Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى ((ما ترك عليها من دابة)) سورة النحل
المسألة الرابعة ﴾ ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع
الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم
الناس ؟
والجواب عنه من وجهين :
﴿ الوجه الأول﴾ أنا لا نسلم أن قوله: «ما ترك على ظهرها من دابة.» يتناول جميع
الدواب .
وأجاب أبو على الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية
لعجل هلاکهم ، وحينئذ لا یبقی لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من
يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من
الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد
ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن .
والوجه الثاني ﴾ أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس
والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت
هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام .
والوجه الثالث ﴾ أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت
فكان لا تبقى على ظهرها دابة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رجلا يقول إن الظالم
لا يضر إلا نفسه، فقال: لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم، وعن ابن
مسعود رضى الله عنه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من
الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب .
﴿ والجواب الثاني﴾ أن المراد من قوله: ما ترك على ظهرها من دابة : أي ما ترك على
ظهرها من كافر ، فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى ( أولئك كالأنعام بل هم
أضل ) والله أعلم .
﴿المسألة الخامسة﴾ الكناية في قوله (عليها) عائدة إلى الأرض ، ولم يسبق لها ذكر،
إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض ، فان الدابة إنما تدب عليها ، وكثيرا ما يكنى عن الأرض ،
وإن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان ، يعنون على
الأرض .

٦٢
قوله تعالى ((وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى)) سورة النحل
ثم قال تعالى ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ ليتوالدوا، وفي تفسير هذا الأجل
قولان :
القول الأول ﴾ وهو قول عطاء: عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة .
والقول الثاني ﴾ أن المراد منتهى العمر، وجه القول الأول: أن معظم العذاب
يوافيهم يوم القيامة ، ووجه القول الثاني : أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت
أعمارهم وخرجوا من الدنيا .
النوع الثالث ﴾ من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى
عنهم قوله: ( ويجعلون لله ما يكرهون ).
واعلم أن المراد من قوله ( ويجعلون ) أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم ، ومعنى قوله
( يجعلون ) يصفون الله بذلك و یحکمون به له کقوله جعلت زیدا علی الناس أي حكمت بهذا
الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ).
ثم قال تعالى ﴿وتصف ألسنتُهم الكذبَ أن لهم الحسنى ﴾ قال الفراء والزجاج: موضع
((أن )) نصب لأن قوله ( أن لهم الحسنى ) بدل من الكذب ، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم
أن لهم الحسنى . وفي تفسير ( الحسنى ) ههنا قولان: الأول : المراد منه البنون ، يعنى أنهم
قالوا الله البنات ولنا البنون . والثاني : أنهم مع قولهم باثبات البنات لله تعالى ، يصفون
أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب هذا القول ، وأنهم على الدين الحق والمذهب
الحسن . الثالث : أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى .
فان قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟
قلنا : كلهم ما كانوا منكرين للقيامة ، فقد قيل : إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث
والقيامة ، ولذلك فانهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه الى أن يموت
ويقولون إن ذلك الميت إذا حشر فانه يحشر معه مركوبه ، وأيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين
للقيامة فلعلهم قالوا : إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فانه يحصل لنا الجنة
والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل
( الحسنى ) على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده ( لا جرم أن لهم النار ) فرد عليهم قولهم
وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة . قال الزجاج : لارد لقولهم ،
والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جزم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا لفظ

٦٣
قوله تعالى ((لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون)) سورة النحل
((أن)) في محل النصب بوقوع الكسب عليه. وقال قطرب ( أن ) في موضع رفع ، والمعنى :
وجب أن لهم النار وكيف كان الاعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله
( وأنهم مفرطون ) قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي (مفرطون) بكسر الراء ، والباقون
( مفرطون ) بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم
في الذنوب ، وقيل : أفرطوا في الافتراء على الله تعالى ، وقال أبو على الفارسي : كأنه من
أفرط، أي صارذا فرط مثل أجرب ، أي صارذا جرب والمعنى : أنهم ذو وفرط إلى النار كأنهم
قد أرسلوا من يهيء لهم مواضع فيها . وأما قراءة قوله (مفرطون ) بفتح الراء ففيه قولان :
القول الأول ﴾ المعنى: أنهم متروكون في النار. قال الكسائى: يقال ما أفرطت
من القوم أحدا ، أي ما تركت . وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ناسا ، أي خلفتهم
وأنسيتهم .
﴿ والقول الثاني﴾ (مفرطون) أي معجلون قال الواحدي رحمه الله: وهو الاختيار
ووجهه ما قال أبو زيد وغيره فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا إذا تقدمهم إلى الماء
ليصلح الدلاء والأرسان ، وأفرط القوم الفارط ، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله ( مفرطون )
على هذا التقدير: كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن
مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء
المتقدمين عليهم السلام ، فقال: ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان
أعمالهم ) وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب
جهالات القوم . قالت المعتزلة : الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه : الأول : أنه إذا
كان خالق أعمالهم هو الله تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني : أن ذلك التزيين لما كان
بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث : أن التزيين هو الذي يدعو الانسان إلى
الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا .
والرابع : أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل ، أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي اليه .
والخامس : أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت
إضافته إلى الشيطان كذبا .
وجوابه : إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان ، فمزين تلك الوساوس في
عين الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب .
ثم قال تعالى ﴿ فهو وليهم اليوم) وفيه احتمالان: الأول: أن المراد منه كفار مكة

٦٤
قوله تعالى «وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه» سورة النحل
وبقوله ( فهو وليهم اليوم ) أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك ، كما فعل بكفار الأمم
قبلك . فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضيه إلى الأخبار عن كفار مكة .
الثاني : أنه أراد باليوم يوم القيامة ، يقول فهو ولى أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم
القيامة ، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم ، والمقصود من قوله ( فهو وليهم
اليوم) هو إنه لا وليّ لهم ذلك اليوم ولا ناصر وذلك انهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان
كنزوله بهم، ورأوا أنه لا مخلص له منه، كما لا مخلص لهم منه، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم:
هذا وليكم اليوم على وجه السخرية، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة
وأزاح العلة فقال (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة) وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المعنى: أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لبتبين لهم بواسطة بيانات هذا
القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو
الدين ، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم
حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة .
﴿ المسألة الثانية﴾ اللام في قوله ( لتبين) تدل على أن أفعال الله تعالى معللة
بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس ) وقوله ( وما
خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون )
وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف: قوله: (هدى ورحمة) معطوفان على محل
قوله ( لتبين ) إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت
اللام في قوله ( لتبين ) لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما يتتصب مفعولا له ما كان فعلا
لذلك الفاعل .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الكلبى: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، لا
ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة ( هدى للمتقين ) لا
ينفى كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في قوله ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان )
وانما خص المؤمنين بالذكر من حيث أنهم قبلوه فانتفعوا به، كما في قوله ( إنما أنت منذر من
يخشاها ) لأنه إنما انتفع بانذاره هذا القوم فقط ، والله أعلم .
:٠

قوله تعالى ((والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها)) سورة النحل: ٦٥
:
وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَحْبَبِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةُ لِّقَوْمُ
يَسْمَعُونَ (® وَإِنَّلَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةُ أُسْقِكُ تِمَا فِ بُطُونِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
وَدَرٍ لَّبَنَا خَلِصًا سَبِغًا لِلشَّهِبِينَ ﴾ وَمِن تَرَتِ الَّغِيِلِ وَالْأَعْنَبِ تَقْدُونَ مِنْهُ
سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَّيَّةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾
قوله تعالى ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم
يسمعون وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا
للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم
يعقلون ﴾.
اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة :
الالهيات والنبوات والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، والمقصود الأعظم من هذه الأصول
الأربعة تقرير الآلهيات ، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار
عاد إلى تقرير الآلهيات ، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات
ابتدأ بالأجرام الفلكية ، وثنى بالانسان ، وثلت بالحيوان ، وربع بالنبات ، وخمس بذكر
أحوال البحر والأرض ، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الالهيات بدأ أولا بذكر
الفلكيات فقال ( والله أنزل من السماء ماء فأحبى به الأرض بعد موتها ) والمعنى : أنه تعالى
خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض ، والمراد بحياة الأرض
نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر ، وينفع بعد أن كان لا ينفع ، وتقرير
هذه الدلائل قد ذكرناه مرارا كثيرة .
ثم قال تعالى ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع
بقلبه فكأنه أصم لم يسمع .
والنوع الثاني ﴾ من الدلائل المذكورة في هذا الآيات الاستدلال بعجائب أحوال
الحيوانات وهو قوله ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ) قد ذكرنا معنى العبرة في
قوله ( لعبرة الأولى الأبصار ) وفيه مسائل :

٦٦
قوله تعالى ((وإن لكم في الأنعام لعبرة)) سورة النحل
المسألة الأول﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم ، وحمزة
والكسائي ( نسقيكم ) بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول
سقیته حتی روی أسقیه قال تعالى ( وسقاهم ربهم شرابا ظهورا ) وقال ( والذي هو يطعمنى
ويسقين ) وقال ( وسقوا ماء حميما ) ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابا كقوله
( وأسقيناكم ماء فراتا) وقوله ( فأسقينا كموه ) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته
كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت .
﴿ المسألة الثانية) قوله (مما في بطونه) الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال
مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوها : الأول : أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لافادة
جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير
الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ،
فلهذا السبب قال ههنا في بطونه ، وقال في سورة المؤمنين ( في بطونها ) الثاني قوله ( في بطونه )
أي في بطون ما ذكرناه وهذا جواب الكسائي . قال المبرد : هذا شائع في القرآن ، قال تعالى:
( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي) يعني هذا الشيء الطالع ربي، وقال (إن هذه تذكرة
فمن شاء ذكره ) أي ذكر هذا الشىء .
واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي ، أما الذي تأنيثه حقيقيا ، فلا
يجوز ، فانه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب ، ولا غلامك ذهبت على تقدير
أن نحمله على النسمة . الثالث : أن فيه إضمارا ، والتقدير : نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ
ليس كلها ذات لبن .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ الفرث: سرجين الكرش. روى الكلبى عن أبى صالح عن ابن
عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه لبنا ،
فيجرى الدم في العروق واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو ، فذاك هو قوله تعالى ( من
بين فرث ودم لبنا خالصا ) لا يشوبه الدم ولا الفرث .
ولقائل أن يقول : الدم واللبن لا يتولدان البتة في الكرش ، والدليل عليه الحس فان
هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها لادما ولا لبنا ، ولو كان تولد الدم
واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشىء الذي دلت المشاهدة على
فساده لم يجز المصير اليه ، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن
كان إنسانا ، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها ، فاذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما

٦٧
قوله تعالى «نسقیکم مما في بطونه من بین فرث ودم)) الآية
كان منه صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك الذي يحصل منه في
الكبد ينطبخ فيها ويصير دما ، وذلك هو الهضم الثاني ، ويكون ذلك الدم مخلوطا بالصفراء
والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى
الكلية ، ومنها إلى المثانة ، وأما ذلك الدم فانه يدخل في الأوردة ، وهي العروق النابتة من
الكبد ، وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فینصب الدم في
تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لجم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند اصبابه الى
ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم الى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في
كيفية تولد اللبن .
فان قيل : فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن ؟
قلنا : الحكمة الالهية اقتضت تدبير كل شىء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته ،
فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارا يابسا ، ومزاج الأنثى يجب أن يكون باردا
رطبا ، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى ، فوجب أن تكون الأنثى مختصة
بمزيد الرطوبات لوجهين : الأول : أن الولد إنما يتولد من الرطوبات ، فوجب أن يحصل في
بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد . والثاني : أن الولد إذا كبر وجب أن يكون
بدن الأم قابلا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد ، فاذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان
بدنها قابلا للتمدد ، فیتسع للولد ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثی من کل حيوان
بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة ، ثم إن الرطوبات التي كانت تصیر مادة لازدیاد بدن الجنین حین
كان في رحم الأم ، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك
الطفل الصغير .
إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير
حاصل في حق الذكر فظهر الفرق .
إذا عرفت هذا التصوير فنقول : المفسرون قالوا : المراد من قوله ( من بين فرث ودم )
هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد ، فالفرث يكون في أسفل الكرش ، والدم يكون في
أعلاه ، واللبن يكون في الوسط ، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة ،
ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا فاء أن يقىء الدم وذلك باطل
قطعا . وأما نحن فنقول : المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم ، والدم
إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش ، وهذا

٦٨
قوله تعالى ((لبنا خالصا سائغا للشاربين)) سورة النحل
اللبن متولد من الاجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا ، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم
ثانيا ، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة ، وخلق فيها الصفات التي
باعتبارها صارت لبناً موافقا لبدن الطفل ، فهذا ما حصلناه في هذا المقام ، والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة) اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها
يكون موافقا لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة ، يشهد صريح العقل بأنها
لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى خلق
في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاء . فاذا تناول الانسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق
ذلك المنفذ انطباقا كليا لا يخرج منه شىء من ذلك المأكول والمشروب الى أن يكمل انهضامه في
المعدة وينجذب ما صفا منه الى الكبد ويبقى الثقل هناك ، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه
ذلك الثقل ، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم ، لأنه متى
كانت الحاجة الى بقاء للغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ ، واذا حصلت الحاجة الى
خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح ، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى ، بحسب
الحاجة وتقدير المنفعة ، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم . الثاني : أنه تعالى أودع في الكبد
قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب ، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة ،
وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل ، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة
البتة . ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب . والثالث :
أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة ، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد
وتنقلب دما ، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء ، وفي الطحال قوة جاذبة
للسوداء ، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية ، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن ،
وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم .
الرابع : أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر اليه
حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده ، فاذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب
ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له ، فاذا كبر الولد لم ينصب
ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي ، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي ، فانصباب
ذلك الدم في كل وقت الى عضو آخر انصبابا موافقا للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير
الفاعل المختار الحكيم . والخامس : أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي
ثقوبا صغيرة ومسام ضيقة ، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل
اللبن عنها في تلك المسام الضيقة ، ولما كانت تلك المسام ضيقة جدا ، فحينئذ لا يخرج منها إلا
ما كان في غاية الصفاء واللطافة ، وأما الأجزاء الكثيفة فانه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ

٦٩
قوله تعالى ((ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا)) سورة النحل
الضيقة فتبقى في الداخل . والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة ، والمنافذ الضيقة في
رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة ، فكل ما كان لطيفا خرج ، وكل ما كان كثيفا
احتبس في الداخل ولم يخرج ، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبى
سائغا للشاربين . السادس : أنه تعالى ألهم ذلك الصبى إلى المص ، فان الأم كلما ألقمت
حلمة الثدى في فم الصبي فذلك الصبى في الحال يأخذ في المص ، فلولا أن الفاعل المختار
الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص ، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليف
ذلك اللبن في الثدى . السابع : أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم ، وإنما خلق
الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان ، فالشاة لما تناولت العشب والماء فالله تعالى خلق الدم من
لطيف تلك الأجزاء ، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم ، ثم إن اللبن حصلت فيه
أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة ، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطبا ، وما فيه من المائية يكون
بارداً رطبا ، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابسا ، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك
العشب الذي تناولته الشاة ، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة الى صفة ومن
حالة الى حالة ، مع أنه لا يناسب بعضها بعضا ولا يشاكل بعضها بعضاء ، وعند ذلك يظهر أن
هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح
العباد ، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته
ورحمته ، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
أما قوله ﴿ سائغا للشاربين﴾ فمعناه: جاريا في حلوقهم لذيذاً هنيئا . يقال: ساغ
الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ، ومنه قوله ( ولا يكاد يسيغه )
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود
الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي
يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر تدبيرا ، فقلب ذلك الطين نباتا
وعشبا ، ثم اذا أكله الحيوان دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك العشب دما ، ثم دبر تدبيرا آخر فقلب
ذلك الدم لبنا ، ثم دبر تدبيرا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن . فهذا يدل على أنه
تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فاذا كان كذلك
لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما
كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع
والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ﴾ اعلم

٧٠
قوله تعالى «تتخذون منه سکرا ورزقا حسنا)) سورة النحل
أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية بعض منافع
النبات ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ فان قيل: بم تعلق قوله (ومن ثمرات النخيل والأعناب)؟
قلنا : بمحذوف تقديره : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها،
· وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله ( تتخذون منه سكرا ) بيان وكشف عن كنه الاسقاء .
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي (الأعناب ) عطف على الثمرات لا على النخيل ، لأنه
يصير التقدير : ومن ثمرات الأعناب ، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى .
المسألة الثالثة ﴾ في تفسير السكر وجوه : الأول : السكر الخمر سميت بالمصدر من
سكر سكرا وسكرا . نحو : رشد رشدا ورشدا ، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من
النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب .
فان قيل : الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام ؟
أجابوا عنه من وجهين الأول : أن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر نزل في سورة
المائدة ، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة . الثاني : أنه لا
حاجة إلى التزام هذا النسخ ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع ، وخاطب
المشركين بها ، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم ، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضا
على تحريمها ، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر ، فوجب أن لا يكون السكر
رزقا حسنا ، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة ، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنا
بحسب الشريعة ، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة .
﴿القول الثاني﴾ أن السكر هو النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ
حتى يذهب ثلثاه تم حتى يشتد ، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر ، ويحتج
بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة ، ودل الحديث
على أن الخمر حرام قال عليه السلام ((الخمر حرام لعينها)) وهذا يقتضى أن يكون السكر شيئا
غير الخمر ، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ .
﴿ والقول الثالث ﴾ أن السكر هو الطعام. قاله أبو عبيدة، واحتج عليه بقول
الشاعر :
جعلت أعراض الكرام سكرا

٧١
قوله تعالى ((وأوحى ربك الى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا)) سورة النحل
٦٨
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّعْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْخِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَبِمَّا يَعْرِشُونَ
ثُمْ كُلِى مِنْ كُلِّ التَّعَرَتِ فَاسْلُكِ سُبْلَ رَبِّكِ ذُلْلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ
أَلْوَنُهُفِهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَ يَةٌ لِقَوْمٍ يَتَفَكُونَ (
أي جعلت ذمهم طعاما لك ، قال الزجاج : هذا بالخمر أشبه منه بالطعام ، والمعنى
أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام ، والمعنى : أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم
جارياً مجرى شرب الخمر .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من
وجه آخر، قال (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) والمعنى: أن من كان عاقلا ، علم بالضرورة أن
هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيحتج بحصولها على وجود الاله القادر
الحكيم. والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما
يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف
ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم ، وإخراج السُكر والرزق الحسن من
ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة ، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا
حكيما ، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود ،
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وأوحى ربك إلى النحل ) يقال. وحى وأوحى ، وهو الالهام،
والمراد من الالهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من
البشر، وبيانه من وجوه : الأول : أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية ، لا يزيد
بعضها على بعض بمجرد طباعها ، والعقلاء من البشرلا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات
وأدوات مثل المسطر والفرجار . والثاني : أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة
باشكال سوى المسدسات فانه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة ، أما إذا
كانت تلك البيوت مسدسة فانه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة ، فاهداء ذلك الحيوان الضعيف

٧٢
قوله تعالى ((ومن الشجر ومما يعرشون)) الآية
إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب . والثالث : أن النحل يحصل فيما بينها
واحد يكون كالرئيس للبقية ، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ، ويكون نافذ الحكم
على تلك البقية ، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك أيضا من الأعاجيب .
والرابع : أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر ، فاذا أرادوا عودها إلى
وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى ، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى
وكرها ، وهذا أيضا حالة عجيبة ، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على
مزيد الذكاء والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الالهام وهي
حالة شبيهة بالوحى ، لا جرم قال تعالى في حقها ( وأوحتى ربك إلى النحل )
لوحى
واعلم أن التعلَىَّ قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا
وحيا) وفي حق الأولياء أيضا قال تعالى (وإذ أوحيت إلى الحواريين) وبمعنى الالهام في حق البشر
قال تعالى (وأوحينا إلى أم موسى) وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله (وأوحى ربك إلى
النحل) ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص. والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: يجوز أن يقال سمى هذا الحيوان نحلا ، لأن الله
تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث ، وهي مؤنثة
في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها الله تعالى ، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء .
ثم قال تعالى: ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف (أن اتخذي) هي ((أن)) المفسرة، لأن الايحاء
فيه معنى القول ، وقرىء ( بيوتا ) بكسر الباء ( ومن الشجر ومما يعرشون ) أي يبنون
ويسقفون ، وفيه لغتان . قرىء بهما ، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون .
واعلم أن النحل نوعان :
﴿ النوع الأول﴾ ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس.
﴿ والنوع الثاني ﴾ التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس ، فالأول هو
المراد بقوله ( أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ) والثاني : هو المراد بقوله ( ومما يعرشون)
وهو خلايا النحل .
فان قيل: ما معنى ((من)) في قوله ( أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما
يعرشون ) وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟

٧٣
قوله تعالى ((ثم كلى من كل الثمرات)) سورة النحل
قلنا : أريد به معنى البعضية ، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر ، بل في مساكن
توافق مصالحها وتليق بها .
المسألة الثانية ﴾ ظاهر قوله تعالى ( أن اتخذي من الجبال بيوتا) أمر، وقد اختلفوا
فيه ، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ، ولا يبعد أن يتوجه عليها
من الله تعالى أمر ونهى . وقال آخرون : ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها
غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال ، والكلام المستقصي في هذه المسألة مذكور في تفسير قوله
تعالى ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) .
ثم قال تعالى ﴿ ثم كلي من كل الثمرات﴾ لفظة ((من)) ههنا للتبعيض أو لابتداء
الغاية ، ورأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه ، وهو أنه يحدث في الهواء
طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار ، فقد تكون تلك الأجزاء الطلبة
لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار ، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء
محسوسة .
﴿ أما القسم الثاني ﴾ فهو مثل الترنجبين فانه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف
الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس .
وأما القسم الأول ﴾ فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك
الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها ، فاذا شبعت التقطت
بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء وذهبت بها الى بيوتها ووضعتها هناك ، لأنها تحاول
أن تدخر لنفسها غذاءها ، فاذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلبة شيء كثير فذلك هو
العسل ، ومن الناس من يقول : إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء ،
ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلا ، ثم إنها تقىء مرة أخرى فذاك هو
العسل ، والقول الأول أقرب الى العقل وأشد مناسبة الى الاستقراء ، فان طبيعة الترنجبين
قريبة من العسل في الطعم والشكل ، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف
الأشجار والأزهار فكذا ههنا . وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما يتغذى بالعسل ،
ولذلك فانا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذى بها ،
فعلمنا أنها إنما تغتذى بالعسل وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذى بتلك الأجزاء
الطلبة العسلية الواقعة من الهواء عليها .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى ( ثم كلى من كل الثمرات ) كلمة ( من ) ههنا تكون

٧٤
قوله تعالى ((شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس)) سورة النحل
لابتداء الغاية ، ولا تكون للتبعيض على هذا القول .
ثم قال تعالى ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ والمعنى: ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فاذا أكلتها
فاسلكى سبل ربك في الطرق التى ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو يكون المراد :
فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك . أما قوله ( ذللا ) ففيه قولان : الأول : أنه حال
من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها ، كقوله ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا)،
الثاني : أنه حال من الضمير في ( فاسلكي ) أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير
ممتنعة .
ثم قال تعالى ﴿ يخرج من بطونها ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ أن هذا رجوع من الخطاب الى الغيبة. والسبب فيه أن المقصود من
ذكر هذه الأحوال أن يحتج الانسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال
العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الانسان وقال : إنا
ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب ، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه.
البحث الثاني ﴾ أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية
تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار ، فيلقطها الزنبور بفمه ،
فإذا ذهبنا الى هذا الوجه كان المراد من قوله ( يخرج من بطونها ) أي من أفواهها ، وكل تجويف
في داخل البدن فانه يسمى بطنا ، ألا ترى أنهم يقولون : بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف
الدماغ ، وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها ، وأما على قول أهل الظاهر ، وهو أن
النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقىء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر .
ثم قال تعالى ﴿ شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ اعلم أنه تعالى وصف العسل
بهذه الصفات الثلاثة :
فالصفة الأولى ﴾ كونه شرابا والأمر كذلك ، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه
الأشربة .
﴿ والصفة الثانية) قوله (مختلف ألوانه ) والمعنى : أن منه أحمر وأبيض وأصفر.
ونظيره قوله تعالى ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) والمقصود منه :
إيطال القول بالطبع ، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة ،
دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، لا لأجل إيجاد الطبيعة .

٧٥
قوله تعالى ((إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)) سورة النحل
والصفة الثالثة ﴾ قوله ( فيه شفاء للناس ) وفيه قولان :
القول الأول ﴾ وهو الصحيح أنه صفة للعسل .
فان قالوا : كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار ؟
قلنا : إنه تعالى لم يقل : إنه شفاء لكل الناس ولکل داء وفي كل حال ، بل لما كان شفاء
للبعض ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة؛
أنه قلَّ معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضا فالأشربة
المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع .
والقول الثاني ) وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس ، وعلى هذا
التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه )
ثم ابتدأ وقال ( فيه شفاء للناس ) أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر
والبدعة مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ابن مسعود : أن العسل شفاء من كل داء ،
والقرآن شفاء لما في الصدور .
واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله ( فيه
شفاء للناس ) يجب عوده الى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله ( شراب مختلف ألوانه ) وأما
الحكم بعود هذا الضمير الى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني :
ما روى أبو سعيد الخدرى : أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن أخي
یشتکي بطنه فقال (( اسقه عسلا )) فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال
عليه الصلاة والسلام ((اذهب واسقه عسلا )) فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، فقال
((صدق الله وكذب بطن أخيك)) وحملوا قوله ((صدق الله وكذب بطن أخيك)) على قوله ( فيه
شفاء للناس ) وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل .
فان قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام ((صدق الله وكذب بطن أخيك))؟
قلنا : لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما
لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان هذا
جاريا مجرى الكذب ، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ واعلم أن تقرير هذه
الآية من وجوه : الأول : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء

٧٦
قوله تعالى ((والله خلقكم ثم يتوفاكم)) الآية
وَاللهُ خَلَفَكُرْ ثُمَ يَوَفَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ
عِلْمِ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . والثاني : اهتداؤها الى جميع تلك الأجزاء
العسلية من أطراف الأشجار والأوراق . والثالث : خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو
الهواء ، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها
وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد
علم شيئا إن الله عليم قدير ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض
عجائب أحوال الناس ، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر
الانسان ، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشو والنماء . وثانيها : سن
الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة . ورابعها : سن
الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة . فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى
بعض ، على أن ذلك الناقل هو الله تعالى، والأطباء الطبائعيون قالوا : المقتضى لهذا الانتقال هو
طبيعة الانسان ، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده ، وحينئذ يبقى
أن ذلك الناقل هو الله سبحانه ، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر الله تعالى في هذه
الآية . قال الطبائعيون : إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني والدم
جوهران حاران رطبان ، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع
يبس ، وهذا مشاهد معلوم ، قالوا : فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه
من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد ، ويحدث العظم والغضروف والعصب
والوتر والرباط وسائر الأعضاء . فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم
الأم ، ومع ذلك فالرطوبات زائدة ، والدليل عليه أنك ترى أعضاء الطفل بعد انفصاله من
الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من الغضاريف ، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل
في تلك الرطوبات ويقللها ، قالوا : ويحصل للبدن ثلاثة أحوال :

قوله تعالى (( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر)) الآية
الحالة الأولى ﴾ أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته ، وحينئذ تكون الأعضاء
قابلة للتمدد والازدياد والنماء ، وذلك هو سن النشوء والنماء ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس
وثلاثين سنة .
الحالة الثانية ) أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ الحرارة
الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر ، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب
وغايته خمس سنين ، وعند تمامه يتم الأربعون .
والحالة الثالثة ﴾ أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ الحرارة
الغريزية ، وعند ذلك يظهر النقصان ، ثم هذا النقصان قد يكون خفيا وهو سن الكهولة وتمامه
إلى ستين سنة وقد يكون ظاهرا وهو سن الشيخوخة وتمامه إلى مائة وعشرين سنة . فهذا هو
الذي حصله الأطباء في هذا الباب ، وعندي أن هذا التعليل ضعيف، ويدل على ضعفه
وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أنا نقول إن في أول ما كان المني منيا وكان الدم دما كانت الرطوبات
غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب ، ثم إنها مع ضعفها قويت
على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظما وغضروفا
وعصبا ورباطا ، وعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن قلّت الرطوبات . فوجب أن تكون
للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك ، فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد
البدن وكماله أزيد من تحللها قبل تولد البدن ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، لأن قبل تولد
البدن انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظما وعصبا ، وأما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل
هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير الحرارة في الرطوبة لوجب أن
يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من تحللها قبل تكون البدن ، ولما لم يكن الأمر
كذلك علمنا أن تولد البدن إنما كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق
مصالحها ، وأنه ما كان تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة .
والوجه الثاني ﴾ في إبطال هذا الكلام أن نقول : إن الحرارة الغريزية الحاصلة في
بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلا في جوهر النطفة أو صارت أزيد مما
كانت . والأول باطل : لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة
ولا شك أن جرم النطفة كان قليلا صغيرا ، فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة
الغريزية إلا ذلك القدر كان في غاية القلة ، ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلا ، وأما
الثاني : ففيه تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن ، وإذا تزايدت

٧٨
قوله تعالى ((ومنكم من يرد إلى أرذل العمر)) الآية
الحرارة الغريزية ساعة فساعة ، وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة ،
فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبدا في التزايد والتكامل ؛ وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا
أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة ، بل بسبب تدبير الفاعل
المختار .
﴿ والوجه الثالث ) وهو الذي أوردناه على الأطباء في كتابنا الكبير في الطب فقلنا: هب
أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن
تصير أقل مما كانت وأن ينتقل الانسان من سن الشباب الى سن النقصان ؟ قالوا : السبب
فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية ،
فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية ، وإذا حصلت
هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضا ، لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية ،
فاذا قل الغذاء ضعف المغتذي . فالحاصل : إن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة
الغريزية ، وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية ، ويلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى
إلى أن تنتهي الى حيث لا يبقى من الرطوبة الغريزية شيء ، وحينئذ تنطفىء الحرارة الغريزية
ويحصل الموت، هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب، وهو ضعيف لأنا نقول : إن الحرارة الغريزية
إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها ، فلم لا يجوز أن يقال : إن القوة الغاذية تورد
بدلها . فعند هذا قالوا : القوة الغاذية إنما تقوى على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية
قوية ، فأما عند ضعفها فلا ، فنقول : فههنا لزم الدور ، لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل
وتنقص ، لو لم تكن القوة الغاذية وافية بايراد بدلها ، وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا الايراد
إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة ، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة
الغريزية ، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل ، فثبت أن على القول
الذي قالوه يلزم الدور وأنه باطل . فثبت أن تعليل انتقال الانسان من سن إلى سن بما ذكروه
من اعتبار الطبائع يوجب عليهم هذه المحالات المذكورة فكان القول به باطلا ، ولما بطل هذا
القول وجب القطع باسناد هذه الأحوال الى الاله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي يدبر أبدان
الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها ، وذلك هو المطلوب . وقد كنت أقرأ يوما من الأيام
سورة ((والمرسلات)) فلما وصلت الى قوله تعالى (ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين
الى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ) فقلت : لا شك أن المراد بهؤلاء
المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية الى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة ، وأنا
أومن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم
الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين .

٧٩
قوله تعالى ((إن الله عليم قدير)) الآية
إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله ( والله خلقكم )، لأنه ثبت أن خالق
أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى ، وقوله ( ثم يتوفاكم )
ولما بطل السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل ، وأنه يلزم عليه القول بالدور ،
ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله ، وبتقديره ، وقوله ( ومنكم
من يرد إلى أرذل العمر ) قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الانسان من
الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الانسان من الشباب الى
الشيخوخة ، ومن الصحة الى الهرم ، ومن العقل الكامل الى أن صار خرفا غافلا ليس بمقتضى
الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار ، واذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت
صحته بقاطع القرآن .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله عليم قدير ) وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه، وذلك
لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة ، فهذه الانفعالات في هذا الانسان
لا يمكن إسنادها اليها . أما اله العالم ومدبره وخالقه ، فهو الكامل في العلم الكامل في
القدرة ، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد ، ولأجل كمال قدرته يقدر على
تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم ، فلا
يمكن اسناده الى الطبائع والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون : والله خلقكم ولم تكونوا شيئا
ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه وأضعفه ، يقال :
رذل الشيء يرذل رذالة وأرذله غيره ، ومنه قوله ( إلا الذين هم أراذلنا ) ومنه قوله ( واتبعك
الأرذلون ) وقوله ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر ؟
فيه قولان :
القول الأول ﴾ أنه يتناوله ، قيل: انه العمر الطويل ، وعلى هذا الوجه نقل عن
علي عليه السلام أنه قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة ، وقال قتادة : تسعون سنة ، وقال
السدي : إنه الخرف . والقول الأول أولى ؛ لأن الخرف معناه زوال العقل ، فقوله ( ومنكم
من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا ) يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر
لأجل أن يزيل عقله ، فلو كان المراد منه أرذل العمل هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية
المطلوبة منه وأنه باطل .

٨٠
قوله تعالى ((والله فضل بعضكم على بعض في الرزق)) سورة النحل
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِ الْرِزْقِ أَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِرَادِى رِزْقِهِمْ عَ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٍ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْعَدُ ونَ (8)
﴿ والقول الثاني ﴾ أن هذا ليس في المسلمين ، والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا
كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر ، والدليل عليه قوله تعالى
( ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فبين تعالى أن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات ما ردوا الى أسفل سافلين . وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل
العمر . وقوله ( إن الله عليم ) قال ابن عباس : يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه ( قدير ) على ما
يريد .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار . فهي أيضا
تدل على صحة البعث والقيامة ، وذلك لأن الانسان كان عدما محضا فأوجده الله ثم أعدمه مرة
ثانية ، فدل هذا على أنه لما كان معدوما في المرة الأولى ، وكان عوده الى العدم في المرة الثانية
جائزا ، فكذلك لما صار موجودا ثم عدم ، وجب أن يكون عوده الى الوجود في المرة الثانية
جائزا ، وأيضا كان ميتا حين كان نطفة ثم صار حيا ثم مات . فلما كان الموت الأول جائزا كان
عود الموت جائزا ، فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة ، وجب أن يكون عود الحياة جائزا في
المرة الثانية ، وأيضا الانسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئا ، ثم صار عالما عاقلا فاهما ،
فلما بلغ أرذل العمر عاد الى ما كان عليه في زمان الطفولية وهو عدم العقل الذي حصل ثم
زال، وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم
فانه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى . ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أن
القول بالبعث والحشر والنشرحق والله أعلم .
قوله تعالى ﴿والله فضل بعضکم علی بعض في الرزق فما الذین فضلوا برادي رزقھم علی
ما ملكت إيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون﴾ .
اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الانسان ، وذلك أنا نرى أكيس الناس
وأكثرهم عقلا وفهما يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يستيسر له ذلك ، ونرى
أجهل الخلق وأقلهم عقلا وفهما تنفتح عليه أبواب الدنيا ، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله
فانه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب جهد الانسان وعقله ، لوجب أن يكون الأعقل
أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ،