Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
قوله تعالى (( فما الذين فضلوا برادى رزقهم )) سورة النحل
علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا
بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا )، وقال الشافعي رحمه الله تعالى :
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ومن الدليل على القضاء وكونه
واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن
والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح ، وهذا بحر لا ساحل
له، وقد كانت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه،
وكان النجائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما حضرت الأطعمة
الشهية ، والفواكه العطرة عنده، وما كان يمكنه تناول شيء منها، وكان الواحد منا صحيح
المزاج قوي البنية كامل القوة، وما كان يجد ملء بطنه طعاما، فذلك الملك وإن كان يفضل على
هذا الفقير في المال، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب
واسع إذا اعتبره الانسان عظم تعجبه منه.
أما قوله ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ﴾ ففيه قولان :
القول الأول ﴾ أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن
السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا
فهم في رزقى سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق .
وإنما ذلك رزقي أجريته اليهم على أيديهم. وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق
هو الله تعالى، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى، وتحقيق القول
أنه ربما كان العبد أكمل عقلا وأقوى جسما وأكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى،
وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال (تعز من تشاء وتذل من
تشاء).
والقول الثاني ﴾ أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا لله تعالى، ثم على
هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل إنه
تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا
عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية، والثاني:
قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا إن عيسى بن مريم
ابن الله، فالمعنی أنکم لا تشرکون عبیدکم فیما ملكتم فتكونوا سواً ، فكيف جعلتم عبدي ولدا
لي وشريكا في الالهية ؟
١١ : : ٠٠:١.١١ _٦٠٢٠

٨٢
قوله تعالى ((والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا)) سورة النحل
وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَفَكُم مِّنَ
٧٢
الطَّيِّبَتِ أَفَبِلْبَتِطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
ثم قال تعالى ﴿ فهم فيه سواء﴾ معنى الفاء في قوله ( فهم ) حتى ، والمعنى : فما الذين
فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك .
٠٠٠
ثم قال ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم في رواية أبي بكر ( تجحدون ) بالتاء على الخطاب لقوله
( خلقكم وفضل بعضكم )، والباقون بالياء لقوله ( فهم فيه سواء ) واختاره أبو عبيدة وأبو
حاتم لقرب الخبر عنه ، وأيضا فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون
بجحد نعمة الله تعالى .
﴿المسألة الثانية﴾ لا شبهة في أن المراد من قوله ( أفبنعمة الله يجحدون) الانكار على
المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم .
فان قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟
قلنا : فيه وجهان :
الوجه الأول ﴾ أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شریکا
فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى ، وأيضا فان أهل
الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم ، وذلك يوجب كونهم
جاحدين لكونها من الله تعالى .
﴿ والوجه الثاني ﴾ قال الزجاج : المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها
بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق ، فعند هذا قال ( أفبنعمة الله )
في تقريره هذه البیانات وايضاح هذه البينات ( يجحدون ).
﴿ المسألة الثالثة﴾ الباء في قوله (أفبنعمة الله) يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا
يعدى بالباء كما تقول : خذ الخطام وبالخطام ، وتعلقت زيدا وبزيد ، ويجوز أن يراد بالجحود
الكفر فعدى بالباء لكونه بمعنى الكفر والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة
ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ﴾.

٨٣
قوله تعالى (( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة )) سورة النحل
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الاله
المختار الحكيم ، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى علي عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله
( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) قال بعضهم : المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع ادم ،
وهذا ضعيف ؛ لأن قوله ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا) خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم
وحواء خلاف الدليل ، ( من أنفسكم ) مثل قوله ( فاقتلوا أنفسكم ) وقوله ( فسلموا على
انفسكم ) أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجا) قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن
كل من كان أسخن مزاجا فهو الذكر ، وكل من كان أكثر بردا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا :
إذا انصب الى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه الى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد
ذكرا تاما في الذكورة ، وإن انصب الى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها الى الجانب
الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وان انصب الى الخصية اليمنى ، ثم انصب
منها الى الجانب الأيسرمن الرحم ، كان الولد ذكرا في طبيعة الاناث . وان انصب الى الخصية
اليسرى من الرجل ثم انصب منها الى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة
الذكور .
واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها
البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية
السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك
لامتنع ذلك فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الاله القديم الحكيم ، وظهر بالدليل الذي ذكرنا
صحة قوله تعالى ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ).
ثم قال تعالى ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ قال الواحدي : أصل الحفدة
من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد حفدا وحفودا وحفدانا اذا أسرع ، ومنه
في دعاء القنوت: واليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك
ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في
اللغة الاعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا
للرجل من قبل المرأة لأنه تعالى قال: ( وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ) فالاعوان الذين لا
يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية .
إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الاختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد الولد ،
والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل لكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه .

٨٤
قوله تعالى (( ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا)) سورة النحل
وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا بِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَّتِ
ج
يَسْتَطِيعُونَ (﴿ فَلَا تَضْرِبُوْلِلَّهِ الْأَمْثَلَّ إِنَّ الَّهَ يَعْلَمُ وَأَنُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
٧٤
ثم قال تعالى ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ لما ذكر تعالى انعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه
من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ، سواء كانت من النبات وهي الثمار
والحبوب والأشربة. أو كانت من الحيوان، ثم قال (أفبالباطل يؤمنون) قال ابن عباس رضي الله
عنهما : يعني بالاصنام، وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدقون أن لي شريكا
وصاحبة وولدا (وبنعمة الله هم يكفرون) والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها
الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم: وهي
الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبحرعلى النصب، يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة،
وبانعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون؟ والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا
يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾
اعلم انه تعالى لما شرح أنواعا كثيرة في دلائل التوحيد ، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على
صحة التوحيد ، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة ، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد
على عبدة الأصنام فقال: ( ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا
ولا يستطيعون ) أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة
السماء ، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله ( من
السموات والأرض ) من صفة النكرة التي هي قوله ( رزقا) كأنه قيل : لا يملك لهم رزقا من
الغيث والنبات وقوله ( شيئا) قال الأخفش : جعل قوله ( شيئا) بدلا من قوله ( رزقا )
والمعنى : لا يملكون رزقا لا قليلا ولا كثيرا ، ثم قال (ولا يستطيعون) والفائدة في هذه اللفظة
أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن
هذه الاصنام لا تملك وليس لها أيضا استطاعة تحصيل الملك .
فان قيل : إنه تعالى قال ( ويعبدون من دون الله ما لا يملك ) فعبر عن الاصنام بصيغة
(((ما)) وهي لغير أولي العلم ، ثم قال (ولا يستطيعون) والجمع بالواو والنون مختص بأولي
العلم فكيف الجمع بين الأمرين ؟

٨٥
قوله تعالى ((ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء)) سورة النحل
١٠٠٠٠٠٠٤٠٠٠٠
ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا تَمْلُوَكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْتَهُ مِنَّا رِزْقًّا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ
سِرَّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ بِهِ بَلْ أَكْثُهُمْ لَا يَعْلُونَ (
٧٥
والجواب : أنه عبر عنها بلفظ ((ما )) اعتبارا لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع
بالواو والنون اعتبارا لما يعتقدون فيها أنها آلهة .
ثم قال تعالى ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال) وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : يعني لا
تشبهوه بخلقه . قال الزجاج : أي لا تجعلوا لله مثلا ، لأنه واحد لا مثيل له . الثالث : أقول
يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون : إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده
الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب ، أو نعبد هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد
الاله الأكبر الأعظم ، والدليل عليه العرف فان أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ،
وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا ههنا فعند هذا قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذه الأصنام
والكواكب ولا تضربوا لله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الاله الحكيم القدير .
ثم قال ﴿ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وفيه وجهان: الأول: أن الله تعالى يعلم ما
عليكم من العقاب العظيم ، بسبب عبادة هذه الاصنام وأنتم لا تعلمون ذلك ، ولو علمتوه
لتركتم عبادتها . الثاني : أن الله تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الاصنام فاتركوا عبادتها ،
واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من
الاشتغال بعبادة نفس الملك ، لأن هذا قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص ، فلهذا
قال ( إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون )
ثم قال تعالى ﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ر زقناه منا رزقا حسنا
فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾.
اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ في تفسير هذا المثل قولان :
﴿القول الأول﴾ أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وفرضنا حرا كريما
غنيا كثير الانفاق سرا وجهرا، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم
والاجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز
للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والافضال، وبين الاصنام التي لا تملك ولا تقدر

٨٦
قوله تعالى ((ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء)) سورة النحل
البتة .
: والقول الثاني ﴾ أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر ، فانه من
حيث أنه بقي محروما من عبودية الله تعالى ومن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ،
والمراد بقوله ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) هو المؤمن فانه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى ،
والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.
تعالى .
واعلم أن القول الأول أقرب ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في اثبات
التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بقوله (عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) فقيل: المراد به
الصنم لأنه عبد بدليل قوله: (إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا) وأما أنه
مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر، والمراد بقوله (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا
وجهرا) عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سرا
وجهرا .
إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل بأن ذلك القادر
أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل
من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية .
﴿ والقول الثاني ) أن المراد بقوله ( عبدا مملوكا) عبد معين ، وقيل : هو عبد لعثمان
بن عفان ، وحملوا قوله ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) على عثمان خاصة
﴿ والقول الثالث ﴾ أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة ، وهذا
القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ، والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا .
فان قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم إن كلٍ
عبد كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان: الأول : أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم
المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدا
وصف مشعر بالذل والمقهورية، وقوله (لا يقدر على شيء) حكم مذكور عقيبه. فهذا يقتضي أن
العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبدا، وبهذا الطريق يثبت العموم. الثاني: أنه تعالى قال
بعده (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه

٨٧
قوله تعالى ((وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم )) الآية
أُحَدُ هُمَا أَبْكُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كُلُّ عَلَى مَوْلَهُ أَيْنَمَا
١٠٠٤٠٠١١٠٤
٠,٠٠٤/٠١
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَجُلَيْنِ
الصفة وهو يرزقه رزقا، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين
القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقا حسنا، لأن الملك
الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثير. فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن
العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا . ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك
حتى قال: لا يملك الطلاق أيضا. وأكثر الفقهاء قالوا: يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له
تعلق بالمال. واختلفوا في أن المالك اذا ملكه شيئا فهل يملكه ام لا؟ وظاهر الآية ينفيه، بقي في
الآية سؤلات :
﴿ السؤال الأول﴾ لم قال (مملوكا لا يقدر على شيء) وكل عبد فهو مملوك وغير قادر
على التصرف؟
قلنا : أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر ، لأن الحر قد يقال : إنه عبد
الله ، وأما قوله ( لا يقدر على شيء ) قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون ،
لأنهما لا يقدران على التصرف .
﴿ السؤال الثاني﴾ (من في قوله (ومن رزقناه ) ما هي ؟
قلنا: الظاهر أنها موصوفة كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا، ولا يمتنع أن تكون
موصولة .
السؤال الثالث ﴾ لم قال ( يستوون) على الجمع ؟
قلنا معناه هل یستوی الأحرار والعبيد ثم قال (الحمد لله) وفیه وجوه:
قال ابن عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد، والثاني: المعنى أن كل
الحمد لله ، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنها لا نعمة لها على أحد. وقوله (بل أكثرهم لا
يعلمون) يعني أنهم لا يعلمون أن كل الحمد لله وليس شيء منه للأصنام. الثالث: قال
القاضي في التفسير : قال للرسول عليه الصلاة والسلام (قل الحمد لله) ويحتمل أن يكون
خطابا لمن رزقه الله حسنا أن يقول: الحمد لله على أن ميزة في هذه القدرة على ذلك العبد
الضعيف. الرابع : يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى لما ذكر هذا المثل ، وكان هذا مثلا مطابقا
للغرض كاشفا عن المقصود قال بعده (الحمد لله) يعني الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور
هذه البينة : ثم قال (بل أكثرهم لا يعلمون) يعني أنها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها لا
يعلمها ولا يفهمها هؤلاء الضلال .
قوله تعالى ﴿ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه

٨٨
قوله تعالى ((وهو على صراط مستقيم)) سورة النحل
٧٦
يُوَجِّهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقٍِ
أینما یوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ﴾
اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني ، وتقريره : أنه كما
تقرر في اوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساويا في الفضل والشرف للناطق القادر
الكامل مع استوائهما في البشرية، فلأن يحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية
كان أولى ، ثم نقول : في الآية مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات :
الصفة الأولى﴾ الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي . الأول : قال أبو
زيد رجل أبكم ، وهو الفي المقحم ، وقد بكم بكما وبكامة، وقال أيضا : الأبكم الأقطع
اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام . الثاني : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : الأبكم الذي لا
يعقل . الثالث : قال الزجاج : الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر.
الصفة الثانية) قوله ( لا يقدر على شيء) وهو إشارة الى العجز التام والنقصان
الكامل .
والصفة الثالثة) قوله ( كل على مولاه ) أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه . قال
أهل المعاني : أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة . يقال : كل السكين اذا غلظت شفرته
فلم يقطع ، وكل لسانه اذا غلظ فلم يقدر على الكلام ، وكل فلان عن الأمر اذا ثقل عليه فلم
ينبعث فيه . فقوله ( كل على مولاه ) أي غليظ وثقيل على مولاه .
الصفة الرابعة ﴾ قوله (أينما يوجهه لا يأت بخير) أي أينما يرسله ، ومعنى التوجيه أن
ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق . يقال : وجهته الى موضع كذا فتوجه اليه . وقوله
( لا يأت بخير ) معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم . ثم قال تعالى ( هل يستوي هو ) أي هذا
"الموصوف بهذه الصفات الأربع (ومن يأمر بالعدل ) واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون
موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرا ، ويجب ان يكون قادرا لأن الأمر مشعر بعلو المرتبة ، وذلك
لا يحصل إلا مع كونه قادرا ، ويجب أن يكون عالما حتی یمکنه التمییز بین العدل وبین الجور،
فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما ، وكونه آمرا يناقض كون
الأول أبكم ، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه ،
وكونه عالما یناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير .

٨٩
قوله تعالى ((ولله غيب السموات والأرض)) سورة النحل
وَلِلَِّ غَيْبُ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّ كَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ لَ ◌ّهِ وَاللهُ أَنْرَ حَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُرْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُ
ثم قال ﴿ وهو على صراط مستقيم ) معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، فكذا ههنا
والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم:
فالقول الأول ﴾ قال مجاهد : كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل .
وأما الأبكم فمثل الصنم ، لأنه لا ينطق البتة . وكذلك لا يقدر على شيء وأيضا كل على
عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه ، وأيضا الى أي مهمة توجه الصنم لم يأت بخير .
وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى .
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد من هذا الأبكم : هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد
یکره الاسلام ، وما كان فيه خير ، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل ؛ وكان على
الدين القويم والصراط المستقيم .
﴿ والقول الثالث) أن المقصود منه: كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة . وكل
حر موصوف بتلك الصفات الحميدة ، وهذا القول أولى من القول الأول ، لأن وصفه تعالى
إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن ، وكذلك وبالكل وبالتوجيه في جهات المنافع
وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى ، وأيضا فالمقصود
تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور ، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين
مغايرة للأخرى .
﴿ وأما القول الثاني ﴾ فضعيف أيضا، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين
بالصفات المذكورة ، وذلك غير مختص بشخص معين ، بل أيما حصل التفاوت في الصفات
المذكورة حصل المقصود . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب
إن الله على كل شيء قدير والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع

٩٠
قوله تعالى ((وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)) سورة النحل
٠٠٠٠٠/٤
اُلَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أَلَمْ يَرَوْأ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخْرَتِ فِى
٧٨
جَوِّ السَّمَاءِ مَايُمْسِكُهُنَّ إِلَّ اللهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ لِّقَوْرِ يُؤْمِنُونَ
والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا الى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا
الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ومثل نفسه بالذي
يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون آمرا بالعدل ، وأن يكون
على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة ، ذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في
العلم والقدرة ، أما بيان كمال العلم فهو قوله ( ولله غيب السموات والأرض ) والمعنى : علم
الله غيب السموات والأرض وأيضا فقوله (ولله غيب السموات والأرض ) يفيد الحصر، معناه:
أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله وأما بيان كمال القدرة فقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح
البصرأو هو أقرب ) والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الانسان
في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة ، وقوله ( إلا كلمح البصر) اللمح: النظر بسرعة يقال
لمحه ببصره لمحا ولمحانا . والمعنى: وما أمر قيام القيامة في السرعة إلا كطرفة العين ، والمراد منه
تقرير كمال القدرة ، وقوله ( أو هو أقرب ) معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى
بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ ، فلمح
البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة ، ولا شك أن تلك
الأجزاء كثيرة ، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة ، والله تعالى قادر
على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال ( أوهو أقرب ) إلا أنه لما كان أسرع
الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصرلا جرم ذكره . ثم قال ( أوهو أقرب ) تنبيها
على ما ذكرناه ، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك ، بل المراد : بل هو أقرب ، وقال
الزجاج : المراد به الابهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو
أسرع . قال القاضي : هذا لا يصح ، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى
يأتي بها في زمان ، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد ، ويفارق ما ذكرناه في
ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تکلیف ، فلم يمتنع أن يخلقھما کذلك لما فيه
من مصلحة الملائكة .
واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي ، أما على قولنا في أنه تعالى
يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم ، ثم إنه تعالى عاد الى الدلائل الدالة على

٩١
قوله تعالى ((وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)) سورة النحل
وجود الصانع المختار فقال ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي ( إمهاتكم) بكسر الهمزة ، والباقون بضمها.
﴿ المسألة الثانية﴾ أمهاتكم أصله أماتكم ، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في اراق
فقيل : اهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله :
أمهتي خندف والیاس أبي
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الانسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء .
ثم قال ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾ والمعنى: أن النفس الانسانية لما
كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها
المعارف والعلوم ، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير فنقول : التصورات
والتصديقات إما أن تكون كسبية ، وإما أن تكون بديهية ، والكسبيات انما يمكن تحصيلها
بواسطة تركيبات البديهيات ، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية ، وحينئذ لسائل أن يسأل
فيقول : هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة .
والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنينا في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والاثبات
لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء .
وأما القسم الثاني ﴾ فانه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها
ما کانت حاصلة ، فحينئذ لا یمکن حصولها إلا بکسب وطلب ، وکل ما کان کسبيا فهو مسبوق
بعلوم أخرى فهذه العلوم البديهية تصير كسبية ، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير
نهاية ، وكل ذلك محال ، وهذا سؤال قوى مشكل .
وجوابه أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ثم إنها
حدثت وحصلت ، أما قوله فيلزم أن تكون كسبية .
قلنا : هذه المقدمة ممنوعة ، بل نقول : إنها انما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة
إعانة الحواس التي هي السمع والبصر، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن
جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر، فاذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه
وخياله ماهية ذلك المبصر ، وكذلك إذا سمع شيئا مرة بعد مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه
وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا القول في سائر الحواس ، فيصير حصول الحواس سببا لحضور
ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ثم إن تلك الماهيات على قسمين : أحد القسمين : ما

٩٢
قوله تعالى ((ألم يروا الى الطير مسخرات في جو السماء)) سورة النحل
يكون نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن باسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الاثبات ، مثل
أنه إذا حضر في الذهن التصويرين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه
بأنه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو عين البديهية .
﴿ والقسم الثاني﴾ ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية، مثل أنه إذا حضر في
الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو ، فان مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في
جزم الذهن بأن الجسم محدث ، بل لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة . والحاصل : أن
العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية ، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما
كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها . وحدوث هذه التصورات إنما كان
بسبب إعانة هذه الحواس على جزئياتها ، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في
النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس ، فلهذا السبب قال تعالى: ( والله أخرجكم
من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ليصير حصول هذه
الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل الى العلم بالطريق الذي ذكرناه ، وهذه أبحاث
شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات . وقال المفسرون : ( وجعل لكم السمع ) لتسمعوا
مواعظ الله، (والأبصار ) لتبصروا دلائل الله ، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله، والأفئدة جمع فؤاد
نحو أغربة وغراب . قال الزجاج : ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد ، وما قيل فيه فئدان كما
قيل : غراب وغربان . وأقول : لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيها على أن السمع
والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل ، لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، وأكثر
الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية ، فكأن فؤادهم
ليس بفؤاد ، فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة .
فان قيل : قوله تعالى ( وجعل لكم السمع والأبصار ) عطف على قوله ( أخرجكم )
وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الاخراج عن البطن ، ومعلوم أنه ليس
كذلك .
والجواب : أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ؛ وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع
والأبصار على الرؤية زال السؤال . والله أعلم .
أما قوله ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ﴾ ففيه
مسألتان :

٩٣
قوله تعالى (( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا )) سورة النحل
وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَّا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُونًا نَسْتَغِقُّونَهَا
يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَاءِكُمْ وَمِنْ أَصْوَفِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَلْئًا وَمَنَّعًا إِلَى
حِينٍ ﴾
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي (ألم تروا) بالتاء والباقون بالياء على
الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار .
﴿ المسألة الثانية ﴾ هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، فانه لولا أنه تعالى
خلق الطير خلقة يمكنه معها الطيران. وخلق الجو خلقه معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك .
فانه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء ، وخلق
الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا . وأما
قوله تعالى ( ما يمسكهن إلا الله ) فالمعنى : أن جسد الطير جسم ثقيل ، والجسم الثقيل يمتنع
بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاّقة فوقه ، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك
الجو هو الله تعالى ، ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره ، فثبت أن
خالق فعل العبد هو الله تعالى . قال القاضي : إنما أضاف الله تعالى هذا الامساك الى نفسه ،
لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال ، فلما كان تعالى هو
المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الاضافة الى الله تعالى .
والجواب : أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز ، لا سيما والدلائل العقلية دلت
على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
ثم قال تعالى في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ وخص هذه الآيات
بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها
يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ﴾.
اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد ، وأقسام النعم والفضل ، والسكن
والمسكن، وأنشد الفراء:
جاء الشتاء ولما اتخذ سكنا يا ويح كفى من حفر القراميص
٠

٩٤
قوله تعالى ((والله جعل لكم مما خلق ظلالا)) سورة النحل
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ فِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْخِبَلِ أَكْثَنَاُ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ
والسكن ما سكنت إليه وما سكنت فيه . قال صاحب الكشاف : السكن فعل بمعنى
مفعول ، وهو ما يسكن اليه وينقطع اليه من بيت أو إلف .
واعلم أن البيوت التي يسكن الانسان فيها على قسمين :
﴿ القسم الأول ﴾ البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف
البيوت ، وإليها الاشارة بقوله ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) وهذا القسم من البيوت لا
يمكن نقله ، بل الانسان ينتقل اليه .
﴿ والقسم الثاني﴾ القباب والخيام والفساطيط، وإليها بقوله ( وجعل لكم من جلود
الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ) وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله
من مكان إلى مكان . واعلم أن المراد الأنطاع ، وقد تعمل العرب البيوت من الأدم وهي جلود
الأنعام أي يخف عليكم حملها في أسفاركم . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( يوم ظعنكم )
بفتح العين والباقون ساكنة العين . قال الواحدي : وهما لغتان كالشعر والشعر والنهر
والنهر .
واعلم أن الظعن سير البادية لنجعة ، أو حضور ماء ، أو طلب مرتع ، وقد يقال لكل
شاخص لسفر : ظاعن ، وهو ضد الخافض . وقوله ( ويوم إقامتكم ) بمعنى لا يثقل عليكم في
الحالين . وقوله ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) قال المفسرون وأهل اللغة : الأصواف
للضأن والأوبار للابل والأشعار للمعز . وقوله ( أثاثا ) الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش
والأكسية . قال الفراء : ولا واحد له ، كما أن المتاع لا واحد له . قال ولو جمعت ، فقلت آثثة
في القليل وأثث في الكثير لم يبعد . وقال أبو زيد : واحدها أثاثة . قال ابن عباس في قوله
( أثاثا) يريد طنافس وبسطا وثيابا وكسوة . قال الخليل : وأصله من قولهم : أث النبات
والشعر اذا كثر . وقوله ( متاعا) أي ما يتمتعون به . وقوله ( إلى حين ) يريد الى حين البلا ،
وقيل : الى حين الموت ، وقيل : الى حين بعد الحين ، وقيل : الى يوم القيامة .
فان قيل : عطف المتاع على الأثاث والعطف يقتضي المغايرة ، وما الفرق بين الأثاث
والمتاع ؟
قلنا : الأقرب أن الأثاث ما يكتسى به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء ما يفرش في
المنازل ويزين به .
قوله تعالى ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم
:

٩٥
قوله تعالى ((وجعل لكم من الجبال أكنانا )) سورة النحل
تَفِكُمُ الْحَرَّوَسَرَبِيلَ تَقِيُِّ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ نُسْلُونَ (﴾ فَإِن
تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ الْمُبِينُ (٨) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِثُمَّ يُنْكُونَهَ وَأَكْثَرُهُمُ
الْگفُرُونَ ێے
سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقیکم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فان تولوا
فانما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكر ونها وأكثرهم الكافرون ﴾.
اعلم أن الانسان إما أن يكون مقيما أو مسافرا ، والمسافر إما أن يكون غنيا يمكنه
استصحاب الخيام والفساطيط ؛ أو لا يمكنه ذلك فهذه أقسام ثلاثة :
أما القسم الأول ﴾ فاليه الاشارة بقوله ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ).
وأما القسم الثاني ﴾ فاليه الاشارة بقوله (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ).
وأما القسم الثالث ﴾ فاليه الاشارة بقوله ( والله جعل لكم مما خلق ظلالا ) وذلك لأن
المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فانه لا بد وأن يستظل بشيء آخر كالجدران والأشجار
وقد يستظل بالغمام كما قال ( وظللنا عليكم الغمام).
ثم قال ﴿ وجعل لكم من الجبال أكنانا﴾ واحد الأكنان: كن على قياس أحمال وحمل ،
ولكن المراد كل شيء وقي شيئا ، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن .
واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم الى الظل ودفع الحر شديدة ، فلهذا
السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وأيضا البلاد المعتدلة والأوقات
المعتدلة نادرة جدا والغالب إما غلبة الحر أو غلبة البرد . وعلى كل التقديرات فلا بد للانسان
من مسكن يأوي اليه ، فكان الإنعام بتحصيله عظيما ، ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر
الملبوس فقال ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم) السرابيل: القمص واحدها
سريال ، قال الزجاج : كل ما ليته فهو سربال من قميص أودرع أو جوشن أو غيره ، والذي
يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين : أحدهما : ما يكون واقيا من الحر
والبرد . والثاني : ما يتقي به عن البأس والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على
أن كل واحد من القسمين من السرابيل .
فان قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟

٩٦
قوله تعالى ((فان تولوا فانما عليك البلاغ المبين)) سورة النحل
أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ قال عطاء الخراساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم
حارة فكانت حاجتهم الى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال ( ومن أصوافها
وأوبارها وأشعارها ) وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان
إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها أكثر ، ولذلك قال ( وننزل من السماء من جبال فيها
من برد ) لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب قال المبرد: إن ذكر الضدين تنبيه على الآخر ، قلت: ثبت
في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر ، فان الانسان متى خطر
بباله الحر خطر بباله أيضا البرد ، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما كان
الشعور بأحدهما مستتبعا للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر .
﴿ والوجه الثالث ﴾ قال الزجاج : ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر أحدهما
مغنيا عن ذكر الاخر .
فان قيل : هذا بالضد أولى ، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من
دون زيادة تكلّف ، وأما البرد فانه لا یندفع إلا بتكليف زائد .
قلنا : القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص دافعا للبرد فصح
ما ذكرناه ، وقوله ( وسرابيل تقيكم بأسكم) يعني دروع الحديد ، ومعنى البأس: الشدة ،
ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي .
واعلم أنه تعالى لماعدد أقسام نعمة الدنيا قال ( كذلك يتم نعمته عليكم ) أي مثل ما خلق
هذه الأشياء لکم وأنعم بها علیکم فانه یتم نعمة الدنیا والدین علیکم ( لعلكم تسلمون ) قال
ابن عباس : لعلكم يا أهل مكة تخلصون الله الربوبية ، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه
الانعامات أحد سواه ، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ ( لعلكم تسلمون ) بفتح التاء ،
والمعنى : أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب ، وقيل أعطيتكم هذه النعم
لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله .
ثم قال تعالى ﴿ فان تولوا فانما عليك البلاغ المبين ﴾ أي فان تولوا يا محمد وأعرضوا
وآثر والذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك ، ليس عليك إلا ما

٩٧
قوله تعالى (( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا )) سورة النحل
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أَّةٍ شَدِيدًا ثُمَّلَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (8) وَإِذَا
◌َا الَّذِينَ ظَلَهُوْ الْعَذَابَ فَلَ يُّحَّفَّفُ عَنْهُمْ وَلَهُمْ يُنْظُرُونَ ﴾
CAB
فعلت من التبليغ التام ، ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، وذلك نهاية في
كفران النعمة .
فان قيل : ما معنى ثم ؟
قلنا : الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة ، لأن حق من عرف
النعمة أن يعترف لا أن ينكر ، وفي المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : قال القاضي المراد بها
جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ؛ ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم
ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى . ولأنهم قالوا إنما
حصلت هذه النعم بشفاعة هذه الأصنام. والثاني: أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد ◌ّلا حق
ثم ينكرونها ، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). الثالث :
يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى .
ثم قال تعالى ﴿ وأکثرهم الكافرون ﴾:
فان قيل : ما معنى قوله ( وأکثرهم الكافرون) مع أنه کان کلهم کافرین؟
قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال ( وأكثرهم ) لأنه كان فيهم من لم تقم عليه
الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف، أو كان ناقص العقل معتوها ، فأراد بالأكثر البالغين
الأصحاء . الثاني : أن يكون المراد بالكافر: الجاحد المعاند ، وحينئذ نقول إنما قال
( وأكثرهم ) لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة
والسلام وما ظهر له كونه نبيا حق من عند الله. الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع ، لأن أكثر
الشيء يقوم مقام الكل . فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله ( الحمد لله بل أكثرهم لا
يعلمون) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون
وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾
الفخر الرازي ج ٢٠ م٧

٩٨
قوله تعالى ((وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم)) سورة النحل
وَإِذَا رَهَا الَّذِينَ أَشْرَ كُواْ شُرَكَآءَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَ كَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّ نَدْعُواْ
مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَى الَّهِ يَوْمَيِذٍ آلنَّم
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٨٧
اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، ذكر أيضا من
حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم القيامة فقال: ( ويوم نبعث من كل
أمة شهيدا ) وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الانكار وبذلك.
الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا
بك على هؤلاء شهيدا) وقوله (ثم لا يؤذن للذين كفروا) فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في
الاعتذار لقوله ( ولا يؤذن لهم فيعتذرون). وثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . وثالثها : لا
يؤذن لهم في الرجوع الى دار الدنيا والى التكليف . ورابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة
الشهود ، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . وخامسها : لا يؤذن لهم في كثرة
الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى . ثم قال ( ولا هم يستعتبون ) الاستعتاب
طلب العتاب، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كانعلى جزم أنهإذا عاتبه رجعإلى الرضا،
فإذا لم يطلب العتاب منه دلَّ على أنه راسخ في غضبه وسطوته ثم انه تعالى أكد هذا الوعيد
فقال (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم) والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب
ووصلوا إليه، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب (ولا هم) أيضاً (ينظرون) أي لا يؤخرون.
ولا يمهلون، لأن التوبة هناك غير موجودة ، وتحقيقه: ما يقوله المتكلمون من أن العذاب يجب
أن يكون خالصا عن شوائب النفع ، وهو المراد من قوله (لا يخفف عنهم العذاب ) ويجب أن
يكون العذاب دائما وهو المراد من قوله (ولا هم ينظرون) .-
قوله تعالى ﴿وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا
ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما
كانوا يفترون ﴾
اعلم أن هذا أيضا من بقية وعيد المشركين ، وفي الشركاء قولان :
﴿ القول الأول ) أنه تعالى يبعث الأصنام التي كان يعبدها المشركون، والمقصود من
إعادتها أن المشركين يشاهدونها في غاية الذلة والحقارة . وأيضا أنها تكذب المشركين ، وكل
ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم ، وإنما وصفهم الله بكونهم شركاء لوجهين :
الأول : أن الكفار كانوا يسمونها بأنها شركاء الله . والثاني : أن الكفار جعلوا لهم نصيبا من

٩٩
قوله تعالى (( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله )) سورة النحل
أموالهم .
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد بالشركاء: الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر، وهو
قول الحسن ، وإنما ذهب الى هذا القول ، لأنه تعالى حكى عن أولئك الشركاء أنهم ألقوا الى
الذين أشركوا إنهم لكاذبون ، والأصنام جمادات فلا يصح منهم هذا القول ، فوجب أن يكون
المراد من الشركاء الشياطين حتى يصح منهم هذا القول وهذا بعيد ، لأنه تعالى قادر على خلق
الحياة في تلك الأصنام وعلى خلق العقل والنطق فيها ، وحينئذ يصح منها هذا القول ، ثم
حكى تعالى عن المشركين أنهم إذا رأوا تلك الشركاء قالوا: ربنا هؤلاءشركاؤنا الذين كنا ندعوا من
دونك .
فان قيل : فما فائدتهم في هذا القول ؟
قلنا : فيه وجهان : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : مقصود المشركين إحالة الذنب
على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم ، فعند هذا
تكذبهم تلك الأصنام . قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الكفار يعلمون علما ضروريا في
الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ولا فدية ولا شفاعة .
والقول الثاني ﴾ أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجبا من حضور تلك الأصنام مع
أنه لا ذنب لها . واعترافا بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها . ثم حكى تعالى أن الأصنام
يكذبونهم ، فقال ( فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) والمعنى : أنه تعالى يخلق الحياة والعقل
والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول ، وقوله ( إنكم لكاذبون ) بدل من القول ،
والتقدير : فألقوا إليهم إنكم لكاذبون .
فان قيل : إن المشركين ما قالوا : إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا: إن هؤلاء
شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك ، فكيف قالت الأصنام إنكم
لكاذبون ؟
قلنا : فيه وجوه ، والأصح أن يقال:المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن هؤلاء الذين كنا
نقول إنهم شركاء الله في المعبودية ، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة . وقيل : المراد
إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى ( كلا سيكفرون بعبادتهم )،
ثم قال تعالى ﴿وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود
وأقروا الله بالربوبية والبراءة عن الشركاء والأنداد ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) وفيه

١٠٠
قوله تعالى (( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم )) سورة النحل
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَِّ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ
يُفْسِدُونَ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِ أَنٍَّ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَِثْنَا بِكَ شَهِيدًا
عَ هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ يِّيَّنًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِنَ
وجهان . وقيل : ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكا وصاحبة وولدا . وقيل :
بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى .
قوله تعالى ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا
يفسدون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا ، أتبعه بوعيد من ضم الى كفره صد الغير عن
سبيل الله . وفي تفسير قوله ( وصدوا عن سبيل الله ) وجهان : قيل : معناه الصد عن المسجد
الحرام ، والأصح أنه يتناول جملة الايمان بالله والرسول وبالشرائع ، لأن اللفظ عام فلا معنى
للتخصيص وقوله ( زدناهم عذابا فوق العذاب ) فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم
عن الايمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر ، فلا جَرَم يزيدهم الله تعالى عذابا على
عذاب ، وأيضا أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر ، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم
لقوله تعالى ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) ولقوله عليه السلام (( من سن سنة سيئة
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )) ومن المفسرين من ذكر تفصيل تلك الزيادة
فقال ابن عباس : المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها
ثلاثة بالليل واثنان بالنهار ، وقال بعضهم: زدناهم عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخت ،
فيستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر لكل عقرب ثلثمائة فقرة في كل فقرة ثلثمائة قلة
من سم . وقيل : عقارب لها أنياب كالنخل الطوال .
ثم قال تعالى ﴿ بما كانوا يفسدون﴾ أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصلت معللة
بذلك الصد ، وهذا يدل على أن من دعا غيره الى الكفر والضلال فقد عظم عذابه ، فكذلك
إذا دعا إلى الدين واليقين ، فقد عظم قدره عند الله تعالى والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على
هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾.