصوات الموقظة والتقدير ضربنا عليهم حجاباً إلا أنه حذف المفعول الذى
هو الحجاب كما يقال بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة ثم إنه تعالى بين أنه انما ضرب على
آذانهم فى الكهف وهو ظرف المكان وقوله سنين عدداً ظرف الزمان وفى قوله عدداً بحثان
(الأول) قال الزجاج ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل شىء مما يعد إذا ذكر فيه
العدد ووصف به أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقداره بدون التعديد أما إذا أكثر فهناك يحتاج إلى
التعديد فإذا قلت أقت أياماً عدداً أردت به الكثرة.
﴿ البحث الثانى) فى انتصاب قوله عدداً وجهان (أحدهما ) نعت لسنين المعنى سنين ذات
عدد أى معدودة هذا قول الفراء وقول الزجاج وعلى هذا يجوز فى الآية ضربان من التقدير
(أحدهما) حذف المضاف (والثانى) تسمية المفعول باسم المصدر قال الزجاج ويجوز أن
ينتصب على المصدر، المعنى تعد عداً ثم قال تعالى ( ثم بعثناهم) يريد من بعد نومهم يعنى أيقظناهم
بعد نومهم وقوله (لنعلم أى الحز بين أحصى لما لبثوا أمداً) فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قوله ( ثم بعثناهم) لنعلم اللام لام الغرض فيدل على أن أفعال اللّه معللة
بالأغراض وقد سبق الكلام فيه .
﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر اللفظ يقتضى أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا العلم وعند هذا
يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا ، فقال هشام لا يعلمها إلا عند حدوثها
واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق ، ونظائر هذه الآية كثيرة فى القرآن منها ماسبق فى هذه
السورة ومنها قوله فى سورة البقرة (إلا لنعلم من يتبع الرسول من ينقلب على عقبيه) وفى آل عمران

قوله تعالى: أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف ٨٥
(ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) وقوله (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوم) وقوله
(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم).
المسألة الثالثة﴾ (أى) رفع بالإبتداء (وأحصى) خبره وهذه الجملة بمجموعها متعلق العلم فلهذا
السبب لم يظهر عمل قوله ( لنعلم) فى لفظة (أى) بل بقيت على ارتفاعها ونظيره قوله أذهب فاعلم
أيهم قام قال تعالى (سلهم أيهم بذلك زعيم) وقوله (ثم لنتزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن
عنياً) وقرىء ليعلم على فعل مالم يسم فاعله وفى هذه القرات فائدتان (إحداهما) أن على هذا التقدير
لا يلزم إثبات العلم المتجدد لله بل المقصود أنا بعثناهم ليحصل هذا العلم لبعض الخلق ( والثانية ) أن
على هذا التقدير يجب ظهور النصب فى لفظة أى ، لكن لقائل أن يقول الإشكال بعد باق لأن
ارتفاع لفظة أى بالإبتداء لا باسناد يعلم إليه. ولنجيب أن يجيب فيقول: إنه لا يمتنع اجتماع عاملين
على معمول واحد لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات ولا يمتنع اجتماع المعرفات الكثيرة
على الشىء الواحد والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا فى الحزبين فقال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما المراد
بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك فالملوك حزب وأصحاب الكهف حزب
( والقول الثانى ) قال مجاهد الحزبان من هذه الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا فى
أنهم كم ناموا والدليل عليه قوله تعالى (قال قائل منهم كم لبنتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا
ربكم أعلم بما ليقتم) فالحزبان هما هذان، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما ليتم هم الذين علموا أن
لبثهم قد تطاول (القول الثالث ) قال الفراء : إن طائفتين من المسلمين فى زمان أصحاب الكهف
اختلفوا فى مدة لبنهم.
المسألة الخامسة ﴾ قال أبو على الفارسى قوله أحصى ليس من باب أفعل التفضيل لأن هذا
البناء من غير الثلاثى المجرد ليس بقياس فأما قولهم ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وأعدى
من الجرب وأفلس من ابن المدلق، فمن الشواذ والشاذ لا يقاس عليه بل الصواب أن أحصى فعل
ماض وهو خبر المبتدأ والمبتدأ والخبر مفعول نعلم وأمدا مفعول به لأحصى وما فى قوله تعالى
(لما لبثوا) مصدرية والتقدير أحصى أمداً للبثهم، وحاصل الكلام لنعلم أى الحزبين أحصى أمد
ذلك اللبث، ونظيره قوله (أحصاه الله) وقوله ( وأحصى كل شى عدداً).
( المسألة السادسة) احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول بالكرامات وهو
استدلال ظاهر ونذكر هذه المسألة مهنا على سبيل الاستقصاء فنقول قبل الخوض فى الدليل على
جواز الكرامات تفتقر إلى تقديم مقدمتين :
( المقدمة الأولى) فى بيان أن الولى ماهو فنقول مهنا وجهان (الأول) أن يكون فعيلا
مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية (الثانى)

٨٦
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح. وهو الذى يتولى الحق
سبحانه حفظه وحراسته على التوالى عن كل أنواع المعاصى ويديم توفيقه على الطاعات واعلم أن هذا
الإسم مأخوذ من قوله تعالى (اللّه ولى الذين آمنوا) وقوله (وهو يتولى الصالحين) وقوله تعالى
(أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) وقوله ( ذلك بأن اللّه مولى الذين آمنوا وأن
الكافرين لا مولى لهم) وقوله (إنما وليكم الله ورسوله) وأقول الولى هو القريب فى اللغة فاذا
كان العبد قريباً من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريباً منه برحمته
وفضله وإحسابه فهناك حصلت الولاية .
﴿المقدمة الثانية) إذا ظهر فعل خارق للعادة على الإنسان فذاك إما أن يكون مقروناً بالدعوى
أولا مع الدعوى والقسم الأول وهو أن يكون مع الدعوى فتلك الدعوى إما أن تكون دعوى
الإلهية أو دعوى النبوة أو دعوى الولاية أو دعوى السحر وطاعة الشياطين، فهذه أربعة أقام
(القسم الأول) ادعاء الإلهية وجوز أصحابنا ظهور خوارق العادات على يده من غير معارضة كما
نقل، أن فرعون كان يدعى الإلهية وكانت تظهر خوارق العادات على يده وكمانقل ذلك أيضافى حق الدجال
قال أصحابنا وإنما جاز ذلك لأن شكله وخلقته تدل على كذبه فظهور الخوارق على يده لا يفضى إلى التلبيس
( والقسم الثانى) وهو ادعاء النبوة فهذا القسم على قسمين لأنه إما أن يكون ذلك المدعى صادقا
أو كاذباً فان كان صادقاً وجب ظهور الخوارق على يده وهذا متفق عليه بين كل من أقر بصحة
نبوة الأنبياء، وإن كان كاذباً لم يجز ظهور الخوارق على يده وبتقدير أن تظهر وجب حصول
المعارضة ( وأما القسم الثالث) وهو ادعاء الولاية والقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا فى أنه هل
يجوز أن يدء، الكرامات ثم إنها تحصل على وفق دعواه أم لا (وأما القسم الرابع) وهو ادعاء
السحر وطاعة الشيطان فعند أصحابنا يجوز ظهور خوارق العادات على يده وعند المعتزلة لا يجوز
(وأما القسم الثانى) وهو أن تظهر خوارق العادات على يد انسان من غير شىء من الدعاوى ، فذلك
الإنسان إما أن يكون صالحاً مرضياً عنداقه، وإما أن يكون خبيثاً مذنباً. والأول هو القول
بكرامات الأولياء، وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرها المعتزلة إلا أبا الحسين البصرى وصاحبه
محمود الخوارزمى ( وأما القسم الثالث ) وهو أن تظهر خوارق العادات على بعض من كانمردودا
عن طاعة الله تعالى فهذا هو المسمى بالاستدراج فهذا تفصيل الكلام فى هاتين المقدمتين ، إذا عرفت
ذلك فنقول: الذى يدل على جواز كرامات الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما
القرآن فالمعتمد فيه عندنا آیات :
﴿ الحجة الأولى} قصة مريم عليها السلام، وقد شرحناها فى سورة آل عمران فلا نعيدها
﴿ الحجة الثانية) قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم فى النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلثمائة
سنة وتسع سنين وأنه تعالى كان يعصمهم من حر الشمس كما قال ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود)

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف . ٨٧
إلى قوله (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ) ومن الناس من تمسك فى هذه المسألة
بقوله تعالى (قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك ) وقد بينا أن
ذلك الذى كان عنده علم من الكتاب هو سلمان فسقط هذا الاستدلال. أجاب القاضى عنه بأن قال
لابد من أن يكون فيهم أو فى ذلك الزمان فى يصير ذلك علماً له لما فيه من نقض العادة كسائر
المعجزات، قلنا إنه يستحيل أن تكون هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء لأن إقدامهم على النوم
أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأن الناس لا يصدقونه فى هذه الواقعة لأنهم لا يعرفون
كونهم صادقين فى هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا فى هذا
الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة سنين وتسع سنين وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل
هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء فلم يبق إلا أن تجعل كرامة للأولياء وإحساناً اليهم. أما
الأخبار فكثيرة: (الخبر الأول) ما أخرج فى الصحيحين عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي
قال (( لم يتكلم فى المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم عليه السلام وصبى فى زمن جريج الناسك
وصى آخر ، أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلا عابدا ببنى اسرائيل وكانت له أم
فكان يوماً يصلى إذ اشتاقت اليه أمه فقالت يا جريج فقال يارب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى
خدعته ثانياً فقال مثل ذلك حتى قال ثلاث مرات وكان يصلى ويدعها فاشتد ذلك على أمه قالت
اللهم لاتمته حتى تربه المومسات، وكانت زانية هناك فقالت لهم أنا أفتن جريجاً حتى يزنى فأتته فلم
تقدر على شىء، وكان هناك رابع يأوى بالليل إلى أصل صومعته قلما أعياها راودت الراعى على
نفسها فأتاها فولدت مم قالت ولدى هذا من جريج فأتاها بنو اسرائيل وكسروا صومعته وشتموه
فصلى ودعا ثم نخس الغلام قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبى يتَ لقّم حين قال بيده ياغلام من أبوك؟
فقال الراعى فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا اليه . وقالوا نبنى صومعتك من ذهب أو فضة
فأبى عليهم ، وبناها كما كانت ، وأما الصبى الآخر فان امرأة كان معها صبى لها ترضعه إذ مر بها شاب
جميل ذو شارة حسنة فقالت اللهم اجعل ابنى مثل هذا فقال الضى اللهم لاتجعلنى مثله ثم مرت بها
أمرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت اللهم لا تجعل أبى مثل هذه، فقال الصبى اللهم
اجعلنى مثلها . فقالت له أمه فى ذلك فقال إن الشاب كان جبارا من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله
وإن هذه قيل انها زنت ولم تزن وقيل أنها سرقت ولم تسرق وهى تقول حسبى الله)) ( الخبر الثانى )
وهو خبر الغار وهو مشهور فى الصحاح عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر قال قال رسول الله
مَل (( انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت الى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل
وسدت عليهم باب الغار فقالوا والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال
رجل منهم كان لى أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما فناما فى ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما
وحلبت لهما غبوتهما فتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما

٨٨
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
فقمت والقدح فى يدى أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت
فعلت هذا ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون
الخروج منه، ثم قال الآخر كانت لى ابنة عم وكانت أحب الناس إلى فراودتها عن نفسها فامتنعت
حتى ألمت بها سنة من السنين بجاءتنى وأعطيتها مالا عظيما على أن تخلى بينى وبين نفسها فلما قدرت
عليها قالت لا يجوز لك أن تفك الخاتم إلا بحقه! فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال
معها اللهم ان كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم
لا يستطيعون الخروج منها، قال رسول اللّه رَّيتم ثم قال الثالث اللهم انى استأجرت أجراء فأعطيتهم
أجورهم غير رجل واحد ترك الذى له وذهب فثمرت أجر & حتى كثرت منه الأموال بجاءنى بعد
حين وقال ياعبد الله أدإلى أجرتى ، فقلت له كل ماترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق فقال
ياعبد الله أتستهزى.بى؟ فقلت إنى لا أستهزىء بك فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء
وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار خرجوا يمشون )) وهذا حديث حسن
صحيح متفق عليه (الخبر الثالث ) قوله برقم ((رب أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على
الله لأبره)) ولم يفرق بين شىء وشىءفيما يقسم به على الله (الخبر الرابع ) روى سعيد بن المسيب
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ◌ُ ◌ّ ((بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت اليه البقرة
فقالت إنى لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال النبى رَّه
آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر رضى الله عنهما)) (الخبر الخامس) عن أبى هريرة عن النبى محمد اليه
قال بينما رجل يسمع رعداً أو صوتاً فى السحاب: أن اسق حديقة فلإن ، قال فعدوت الى تلك
الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له ما اسمك؟ قال فلان بن فلان بن فلان قلت: فما تصنع بحديقتك
هذه إذا صرمنها ؟ قال ولم تسأل عن ذلك؟ قلت لأفى سمعت صوتاً فى السحاب أن أسق حديقة فلان
قال أما إذا قلت فانى أجعلها أثلاثا فأجعل لنفسى وأهلى ثلثاً وأجعل للمساكين وابن السبيل ثلثاً
وأنفق عليها ثلثاً)) ( أما الآثار) فلنبدأ بما نقل أنه ظهر عن الخلفاء الراشدين من الكرامات ثم
بما ظهر عن سائر الصحابة ، أما أبو بكر رضى الله عنه فمن كراماته أنه لما حملت جنازته إلى باب
قبر النبي ◌َلقّ ونودى السلام عليك يارسول الله هذا أبو بكر بالباب فاذا الباب قد انفتح وإذا
بها تف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب، وأما عمر رضى الله عنه فقد ظهرت أنواع
كثيرة من كراماته وأحدها ما روى أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن الحصين
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصبح فى خطبته وهو على المنبر ياسارية الجبل الجبل قال على بن
أبى طالب كرم الله وجهه فكتبت تاريخ تلك الكلمة فقدم رسول مقدم الجيش فقال يا أمير
المؤمنين غزونا يوم الجمعة فى وقت الخطبة فهزمونا فاذا بانسان يصيح ياسارية الجبل الجبل فأسندنا
ظهورنا إلى الجبل فهزم اللّه الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت قلت سمعت بعض

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف . ٨٩
المذكرين قال كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبى بكر وعمر أنتما منى بمنزلة
السمع والبصر فلما كان عمر بمنزلة البصر لمحمد صلى الله عليه وسلم، لاجرم قدر على أن يرى من
ذلك البعد العظيم (الثانى) روى أن نيل مصر كان فى الجاهلية يقف فى كل سنة مرة واحدة (١) وكان
لا يجرى حتى يلقى فيه جارية واحدة حسناء، فلما جاء الاسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الواقعة
إلى عمر، فكتب عمر على خزفة : أيها النيل إن كنت تجرى بأمر الله فاجر، وإن كنت تجرى بأمرك
فلا حاجة بنا إليك! فألقيت تلك الخزفة فى النيل نجرى ولم يقف بعد ذلك (الثالث) وقعت الزلزلة
فى المدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال اسكنى باذن الله فسكنت وما حدثت الزلزلة بالمدينة
بعد ذلك (الرابع) وقعت النار فى بعض دور المدينة فكتب عمر على خزفة: يانار اسکنی باذن الله
فألقوها فى النار فانطفأت فى الحال ( الخامس ) روى أن رسول ملك الروم جاء انى عمر فطلب
داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا ليس له ذلك، وإنما هو فى الصحراء يضرب اللبن
فلما ذهب الى الصحراء رأى عمر رضى الله عنه وضع درته تحت رأسه ونام على التراب ، فعجب
الرسول من ذلك وقال: إن أهل الشرق والغرب يخافون من هذا الإنسان وهو على هذه الصفة !
ثم قال فى نفسه: إنى وجدته خالياً فأقتله وأخلص الناس منه. فلما رفع السيف أخرج اللّه من الأرض
أسدين فقصداه داف وألق السيف من يده وانتبه عمر ولم ير شيئاً فسأله عن الحال فذكر له الواقعة
وأسلم. وأقول هذه الوقائع رويت بالآحاد، وههنا ما هو معلوم بالتواتروهو أنه مع بعده عن زينة
الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب وقلب المالك والدول لو نظرت
فى كتب التواريح علمت أنه لم يتفق لأحد من أول عهد آدم الى الآن ما تيسر له فانه مع غاية بعده
عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات ، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات . وأماعثمان
رضى الله عنه فروى أنس قال سرت فى الطريق فرفعت عينى إلى امرأة ثم دخلت على عثمان فقال
مالى أراكم تدخلون على وآثار الزنا ظاهرة عليكم فقلت أجاء الوحى بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال لا ولكن فراسة صادقة (الثانى) أنه لما طعن بالسيف فأول قطرة من دمه سقطتٍ
وقعت على المصحف على قوله تعالى ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) (الثالث ) أن جهجاها
الغفارى انتزع العصا من يد عثمان وكسرها على ركبته فوقعت الأكلة فى ركبته. وأما على كرم الله
وجهه فيروى أن واحداً من محبيه سرق وكان عبداً أسود فأتى به إلى على فقال له أسرقت؟ قال نعم.
فقطع يده فانصرف من عند على عليه السلام فلقيه سلمان الفارسى وابن الكرا ، فقال ابن الكرا
من قطع يدك فقال أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول فقال قطع بدك
وتمدحه؟ فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدى بحق وخلصنى من النار !فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً
فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاء بمنديل ودعا بدعوات فسمعنا صوتا من السماء أرفع
١) أي أشبه بالرا كد.

٩٠
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
الرداء عن اليد فرفعناه فاذا اليد قد برأت باذن الله تعالى وجميل صنعه . أما سائر الصحابة فأحوالهم
فى هذا الباب كثيرة فنذكر منها شيئاً قليلا (الأول) روى محمد بن المنكدر عن سفينة مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ركبت البحر فانكسرت سفينتى التى كنت فيها فركبت لوحا من
ألواحها فطرحنى اللوح فى خيسة فيها أسد فرج الأند الى يريدنى فقلت يا أبا الحرث أنا مولى
رسول الله يرفع فتقدم ودلنى على الطريق ثم همهم فظنفت أنه يودعنى ورجع (الثانى) روى ثابت
عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول اللّه بمؤتمر فى حاجة ،) حتى
ذهب من الليل زمان ثم خرجا من عنده وكانت الليلة شديدة الظلمة وفى يدكل واحد منهما عصا
فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا فى ضوئها فلما انفرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى فى
ضوئها حتى بلغ منزله (الثالث) قالو الخالد بن الوليد إن فى عسكرك من يشرب الخمر فركب فر سه ليلة فطاف
بالعسكر فلقى رجلا على فرس ومعه زق خمر ، فقال ماهذا ؟ قال خل فقال خالد اللهم اجعله خلا .
فذهب الرجل إلى أصحابه فقال أثيشكم بخمر ماشربت العرب مثلها! فلما فتحوا فإذا هو خل فقالوا
والله ماجئقنا إلا بخل؟. فقال هذا والله دعاء خالدبن الوليد ( الرابع ) الواقعة المشهوره وهى أن
خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وماضره (الخامس ) روى أن ابن عمر كان فى بعض
أسفاره فلقى جماعة وقفوا على الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ثم قال إنما
يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شىء ( السادس) روى أن
النبى ◌ُ القلم بعث العلاء بن الحضرى فى غزاة حال بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم
الله الأعظم ومشوا على الماء. وفى كتب الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحد
والحصر فمن أرادها طالعها . وأما الدلائل العقلية القطعية على جواز الكرمات فمن وجوه:
﴿الحجة الأولى) أن العبد ولى الله قال اللّه تعالى (ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم
يحزنون) والرب وإن العبد قال تعالى (اللّه ولى الذين آمنوا) وقال (وهو يتولى الصالحين) وقال
(إنما وليكم الله ورسوله) وقال ( أنت مولانا) وقال ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) فثبت أن
الرب ولى العبد وأن العبد ولى الرب وأيضاً الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب قال تعالى (يحبهم
ويحبونه) وقال (والذين آمنوا أشد حباً لله) وقال (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وإذا
ثبت هذا فنقول: العبد إذا بلغ فى الطاعة إلى حيث يفعل كل ما أمره الله وكل مافيه رضاه وترك كل
مانهى اللّه وزجر عنه فكيف يبعد أن يفعل الرب الرحيم الكريم مرة واحدة ما يريده العبد بل هو
أولى لأن العبد مع لؤمه وعجزه لما فعل كل مايريده اللّه ويأمره به فلأن يفعل الرب الرحيم مرة
واحدة ما أراده العبد كان أولى ولهذا قال تعالى ( أوفوا بعهدى أوف بعهدكم ).
﴿ الحجة الثانية) لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله ليس أهلا لأن يفعل
مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلا لأن يعطيه الله هذه المطية، والأول قدح فى

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف . ٩١
قدرة اللّه وهو كفر، والثانى باطل فإن معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ومحبة
.لقه وطاعاته والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من إعطاء رغيف واحد فى
مفازة أو تسخير حية أو أسد فلما أعطى المعرفة والمحبة والذكر والشكر من غير سؤال فلأن يعطيه
رغيفاً فى مفازة فأى بعد فيه ؟
﴿الحجة الثالثة) قال النبى مؤتم حكاية عن رب العزة ((ما تقرب عبد الى بمثل أداء ما افترضت
عليه ولا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً وقلباً وبدأ
ورجلا بى يسمع وبى يبصر وبى ينطق وبى يمشى)) وهذا الخبريدل على أنه لم يبق فى سمعهم نصيب
لغير الله ولا فى بصرهم ولا فى سائر أعضائهم إذ لو بقى هناك نصيب لغير الله لما قال أنا سمعه
وبصره . إذا ثبت هذا فنقول : لا شك أن هذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع وإعطاء
الرغيف وعنقود من العنب أو شربة من الماء فلما أوصل الله برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية
فأى بعد فى أن يعطيه رغيفاً واحداً أو شربة ماء فى مفازة .
( الحجة الرابعة) قال عليه السلام حاكياً عن رب العزة «من آذى لى ولياً فقد بارزنى
بالمحاربة)) فجعل إيذاء الولى قائماً مقام إيذائه وهذا قريب من قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما
يبايعون الله) وقال ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً) وقال (إن الذين
يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة) فجعل بيعة محمد بر القلم بيعة مع الله ورضاء محمد
صلى الله عليه وسلم رضاء الله وإيذاء محمد صلى الله عليه وسلم إيذاء الله فلا جرم كانت درجة محمد
صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات إلى أبلغ الغايات فكذا ههناً لما قال ((من آذى لى وليا فقد
بارزنى بالمحاربة)) دل ذلك على أنه تعالى جعل إيذاء الولى قائماً مقام إيذاء نفسه ويتأكد هذا بالخبر
المشهور أنه تعالى يقول (( يوم القيامة مرضت فلم تعدنى، استسقيتك فما سقيقى، استطعمتك فى
أطعمتنى فيقول يارب كيف أفعل هذا وأنت رب العالمين ! فيقول إن عبدى فلاناً مرض فلم تعده
أما علمت أنك لوعدته لوجدت ذلك عندى) وكذافى السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن
أولياء الله يبلغون إلى هذه الدرجات فأى بعد فى أن يعطيه الله كسرة خبز أو شربة ماء أو يسخر
له كلباً أو وَرْداً (١).
﴿ الحجة الخامسة) أنا نشاهد فى العرف أن من خصه الملك بالخدمة الخاصة وأذن له فى
الدخول عليه فى مجلس الأنس فقد يخصه أيضاً بأن يقدره على مالا يقدر عليه غيره ، بل العقل
السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه المناصب جعل القرب أصلا والمنصب
تبعأ وأعظم الملوك هو رب العالمين فاذا شرف عبداً بأنه أوصله إلى عتبات خدمته ودرجات
كرامته وأوقفه على أسرار معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه فأى
(١) الورد: اسم من أسماء الأسد.

٩٢
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
بعد فى أن يظهر بعض تلك الكرامات فى هذا العالم مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ذرة من تلك
السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض.
﴿ الحجة السادسة) لاشك أن المتولى للأفعال هو الروح لا البدن ولا شك أن معرفة الله
تعالى للروح كالروح للبدن غلى ماقررناه فى تفسير قوله تعالى (ينزل الملائكة بالروح من أمره) وقال
عليه السلام ((أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى)) ولهذا المعنى نرى أن كل من كان أكثر علماً بأحوال
عالم الغيب كان أقوى قلباً وأقل ضعفاً ولهذا قال على بن أبى طالب كرم الله وجهه: والله ما قلعت
باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية . وذلك لأن علياً كرم الله وجهه فى ذلك الوقت
انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء فتقوى روحه وقشبه
بجواهر الأرواح الملكية وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة فلا جرم حصل له من القذرة
ما قدر بها على مالم يقدر عليه غيره وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذى يقول
الله كنت له سمعاً وبصراً فاذا صار نور جلال الله سمعاً له سمع القريب والبعيد وإذا صار
ذلك النور بصراً له رأى القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور يدأ له قدر على التصرف فى الصعب
والسهل والبعيد والقريب .
﴿الحجة السابعة) وهى مبنية على القوانين العقلية الحكمية، وهى أنا قد بينا أن جوهر الروح
ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة المتعرضة للتفرق والتمزق بل هو من جنس جواهر
الملائكة وسكان عالم الفموات ونوع المقدسين المطهرين إلا أنه لما تعلق بهذا البدن واستغرق
فى تدبيره صار فى ذلك الاستغراق الى حيث فى الوطن الأول والمسكن المتقدم وضار بالكلية
متشبها بهذا الجسم الفاسد فضعفت قوته وذهبت مكنته ولم يقدر على شىء من الأفعال، أما إذا
استأنست بمعرفة الله ومحبته وقل انغماسها فى تدبير هذا البدن، وأشرقت عليها أنوار الأرواح
السماوية العرشية المقدسة ، وفاضت عليها من تلك الأنواز قويت على التصرف فى أجسام هذا
العالم مثل قوة الأرواح الفلكية على هذه الأعمال وذلك هو الكرامات، وفيه دقيقة أخرى
وهى أن مذهبنا أن الأرواح البشرية مختلفة بالماهية فيها القوية والضعيفة ، وفيها النورانية
والكفرة، وفيها الحرة والنذلة والأرواح الفلكية أيضا كذلك، ألا ترى إلى جبريل كيف قال
الله فى وصفه ( إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين) وقال فى
قوم آخرين من الملائكة ( وكم من ملك فى السموات لاتغنى شفاعتهم شيئاً ) فكذا ههنا فإذا
اتفق فى نفس من النفوس كونها قوية ، القوة القدسية العنصرية مشرقة الجوهر علوية الطبيعة ، ثم
انضاف إليها أنواع الرياضات التى تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد أشرقت وتلألأت
وقويت على التصرف فى هيولى عالم الكون والفساد باعانة نور معرفة الحضرة الصمدية وتقوية
أضواء حضرة الجلال والعزة. ولنقبض ههنا عنان البيان فإن وراءها أسراراً دقيقة وأحوالا

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف .. سورة الكهف . ٩٣
حميقة من لم يصل اليها لم يصدق بها، ونسأل الله الإعانة على إدراك الخيرات، واحتج المنكرون
الكرامات بوجوه ( الشبهة الأولى) وهى التى عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق
للعادة جعله الله دليلا على النبوة فلو حصل لغير فى لبطلت هذه الدلالة لأن حصول الدليل مع
عدم المدلول يقدح فى كونه دليلا، وذلك باطل ( والشبهة الثانية ) تمسكوا بقوله عليه السلام
حكاية عن الله سبحانه ((لن يتقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم )) قالوا هذا يدل على
أن التقرب إلى الله بأداء الفرائض أعظم من التقرب اليه بأداء النوافل، ثم إن المتقرب اليه بأداء
الفرائض لا يحصل له شىء من الكرامات فالمنقرب اليه بأداء النوافل أولى أن لا يحصل له ذلك
(الشبهة الثالثة) تمسكوا بقوله تعالى (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس )
والقول بأن الولى ينتقل من بلد إلى بلد بعيد - لا على الوجه -طعن فى هذه الآية، وأيضاً أن محمداً
صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا فى أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل
أن يقال أن الولى ينتقل من بلد نفسه إلى الحج فى يوم واحد ( الشبهة الرابعة ) قالوا هذا الولى
الذى تظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان درهما فهل نطالبه بالبينة أم لا؟ فان طالبناه بالبينة
كان عبئاً لأن ظهور الكرامات عليه يدل على أنه لا يكذب، ومع قيام الدليل القاطع كيف
يطلب الدليل الظنى، وإن لم نطالبه بها فقد تركنا قوله عليه السلام ((البينة على المدعى)) فهذا يدل
على أن القول بالكرامة باطل ( الشبهة الخامسة) إذا جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء جاز
ظهورها على الباقين فاذا كثرت الكرامات حتى خرقت العادة جرت وفقا للعادة وذلك يقدح
فى المعجزة والكرامة (والجواب) عن الشبهة الأولى أن الناس اختلفوا فى أنه هل يجوز للولى
دعوى الولاية؟ فقال قوم من المحققين إن ذلك لا يجوز ، فعلى هذا القول يكون الفرق بين المعجزات
والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لاتكون مسبوقة بدعوى.
الولاية، والسبب فى هذا الفرق أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا الى الخلق ليصيروا دعاة
للخلق من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به
وإذا لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم بهم فاقدام
الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود منه إظهار الشفقة على الخلق
حتى يفتقلوا من الكفر إلى الإيمان، أما ثبوت الولاية للولى فليس الجهل بها كفراً ولا معرفتها
إيماناً فكان دعوى الولاية طلباً لشهوة النفس ، فعلمنا أن التى يجب عليه إظهار دعوى النبوة
والولى لا يجوزله دعوى الولاية فظهر الفرق: أما الذين قالوا يجوزللولى دعوى "ولاية فقد ذكروا
الفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه: ( الأول ) أن ظهور الفعل الخارق للعادة يدل على
كون ذلك الإنسان مبرءاً عن المعصية، ثم إن اقترن هذا الفعل بادعاء النبوة دل على كونه صادقا
فى دعوى النبوة، وإن اقترن بادعاء الولاية دل على كونه صادقاً فى دعوى الولاية ، وبهذا

٩٤
قوله تعالىّ. أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
الطريق لا يكون ظهور الكرامة على الأولياء طعنا فى معجزات الأنبياء عليهم السلام (الثانى) أن
النبى صلى الله عليه وسلم يدعى المعجزة ويقطع بها؛ والولى إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن
المعجزة يجب ظهورها ، أما الكرامة [8] لا يجب ظهورها (الثالث) أنه يجب نفى المعارضة عن المعجزة
ولا يجب نفيها عن الكرامة ( الرابع) أنا لا يجوز ظهور الكرامة على الولى عند ادعاء الولاية إلا
إذا أقر عند تلك الدعوى بكونه على دين ذلك النبى ومتى كان الأمر كذلك صارت تلك الكرامة
معجزة لذلك النبى ومؤكدة لرسالته وبهذا التقدير لا يكون ظهور الكرامة طاعناً فى نبوة النبى بل
يصير مقوياً لها (والجواب) عن الشبهة الثانية أن التقرب بالفرائض وحدها أكمل من التقرب بالنوافل؛
أما الولى فانما يكون ولياً إذا كان آتياً بالفرائض والنوافل، ولا شك أنه يكون حاله أتم من حال
من اقتصر على الفرائض فظهر الفرق، و(الجواب) عن الشبهة الثالثة أن قوله تعالى (وتحمل أثقالكم
إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) محمول على المعهودالمتعارف، وكرامات الأولياء أحوال
نادرة فتصير كالمستثناة عن ذلك العموم. وهذا هو (الجواب) عن الشبهة الرابعة وهى التمسك بقوله
عليه السلام البينة على المدعى ( والجواب) عن الشبهة الخامسة ان المطيعين فيهم قلة كما قال تعالى
( وقليل من عبادى الشكور) وكما قال إبليس (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وإذا حصلت القلة
فيهم لم يكن ما يظهر عليهم من الكرامات فى الأوقات النادرة قادحا فى كونها على خلاف العادة.
المسألة السابعة﴾ فى الفرق بين الكرامات والاستدراج. اعلم أن من أراد شيئاً
فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيها عند الله تعالى سواء كانت العطية على وفق
العادة أو لم تكن على وفق العادة بل قد يكون ذلك إكراماً للعبد وقد يكون استدراجاً له ولهذا
الاستدراج أسماء كثيرة من القرآن (أحدها) الاستدراج قال الله تعالى (سنستدرجهم من حيث
لا يعلمون) ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده فى الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله
وعناده فيزداد كل يوم بعداً من الله وتحقيقه أنه ثبت فى العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب
لحصول الملكة الراسخة فاذا مال قلب العبد الى الدنيا ثم أعطاه الله مراده حينئذ يصل الطالب الى
المطلوب وذلك يوجب حصول اللذة وحصول اللذة يزيد فى الميل وحصول الميل يوجب مزيد السعى
ولا يزال يتأدى كل واحد منهما الى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين الحالتين درجة فدرجة
ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن مقامات المكاشفات ودرجات المعارف فلا جرم
يزداد بعده عن الله درجة فدرجة الى أن يتكامل فهذا هو الاستدراج (وثانيها) المكر قال تعالى
(فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) وقال( ومكروا
مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون) (وثالثها) الكيد قال تعالى (يخادعون الله وهو خادعهم)
وقال ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) (ورابعها) الإملاء قال تعالى
(ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خيراً لأنفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إئماً) (وخامسها)

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف . ٩٥
الإهلاك قال تعالى (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم) وقال فى فرعون (واستكبر هو وجنوده
فى الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لايرجعون، فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم) فظهر بهذه
الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات بقى علينا أن نذكر
الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات . فنقول إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة
بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد وحذره من قهر اللّه أقوى فانه يخاف أن
يكون ذلك من باب الاستدراج، وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذى يظهر عليه
ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقاً لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه
ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فاذا ظهر شىء من هذه الأحوال على
صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة . فلهذا المعنى قال المحققون أكثر
ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع فى مقام الكرامات فلا جرم رى المحققين يخافون
من الكرامات كما يخافون من أنواع البلاء. والذى يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن
الطريق وجوه :
( الحجة الأولى) أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذه الكرامة
لأن بتقدير أن لا يكون مستحقاً لها امتنع حصول الفرح بها بل يجب أن يكون فرحه بكرم المولى
وفضله أكبر من فرحه بنفسه فثبت أن الفرح بالكرامة أكثر من فرحه بنفسه وثبت أن الفرح
بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ومستحق لها وهذا عين الجهل لأن الملائكه قالوا (لا علم
لنا إلا ما علمتنا) وقال تعالى (وما قدروا الله حق قدره) وأيضاً قد ثبت بالبرهان اليقينى أنه لاحق
لأحد من الخلق على الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق .
﴿ الحجة الثانية) أن الكرامات أشياء مغايرة الحق سبحانه فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق
والفرح بغير الحق حجاب عن الحق والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور .
﴿ الحجة الثالثة) أن من اعتقد فى نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله
وقع عظيم فى قلبه ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلا ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق
فى جنب جلال اللّه تقصير وكل شكرهم فى جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهى
فى مقابلة عزته حيرة وجهل. رأيت فى بعض الكتب أنه قرأ المقرى. فى مجلس الأستاذ أبى على
الدقاق قوله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) فقال علامة أن الحق رفع عملك
أن لا يبقى [ذكره] عندك فان بقى عملك فى نظرك فهو مدفوع وإن لم يبق معك فهو مرفوع مقبول .
﴿ الحجة الرابعة) أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لاظهار الذل والتواضع فى
حضرة الله فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات فقد بطل مابه وصل الى الكرامات
فهذا طريق ثبوته يؤديه الى عدمه فكان مردودا ولهذا المعنى لما ذكر النبى تت التي مناقب نفسه

٩٦
قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف .
وفضنائلها كان يقول فى آخر كل واحد منها ولا خر يعنى لا أفتخر بهذه الكرامات وإنما أفتخر
بالمكرم والمعطى .
( الحجة الخامسة) أن ظاهر الكرامات فى حق إبليس وفى حق بلعام كان عظيما ثم قيل
لإبليس وكان من الكافرين وقيل لبلعام فمثله كمثل الكلب وقيل لعلماء بنى اسرائيل (مثل الذين حملوا
التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) وقيل أيضا فى حقهم ( وما اختلف الذين أوتوا
الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) فبين أن وقوعهم فى الظلمات والضلالات كان
بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد .
﴿الحجة السادسة) أن الكرامة غير المكرم وكل ماهو غير المكرم فهو ذليل وكل من تعزز
بالذليل فهو ذليل، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه: (١) أما إليك فلا، فالاستغناء بالفقير
فقر والتقوى بالعاجز عجز والاستكمال بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والاقبال بالكلية على
الحق خلاص . فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته . أما إذا كان لا يشاهد فى
الكرامات إلا المكرم ولا فى الإعزاز إلا المعز ولا فى الخلقى إلا الخالق فهناك يحق الوصول.
﴿ الحجة السابعة) أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون ، قال إبليس
(أنا خير منه) وقال فرعون (أليس لى ملك مصر) وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس
له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام(( ثلاثمهلكات، وختمها
بقوله : واعجاب المرء بنفسه )).
﴿ الحجة الثامنة) أنه تعالى قال (نفذ ما آتيتك وكن من الشاكرين واعبد ربك حتى يأتيك
اليقين ) فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية.
﴿ الحجة التاسعة) أن النبى صلى الله عليه وسلم لما خيره اللّه بين أن يكون ملكانياً وبين أن
يكون عبداً نبياً ترك الملك ، ولا شك أن وجدان الملك الذى يعم المشرق والمغرب من الكرامات
بل من المعجزات ثم إنه يتم ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبداً كان افتخاره بمولاه
وإذا كان ملكا كان افتخاره بعبيده، فلما اختار العبودية لاجرم جعل السنة التى فى التحيات التى رواها
ابن مسعود ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) وقيل فى المعراج ( سبحان الذى أسرى بعبده).
﴿ الحجة العاشرة) أن محب المولى غير ، ومحب ما للمولى غير، فمن أحب المولى لم يفرح
بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى، فالاستئناس بغير المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان
محباً للمولى بل كان محباً لنصيب نفسه ونصيب النفس إنما يطلب للنفس فهذا الشخص ما أحب
إلا نفسه، وما كان المولى محبوباً له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب. والصنم
الأكبر هو النفس كما قال تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر
(١) هذا من خطابه لجبريل عليه السلام فانه لما ألقى فى النارساً له جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام أما إليك فلا !.

قوله تعالى : أم حسبت أن أصحاب الكهف . سورة الكهف . ٩٧
حتى أن المحققين قالوا لامضرة فى عبادة شىء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة فى عبادة النفس
ولا خوفه من عبادة الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات.
( الحجة الحادية عشرة) قوله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث
لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وهذا يدل على أن من لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم
يحصل له شىء من هذه الأفعال والأحوال .
{ المسألة الثامنة﴾ فى أن الولى هل يعرف كونه ولياً، قال الأستاذ أبو بكر بن فورك لا يجوز
وقال الأستاذ أبو على الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيرى يجوز، وحجة المانعين وجوه :
( الحجة الأولى) لو عرف الرجل كونه ولياً لحصل له الأمن بدليل قوله تعالى ( ألا إن
أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون) لكن حصول الأمن غير جائز ويدل عليه وجوه:
(أحدها ) قوله مالى ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) واليأس أيضا غير جائز لقوله
تعالى ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ولقوله تعالى (ومن يقنط من رحمة ربه
إلا الضالون) والمعى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز، واليأس لايحصل إلا عند
أعتضاد البخل واعتماد العجز والبخل فى حق الله كفر، فلا جرم كان حصول الأمن والقنوط
كفرا (الثانى) أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر الحق أعظم ومع كون القهر غالباً لا يحصل
الامن (الثالث) أن الأمن يقتضى زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة
والأمن يقتضى ترك الخوف (الرابع) أنه تعالى وصف المخلصين بقوله (ويدعوننا رغباً ورهباً
وكانوا لنا خاشعين) قيل رغبا فى ثوابنا، ورهباً من عقابنا. وقيل رغبا فى فضلنا، ورهبا من
عدلنا . وقيل رغباً فى وصالنا، ورهبا من فراقنا. والأحسن أن يقال رغبا فينا، ورهبا منا.
(الحجة الثانية) على أن الولى لا يعرف كونه وليا؛ أن الولى إنما يصير ولياً لأجل أن
الحق بحبه لا لأجل أنه يحب الحق ، وكذلك القول فى العدو، ثم إن محبة الحق وعداوته سران
لا يطلع عليهما أحد قطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر فى محبة الحق وعداوته لأن الطاعات والمعاصى
محدثة، وصفات الحق قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهى لا يصير غالباً للقديم غير المتناهى.
وعلى هذا التقدير فربما كان العبد فى الحال فى عين المعصية إلا أن نصيبه من الأزل عين المحبة .
وربما كان العبد فى الحال فى عين الطاعة ولكن نصيبه من الأزل عين العداوة وتمام التحقيق
أن محبته وعداوته صفة ، وصفة الحق غير معللة ، ومن كانت محبته لا لعلة، فإنه يمتنع أن يصير عدواً
بعلة المعصية ، ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محباً لعلة الطاعة ، ولما كانت محبة
الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما لا جرم قال عيسى عليه السلام ( تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى
نفسك إنك أنت علام الغيوب ).
﴿ الحجة الثالثة) على أن الولى لا يعرف كونه ولياً؛ أن الحكم بكونه ولياً وبكونه من أهل
الفخر الرازى - ج ٢١ م ٧

٩٨
قوله تعالى : نحن نقص عليك نبأهم بالحق . سورة الكهف .
أَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأْهُم بِالْحَقِ إِنّهُمْ فِيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيْهِمْ وَزِدْنَدُهُمْ هُدًى (
COF
٤١٠٠,٠٠٠٠٠
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبْنَا رَبُّ السَّمَنَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ تَّدْعُوَاْ مِن
دُونِ، إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَآَ إِذَا شَطَطًا (٨) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا أَّخَذُوا مِن دُونَِءَالِحَةً لَّوْلًا
يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيْنٍ فَمَنْ أَظْلُ غِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا
١٥
الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة، والدليل عليه قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها )
ولم يقل من عمل حسنة فله عشر أمثالها، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة
لامن أول العمل ؛ والذى يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره فى الكفر ثم أسلم فى آخر الأمر كان من
أهل الثواب وبالضد ، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لابأول العمل، ولهذا قال تعالى (قل للذيين
كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف) فثبت أن العبرة فى الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب
أو من أهل العقاب بالخاتمة ، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد ، فوجب القطع بأن الولى لا يعلم
كونه ولياً، أما الذين قالوا إن الولى قد يعرف كونه ولياً فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الولاية لها
ركنان (أحدهما) كونه فى الظاهر منقاداً للشريعة (الثانى) كونه فى الباطن مستغرقاً فى نور الحقيقة ،
فاذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولها عرف لامحالة كونه ولياً، أما الانقياد فى الظاهر
للشريعة فظاهر، وأما استغراق الباطن فى نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه
بذكر الله، وأن لا يكون له استقرار مع شىء سوى الله (والجواب) أن تداخل (١) الأغلاط فى هذا
الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر، والتجربة خطر، والجزم غرور. ودون الوصول إلى عالم الربوبية
أستار، تارة من النيران، وأخرى من الأنوار، واللّه العالم بحقائق الأسرار، ولنرجع إلى التفسير.
قوله تعالى: ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على
قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً ،
هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم من افترى على الله كذبا﴾
أعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق) أى على وجه
الصدق (إنهم فتية آمنوا بربهم) كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله، ثم قال تعالى فى صفاتهم ( وربطنا
على قلوبهم) أى ألهمناها الصبر و ثبتناها (إذ قاموا) وفى هذا القيام أقوال (الأول) قال مجاهد كانوا
عظماء مدينتهم فرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم أكبر القوم إنى لأجد
(١) فى الأصل تداخل هكذا ولعل الصواب مداخل لأنه وصفها فيما بعد بقوله كثيرة غامضة .

:
قوله تعالى : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون . سورة الكهف . ٩٩
١١٠٠٠٠٠١١١٠٠٠٠
وَإِذَا عَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُ ونَ إِلَّ اللَّهَ فَأَوْهَاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ
زََّتِهِ، وَيُهِ لَكُمْ مِنْ أَمِْكُمْ مِرْفَقًا ﴾ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَوَرُ
عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ آلِّْمِينِ وَإِذَا غَرَبَتَ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَلِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ
مِنْهُ ذَالِكَ مِنْ ءَايَنْتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
فى نفسى شيئاً ما أظن أن أحداً يحده، قالوا ما تجد؟ قال أجد فى نفسى أن ربى رب السموات
والأرض (القول الثانى) أنهم قاموا بين يدى ملكهم دقیانوس الجبار ، وقالوا: ربنا رب السموات
والأرض، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت اللّه هؤلاء الفتية،
وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد
(والقول الثالث) وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن
الله استأنف قصتهم بقوله ( نحن نقص عليك ) وقوله (لقد قلنا إذاً شططا) معنى الشطط فى
اللغة مجاوزة الحد ، قال الفراء يقال قد أشط فى السوم إذا جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط
أشطاطا وشططا، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد، ومنه قوله (ولا
تشطط ) وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت، فالشطط البعد عن الحق، وهو ههنا
منصوب على المصدر ، والمعنى لقد قلنا إذا قولا شططاً، أما قوله ( هؤلاء قومنا اتخذوا من
دونه آلهة) هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا فى زمان دقيانوس عبدوا الأصنام
( لولا يأتون - هلا يأتون - عليهم بسلطان بين) بحجة بينة ، ومعنى عليهم أى على عبادة الإلهة ،
ومعنى الكلام أن عدم البيئة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول، ومن الناس من
يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية. فقال إنه تعالى
استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم
المدلول طريقة قوية، ثم قال (فمن أظلم من افترى على الله كذبا) يعنى أن الحكم بثبوت الشىء مع
عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على اللّه وكذب عليه، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد.
قوله تعالى: ﴿ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم
من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات
اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فى جوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد

١٠٠
قوله تعالى : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون . سورة الكهف
وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِّبًّا تُرْشِدًا له
١٧
ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً
إعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض ( وإذ اعتز لتموهم) واعتزلتم الشىء الذى يعبدونه إلا
الله فانكم لم تعتزلوا عبادة اللّه (فأووا إلى الكهف) قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت
كذا فافعل كذا، ومعناه: إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم ( ينشر لكم ربكم من رحمته ) أى يبسطها
عليكم (ويهي. لكم من أمركم مرفقا) قرأ نافع وابن عامر وعاصم فى رواية مرفقا بفتح الميم وكسر
الفاء والباقون مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء، قال الفراء وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق، وكان
الكسائى ينكر فى مرفق الإنسان الذى فى اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء، والفراء يجيزه فى الأمر
وفى اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به، والمرفق
بالفتح المرافق ثم قال تعالى ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت
تفرضهم ذات الشمال ) وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن عامر تزور ساكنة الزاى المعجمة مشددة الراء مثل تحمر، وقرأ
عاصم وحمزة والكسائى تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل
بمعنى واحد، والتزاور هو الميل والانحراف، ومنه زاره إذا مال اليه والزور الميل عن الصدق ، وأما
التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت فى الزاى، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور
وأما تزور فهو من الإزورار .
﴿ البحث الثانى ) قوله ( وترى الشمس) أى أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها
تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة فى المخاطبة تكون
على هذا النحو ، ومعناه أنك لو رأيته لرأيته على هذه الصورة .
﴿البحث الثالث ) قوله ( ذات اليمين) أى جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام
الموصوف لأنها تأنيث ذو فى قولهم رجل ذو مال ، وامرأة ذات مال، والتقدير كانه قيل تزاور
عن كهفهم جهة ذات اليمين، وأما قوله ( وإذا غربت تفرضهم ذات الشمال) ففيه بحثان:
﴿ البحث الأول ) قال الكسائى قرضت المكان أى عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض فى
أشياء فنها القطع، وكذلك السير فى البلاد أى إذا قطعها. تقول لصاحبك هل، وردت مكان كذا
فيقول المجيب إنما قرضته فقوله (تقرضهم ذات الشمال) أى تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال
( البحث الثانى) للمفسرين ههنا قولان (القول الأول) أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا
إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوه
: