Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ قوله تعالى (( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء )) سورة النحل اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي . واعلم أن الأمة عبارة عن القرن والجماعة . إذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته . والثاني : أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيدا عليهم. أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله ويلي فهو الرسول بدليل قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) وثبت أيضا أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد . فحصل من هذا أن عصرا من الاعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بد وأن يكون غير جائز الخطأ ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك الى غير النهاية وذلك باطل ، فثبت أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة . قال أبو بكر الأصم : المراد بذلك الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الانسان حتى انها تشهد عليه وهي : الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان . قال : والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم . أجاب القاضي عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال ( شهيدا عليهم ) أي على الأمة فيجب أن يكون غيرهم . الثاني : أنه قال ( من كل أمة ) فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة ، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد ، وذلك لأن كونهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه . ثم قال تعالى ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبينانا لكل شيء ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة . ﴿ المسألة الثانية ) من الناس من قال: القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن العلوم إما دينية أو غير دينية ، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها بهذه الآية ، لأن من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى انما مدح القرآن بكونه مشتملا على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات اليه ، وأما علوم الدين فاما الاصول ، وإما الفروع ، أما علم الاصول فهو بتمامه موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب ، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن ، وإذا كان ١٠٢ قوله تعالى ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان )) سورة النحل اُلْفَحْشَآءِ إِنَّ الَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَآلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ ج وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ كذلك كان القول بالقياس باطلا ، وكان القرآن وافيا ببيان كل الاحكام ، وأما الفقهاء فانهم قالوا : القرآن إنما كان تبيانا لكل شيء ، لأنه يدل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة ، فاذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الاصول كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن ، وهذه المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الاعراف والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة) روى الواحدي باسناده عن الزجاج أنه قال: تبيانا في معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء ، وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصرين أنهم قالوا : لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبيانا وتلقاء ، وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت : في كل مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار ، وقلت : في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تقصار وتمثال . قوله تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكر ون ﴾. واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، أتبعه بقوله ( ان الله يأمر بالعدل والإحسان ) فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكليف فرضا ونفلا ، وما يتصل بالاخلاق والآداب عموما وخصوصا ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ في بيان فضائل هذه الآية روى عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال : ما أسلمت أولا إلا حياء من محمد عليه السلام ، ولم يتقرر الاسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص الى السماء ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال:(( بينما أنا أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال : يا محمد إن الله يأمر بالعدل والإحسان ،العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والاحسان: القيام بالفرائض وإيتاء ذي القربى ، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء الزنا ، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة)) قال عثمان : فوقع الايمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال : يا معشر قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا ولئن كان صادقا أو كاذبا فانه ما يأمركم إلا بمكارم الاخلاق ، فلما رأى الرسول سليم من عمه اللين قال: يا عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك وجهد عليه فأبى أن يسلم فنزل قوله ( إنك لا تهدي من أحببت ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن ١٠٣ قوله تعالى (( وينهى عن الفحشاء والمنكر)) سورة النحل أجمع آية في القرآن لخير وشرهذه الآية ، وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحب إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية ، وليس من خلق سيء إلا نهى الله تعالى عنه في هذه الآية، وروى القاضي في تفسيره عن ابن ماجة عن علي عليه السلام أنه قال : أمر الله تعالى نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبو بكر : ممن القوم ؟ فقالوا : من شيبان بن ثعلبة فدعاهم رسول الله ويشير الى الشهادتين وإلى أن ينصروه فان قريشا كذبوه فقال مقرون بن عمرو : إلام تدعونا أخا قريش فتلا رسول اللّه ◌َلّ عليهم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية فقال مقرون بن عمرو:دعوت والله إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ، وعن عكرمة أن النبي وَ ل قرأ هذه الآية على الوليد فاستعاده ، ثم قال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وعن النبي 45* ((إن الله كتب الاحسان على كل شيء فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية) في تفسير هذه الآية، أكثر الناس في تفسير هذه الآية قال ابن عباس: في بعض الروايات العدل. شهادة أن لا إله إلا الله، والاحسان أداء الفرائض، وقال في رواية أخرى العدل خلع الانداد ، والاحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فان كان مؤمنا أحببت أن يزداد إيمانا ، وان كان كافرا أحببت أن يصير أخاك في الاسلام . وقال في رواية ثالثة العدل هو التوحيد . والاحسان الاخلاص فيه . وقال آخرون : يعني بالعدل في الافعال . والاحسان في الأقوال فلا تفعل ما هو عدل ، ولا تقل إلا ما هو إحسان وقوله ( وإيتاء ذي القربى ) يريد صلة الرحم بالمال فان لم يكن فبالدعاء،روى أبو مسلم عن أبيه أن رسول الله وسلم قال: (( إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم إن أهل البيت ليكونوا فجارا فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم)) وقوله ( وينهى عن الفحشاء ) قيل : الزنا ، وقيل البخل ، وقيل كل الذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، وسواء كانت في القول أو في الفعل ، وأما المنكر فقيل : إنه الكفر بالله تعالى ، وقيل : المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ، وأما البغي فقيل : الكبر والظلم ، وقيل : أن تبغي على أخيك . واعلم أن في المأمورات كثرة . وفي المنهيات أيضا كثرة ، وإنما حسن تفسير لفظ معين لشيء معين إذا حصل بين ذلك اللفظ وبين ذلك المعنى مناسبة ، أما إذا لم تحصل هذه الحالة كان ذلك التفسير فاسدا ، فاذا فسرنا العدل بشيء والاحسان بشيء آخر وجب أن نبين أن لفظ العدل يناسب ذلك المعنى ، ولفظ الاحسان يناسب هذا المعنى ، فلما لم نبن هذا المعنى كان ذلك مجرد التحكم ، ولم يكن جعل بعض تلك المعنى تفسيرا لبعض تلك الألفاظ ١٠٤ قوله تعالى ((وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)) سورة النحل أولى من العكس ، فثبت أن هذه الوجوه التي ذكرناها ليست قوية في تفسير هذه الآية ،وأقول: ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى أمر بثلاثة أشياء ، وهي: العدل والأحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهي عن ثلاثة أشياء وهي : الفحشاء والمنكر والبغي . فوجب أن يكون العدل والاحسان وإيتاء ذي القربى ثلاثة أشياء متغايرة . ووجب أن تكون الفحشاء . والمنكر . والبغي ثلاثة أشياء متغايرة ، لأن العطف يوجب المغايرة فنقول : أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط ، وذلك أمر واجب الرعاية في جميع الأشياء ولا بد من تفصيل القول فيه . فنقول : الأحوال التي وقع التكليف بها إما الاعتقادات وإما أعمال الجوارح . أما الاعتقادات : فالعدل في كلها واجب الرعاية، فأحدها : قال ابن عباس : إن المراد بالعدل هو قول لا إله إلا الله، وتحقيق القول فيه أن نفي الاله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد اشراك وتشبيه وهما مذمومان ، والعدل هو إثبات الاله الواحد وهو قول لا إله إلا الله ، وثانيها : أن القول بأن الاله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض ، والقول بأنه جسم وجوهر ومركب من الأعضاء ومختص بالمكان تشبيه محض ، والعدل إثبات إله موجود متحقق بشرط أن يكون منزها عن الجسمية والجوهرية والأعضاء والأجزاء والمكان ، وثالثها : أن القول بأن الاله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة تعطيل محض ، والقول بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض ، والعدل هو إثبات أن الاله عالم قادر حي مع الاعتراف بأن صفاته ليست حادثة ولا متغيرة ، ورابعها : أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض ، والقول بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض وهما مذمومان ، والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه ، وخامسها : القول بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مؤاخذة عظيمة . والقول بأنه تعالى يخلد في النار عبده العيارف بالمعصية الواحدة تشديد عظيم ، والعدل أنه يخرج من النار كل من قال واعتقد أنه لا إله إلا الله ، فهذه أمثلة ذكرناها في رعاية معنى العدل في الاعتقادات ، وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح ، فنذكر ستة أمثلة منها : أحدها : أن قوما من نفاة التكاليف يقولون : لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ، ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي ، وليس الله عليه تكليف أصلا. وقال قوم من الهند : ومن المانوية إنه يجب على الانسان أن يجتنب عن كل الطيبات وأن يبالغ في تعذيب نفسه وأن يحترز عن ما يميل الطبع اليه حتى أن المانوية يخصون أنفسهم ويحترزون عن التزوج ويحترزون عن أكل الطعام الطيب، والهند يحرقون أنفسهم ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان ، والوسط المعتدل هو هذا الشرع الذي جاءنا به محمد ◌ّله. وثانيها : أن التشديد في دين موسى عليه السلام غالب جدا ، والتساهل في دين عيسى عليه السلام غالب جدا والوسط العدل شريعة محمد له . ١٠٥ قوله تعالى (( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)) سورة النحل وقيل : كان شرع موسى عليه السلام في القتل العمد استيفاء القصاص لا محالة ، وفي شرع عيسى عليه السلام العفو. أما في شرعنا فان شاء استوفى القصاص على سبيل المماثلة ، وإن شاء استوفى الدية وإن شاء عفا ، وأيضا شرع موسى يقتضي الاحتراز العظيم عن المرأة حال حيضها . وشرع عيسى يقتضي حل وطء الحائض ، والعدل ما حكم به شرعنا وهو أنه يحرم وطؤها احترازا عن التلطخ بتلك الدماء الخبيثة أما لا يجب إخراجها عن الدار . وثالثها : أنه تعالى قال ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) يعني متباعدين عن طرفي الافراط والتفريط في كل الأمور ، وقال ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) وقال ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)، ولما بالغ رسول الله وي طير في العبادات ، قال تعالى ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) ولما أخذ قوم في المساهلة قال: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) والمراد من الكل رعاية العدل والوسط ، ورابعها : أن شريعتنا أمرت بالختان ، والحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس ولأجله عظم الالتذاذ عند الوقاع ، فلو بقيت تلك الجلدة على ذلك العضو بقي ذلك العضو على كمال القوة وشدة الاحساس فيعظم الالتذاذ . أما اذا قطعت تلك الجلدة بقي ذلك العضو عاريا فيلقى الثياب وسائر الأجسام فيتصلب ويضعف حسه ويقل شعوره فيقل الالتذاذ بالوقاع فتقل الرغبة فيه ، فكأن الشريعة إنما أمرت بالختان سعيا في تقليل تلك اللذة ، حتى يصير ميل الانسان الى قضاء شهوة الجماع الى حد الاعتدال ، وأن لا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع ، فالاخصاء وقطع الآلات على ما تذهب اليه المانوية مذموم لأنه افراط ، وإبقاء تلك المجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة ، والعدل الوسط هو الاتيان بالختان ، فظهر بهذه الأمثلة أن العدل واجب الرعاية في جميع الأحوال ، ومن الكلمات المشهورة قولهم : وبالعدل قامت السموات والأرض ، ومعناه أن مقادير العناصر لم لم تكن متعادلة متكافئة بل كان بعضها أزيد بحسب الكمية وبحسب الكيفية من الآخر ، لاستولى الغالب على المغلوب وهى المغلوب ، وتنقلب الطبائع كلها الى طبيعة الجرم الغالب ، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن ، لعظمت السخونة في هذا العالم واحترق كل ما في هذا العالم ، ولو كان بعدها أزيد مما هو الآن لاستولى البرد والجمود على هذا العالم ، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وبطئها ، فان الواحد منها لو كان أزيد مما هو الآن أو كان أنقص مما هو لاختلت مصالح هذا العالم . فظهر بهذا السبب الذي ذكرناه صدق قولهم : وبالعدل قامت السموات والأرض ، فهذه إشارة مختصرة الى شرح حقيقة العدل . وأما الاحسان فاعلم أن الزيادة على العدل قد تكون إحسانا وقد تكون إساءة . مثاله أن العدل في الطاعات هو أداء الواجبات . أما الزيادة على الواجبات فهي أيضا طاعات وذلك من باب الاحسان ، وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية ١٠٦ قوله تعالى (( يعظكم لعلكم تذكرون )) سورة النحل وبحسب الكيفية هو الاحسان، والدليل عليه: أن جبريل لما سأل النبي وَ لّم عن الاحسان أجابه الرسول: ((الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه یراك)» فان قالوا : لم سمي هذا المعنى بالاحسان ؟ قلنا : كأنه بالمبالغة في الطاعة يحسن إلى نفسه ويوصل الخير والفعل الحسن الى نفسه ، والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات ، والاحسان عبارة عن الزيادة في تلك الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ، وبحسب الدواعي والصوارف ، وبحسب الاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية ، فهذا هو الاحسان . واعلم أن الاحسان بالتفسير الذي ذكرناه دخل فيه التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، ومن الظاهر أن الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة ، وأشرفها وأجلّها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر فقال ( وإيتاء ذي القربى )، فهذا تفصيل القول في هذه الثلاثة التي أمر الله تعالى بها . وأما الثلاثة التي نهى الله عنها ، وهي الفحشاء والمنكر والبغي ؛ فنقول : إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعة وهي: الشهوانية البهيمية . والغضبية السبعية . والوهمية الشيطانية ، والعقلية الملكية وهذه القوة الرابعة أعني العقلية الملكية لا يحتاج الانسان الى تأديتها وتهذيبها ، لأنها من جواهر الملائكة ، ومن نتائج الأرواح القدسية العلوية ، إنما المحتاج الى التأديب والتهذيب تلك القوى الثلاثة الأول . أما القوة الشهوانية فهي انما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية ، وهذا النوع مخصوص باسم الفحش ، ألا ترى أنه تعالى سمى الزنا فاحشة فقال ( إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) فقوله تعالى ( وينهى عن الفحشاء ) المراد منه المنع من تحصيل اللذات الشهوانية الخارجية عن إذن الشريعة وأما القوة الغضبية السبعية فهي أبدا تسعى في إيصال الشر والبلاء والايذاء الى سائر الناس ، ولا شك أن الناس ينكرون تلك الحالة ، فالمنكر عبارة عن الافراط الحاصل في آثار القوة الغضبية . وأما القوة الوهمية الشيطانية فهي أبدا تسعى في الاستعلاء على الناس والترفع واظهار الرياسة والتقدم ، وذلك هو المراد من البغي ، فانه لا معنى للبغي الا التّطاول على الناس والترفع عليهم ، فظهر بما ذكرنا أن هذه الألفاظ الثلاثة منطبقة على أحوال هذه القوى الثلاثة ، ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا : أخس هذه القوى الثلاثة هي الشهوانية ، وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية ، والله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ بالفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية ، ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية ، ثم بالبغي الذي هو نتيجة القوة الوهمية ، فهذا ما وصل اليه عقلي وخاطري في تفسير هذه الألفاظ ، فان يك صوابا فمن الرحمن ، وان يك خطأ فمعني ومن الشيطان والله ورسوله عنه بريئان والحمد لله على ما خصنا ١٠٧ قوله تعالى ((یعظكم لعلكم تذكرون)) سورة النحل بهذا النوع من الفضل والاحسان إنه الملك الديان. ثم قال تعالى ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ والمراد بقوله تعالى ( يعظكم ) أمره تعالى بتلك الثلاثة ونهيه عن هذه الثلاثة ( لعلكم تذكرون ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى ) أنه تعالى لما قال في الآية الأولى ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) أردفه بهذه الآية المشتملة على الأمر بهذه الثلاثة ، والنهي عن هذه الثلاثة ، كأن ذلك تنبيها على أن المراد بكون القرآن تبيانا لكل شيء هو هذه التكاليف الستة وهي في الحقيقة كذلك ، لأن جوهر النفس من زمرة الملائكة ومن نتائج الأرواح العالية القدسية إلا أنه دخل في هذا العالم خاليا عاريا عن التعلقات فتلك الثلاثة التي أمر الله بها هي التي ترقيها بالمعارف الالهية والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال هي التي ترقيها الى عالم الغيب وسرادقات القدس ، ومجاورة الملائكة المقربين في جوار رب العالمين ، وتلك الثلاثة التي نهى الله عنها هي التي تصدها عن تلك السعادات وتمنعها عن الفوز بتلك الخيرات ، فلما أمر الله تعالى بتلك الثلاثة ، ونهى عن هذه الثلاثة فقد نبه على كل ما يحتاج اليه المسافرون من عالم الدنيا الى مبدأ عرصة القيامة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكعبي: الآية تدل على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم ، وكيف ينهى عما يريد تحصيله فيهم . ولو كان الأمر كما قالوا تعالى كأنه تعالى قال : إن الله يأمركم أن تفعلوا خلاف ما خلقه فيكم . وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم ، ومعلوم أن ذلك باطل في بديهة العقل . والثاني : أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، فلو أنه تعالى أمر بتلك الثلاثة ثم إنه ما فعلها لدخل تحت قوله ( أتأمرون بالناس بالبر وتنسون أنفسكم ) وتحت قوله ( لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) الثالث : أن قوله ( لعلكم تذكرون) ليس المراد منه الترجي والتمني ، فان ذلك يدل على أنه تعالى يريد الايمان من الكل . الرابع : أنه تعالى لو صرح وقال : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ولكنه يمنع منه ويصد عنه ولا يمكن العبد منه . ثم قال ( وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ) ولكنه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى وأراده منه ومنعه من تركه ومن الاحتراز عنه، لحكم كل أحد عليه بالركاكة وفساد النظم والتركيب . وذلك يدل على كونه سبحانه متعاليا عن فعل القبائح . واعلم أن هذا النوع من الاستدلال كثير ، وقد مر الجواب عنه والمعتمد في دفع هذه ١٠٨ قوله تعالى (( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم )) سورة النحل وَأَوْ فُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَدُمْ وَلَا تَنقُضُواْ الْأَيَنَ بَعْدَ تَوْكِدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ ج عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٨) وَلَ تَكُونُواْ كَلَِّى نَقَضَتْ غَزْهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَانًا تَّقُونَ أَيْنَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَتَكُونَ أُمَّةً مِىَ أَرْبَ مِنْ أَمَّةٍ إِنَا ◌َبْلُوكُمُ الهُ بِهِ وَلَيُبَيِغَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْفِيَتْمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٩٣ المشاغبات التعويل على سؤال الداعي وسؤال العلم والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفق المتكلمون من أهل السنة ومن المعتزلة على أن تذكر الأشياء من فعل الله لا من فعل العبد ، والدليل عليه هو أن التذكر عبارة عن طلب المتذكر فحال الطلب إما أن یکون له به شعور أو لا یکون له به شعور . فان کان له شعور فذلك الذکر حاصل ، والحاصل لا يطلب تحصيله . وإن لم يكن له به شعور فكيف يطلبه بعينه ، لأن توجيه الطلب اليه بعينه حال ما لا يكون هو بعينه متصورا محال . إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( لعلكم تذكرون ) معناه أن المقصود من هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكر ، فاذا لم يكن التذكر فعلا له فكيف طلب منه تحصيله ، وهذا هو الذي يحتج به أصحابنا على أن قوله تعالى (لعلكم تذكرون) لا يدل على أنه تعالى يريد منه ذلك. والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ﴾ اعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل الاجمال ، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام ، فبدأ تعالى بالأمر بالوفاء بالعهد وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ ذكروا في تفسير قوله ( بعهد الله) وجوها : الأول : قال صاحب الكشاف: عهد الله هي البيعة لرسول الله ويطلق على الاسلام لقوله (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) أي ولا تنقضوا إيمان البيعة بعد توكيدها ، أي بعد توثيقها ١٠٩ قوله تعالى ((ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)) سورة النحل باسم الله. الثاني: أن المراد منه كل عهد يلتزمه الانسان باختياره، قال ابن عباس: والوعد من العهد ، وقال ميمون بن مهران:من عاهدته أوف بعده مسلما كان أو كافرا فانما العهد لله تعالى . الثالث : قال الأصم : المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق . الرابع : عهد الله هو اليمين بالله ، وقال هذا القائل : إنما يجب الوفاء باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه ، لأنه عليه السلام قال (( من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت. الذي هو خير ثم ليكفّر )) الخامس: قال القاضي العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه ، ومعلوم أن أدلة العقل والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين . ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف ، ويصح ذلك فى اليمين وربما ندب فيه خلاف الوفاء . ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) فهذا يجب أن يكون مختصا بالعهود التي يلتزمها الانسان باختيار نفسه لأن قوله ( إذا عاهدتم ) يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي معتبرا . ولأنه تعالى قال في آخر الآية ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) وهذا يدل على أن الآية واردة فيمن آمن بالله والرسول ، وأيضا يجب أن لا يحمل هذا العهد على اليمين لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) تكرارا لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان ، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك آلا إذا قيل إن الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين ، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذكر تنبيها على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية ، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل هذا العهد على ما يلزمه الانسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الايمان بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد ، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات ، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين ، وفي قوله ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) مباحث : ﴿ البحث الأول﴾ قال الزجاج : يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان ، والأصل الواو ، والهمزة بدل منها . البحث الثاني ﴾ قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: يمين اللغوهي يمين الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان ، فوجب أن يكون كل يمين قابلا للبر والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب: لا والله، وبلى والله. قال إنما قال تعالى ( بعد توكيدها) للفرق لين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين . ١١٠ قوله تعالى (( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم )) سورة النحل البحث الثالث ) قوله ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) عام دخله التخصيص ، لأنا بينا أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها . ثم قال ﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ﴾ هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلا عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف. ثم قال ﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ) وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء، وتحريم النقض وقال: ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ في المشبه به قولان : القول الأول ﴾ أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فاذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن . والقول الثاني ﴾ أن المراد بالمثل الوصف دون التعيين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحا ، والدعاء اليه إذا كان حسنا ، وذلك يتم به من دون التعيين . ﴿ المسألة الثانية) قوله (من بعد قوة ) أي من بعد قوة الغزل بابرامها وفتلها. ﴿ المسألة الثالثة ) قوله (أنكاثا) قال الأزهري: وأحدها نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج ، فاذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه یقال نکث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه . المسألة الرابعة ) في انتصاب قوله ( أنكاثا) وجوه : الأول : قال الزجاج : أنكاثا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ، ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله ( أنكاثا ) بمعنى المصدر ؟ الثاني : قال الواحدي : أنكاثا مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعا وأجزاء فكذا ههنا قوله : نقضت غزلها أنكاثا . أي جعلت غزلها أنكاثا . الثالث : إن قوله ( أنكاثا ) حال مؤكدة . المسألة الخامسة ﴾ قال ابن قتيبة : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير : وأوفوا ١ ١ قوله تعالى (( لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة )) سورة النحل وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَنْكِنِ يُضِلُّ مَن يَشَآَهُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَلَتُسْعَلُنَّ ◌َمَّا كُنْتُم تَعْمَلُونَ ﴾ بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فانكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثا . ثم قال تعالى ﴿ تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ﴾ قال الواحدي: الدخل والدغل: الغش والخيانة . قال الزجاج : كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ، وقال غيره : الدخل ما أدخل في الشيء على فساد . ثم قال ﴿ أن تكون أمة هي أربى من أمة ﴾ أربى أي أكثر، من ربا الشيء ير بو اذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وقوله ( أن تكون ) معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله ( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) استفهام على سبيل الانكار ، والمعنى : أتتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة اخرى . ثم قال تعالى ﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد تقدم ذكر الأمر والنهي ( وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ولو شاء لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه ، أتبعه ببيان أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الايمان ، ولكنه سبحانه بحكم الالهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء . أما المعتزلة : فانهم حملوا ذلك على الالجاء ، أي لو أراد أن يلجئهم الى الايمان أو الى الكفر لقدر عليه ، إلا أن ذلك يبطل التكليف ، فلا جرم ما ألجأهم اليه وفوض الأمر الى اختيارهم في هذه التكاليف ، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر ، وهذه المناظرة قد تكررت مرارا كثيرة ، وروى الواحدي أن عزيرا قال : يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقال الله تعالى: يا عزير أعرض عن هذا، فأعاده ثانيا، فقال: ١١٢ قوله تعالى (( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم )) سورة النحل وَلَّخِذُواْ أَيْمَتَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَةِ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِثَنَّا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ الهِ هُوَ خَيْرٌلَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلُونَ (2﴾ مَا عِندَ كٌ يَنْقَدِّ وَمَاِنَ اللهِبَاقِّ وَلَنْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَنُحْبِيَنَّهُ، حَزَةً لَِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَبْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (َ أعرض عن هذا، فأعاده ثالثا، فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوة، قالت المعتزلة: ومما يدل على أن المراد من هذه المشيئة مشيئة الالجاء، أنه تعالى قال بعده: ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) فلو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثا، والجواب عنه قد سبق مرارا، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبر واأجرهم بأحسن ما كانوا يعملون من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ اعلم أنه تعالى لما حذر في الآية الأولى عن نقض العهود والأيمان على الاطلاق ، حذر في هذه الآية فقال ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان ، وإلا لزم التكرير الخالي عن الفائدة في موضع واحد ، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها ، فلهذا المعنى قال المفسرون : المراد من هذه الآية نهي الذين بايعوا رسول الله وَ ليل عن نقض عهده، لأن هذا الوعيد وهو قوله: ( فتنزل قدم بعد ثبوتها) لا يليق بنقض عهد قبله، وإنما يليق عهد رسول اللهوح ليم على الايمان به بعد نعمة ، ويدل على هذا قوله تعالى ( وتذوقوا السوء ) أي العذاب ( بما صددتم ) أي بصدكم ( عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) أي ذلك السوء الذي تذوقونه سوء عظيم وعقاب شديد ، ثم أكد هذا التحذير فقال ( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ) يريد عرض الدنيا وإن ١١٣ قوله تعالى ((ما عندكم ينفد وما عند الله باق)) سورة النحل كان كثيرا ، إلا أن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ، يعني أنكم وإن وجدتم على نقض عهد الاسلام خيرا من خيرات الدنيا ، فلا تلتفتوا اليه ، لأن الذي أعده الله تعالى على البقاء على الاسلام خير وأفضل وأكمل مما يجدونه في الدنيا على نقض عهد الاسلام إن كنتم تعلمون التفاوت بين خيرات الدنيا وبين خيرات الآخرة ، ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند الله خير مما يجدونه من طيبات الدنيا فقال ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ الحس شاهد بأن خيرات الدنيا منقطعة، والعقل دل على أن خيرات الآخرة باقية ، والباقي خير من المنقطع ، والدليل عليه أن هذا المنقطع إما أن يقال : إنه كان خيرا عاليا شريفا أو كان خيرا دنيا خسيسا ، فان قلنا : إنه كان خيرا عاليا شريفا فالعلم بأنه سينقطع يجعله منغصا حال حصوله ، وأما حصول ذلك الانقطاع فانها تعظم الحسرة والحزن ، وكون تلك النعمة العالية الشريفة كذلك ينغص فيها ويقلل مرتبتها وتفتر الرغبة فيها ، وأما إن قلنا : إن تلك النعمة المنقطعة كانت من الخيرات الخسيسة فهمنا من الظاهر أن ذلك الخير الدائم وجب أن يكون أفضل من ذلك الخير المنقطع ، فثبت بهذا أن قوله تعالى ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) برهان قاطع على أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا . ﴿ البحث الثاني﴾ أن قوله (وما عند الله باق) يدل على أن نعيم أهل الجنة باق لا ينقطع . وقال جهم بن صفوان : إنه منقطع والآية حجة عليه . واعلم أن المؤمن إذا آمن بالله فقد التزم شرائع الاسلام والايمان ، وحينئذ يجب عليه أمران : أحدهما : أن يصبر على ذلك الالتزام وأن لا يرجع عنه وأن لا ينقضه بعد ثبوته ، والثاني : أن يأتي بكل ما هو من شرائع الاسلام ولوازمه . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر على ما التزموه ، فقال ( ولنجزين الذين صبروا ) أي على ما التزموه من شرائع الاسلام ( بأحسن ما كانوا يعملون ) أي يجزيهم على أحسن أعمالهم ، وذلك لأن المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شك أنه على فعل المندوبات والواجبات يثاب لا على فعل المباحات ، فلهذا قال ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الثاني وهو الاتيان بكل ما كان من شرائع الاسلام فقال ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وفي الآية سؤالات : السؤال الأول﴾ لفظة ((من)) في قوله ( من عمل صالحا) تفيد العموم فما الفائدة في الفخر الرازي ج ٢٠ م٨ ١١٤ قوله تعالى (( ما عندكم ينفد وما عند الله باق)) سورة النحل ذكر الذكر والأنثى ؟ والجواب : أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم والرحمة إثباتا للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص . السؤال الثاني ﴾ هل تدل هذه الآية على أن الايمان مغاير للعمل الصالح ؟ والجواب : نعم لأنه تعالى جعل الايمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا للثواب، وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء . ﴿ السؤال الثالث ) ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح انما يفيد الأثر بشرط الايمان، فظاهر قوله ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) يدل على أن العمل الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الايمان أو كان مع عدمه . والجواب : أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالايمان ، أما إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فانه لا يتوقف على الايمان . السؤال الرابع ﴾ هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟ والجواب فيه ثلاثة أقوال : ﴿ القول الأول﴾ قال القاضي: الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله ( ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة . ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في الآخرة ، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن أعمالهم فهذا لا امتناع فيه . فان قيل : بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي ؟ والجواب : ذكروا فيه وجوها قيل : هو الرزق الحلال الطيب ، وقيل : عبادة الله مع أكل الحلال ، وقيل : القناعة ، وقيل: رزق يوم بيوم كان النبي و # يقول في دعائه (( قنعني بما رزقتني)) وعن أبي هريرة عن النبي و ل﴿ أنه كان يدعو ((اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا)) قال الواحدي وقول من يقول : إنه القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في الدنيا إلا عيش القانع ، وأما الحريص فانه يكون أبدا في الكد والعناء . ١١٥ قوله تعالى (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى)) سورة النحل واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه : الأول : أنه لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى ، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا يفعل إلا الصواب كان راضيا بكل ما قضاه وقدره ، وعلم أن مصلحته في ذلك ، أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء . وثانيها : أن المؤمن أبدا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير وقوعها يرضى بها ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، فعند وقوعها لا يستعظمها بخلاف الجاهل فانه يكون غافلا عن تلك المعارف ، فعند وقوع المصائب يعظم تأثيرها في قلبه . وثالثها : أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله تعالى ، والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للاحزان الواقعة بسبب أحوال الدنيا ، أما قلب الجاهل فانه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم يصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا. ورابعها: أن المؤمن عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها، أما الجاهل فانه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه بوجدانها وغمه بفقدانها . وخامسها: أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره اليه . واعلم أن ما كان واجب التغير فانه عند وصوله اليه لا تنقلب حقيقته ولا تتبدل ماهيته ، فعند وصوله اليه يكون أيضا واجب التغير ، فعند ذلك لا يطبع العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزنا بخلاف الجاهل فانه يكون غافلا عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته وز واله يحترق قلبه ویعظم البلاء عنده ، فهذه وجوه كافية في بیان أن عيش المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر هذا كله إذا فسرنا الحياة الطيبة بأنها في الدنيا . والقول الثاني ) وهو قول السدى إن هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر. ﴿ والقول الثالث) وهو قول الحسن وسعيد بن جبير إن هذه الحياة الطيبة لا تحصل إلا في الآخرة والدليل عليه قوله تعالى ( يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) فبين أن هذا الكدح باق إلى أن يصل إلى ربه وذلك ما قلناه ، وأما بيان أن الحياة الطيبة في الجنة فلأنها حياة بلا موت وغنى بلا فقر ، وصحة بلا مرض ، وملك بلا زوال ، وسعادة بلا شقاء ، فثبت أن الحياة الطيبة ليست إلا تلك الحياة ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقد سبق تفسيره والله أعلم . ١١٦ قوله تعالى ((فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)) سورة النحل فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الَرِجِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَكَُّونَ (٥) إِنََّا سُلْطَانُهُ، عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ قوله تعالى ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنماً سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ﴾. اعلم أنه تعالى لما قال قبل هذه الآية ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس فقال ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب حتى في حق الأنبياء بدليل قوله تعالى:( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) وبالاستعاذة بالله مانعة للشيطان من إلقاء الوسوسة بدليل قوله تعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) فلهذا السبب أمر الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن الوسوسة . ﴿المسألة الثانية) قوله (فإذا قرأت القرآن) خطاب للرسول له إلا أن المراد به الكل ، لأن الرسول لما كان محتاجا إلى الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها . المسألة الثالثة ﴾ الفاء في قوله ( فاستعذ بالله) للتعقيب، فظاهر هذه الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن، واليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، قال الواحدي : وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا : والفائدة فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق، به ثوابا عظيما ، فان لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه ، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة . أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصونا عن الاحباط . أما الأكثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة ، وقالوا : معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، وليس معناه استعذ بعد القراءة ، ومثله إذا أكلت فقل ( بسم الله) وإذا سافرت فتأهب ، ونظيره قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) أي إذا أردتم القيام الى الصلاة فاغسلوا ، وأيضا لما ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرسول ١١٧ قوله تعالى ((إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا)) سورة النحل ج وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَ ايَةٌ مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (َ) قُلْ نَزََّهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبَشِّرَى لِلْمُسْلِينَ بدليل قوله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ومن الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس ، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الاستعاذة . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ مذهب عطاء: أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت القراءة في الصلاة أو غيرها ، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس كذلك ، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة ، فصلاته ماضية ، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة أكد . ﴿ المسألة الخامسة﴾ المراد بالشيطان في هذه الآية قيل ابليس ، والأقرب أنه للجنس ، لأن لجميع المردة من الشياطين حظا في الوسوسة . واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة فقال ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الانسان كونه ضعيفا ، وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله تعالى ، ولهذا المعنى قال المحققون : لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله الا بتوفيق الله تعالى ، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله ( وعلى ربهم يتوكلون ). ثم قال ﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ قال ابن عباس : يطيعونه يقال : توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه، (والذين هم به مشركون ) الضمير في قوله ( به ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه راجع الى ربهم . والثاني : أنه راجع الى الشيطان . والمعنى بسببه ، وهذا كما تقول للرجل اذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها ، فكذلك قوله ( والذين هم به مشركون ) أي من أجله ومن أجل حمله إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين . قوله تعالى ﴿واذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾ ١١٨ قوله تعالى (( قل نزله روح القدس من ربك بالحق )) سورة النحل اعلم أنه تعالى شرع من هذا الموضوع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد مخل وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان إذا نزلت آية فيها شدة ، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش : والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه ، اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى وإذا بدّلنا آية مكان آية) ومعنى تبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها، وهو نسخها بآية سواها. وقوله : (والله اعلم بما ينزل): اعتراض دخل في الكلام، والمعنى: والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف، أي هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قوله ( إنما أنت مفتر ) أي إذا كان هو أعلم بما ينزل فما بالهم ينسبون محمد ◌َّه إلى الافتراء لأجْل التبديل والنسخ، وقوله ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي لا يعلمون حقيقة القرآن وفائدة النسخ والتبديل، وأن ذلك لمصالح العباد كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة، ثم بعد مدة ينهاه عنها، ويأمره بضد تلك الشربة ، وقوله (قل نزله روح القدس من ربك) تفسير روح القدس من ذكره في سورة البقرة . وقال صاحب الكشاف : روح القدس جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال : حاتم الجود وزيد الخير، والمراد الروح المقدس ، وحاتم الجواد وزيد الخير، والمقدس المطهر من الماء. و ((من)) في قوله (من ربك) صلة للقرآن أي أن جبريل نزل القرآن من ربك ليثبت الذين آمنوا أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، (وهدى وبشرى) مفعول لهما معطوف على محل ليثبت ، والتقدير : تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة. وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم . ﴿ المسألة الثانية) قد ذكرنا أن مذهب أبي مسلم الأصفهاني: أن النسخ غير واقع في هذه الشريعة ، فقال المراد ههنا : إذا بدلنا آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل أنه حول القبلة من بيت المقدس الى الكعبة ، قال المشركون : أنت مفتر في هذا التبديل ، وأما سائر المفسرين فقالوا : النسخ واقع في هذه الشريعة ، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سائر السور . المسألة الثالثة ﴾ قال الشافعي رحمه الله: القرآن لا ينسخ بالسنة ، واحتج على صحته بقوله تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى ، وهذا ضعيف لأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية ، وأيضا فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية ، وأيضا فالسنة ١١٩ قوله تعالى (( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر)) سورة النحل وَلَقَدْ نَعْلُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلُِّهُ بَشَرَّ قِسَانُ الَّذِى يُلْسِدُونَ إِلَيْهِ أَِىٌّ وَهَذَا ◌ِسَانُ عَرَبِىٌّ مُبِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ بِقَايَتِ الَّهِلاَ يَهْدِيِهِمُ اللهُ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِعَايَتِ اللهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبُونَ فِ﴾ قد تكون مثبتة للآية ، وأيضا فهذا حكاية كلام الكفار ، فكيف يصح التعلق به ؟ والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد تقليد ، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمدا إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه . واختلفوا في هذا البشر الذي نسب المشركون النبي مطلقة إلى التعلم منه قيل : هو عبد لبني عامر بن لؤى يقال له يعيش ، وكان يقرأ الكتب ، وقيل : عداس غلام عتبة بن ربيعة ، وقيل : عبد لبني الحضرمي صاحب كتب ، وكان اسمه جبرا ، وكانت قريش تقول عبد بني الحضرمي يعلم خديجة ، وخديجة تعلم محمدا ، وقيل : كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية وقيل : سلمان الفارسي ، وبالجملة فلا فائدة في تعديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه . ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال ﴿ لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ﴾ ومعنى الالحاد في اللغة الميل يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد ، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد وقرأ حمزة والكسائي (: (يلحدون) بفتح الياء والحاء ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي : والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن ، والدليل عليه قوله ( ومن يرد فيه بالحاد بظلم ) والالحاد قد يكون بمعنى الإمالة ، ومنه يقال ألحدت له لحدا إذا حفرته في جانب القبر مائلا عن الاستواء وقبر ملحد وملحود ، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر، وفر الالحاد في هذه الآية بالقولين، قال الفراء : يميلون من الميل ، وقال الزجاج : يميلون من الامالة ، أي لسان الذي يميلون القول اليه أعجمي ، وأما قوله ( أعجمي ) فقال أبو الفتح الموصلي : تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للابهام واخفاء ، وضد البيان والايضاح ، ومنه قولهم : رجل أعجمي وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان ، وعجم ١٢٠ قوله تعالى ((إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله)) سورة النحل الذنب سمى بذلك لاستتاره واختفائه ، والعجماء: البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها ، وسموا صلاتي الظهر والعصر عجما وين ، لأن القراءة حاصلة فيهما بالسرلا بالجهر ، فأما قولهم : أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته ، وأفعلت قد يأتي والمراد منه السلب كقولهم : أشكيت فلانا إذا أزلت ما يشكوه ، فهذا هو الأصل في هذه الكلمة ، ثم إن العرب تسمى كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم وأعجميا . قال الفراء وأحمد بن يحيى : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب ، والأعجمي والعجمي: الذي أصله من العجم، قال أبو علي الفارسي : الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أومن العجم ، ألا ترى أنهم قالوا : زياد الأعجم ، لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا ، وأما معنى العربي واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا) وقال الفراء والزجاج : في هذه الآية يقال عرب لسانه عرابة وعروبة هذا تفسير ألفاظ الآية . وأما تقرير وجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا : القرآن إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة الى اللفظ وكأنه قيل : هب أنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن انما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمدالتّلا يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود، إذ القرآن انما كان معجزا لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود ، ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد ، فقال ( إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ) أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر ، وقال القاضي : أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة ، ولذلك قال بعده ( ولهم عذاب أليم ) والمراد أنهم لما تركوا الايمان بالله لا يهديهم الله إلى الجنة بل يسوقهم الى النار ، ثم إنه تعالی بین کونهم كذابين في ذلك القول فقال ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح في المقصود ، ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه ، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول وجوه : الأول : أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون ، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول ◌َ ﴿ وكلام العِدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم . والثاني : أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية ، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومددا متباعدة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدا عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان . الثالث : أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق فلو حصل