Indexed OCR Text

Pages 141-160

قوله تعالى ((الحمد الله الذي وهب على الكبر إسماعيل وإسحاق سورة ابراهيم ١٤١
﴿ البحث الأول﴾ اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام
هذين الولدين أعنى إسماعيل وإسحاق على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير
معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه الى الروايات . فقيل لما وِلدَ إسمعيل كان سن إبراهيم
تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة . وقيل ولد له إسمعيل
لأربع وستين سنة وولد إسحق لتسعين سنة ، وعن سعيد بن جبير : لم يولد لابراهيم إلا بعد
مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر قوله ( على الكبر ) لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ،
من حيث أن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة . والظفر بالحاجة في وقت اليأس من
أعظم النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لابراهيم .
فان قيل : إن ابراهيم عليه السلام انما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن اسمعيل وهاجر أمه
في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد له اسحق فكيف يمكنه أن يقول ( الحمد لله الذي
وهب لي على الكبر اسمعيل واسحق )؟
قلنا قال القاضي : هذا الدليل يقتضي أن ابراهيم عليه السلام انما ذكر هذا الكلام في
زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء . ويمكن أيضا أن يقال : أنه عليه السلام انما ذكر هذا
الدعاء بعد كبر اسمعيل وظهور اسحق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه .
﴿ البحث الثاني﴾ على في قوله ( على الكبر ) بمعنى مع كقول الشاعر:
إني على: ما ترين من كبرى أعلم من حيث يؤكل الكتف
وهو في موضع الحال ومعناه : وهب لي في حال الكبر .
﴿ البحث الثالث ﴾ في المناسبة بين قوله ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى
على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) وبين قوله ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر
اسمعيل واسحق ) وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد
موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب ، بل قال ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ) أي أنك
تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا ، ثم قال ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسمعيل واسحق )
وذلك يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما
بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند
الحاجة الى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكيا عن ربه أنه قال (( من شغله ذكرى
عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين )) ثم قال ( إن ربي لسميع الدعاء )

١٤٢
قوله تعالى ((ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين)) سورة ابراهيم
واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الايضاح والتصريح
قال: (إن ربي لسميع الدعاء) أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح وقوله:
سميع الدعاء. من قولك، سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده.
﴿ المطلوب الخامس) قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا
إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام (اجنبني وبني أن نعبد الأصنام) يدل على أن ترك
المنهيات لا يحصل إلا من الله، وقوله (رب اجعلن مقيم الصلاة ومن ذريتي) يدل على أن فعل
المأمورات لا يحصل إلا من الله، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصرًاً على أن الكل
من الله .
المسألة الثانية ) تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي: أي واجعل
بعض ذريتي كذلك لأن كلمة ((من)) في قوله (ومن ذريتي) للتبعيض، وإنما ذكر هذا
التبعيض لأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله (لا ينال
عهدي الظالمين ).
و المطلوب السادس ﴾ أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في
أن يقبل دعاءه فقال ( ربنا وتقبل دعاء ) وقال ابن عباس : يريد عبادتي بدليل قوله تعالى
( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله )
﴿ المطلوب السابع ) قوله ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) وفيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ لقائل أن يقول: طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا
يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعا بأن الله يغفر له فكيف طلب تحصيل ما
كان قاطعا بحصوله ؟
والجواب : المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه
ورحمته .
﴿ المسألة الثانية) إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين ؟
فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعا
فظن كونه جائزا . الثاني : أراد بوالديه آدم وحواء . الثالث : كان ذلك بشرط الاسلام .

١٤٣
قوله تعالى ((ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون)) سورة ابراهيم
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الَّلُونَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُهُمْ لِيَوْمٍ نَشْخَصُ فِيهِ
٠٠١/٠٤/٠١١٠
الْأَبْصَرُ ® مُهْطِعِينَ مُقْنِى رُ وِسِهِمْ لَا يَتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْعِدَتْهُمْ هَوَآءُ (َّ)
ولقائل أن يقول : لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلا ولو لم يكن لبطل
قوله تعالى ( إلا قول ابراهيم لأبيه لأستغفرن لك)، وقال بعضهم : كانت أمه مؤمنة ، ولهذا
السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) والله أعلم وفي قوله
( يوم يقوم الحساب ) قولان : الأول : يقوم أي يثبت وهو مستعار من القيام القائم على
الرجل ، والدليل عليه قولهم : قامت الحرب على ساقها ، ونظيره قوله ترجلت الشمس ، أي
أشرقت ضوءها كأنها قامت على رجل . الثاني : أن يسندالى الحساب قيام أهله على سبيل
المجاز مثل قوله ( واسأل القرية ) أي أهلها والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه
الابصار مهطعين مقنعى رؤسهم لا يرتد اليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ﴾.
اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن ابراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن
يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للاعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم
القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة ، وما يدل على صفة يوم القيامة ، أما الذي
يدل على وجود القيامة فهو قوله (ولا تحسبن الله غافلا عماً يعمل الظالمون) فالمقصود منه التنبيه
على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم)، لزم ان يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو
عاجزاً عن الانتقام أو كان راضياً بذلك الظلم ، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً
على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم.
فان قيل : كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفا بالغفلة ؟
والجواب من وجوه : الأول : المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله
غافلاً ، كقوله ( ولا تكونن من المشركين).(ولا تدع مع الله إلها آخر ) وكقوله ( يا أيها الذين
آمنوا ) والثاني : أن المقصود منه بيان أنه لولم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك

١٤٤
قوله تعالى ((لا يرتد اليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)) سورة ابراهيم
الظلم ، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوما لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالا .
والثالث : أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم
المحاسب على النقير والقطمير . الرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي صلى
الله عليه وسلم في الظاهر ، إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمة ، وعن سفيان بن عيينة:
أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم
موصوف بصفات :
الصفة الأولى﴾ أنه تشخص فيه الأبصار . يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت
عينه مفتوحة لا يطرفها ، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة .
والصفة الثانية ﴾ قوله ( مهطعين ) وفي تفسير الاهطاع أقوال أربعة:
القول الأول ﴾ قال أبو عبيدة: هو الاسراع. يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع
اذا أسرع ، وعلى هذا الوجه فالمعنى : أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصا من شدة
الخوف أن يبقى واقفا ، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد ، فانهم مع شخوص
أبصارهم يكونون مهطعين ، أي مسرعين نحو ذلك البلاء .
القول الثاني ﴾ في الاهطاع قال أحمد بن يحيى : المقطع الذي ينظر في ذل وخشوع .
والقول الثالث ﴾ المقطع الساكت .
والقول الرابع ﴾ قال الليث: يقال للرجل إذا قر وذل: أهطع.
الصفة الثالثة) قوله (مقنعى رؤسهم) والاقناع رفع الرأس والنظر في ذل
وخشوع ، فقوله ( مقنعى رؤسهم ) أي رافعى رؤسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء
أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه ، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون
رؤوسهم.
الصفة الرابعة ) قوله ( لا يرتد إليهم طرفهم ) والمراد من هذه الصفة دوام ذلك

١٤٥
قوله تعالى ((وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب)) سورة ابراهيم
وَأَنْذِرِ النَّسَ يَوْمَ يَأْتِبِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَهُوْ رَبَََّ أَنِعْنَآ إَِ أَجَلِ قَرِيبٍ
شِبْ دَعْوَتَكَ وَتَذَّبِعِ الرَّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُ مِّن قَبْلُ مَالَكُمْ مِنْ زَوَالٍ
٤٤
وَسَكَنْتُمْ فِى مَسَطِكِنِ الَّذِينَ ظَهُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ
وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ
٤٥
الشخوص ، فقوله ( تشخص فیه الابصار ) لا یفید کون هذا الشخوص دائماً وقوله ( لا يرتد
اليهم طرفهم ) يفيد دوام هذا الشخوص ، وذلك يدل على دوام تلك الحيرة والدهشة في
قلوبهم .
الصفة الخامسة) قوله (وأفئدتهم هواء ) الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم
جعل وصفا فقيل قلب فلان هواء اذا كان خاليا لا قوة فيه ، والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية
يوم القيامة عن جميع الخواطر والافكار لعظم ما ينالهم من الحيرة ، ومن كل رجاء و
أمل لما تحققوه من العقاب ومن كل سرور ، لكثرة ما فيه من الحزن . اذا عرفت هذه الصفات
الخمسة فقد اختلفوافي وقت حصولها فقيل : إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه
الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب ، وقيل : إنها تحصل عند ما يتميز فريق
عن فريق ، والسعداء يذهبون الى الجنة . والأشقياء إلى النار . وقيل : بل يحصل عند إجابة
الداعى والقيام من القبور ، والأول أولى للدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخِّرنا إلى أجل
قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل، أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في
مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾
اعلم أن قوله ( يوم يأتيهم العذاب ) فيه أبحاث :
﴿البحث الأول﴾ قال صاحب الكشاف (يوم يأتيهم العذاب ) مفعول ثان لقوله
( وأنذر ) وهو يوم القيامة .
﴿ البحث الثاني﴾ الألف واللام في لفظ ( العذاب ) للمعهود السابق ، يعنى: وأنذر
الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره وهو شخوص أبصارهم ، وكونهم مهطعين مقنعى
الفخر الرازي ج١٩م ١٠
.m.

١٤٦
قوله تعالى ((فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله)) سورة ابراهيم
رؤ وسهم،
﴿ البحث الثالث﴾ الانذار هو التخويف بذكر المضارّ، والمفسرون مجمعون على أن
قوله ( يوم يأتيهم العذاب ) هو يوم القيامة ، وحمله أبو مسلم على أنه حال المعاينة ، والظاهر
يشهد بخلافه ، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم يأتى فيه وأنهم يسألون الرجعة ، ويقال لهم
( أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال )؟!ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة. وحجة أبى
مسلم : أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت
فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق ) ثم حكى الله سبحانه ما يقول الكفار في
ذلك اليوم ، فقال ( فيقول الذين ظلموا ربناأخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع
الرسل ) واختلفوا في المراد بقوله ( أخرنا إلى أجل قريب ) فقال بعضهم طلبوا الرجعة الى الدنيا
ليتلافوا ما فرطوا فيه، وقال: بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم: نجب دعوتك
ونتبع الرسل، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيبا لهم (أو لم
تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال) ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهو قوله
تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا یبعث الله من يموت ) إلى غير ذلك مما کانوا یذکر ونه من
انكار المعاد فقرّعهم الله تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى ، ومعنى : مالكم من
زوال ، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه
الدار الى دار المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة الى موت أو عن شباب الى
هرم أو عن فقر الى غنى ، ثم إنه تعالى زادهم تقريعا آخر بقوله ( وسكنتم في مساكن الذين
ظلموا أنفسهم ) یعنی سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم ، وهم قوم نوح وعاد وثمود ،
وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر ، فاذا لم
يعتبر كان مستوجبا للذم والتقريع .
ثم قال ﴿ وتبین لکم کیف فعلنا بهم﴾ وظهر لكم أن عاقبتهم عادت الى الوبال والخزي
والنكال.
فان قيل : ولماذا قيل ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى
أهلكهم لأجل تكذيبهم ؟
قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا
فعند هذا يعلمون أنه لافائدة في طلب الدنيا ، والواجب الجد والاجتهاد في طلب الدين ،
والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفاً وجلا، فيكون ذلك زجراً له هذا إذا قريء بالتاء أما

١٤٧
قوله تعالى ((وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم)) سورة ابراهيم
وَقَدْ مَكَرُواْ مَكّرُهُمْ وَعِنْدَ الَهِ مَكُهُمْ وَإِن كَانَ مَكُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (
إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى: قال أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم ،
وليس كل ما بينَّ لهم تبينوه .
أما قوله ﴿وضربنا لكم الأمثال ﴾ فالمراد ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على
الإعادة كما قدر على الابتداء وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب
الله كثير. والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه
الجبال ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال ( وقد مكروا
مكرهم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله (وقد مكروا) إلى ماذا يعود ؟ على
وجوه : الأول : أن يكون الضمير عائداً إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم
وهذا هو القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. والثاني: أن يكون
المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله (وأنذر الناس) يا محمد وقد مكر قومك
مكرهم ، وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو
يقتلوك أو يخرجوك) وقوله ( مكرهم ) أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم .
الثالث : أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمرود حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً
وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور ، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت
عصياً أربعا وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما
أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ
ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصى التى علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى
الأرض ، فهذا هو المراد من مكرهم . قال القاضي : وهذا بعيد جدا لأن الخطر فيه عظيم ولا
يكاد العاقل يقدم عليه وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأوليل الآية البتة .
﴿ المسألة الثانية) قوله (وعند الله مكرهم) فيه وجهان: الأول : أن يكون المكر
مضافا إلى الفاعل كالأول ، والمعنى : ومكتوب عند الله مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو
أعظم منه . والثاني : أن يكون المكر مضافا إلى المفعول ، والمعنى : وعند الله مكرهم الذي

١٤٨
قوله تعالى ((فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله)) سورة ابراهيم
فَلَا تَحْسَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِزْ ذُو أَنِقَاءٍ
يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون .
أما قوله تعالى ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ فاعلم أنه قرأ الكسائى وحده
( لتزول ) بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه ، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية .
: أما القراءة الأولى ﴾ فمعناها أن مكرهم كان معدا لأن تزول منه الجبال ، وليس
المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه ، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله ( تكاد السموات
يتفطر ن منه ).
وأما القراءة الثانية﴾ فالمعنى: أن لفظة ((إن)) في قوله (وإن كان مكرهم ) بمعنى
((ما)) واللام المكسورة بعدها يعنى بها الجحد . ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل .
والنحویون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب).(ما كان
الله ليذر المؤمنين ) والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الاسلام وإعلامه
ودلالته على معنى أن ثبوتها کثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالی وعد نبیه إظهار دينه علی کل
الأديان . ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية ( فلا تحسبن الله مخلف وعده
رسله) أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم ، والمعنى : وما كان مكرهم لتزول منه
الجبال ، أي وكان مكرهم أوهن واضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين
محمد صلى الله عليه وسلم ، ودلائل شريعته ، وقرأ علي وعمر و ( أن كان مكرهم)
قوله تعالى ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ﴾
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) وقال في
هذه الآية ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم
القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين ، لزم إما كونه غافلا وإما كونه مخلفا في الوعد ، ولما
تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلا وقوله ( مخلف
رسله) يعنى قوله ( إنا لننصر رسلنا) وقوله ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي).
فان قيل : هلا قيل مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثانى على الأول ؟
قلنا : ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا ، إن الله لا يخلف الميعاد ، ثم قال ( رسله ) ليدل
به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد فکیف یخلفه رسله

١٤٩
قوله تعالى ((يوم تبدل الأرض غير الأرض)) سورة ابراهيم
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَنَوَتُّ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ وَىّ
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَدٍ مُقَرِّينَ فِ الْأَصْفَادِ (٣٨) سَرَاِلُهُمْ مِنْ قَطِرَانِ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
لِيَجْزِىَ اللهُ كُلَّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ الََّسَرِيعُ الْحِسَابِ (٤٦) هَذَا بَلَغٌ لِلنَّاسِ
وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُواْ أَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَبِيَّ ◌َ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ
الرسل ونصب الوعد ،
الذين هم خيرته وصفوته ، وقريء ( مخلف وعده رسله ) بجر
والتقدير : مخلف رسله وعده ، وهذه القراءة في الضعف، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم
ثم قال ( إن الله عزیز ) أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه .
قوله تعالى ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، وترى
المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار، ليجزي الله
كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب، هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله
واحد ولیذکرّ أولوا الألباب ﴾.
اعلم أن الله تعالى لما قال ( عزيز ذو انتقام ) بين وقت انتقامه فقال ( يوم تبدل الأرض غير
الأرض ) وعظم من حال ذلك اليوم ، لأنه لا أمر أعظم في العقول والنفوس من تغيير
السموات والأرض وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين، إما على الظرف لانتقام أو على
البدل من قوله ( يوم يأتيهم العذاب ).
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن التبديل يحتمل وجهين: أحدهما : أن تكون الذات باقية
وتتبدل صفتها بصفة أخري . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى ، والدليل.
على أن ذكر لفظ التبدل لارادة التغير في الصفة جائز، أنه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها
وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى (فأولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات ) ويقال : بدلت قميصي جبة، أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ، ويقال :

١٥٠
قوله تعالى ((وبرزوا لله الواحد القهار)) سورة ابراهيم
تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك
بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله (بدلناهم جلوداً غيرها ) وقوله ( بدلناهم بجنتيهم جنتين ) إذا
عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان :
القول الأول ﴾ أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضى الله
عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها
وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وروي أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال (( يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظى فلا ترى
فيها عوجا ولا أمتا)) وقوله ( والسموات ) أي تبدل السموات غير السموات ، وهو كقوله عليه
السلام (( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)) والمعنى: ولا ذو عهد في عهده
بكافر ، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ، وخسوف قمرها ،
وكونها أبواباً ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان .
والقول الثاني﴾ أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدّل بأرض كالفضة
البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح هذين القولين ، ومن
الناس من رجح القول الأول . قال لأن قوله ( يوم تبدل الأرض ) المراد هذه الأرض ، والتبدل
صفة مضافة اليها ، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجودا ، فلما كان
الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا
يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول
التبدل ، فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضى كون الذات باقية ،
والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام ،
وإنما يعدم صفاتها وأحوالها .
واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل
الارض جهنم ، ويجعل السموات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى ( كلا إن كتاب الابرار لفى
عليين ) وقوله ( كلا إن كتاب الفجار لفى سجين ) والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿وبر زوا لله الواحد القهار﴾ فنقول أما البروز الله فقد فسرناه في قوله
تعالى ( وبرزوا لله جميعاً) وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ، لأن الملك اذا كان لمالك واحد غلاب
لا يغالب، قهار لا يقهر، فلا مستغاث لأحد الى غيره فكان الأمر في غاية الصعوبة ، نظيره قوله
( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بينً عجزهم وذلتهم ،

١٥١
قوله تعالى ((سرابيلهم من قطران)) سورة ابراهيم
فقال ( وترى المجرمين يومئذ )
واعلم أنه تعالى ذكر من صفات عجزهم وذلتهم أمورا :
فالصفة الأولى ﴾ كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشىء اذا شددته
به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان ، وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك
القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد .
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله (مقرنين) ثلاثة أوجه: قال الكبي مقرنين كل كافر مع
شيطان في غل، وقال عطاء: هو معنى قوله (وإذا النفوس زوجت) أي قرنت فيقرن الله تعالى
نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث
العقلي منه أن الانسان اذا فرق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها، ودعاها إلى معرفة
الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على
الأحوال الوهمية والخيالية ، فان كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك البهجة بالحضرة
الالهية ، والسعادة بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن
والبلاء الشديد، بسبب الميل الى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله (وإذا النفوس زوجت)
وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء :
إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد .
﴿ والقول الثاني﴾ في تفسير قوله (مقرنين في الأصفاد ) هو قرن بعض الكفار
ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة
متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها الى الأخرى ، فانحدار كل
واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله ( مقرنين في الأصفاد )
والقول الثالث ﴾ قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم الى رقابهم الأغلال ،
وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة
من الجوارح والأعضاء ، فاذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كان أيديها
وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله ( في الاصفاد ) ففيه وجهان : أحدها : أن يكون
ذلك متعلقا بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد ، والثاني : أن لا يكون متعلقا به ،
والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الاشارة اليه .
الصفة الثانية ) قوله تعالى (سرابيلهم من قطران) السرابيل جمع سربال وهو

١٥٢
قوله تعالى ((وليعلموا انما هو إله واحد)) سورة ابراهيم
القميص ، والقطران فيه ثلاثة لغات : قطران وقطران وقطران ، بفتح القاف وكسرها مع
سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شىء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ
ويطلى به الابل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف .
ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار
حتى يصير ذلك الطلى كالسرابيل ، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ،
لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم ، واللون الوحش، ونتن الريح ، وأيضا
التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا
أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جار مجري
السريال والقميص له . وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فانما يحصل بسبب هذا
البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهرة والحرص والغضب إنما تتسارع
إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفى لمعان الروح وضوءه
وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ،
وقرأ بعضهم ( من قطرآن ) والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآنى المتناهي حره . قال أبو
بكر بن الانباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم
والأغلال التي كانت عليهم
﴿ الصفة الثالثة) قوله تعالى (وتغشى وجوههم النار ) ونظيره قوله تعالى ( أفمن يتقى
بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) وقوله ( يوم يسحبون في النار على وجوههم )
واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم
والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال انما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى
هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: ( نار الله الموقدة التي تطلع على
الأفئدة ) وقال في الوجه ( وتغشى وجوههم النار ) بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات
الثلاثة قال ( ليجزي الله كل نفس ما كسبت ) قال الواحدي : المراد منه أنفس الكفار لأن ما
سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن
لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء
الكفار الكفر والمعصية كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان
والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضا أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب
المطيعين على طاعتهم كان أولى .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله سريع الحساب﴾ والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على

١٥٣
قوله تعالى ((وليذكر أولوا الألباب)) سورة ابراهيم
عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الاخلاق الظلمانية هي المبادىء لحصول الآلام
الروحانية وحصول تلك الاخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة
الدنيا ، فان الملكات النفسانية انما تحصل في جوهر النفس بسبب الافعال المتكررة ، وعلى هذا
التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه
الحساب .
ثم قال تعالى ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في
الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه
السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من قوله: ( ولا تحسبن) إلى قوله ( سريع الحساب ، وأما
قوله ( ولينذروا به ) فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا ( ولينذروا به ) أي بهذا البلاغ .
ثم قال ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ولیذکر أولوا الألباب ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أن النفس الانسانية لها شعبتان :
القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس
كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف
والجلاء ، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله .
﴿ والشعبة الثانية ﴾ القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة
التي تصير مبادىء لصدور الأفعال الكاملة عنه ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله
وخدمته .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( وليعلموا أنما هو إله واحد ) إشارة إلى ما يجري مجرى
الرئيس لكمال حال القوة النظرية، وقوله ( وليذكر أولوا الألباب ) إشارة إلى ما يجري مجري
الرئيس لكمال حال القوة العملية، فان الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الاعراض عن الأعمال
الباطلة والاقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للانسان
إلا من هاتين الجهتين .
﴿ المسألة الثانية) هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب
الوقوف على التوحيد والاقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه
التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل إلى معرفة التوحيد
والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة .

١٥٤
قوله تعالى ((وليذكر أولوا الألباب)) سورة ابراهيم.
﴿المسألة الثالثة﴾ قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل
بفعله ، إن شاء أطاع وإن شاء عصى ، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى ( لتخرج الناس
من الظلمات إلى النور ) فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب
إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية ، وأما آخر السورة فلأن
قوله ( وليذكر أولوا الألباب ) يدل على أنه تعالى انما أنزل هذه السورة ، وانما ذكر هذه النصائح
والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية ، فظهر أن
أول هذه السورة وآخرها متطابقان في افادة هذا المعنى . واعلم أن الجواب المستقصى عنه
مذكور في أول السورة فلا فائدة في الاعادة .
هذه الآية دالة على أنه لافضيلة للانسان ولا منقبة له إلا بسبب
المسألة الرابعة
عقله ، لأنه تعالى بين أنه انما أنزل هذه الكتب ، وانما بعث الرسل لتذكير أولي الألباب ،
فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولي الألباب لما كان الأمر كذلك .
قال المصنف رحمه الله تعالى ورضى عنه : تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر
شعبان سنة إحدى وستمائة ختم بالخير والغفران في صحراء بغداد ، ونسأل الله الخلاص من
الغموم والأحزان والفوز بدرجات الجنان ، والخلاص من دركات النيران ، إنه الملك المنّان ،
الرحيم الديّان ، بحمد الله وحسن توفيقه وصلاته وسلامه على خاتم النبيين محمد وآله وسلم .

١٥٥
قوله تعالى ((الرتلك آيات الكتاب وقرآن مبين)) سورة الحجر
(١٥) سُورَة الحِجْرِمَكِيَّة
وآيَاتِهَا تَشْع وَتَسْعُونَ
بِسْـ
الّر ◌ِكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرَّ انٍ مُبِينٍ ﴾ رُبََّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُ واْلَوْ كَانُواْ
مُسْلِينَ ﴾ ذَرْهُمْ يَأْكُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا
مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾.
اعلم أن قوله ( تلك ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات . والمراد بالكتاب
والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم وتنكير القرآن
للتفخيم ، والمعنى : تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا وفي كونه قرآنا مفيداً
للبيان .
أما قوله ﴿ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وعاصم (ربما) خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو
حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ، وقيس وبكر يثقلونها ، وأقول في هذه اللفظة لغات ،
وذلك لأن الراءمن (رب) وردت مضمومة ومفتوحة ، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت
مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما ، وتارة بدونها وأيضا تارة مع التاء

١٥٦
قوله تعالى ((ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)) سورة الحجر
وتارة بدونها وأنشدوا :
باكرت لذتهم بأذكر مسرع
أسمى ما يدريك أن رب فتية
ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلى :
أزهيران يشب القذال فاننى
رب هیضل مرس کففت بهيضل
والهيضل جماعة متسلحة ، وأيضا هذه الكلمة قد تجىء حالتى تشديد الباء وتخفيفها مع حرف
((ما)) كقولك: ربما وربما وتارة مع التاء، وحرف ((ما)) كقولك: ربتما وربما هذا كله إذا
كانت الراء من رب مضمومة وقد تكون مفتوحة ، فيقال : رب وربما وربتما حكاه قطرب قال
أبو على : من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث ، نحو: ثم وثمت ، ورب وربت ، ولا
ولات ، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في البسيط .
﴿ المسألة الثانية﴾ رب: حرف جر عند سيبوية، ويلحقها ((ما)) على وجهين:
أحدهما أن تكون بمعنى شيء. وذلك کقوله:
رب ما تكره النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال
فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير اليه من الصفة ، فان المعنى ربّ شيء تكرهه
النفوس وإذا عاد الضمير اليه كان اسما ولم يكن حرفا ، كما أن قوله تعالى ( أيحسبون أنما
نمدهم به من مال وبنين) لما عاد الضمير اليه علمنا بذلك أنه اسم، ومما يدل على أن (( ما )) قد
یکون أسما اذا وقعت بعد رب وقوع (من) بعدها في قول الشاعر:
یا رب من ینقص أزوادنا
رحن على نقصانه واغتدين
فكما دخلت رب على كلمة ((من)) وكانت نكرة ، فكذلك تدخل على كلمة (ما )
فهذا ضرب، والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية ، والنحويون يسمون ما هذه
الكافة، يريدون أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان له ، وإذا حصل هذا الكف
فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه ، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الاسم
المفرد نحو رب رجل يقول ذال ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت ((ما )) عليها هيأتها للدخول
على الفعل كهذه الآية ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل، وهي في التقليل نظيرة كم في
التكثير ، فاذا قال الرجل : ربما زارنا فلان ، دل (ربما) على تقليله الزيارة. قال الزجاج : ومن

١٥٧
قوله تعالى ((ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين)) سورة الحجر
قال إن رب يعنى بها الكثرة ، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة ، وعلى هذا التقدير : فههنا
سؤال ، وهو أن تمنّ الكافر الاسلام مقطوع به ، وكلمة رب تفيد الظن ، وأيضا أن ذلك
التمنى يكثر ويتصل . فلا يليق به لفظة ( ربما) مع أنها تفيد التقليل .
والجواب عنه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع
للتقليل ، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك ، والمقصود منه : إظهار التوقع
والاستغناء عن التصريح بالغرض ، فيقولون : ربما ندمت على ما فعلت ، ولعلك تندم على
فعلك ، وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ووجوده بغير شك ، ومنه قول القائل :
قد أترك القرن مصفرا أنامله
﴿ والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد ، ومعناه : أنه يكفيك
قليل الندم في كونه زاجراً لك عن هذا الفعل فكيف كثيره ؟
والوجه الثالث ﴾ في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل .
﴿المسألة الرابعة﴾ اتفقوا على أن كلمة ((رب)) مختصة بالدخول على الماضي كما يقال:
ربما قصدني عبد الله ، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها . وقال بعضهم : ليس الأمر كذلك
والدليل عليه قول الشاعر :
ربما تكره النفوس من الأمر
وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أن كلمة ((رب)) في هذا البيت داخلة على الاسم
وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضيا ، فأين أحدهما من الآخر ؟
إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل، لا يمكن
تصحيحه بالدليل العقلي ، وإنما الرجوع فيه الى النقل والاستعمال ، ولو أنهم وجدوا بيتاً
مشتملا على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح . وكلام الله أقوى وأجل وأشرف ، فلم لم
يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحته. ثم نقول إن الأدباء اجابوا عن هذا السؤال من
وجهين : الأول : قالوا إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه ، فكأنه
قيل: ربما ودوا . الثاني: أن كلمة ((ما )) في قوله ( ربما يود الذين كفروا ) اسم ( ويود ) صفة
له ، والتقدير : رب شىء يوده الذين كفروا . قال الزجاج : ومن زعم أن الآية على اضمار كان
وتقديره ربما يود الذین کفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه : ألا تری أن کان لا تضمر
عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبدالله المقبول .

١٥٨
قوله تعالى ((ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل)) سورة الحجر
﴿ المسألة الخامسة ﴾ في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فان كل أحد حمل قوله
( ربما يود الذين كفروا ) على محمل آخر ، والأصح ما قاله الزجاح فانه قال : الكافر كلما رأى
حالا من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم وذُلو كان مسلما ، وهذا الوجه هو
الأصح . وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوها : قال الضحاك : المراد منه ما يكون عند الموت ،
فان الكافر إذا شاهد علامات العقاب ودلو كان مسلما . وقيل : إن هذه الحالة تحصل إذا
اسودت وجوههم ، وقيل : بل عند دخولهم النار ونزول العذاب . فانهم يقولون ( أخرنا إلى
أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) وروى أبو موسى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال
(( إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار
لهم : ألستم مسلمين ؟ قالوا بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم ، وقد صرتم معنا في
النار ، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته ، فيأمر باخراج كل من كان من أهل القبلة من النار ،
فيخرجون منها ، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين )) وقرأ رسول الله صلى الله عليه
وسلم هذه الآية . وعلى هذا القول أكثر المفسرين ، وروى مجاهد عن ابن عباس رضى الله
عنهما قال : ما يزال الله يرحم المؤمنين ، ويخرجهم من النار ، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء
والملائكة ، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول : من كان من المسلمين فليدخل الجنة . قال :
فهناك يود الذين كفروا لوكانوا مسلمين . قال القاضي : هذه الروايات مبنية على أنه تعالى
يخرج أصحاب الكبائر من النار ، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب ، وهذان
الأصلان عنده مردودان ، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه
تعالى يؤخر ادخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا
يدخلهم الجنة ، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا
مسلمين ، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار والله أعلم .
فان قيل : إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن
الذي يقلّ ثوابه عن درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه ، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم
القلب وهذا يقتضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب .
قلنا : أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا ، فالله سبحانه أرضى كل أحد
بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) والله
أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ﴾ ففيه مسائل :

١٥٩
قوله تعالى ((وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)) سورة الحجر
٥١٠ ٠٠٠٠٠٤
مِنْ آَمَّةِ أَجَلَهَا وَمَا
) مَّا تَسْبِقُ
وَمَآ أَهْلَكْثَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ وَلَهَا كَّابٌ مَعْلُومٌ
يَسْتَفْخِرُونَ (®
﴿ المسألة الأولى ﴾ المعنى: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم
ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله ( ويلههم الأمل ) يقال: لهيت عن الشىء، أنهى لهياً، وجاء في
الحديث أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه . قال الكسائى والأصمعى :
كل شيء ترکته فقد لهیت عنه وأنشد:
ولقد أطلت عتابها لو تعتب
صرمت حبالك فأله عنها زينب
فقوله فاله عنها أي أتركها وأعرض عنها . قال المفسرون : شغلهم الأمل عن الأخذ
بحظهم عن الايمان والطاعة فسوف يعلمون .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج اصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصد عن الايمان ويفعل
بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين ، والدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله ( ذرهم يأكلوا
ويتمتعوا ويلههم الأمل ) فحكم بأن إقبالهم على التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن
الايمان والطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها ، وذلك يدل على المقصود . قالت المعتزلة : ليس
هذا إذنا وتجويزا بل هذا تهديد ووعيد .
قلنا : ظاهر قوله ( ذرهم ) إذاً أقصى ما في الباب أنه تعالى نبّه على أن إقبالهم على هذه
الأعمال يضرهم في دينهم ، وهذا عین ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شىء مع أنه نص على كون
ذلك الشىء مفسدة لهم في الدين .
المسألة الثالثة ) دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي اليه طول الأمل ليس
من أخلاق المؤمنين ، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين ، والأخبار في ذم
الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( يهرم ابن آدم ويشب فيه
اثنان : الحرص على المال وطول الأمل)) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقّط ثلاث نقط وقال :
((هذا ابن آدم ، وهذا الأمل ، وهذا الأجل ، ودون الأمل تسع وتسعون منية فان أخذته
إحداهن ، وإلا فالهرم من ورائه)) وعن علي عليه السلام أنه قال : إنما أخشى عليكم اثنين :
طول الأمل واتباع الهوى ، فان طول الأمل يُنسى الله والآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق .
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم). (ما تسبق من أمة أجلها وما
يستأخرون﴾.

١٦٠
قوله تعالى ((ما تسبق من أمة أجلهاوما يستأخرون)) سورة الحجر
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله عليه
وسلم بقوله: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) أتبعه بما يؤكد الزجر وهو
قوله تعالى (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) في الهلاك والعذاب وانما يقع فيه التقديم
والتأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلا، والذين تأخروا كان وقت
هلاکهم في الكتاب مؤخرا وذلك نهاية في الزجر والتحذير.
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله
بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم، وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك
الموت . قال القاضي: والأقرب ما تقدم ، لأنه في الزجر أبلغ فبين تعالى أن هذا الإمهال لا
ينبغى أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر، فان لكل أمة وقتاً معينا في نزول العذاب لا يتقدم
ولا يتأخر وقال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول عذاب الاستئصال
ونزول الموت، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكا، فوجب حمل اللفظ على القدر
المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال الفراء : لو لم تكن الواو مذكورة في قوله ( ولها کتاب ) كان
صواباً كما في آية أخرى وهي قوله ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ) وهو كما تقول : ما
رأيت أحدا إلا وعليه ثياب وان شئت قلت : إلا علیه ثياب
أما قوله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدى: من في قوله (من أمة) زائدة مؤكدة كقولك: ما
جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم
يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد .
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب النظم معنى سبق إذا كان واقعاً على شخص كان معناه
أنه جاوز وخلف كقولك سبق زيد عمرا ، أي جاوزه وخلفه وراءه ، ومعناه أنه قصر عنه وما
بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك : سبق فلان عام كذا معناه
مضى قبل إتيانه ولم يبلغه، فقوله ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) معناه أنه لا يحصل
ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن
اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق
الواقع ، لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن رجحان أحدطر في الممكن على الآخر لا المرجح