Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ قوله تعالى ((انما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)) سورة النحل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارا اليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا . فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفسية من عند فلان وفلان ؟ واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله له بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله 183 كانت ظاهرة باهرة ، فان الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها ، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة . ﴿ المسألة الثانية ﴾ في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة ((انما)) للحصر، والمعنى : أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى ، وإلا من كان كافرا وهذا تهديد في النهاية . فان قيل : قوله ( لا يؤمنون بآيات الله ) فعل وقوله ( وأولئك هم الكاذبون ) اسم وعطف الجملة الأسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصولها ههنا ؟ قلنا : الفعل قد يكون لازما وقد يكون مفارقا ، والدليل عليه قوله تعالى: ( ثم بدالهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) ذكره بلفظ الفعل ، تنبيها على أن ذلك السجن لا يدوم . وقال فرعون لموسى عليه السلام: ( لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) ذكره بصيغة الاسم تنبيها على الدوام ، وقال أصحابنا : إنه تعالى قال ( وعصى آدمُ ربه فغوى ) ولا يجوز أن يقال إن آدم عاص وغاو، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام ، وصيغة الاسم تفيده . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : قوله ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) ذكر ذلك تنبيها على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر ، ثم قال ( وأولئك هم الكاذبون ) تنبيها على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة . وهذا كما تقول : كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب . ومعناه : أن عادتك أن تكون كاذبا . ﴿ المسألة الثانية) ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك ، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الالهية ونبوة الأنبياء ، وهذا الانكار مشتمل على الكذب والافتراء. وروى أن النبي لي قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال ((لا)) ثم قرأ هذه الآية ، والله أعلم . ١٢٢ قوله تعالى (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره)) سورة النحل مَنْ كَفَرَ بِالهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَبْنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبُ مِنَ اللهِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (*) ذَلِكَ بِأَهُمُ أَسْتَحَبُوا الْحَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِ ينَ ١٠٧ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَ قُلُوبِهِمْ وَمْعِهِمْ وَأَبْصَدِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ لَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ ١٠٨ قوله تعالى: ﴿ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾. اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلا في بيان من يكفر بلسانه لا بقلبه ، ومن يكفر بلسانه وقلبه معا ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله (من كفر بالله من بعد إيمانه) مبتدأ خبره غير مذكور ، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوها : الأول : أن يكون قوله ( من كفر ) بدلا من قوله ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) والتقدير : إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء ، وعلى هذا التقدير : فقوله ( وأولئك هم الكاذبون ) اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه . الثاني : يجوز أيضا أن يكون بدلا من الخبر الذي هو الكاذبون ، والتقدير ؛ وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه ، والثالث : يجوز أن ينتصب على الذم ، والتقدير : وأولئك هم الكاذبون ، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه عندي وأبعدها عن التعسف ، والرابع : أن يكون قوله ( من كفر بالله من بعد إيمانه ) شرطا مبتدأ ويحذف جوابه ، لأن جواب الشرط المذكور بعد يدل على جوابه كأنه قيل : من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله إلا من أكره ( ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ). ﴿ المسألة الثانية) أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، يدل عليه وجوه: أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : أحد أحد . روى أن ١٢٣ قوله تعالى ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )) سورة النحل أناسامن أهل مكة فتنوافارتدوا عن الاسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه ، مع أنه كان بقلبه مصرا على الايمان ، منهم : عمار ، وأبواه ياسر وسمية ، وصهيب ، وبلال ، وخباب ، وسالم ، عذبوا ، فأما سميه فقيل : ربطت بين بعيرين ووخزت في قلبها بحربة، وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت ، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الاسلام ، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فقيل يا رسول الله إن عمارا كفر ، فقال كلا إن عمارا ملىء إيمانا من فرقه الى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله له وهو يبكي فجعل رسول الله وي ليه يمسح عينيه ويقول ((مالك إن عادوا لك فعد لهم لما قلت))،ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ، ثم أسلم مولاه وحسن إسلامهما وهاجرا . المسألة الثالثة) قوله ( إلا من أكره) ليس باستثناء ، لأن المكره ليس بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر ، لكن المكره لما ظهر منه بعد الايمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ يجب ههنا بيان الاكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر ، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به ، مثل التخويف بالقتل ، ومثل الضرب الشديد والايلامات القوية . قال مجاهد: أول من أظهر الاسلام سبعة ، رسول الله (وَلاير، وأبو بكر ، وخباب وصهيب وبلال ، وعمار ، وسمية . أما الرسول عليه الصلاة والسلام فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه قومه ، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد ، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بحرّ الحديد والشمس ، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية ، ثم طعن الحربة في فرجها. وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال ، فإنهم جعلوا يعذبونه، فيقول: أحد أحد، حتى ملّوا فاكتفوا وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتی ملّوه فترکوه. قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال فهانت عليه نفسه فتركوه . قال خباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري . ﴿ المسألة الخامسة ) أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول إن محمدا كذاب ، ويعني عند الكفار أو يعني به محمدا آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الانكار وههنا بحثان : ﴿ البحث الأول ﴾ أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع . ﴿ البحث الثاني﴾ لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها ، وما أراد إلا ذلك المعنى ، فههنا يتعين إما التزام الكذب ، ١٢٤ قوله تعالى ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) سورة النحل وإما تعريض النفس للقتل . فمن الناس من قال يباح له الكذب هنا ، ومنهم من يقول: ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي . قال : لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا ، فوجب أن يقبح على كل حال ، ولو جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله تعالى ولا بوعيده لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى . المسألة السادسة ) أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : أحد أحد ، ولم يقل رسول اللّه ◌َلي: بئس ما شنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر ، وثانيها : ما روى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد ؟ فقال: رسول الله ، فقال ما تقول في ؟ قال: أنت أيضا ، فخلاه وقال للآخر : ما تقول في محمد ؟ قال: رسول الله ، قال : ما تقول في ؟ قال أنا أصم: فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ فقال ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق . فهنيئا له)) وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة ، والثاني : أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل . وثالثها : أن بذل النفس في تقرير الحق أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا لقوله عليه السلام ((أفضل العبادات أحمزها)) أي أشقها . ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر . أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة ، فوجب أن يكون حال الأول أفضل والله أعلم . ﴿ المسألة السابعة ﴾ اعلم أن للاكراه مراتب: ﴿ المرتبة الأولى﴾ أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فاذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل . وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ، ولا سبيل اليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل ، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى ، فوجب أن يجب لقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ): ﴿ المرتبة الثانية) أن يصير ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الکفر فههنا یباح له ولكنه لا يجب كما قررناه . ﴿ المرتبة الثالثة) أن لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل ١٢٥ قوله تعالى ((ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله )) سورة النحل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا ؟ قال الشافعي رحمه الله : في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان الأول : أنه قتله عمدا عدوانا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) والثاني : أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فانه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب اهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرا كان أولى والله أعلم . ﴿ المسألة الثامنة ﴾ من الأفعال ما يقبل الا كراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ، ومنه ما لا يقبل الا كراه عليه قيل : وهو الزنا ، لأن الاكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الاكراه . ﴿ المسألة التاسعة﴾ قال الشافعي رحمه الله: طلاق المكره لا يقع، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يقع ، وحجة الشافعي رحمه الله : قوله ( لا إكراه في الدين ) ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، والمعنى : أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضا قوله عليه السلام ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) وأيضا قوله عليه السلام (( لا طلاق في إغلاق)) أي إكراه فان قالوا : طلقها فتدخل تحت قوله ( فان طلقها فلا تحل له ) فالجواب لما تعارضت الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا والله أعلم . ﴿ المسألة العاشرة) قوله (وقلبه مطمئن بالإيمان) يدل على أن محل الايمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد ، وإما كلام النفس . فوجب أن يكون الايمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرا ﴾ أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدرا على أنه مفعول لشرح ، والتقدير : ولكن من شرح بالكفر صدره ، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشرلا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة . ثم قال ﴿ فعليهم غضب من الله ﴾ والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال ( ولهم عذاب عظيم ). ثم قال تعالى ﴿ ذلك بأنهم استحبوا الحياة على الآخرة﴾ أي رجحوا الدنيا على الآخرة والمعنى : أن ذلك الارتداد وذلك الاقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم الى الايمان وما ١٢٦ قوله تعالى (( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون)) سورة النحل عصمهم عن الكفر . قال القاضي : المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف، لأن قوله ( وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) معطوف على قوله ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) فوجب أن يكون قوله (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) علة وسببا موجبا لاقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم الهداية يوم القيامة الى الجنة ليس لذلك الارتداد ، ولا علة له بل مسببا عنه ومعلولا له فبطل هذا التأويل ، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الايمان فقال: ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ) قال القاضي : الطبع ليسٍ يمنع من الايمان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه . والثاني : أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلا عن الطبع يلحقهما في القلب . والثالث : وصفهم بالغفلة . ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه ، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب ، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم ، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الاعادة . ثم قال تعالى ﴿ وأولئك هم الغافلون﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم في الآخرة . ثم قال: ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ﴾ واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة: الصفة الأولى ﴾ أنهم استوجبوا غضب الله .. والصفة الثانية ﴾ أنهم استحقوا العذاب الأليم والوصفة الثالثة ﴾ أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. والصفة الرابعة ﴾ أنه تعالى حرمهم من الهداية والصفة الخامسة﴾ أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . والصفة السادسة ) أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها . فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات ، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الانسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة ، فاذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه ، فلهذا السبب قال ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) ١٢٧ قوله تعالى ((ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا)) سورة النحل فُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَابَجُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْمُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورُ رَّحِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَنُوَلَ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (!) أي هم الخاسرون لا غيرهم ، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم والله أعلم. قوله تعالى ﴿ ثم إن ربك للذین هاجر وا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبر وا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ﴾. وفي الآية مسائل : المسألة الأولى) أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله من بعد إيمانه. وحال من أكره على الكفر ، فذكر بسبب الخوف كلمة الكفر وحال من لم يذكرها ، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن فقال: (إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) .. المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر (فتنوا ) بفتح الفاء على إسناد الفعل الى الفاعل ، والباقون بضم الفاء على فعل ما لم يسم فاعله . أما وجه القراءة الأولى فأمور : الأول : أن يكون المراد أن أكابر المشركين وهم الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فان الله يقبل توبتهم ، والثاني: أن فتن وأفتن بمعنى واحد ، كما يقال: مان وأمان بمعنى واحد، والثالث : أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم، وانما جعل ذلك فتنة لأن الرخصة في اظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت. وأما وجه القراءة بفعل ما لم يُسم فاعله فظاهر، لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الايمان، فبين تعالى أنهم اذا هاجروا وجاهدوا وصبروا فان الله تعالى يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر ما هية (با (زول ٥٠%))) المسألة الثالثة﴾ قوله ( من بعد ما فتنوا) يحتمل أن يكون المراد بالفتنة: هو أنهم عذبوا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك المسلمين ارتدوا . قال الحسن : هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة ، فعرضت لهم فتنة فارتدوا. وشكوا في الرسول # ثم إنهم اسلموا وهاجروا فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل: نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي وال1 بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله له ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وهذه الراوية إنما تصح لو جعلنا هذه ١٢٨ قوله تعالى (( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها )) سورة النحل السورة مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنية ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك الضعفاء المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية ، فقوله ( من بعد ما فتنوا ) يحتمل كل واحد من هذه الوجوه الأربعة ، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين . إذا عرفت هذا فنقول : إن كانت هذه الآية نازلة فیمن أظهر الکفر ، فالمراد أن ذلك مما لا إثم فيه ، وأن حاله اذا هاجر وجاهد وصبر کحال من لم یکره ، وإن كانت واردة فیمن ارتد فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك العقاب ويحصل له الغفران والرحمة، فالهاء في قوله ( من بعدها ) تعود الى الأعمال المذكورة فيما قبل ، وهي الهجرة والجهاد والصبر . أما قوله ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ ففيه أبحاث: ﴿ البحث الأول ﴾ قال الزجاج ( يوم) منصوب على وجهين : أحدهما : أن يكون المعنى ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي ) يعني أنه تعالى يعطى الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الانسان فيه الى الرحمة والغفران ، والثاني : أن يكون التقدير : وذكرهم أو ذكر يوم كذا وكذا ، لأن معنى القرآن العظمة والانذار والتذكير . ﴿ البحث الثاني﴾ لقائل أن يقول: النفس لا تكون لها نفس أخرى، فما معنى قوله ( كل نفس تجادل عن نفسها )؟ والجواب : النفس قد يراد بها بدن الحي وقد يراد بها ذات الشيء وحقيقته ، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن . والثانية : عينها وذاتها ، فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره . قال تعالى ( لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ) وعن بعضهم : تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثاً على ركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك، ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها كقولهم (هؤلاء أضلونا السبيل) وقولهم (والله ربنا ما كنا مشركين). ثم قال تعالى ﴿وتوفى كل نفس ما عملت﴾ فيه محذوف. والمعنى: توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان، وقوله (وهم لا يظلمون) قال الواحدي: معناه لا ينقصون، قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب اليه في الوعيد، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل الى كل أحد حقه من غير نقصان، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك . والجواب : لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم ، إلا أن مذهبنا أن التمسك ١٢٩ قوله تعالى ((وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة)) سورة النحل وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَبِنَّةٌ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ بظواهر العمومات لا يفيد القطع ، وأيضا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد ، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وضرب الله مثلا قر یة کانت آمنة مطمئنة یأتیها رزقها رغدا من کل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ﴾. وفى الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف ، كل ما ذكره في هذه الآية . المسألة الثانية ﴾ المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجودا أو لم يكن موجودا . وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا ويحتمل أن تكون قرية معينة ، وعلى هذا التقدير. الثاني : فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها ، والآكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة . المسألة الثالثة ﴾ ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات : الصفة الأولى ﴾ كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) والأمر في مكة كان كذلك ، لأن العرب کان یغیر بعضهم على بعض . أما أهل مكة : فانهم كانوا أهل حرم الله ، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم والتكريم . واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن ، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنه مكان الأمن وظرف له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها . كما يقال : طيب وحار وبارد . والصفة الثانية) قوله ( مطمئنة) قال الواحدي : معناه أنها قارة ساكنة فأهلها لا الفخر الرازي ج ٢٠ م٩ ١٣٠ قوله تعالى (( فكفرت بأنعم الله )) سورة النحل يحتاجون الى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول : إن كان المراد من كونها مطمئنة : أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف، فهذا هو معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الضيق ، فهذا هو معنى قوله ( يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ) وعلى كلا التقديرين فانه يلزم التكرار . والجواب : أن العقلاء قالوا : ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية فقوله ( آمنة ) إشارة الى الأمن ، وقوله ( مطمئنة ) إشارة الى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما کان ملائما لأمز جتهم اطمأنوا اليه واستقروا فيه، وقوله ( يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ) إشارة الى الكفاية . قال المفسرون: وقوله ( من كل مكان ) السبب فيه إجابة دعوة ابراهيم عليه السلام وهو قوله ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات ) ثم انه تعالى لما وصف القرية بهذه الصفات الثلاثة قال ( فكفرت بأنعم الله ) الأنعم جمعَ نعمة مثل أشد وشدة أقول ههنا سؤال : وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى : أن أهل تلك القرية كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله ، وكان اللائق أن يقال : إنهم كفروا بنعم عظيمة الله فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة ؟ ويعد! .. والجواب : المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بايجاب العذاب ، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة، وهو محمد فكفروا به وبالغوا في إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاء . قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد ، أما الخوف فهو أن النبي ◌ّلو كان يبعث اليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي: لا بأس ولا لباس يا أيها النسناس،هب أنك تشك أن محمدا ما كان نبياً أو ما كان عربيا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس" فكان جوابه من وجوه: الواجب أن يقال: فكساهم الله لباس الجوع او يقال: فأذاقهم الله طعم الجوع وأقول: جوابه من وجوه: ﴿الوجه الأول ﴾ أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: أحدهما : أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني : أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ، فأشبه اللباس . فالحاصل أنه حصل ١٣١ قوله تعالى ((ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه )) سورة النحل فَكُواْ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَئِلِمُونَ ( ◌َمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلًا طَبِبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه الملبوس ، فاعتبر الله تعالى كلا الاعتبارين، فقال ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف). والوجه الثاني ) أن التقدير إن الله عرفها لباس الجوع والخوف، الا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الاذاقة وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف وهو الاختبار تقول ناظر فلانا وذق ما عنده . قال الشاعر : ومن یذق الدنیا فانی طعمتها وسیق إلینا عذبها وعذابها ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال، فكما تقول : تعرفت سوء أثر الخوف والجوع على فلان ، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف على فلان . والوجه الثالث ﴾ أن يحمل لفظ اللبس على الماسة ، فصار التقدير: فأذاقها الله مساس الجوع والخوف . ثم قال تعالى ﴿بما كانوا يصنعون﴾ قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي صل * حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله . قال الفراء : ولم يقل بما صنعت ، ومثله في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى (فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون ) ولم يقل قائلة ، وتحقيق الكلام أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغدا فكفرت بأنعم الله ، فكل هذه الصفات ، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية ، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها، فلا جرم قال في آخر الآية ( بما كانوا يصنعون ) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ، فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبا واشكر وا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال (ولقد جاءهم) يعني أهل مكة (رسول منهم) یعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسیه (فكذبوه فأخذهم العذاب) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الجوع الذي كان بمكة. وقيل: القتل يوم بدر، وأقول: قول ابن عباس أولى ١٣٢ قوله تعالى (( إنما حرم عليكم الميتة والدم)) سورة النحل إِنَّاحَمَ عَلَيْكُ الْمَيْئَةَ وَالَّمَ وَلَحْمَ أَنْزِيرٍ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ، فَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَارِ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١١٥ لأنه تعالى قال بعده: (فكلوا مما رزقكم الله إن كنتم إياه تعبدون) يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا، فلهذا السبب قال (فكلوا مما رزقكم الله) قال ابن عباس رضي الله عنهما: فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم الله يريد الغنائم. وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ولم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان؟ وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله ي فأذن في حمل الطعام اليهم فحمل اليهم الطعام فقال الله تعالى (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ويدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل) الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم. قوله تعالى ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غیر باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم ﴾. واعلم أن هذه الآية الى آخرها مذكورة في سورة البقرة مفسرة هناك ولا فائدة في الاعادة، وأقول: إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الاشياء الأربعة في هذه السورة لأن لفظة ( إنما ) تفيد الحصر وحصرها أيضا في هذه الأربعة في سورة الأنعام في قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحي الي محرما على طاعم ) وهاتان السورتان مكيتان ، وحصرها أيضا في هذه الأربعة في سورة البقرة لأن هذه الآية بهذه اللفظة وردت في سورة البقرة وحصرها أيضا في سورة المائدة فانه تعالى قال في أول هذه السورة ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم . وأجمعوا على أن المراد بقوله ( عليكم ) هو قوله تعالى في تلك السورة ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور الثلاثة . ثم قال ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ماذ كيتم ) وهذه الأشياء داخلة في الميتة ، ثم قال ( وما ذبح على النصب ) وهو أحد الأقسام الداخلة تحت قوله ( وما أهل به لغير الله ) فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع سورتان مكيتان وسورتان مدنيتان ، فان سورة البقرة مدنية ، وسورة المائدة من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربع إلا ما خصه الاجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه ، لأن هذه السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه ١٣٣ قوله تعالى (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب)) سورة النحل وَلَا تَقُولُوْلِمَا تَصِفُ أَلْسَِتُ اَلْكَذِّبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَغْتَرُونَ عَلَى اللَِّالْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٥) مَتَعُ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الأربع كان شرعا ثابتا في أول أمر مكة وآخرها ، وأول المدينة وآخرها وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السورة الأربع قطعا للأعذار وإزالة للشبهة ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم ﴾. وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأشياء الأربعة بالغ في تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأشياء الأربعة تارة ، وفي النقصان عنها أخرى، فانهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى، فالله تعالى بين أن المحرمات هي هذه الأربعة، وبين ان الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا كذب وافتراء على الله، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب، وأقول: انه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع، ثم ذكر في هذه الآية أن الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر، والله أعلم . المسألة الثانية) في انتصاب الكذب في قوله (لما تصف ألسنتكم الكذب ) وجهان: الأول : قال الكسائي . والزجاج ( ما ) مصدرية ، والتقدير : ولا تقولوا لأجل وصف السنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام، نظيره أن يقال : لا تقولوا : لكذا كذا وكذا . فان قالوا : حمل الآية عليه يؤدي الى التكرار ، لأن قوله تعالى ( لتفتروا على الله الكذب ) عين ذلك . والجواب : أن قوله ( لما تصف ألسنتكم الكذب ) ليس فيه بيان كذب على الله تعالى فأعاد قوله ( لتفتروا على الله الكذب ) ليحصل فيه هذا البيان الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه مع فائدة زائدة . الثاني : أن يكون ( ما) موصولة ، والتقدير: ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه ١٣٤ قوله تعالى ((وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل )) سورة النحل وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلَ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لكونه معلوما المسألة الثالثة ﴾ قوله تعالى ﴿تصف ألسنتكم الكذب ﴾ من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغة في وصف كلامهم بكونه كذبا ، ونظيره قول أبي العلاء المعري : : سطه سرى برق المعرة بعد وهن فبات برامة يصف الكلالا والمعنى : أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا ، والله أعلم ثم قال تعالى ﴿لتفتروا على الله الكذب ﴾ والمعنى: أنهم كانواينسبون ذلك التحريم والتحليل الى الله تعالى ويقولون : إنه أمرنا بذلك . وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضا لهم بل كان لام العاقبة كقوله تعالى ( ليكون لهم عدوا وحزناً ) قال الواحدي : وقوله ( لتفتروا على الله الكذب ) بدل من قوله ( لما تصف ألسنتكم الكذب ) لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، ففسر وصفهم الكذب بالافتراء على الله تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب ، فقال ( متاع قليل ) قال الزجاج المعنى : متاعهم متاع قليل ، وقال ابن عباس : يل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون الى عذاب أليم ، وهو قوله ( ولهم عذاب أليم ) .. هالله قوله تعالى ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الاسلام ، أتبعه ببيان ما خص اليهود به من المحرمات فقال ( وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ) وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام . ثم قال تعالى ﴿ وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ وتفسيره هو المذكور في قوله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ). ١٣٥ قوله تعالى ((إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا)) سورة النحل مُمَّ إِنَّ رَبِّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بِجَهَئَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ (٣) إِنَّ إِبَهِيَ كَانَ أَمَّةُ قَانِتًا لِلِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ ﴿َ شَاكِرّاً لِأَنْعُمِهِ أَجْتَبَتُهُ وَهَدَئُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (0) ثم أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَءَاَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّهُ وَإِنَّهُ فِىِ آلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّدْلِحِينَ أَنِ أَتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ خَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ :تطفو وننابه قوله تعالى ﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تأبوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ توكاروريا اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة. ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو الكفر والمعاصي ، وكل من عمل السوء فانما يفعله بالجهالة ، أما الكفر فلأن أحدا لا يرضى به مع العلم يكونه كفرا ، فإنه ما لم. يعتقد كون ذلك المذهب حقا وصدقا ، فانه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة غالبة للعقل والعلم،لم تصدر عنه تلك المعصية ، فثبت أن كل من عمل السوء فانما يقدم عليه بسبب الجهالة ، فقال تعالى : إنا قد بالغنا في تهديد أولئك الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى الشهوة والفرية على الله تعالى ، ثم إنا بعد ذلك نقول : إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة ، ثم تابوا من بعد ذلك ، أي من بعد تلك السيئة ، وقيل : من بعد تلك الجهالة ، ثم إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا، أي آمنوا وأطاعوا الله. ثم أعاد قوله ﴿ إن ربك من بعدها ﴾ على سبيل التأكيد، ثم قال (لغفور رحيم ) والمعنى : أنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة ، وحاصل الكلام أن الانسان وإن کان قد اقدم على الكفر والمعاصي دهرا دهيرا وأمدا مديدا، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فان الله غفور رحيم ، يقبل توبته ويخلصه من العذاب . قوله تعالى ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الاخرة لمن الصالحين ثم أوحينا. إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين )جمعالها مناله بها ١٣٦ قوله تعالى ((وآتيناه في الدنيا حسنة)) سورة النحل اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء ، منها قولهم باثبات الشركاء والأنداد الله تعالى ، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء والرسل عليهم السلام ، وقولهم لو أرسل الله رسولا لكان ذلك الرسول من الملائكة . ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله ، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى ، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال ، وكان ابراهيم عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين ، وهو الذي دعا الناس الى التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع، والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملا لهؤلاء المشركين على الاقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات : ﴿ الصفة الأولى﴾ أنه كان أمة، وفي تفسيره وجوه : الأول: أنه كان وحده أمةمن الأمم لکماله في صفات الخیر کقوله : لیس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد الثاني : قال مجاهد : كان مؤمنا وحده ، والناس كلهم كانوا كفارا فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله و 98 يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: ((يبعثه الله أمة وحده))، الثالث: أن يكون أمة فعلة مفعول كالرحلة والبغية ، فالأمة هو الذي يؤتم به ، ودليله قوله ( إني جاعلك للناس إماما ) الرابع : أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد والدين الحق ، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقا لاسم المسبب على السبب ، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فانه كان وحده . ﴿ الصفة الثانية ) كونه قانتا لله والقانت بما أمره الله تعالى به، قال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه كونه مطيعا لله . الصفة الثالثة ﴾ كونه حنيفا والحنيف: المائل إلى ملة الاسلام ميلا لا يزول عنه . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى ، وهذه صفة الحنيفية . ﴿ الصفة الرابعة) قوله (ولم يك من المشركين) معناه أنه كان من الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله ( ربي الذي يحيي ويميت ) ثم أبطل عبادة الأصنام ١٣٧ قوله تعالى (( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا)) سورة النحل والكواكب بقوله ( لا أحب الآفلين ) ثم كسرتلك الأصنام حتى آل الأمر الى أن القوه في النار ، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة ، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه السلام كان غارقا في بحر التوحيد . ﴿ الصفة الخامسة ) قوله ( شاكرا لأنعمه ) روى أنه عليه السلام كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر غداءه فاذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشرفدعاهم الى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام فقال : الآن يجب على مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا البلاء . فان قيل : لفظ الأنعم جمع قلة ، ونعم الله تعالى على ابراهيم عليه السلام كانت كثيرة . فلم قال ( شاكرا لأنعمه )؟ قلنا المراد أنه كان شاكرا لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة . الصفة السادسة ) قوله ( اجتباه ) أي اصطفاه للنبوة . والاجتباء هو أن تأخذ الشيء بالكلية وهو افتعال من جبيت ، وأصله جمع الماء في الحوض والجابية هي الحوض . الصفة السابعة ﴾ قوله (وهداه إلى صراط مستقيم) أي في الدعوة إلى الله والترغيب في الدين الحق والتنفير عن الدين الباطل، نظيره قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه). الصفة الثامنة ) قوله ( وآتيناه في الدنيا حسنة ) قال قتادة إن الله حببه الى كل الخلق فكل أهل الأديان يقرون به ، أما المسلمون واليهود والنصارى فظاهر ، وأما كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به ، وتحقيق الكلام أن الله أجاب دعاءه في قوله ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) وقال آخرون : هو قول المصلي مناكما صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم ، وقيل: الصدق والوفاء والعبادة . الصفة التاسعة) قوله (وإنه في الآخرة لمن الصالحين ). فان قيل : لم قال ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ولم يقل: وإنه في الآخرة في أعلى مقامات الصالحين ؟ قلنا : لأنه تعالی حکی عنه أنه قال ( رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ) فقال ههنا ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) تنبيها على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم أن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى مقامات الصالحين فان الله تعالى بين ذلك في آية أخرى وهي قوله ١٣٨ قوله تعالى ((إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه)) سورة النحل إِنَّا جُعِلَى النَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُرُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ (١) (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء). ها قتها :" وأعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السّلام بهذه الصفات العالية الشريفة قال ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وفيه مباحث:إنفاذ. البحث الأول﴾ قال قوم إن النبي صل﴿ كان على شريعة إبراهيم عليه السلام، وليس له شرع هو به منفرد ، بل المقصود من بعثته عليه السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام وعول في إثبات مذهبه على هذه الآية وهذا القول ضعيف ، لأنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين ، فلما قال ( واتبع ملة إبراهيم ) كان المراد ذلك فان قيل: إنما نفى النبي وليه الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية وإذا كان كذلك لم يكن متابعا له فيمتنع حمل قوله ( أن اتبع ) على هذا المعنى فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها . قلنا : يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة الى التوحيد. وهو أن يدعو اليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن . ﴿البحث الثاني﴾ قال صاحب الكشاف: لفظة ((ثم )) في قوله ( ثم أوحينا إليك) تدل على تعظيم منزلة رسول الله له وإجلال محله والايذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله و ﴿ ملته من قبل ، أن هذه اللفظة دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة عن سائر المدائح التي مدحه الله بها .. قوله تعالى ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ اعلم أنه تعالى لما أمر محمد الله بمتابعة إبراهيم عليه السلام ، وكان محمد عليه السلام اختار يوم الجمعة ، فهذه المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه يوم الجمعة ، وعند هذا لسائل أن يقول : فلم اختار اليهود يوم السبت ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) وفي الآية قولان : ١٣٩ قوله تعالى ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) سورة النحل أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِآلْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ القول الأول ﴾ روى الكلبي عن أبي عباس رضى الله عنهما أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما واحدا وهو يوم الجمعة لا تعلموا فيه شيئا من أعمالكم ، فأبوا أن يقبلوا ذلك ، وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت ، فجعل الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه ، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضا بالجمعة ، فقالت النصارى : لا نريد أن یکون عیدهم بعد عیدنا واتخذوا الأحد . وروى أبو هريرة عن النبي هي أنه قال ((إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله اليهود غدا والنصارى بعد غد )) له ، فالناس لنا فيه تبع ، اذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى ( على الذين اختلفوا فيه ) أي علی نبیھم موسی حیث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت ، فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله ، وليس معنى قوله ( اختلفوا فيه ) أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت ؛ ومنهم من لم يقل به ، لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله ( اختلفوا فيه ) بهذا ، بل الصحيح ما قدمناه . فإن قال قائل : هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت ؟ وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة ، فكان يوم السبت يوم الفراغ ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فعينوا السبت لهذا المعنى ، وقالت النصارى : مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد ، فنجعل هذا اليوم عيدا لنا ، فهذان الوجهات معقولان ، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدالنا ؟ قلنا : يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب الفرّح الكامل والسرور العظيم ، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه والله أعلم . القول الثاني ﴾ في اختلافهم في السبت ، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة . ثم قال تعالى ﴿ وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ والمعنى: أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقّين بالثواب وللمبطلين بالعقاب . قوله تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ١٤٠ قوله تعالى ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) سورة النحل إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلُم ◌ِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (80) ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾. اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا ◌ً باتباع ابراهيم عليه السلام ، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه ، فقال ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ). واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن ، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض ، وجب أن تكون طرقا متغايرة متباينة ، وما رأيت للمفسرين فيه كلاما ملخصا مضبوطا . واعلم أن الدعوة الى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على حجة وبينة ، والمقصود من ذكر الحجة ، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين ، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه . أما القسم الأول : فينقسم أيضا الى قسمين ، لأن الحجة إما أن تكون حجة حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض ، وإما أن لا تكون كذلك ، بل تكون حجة تفيد الظن الظاهر والاقناع الكامل ، فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة . أولها : الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية ، وذلك هو المسمى بالحكمة ، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، وهي التي قال الله في صفتها: ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) وثانيها : الأمارات الظنية والدلائل الاقناعية وهي الموعظة الحسنة ، وثالثها : الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم ، وذلك هو الجدل ، ثم هذا الجدل على قسمين : القسم الأول ﴾ أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور ، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل ، وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن . والقسم الثاني ﴾ أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب ، والحيل الباطلة ، والطرق الفاسدة ، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم الأول ، وذلك هو المراد بقوله تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) فثبت بما ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة