Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
قوله تعالى ((تؤتى أكلها كل حين باذن ربها)) سورة ابراهيم
الصفة الثالثة ﴾ لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء .
واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الالهى وأغصان صاعدة في
هواء العالم الجسمانى .
أما النوع الأول﴾ فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام ((التعظيم لأمر الله))
ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح ، وفي عالم الاجسام ، وفي
أحوال عالم الافلاك والكواكب ، وفي أحوال العالم السفلى ، ويدخل فيه محبة الله تعالى
والشوق إلى الله تعالى والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى ، والانقطاع
بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الاقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير
متناهية .
﴿ وأما النوع الثاني﴾ فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام ((والشفقة على خلق
الله)) ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب ، والسعى في إيصال الخير
اليهم ، ودفع الشرعنهم ، ومقابلة الاساءة بالإحسان . وهذه الاقسام أيضا غير متناهية وهي
فروع ثابتة من شجرة معرفة الله تعالى فان الانسان كلما كان أكثر توغلا في معرفة الله تعالى
كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل .
وأما الصفة الرابعة ) فهي قوله تعالى ((تؤتى أكلها كل حين باذن ربها) فهذه الشجرة
أولى بهذه الصفة من الاشجار الجسمانية ، لأن شجرة المعرفة موجبةٍ لهذه الأحوال ومؤثرة في
حصولها والسبب لا ينفك عن المسبّب، فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون
نظره بالعبرة كما قال (فاعتبروا يا أولى الأبصار) وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال (الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ونطقه بالصدق والصواب، كما قال (كونوا قوامين بالقسط
شهداء الله ولو على أنفسكم) وقال عليه السلام ((قولوا الحق ولو على أنفسكم)) وهذا الانسان
کلما کان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأکمل، کان ظهور هذه الآثار عنده أکثر،
وربما توغل في هذا الباب فیصیر بحيث كلما لاحظ شيئاً لاحظ الحق فيه، وربما عظم ترقيه فيه
فيصير لا يرى شيئاً إلا وقد كان قد رأى الله تعالى قبله. فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى
(تؤتي أكلها كل حين باذن ربها) وأيضا فما ذكرناه إشارة الى الالهامات النفسانية والملكات
الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام
طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل ، كثمرة هذه الشجرة.
١٢٢
قوله تعالى: «تؤتي أكلها کل حین بإذن ربها)) سورة ابراهيم
وأما قوله ﴿باذن ربها﴾ ففيه دقيقة عجينة، ذلك لأن عند حصول هذه الأحوال
السنّية، والدرجات العالية قد يفرح الانسان بها من حيث هي هي ، وقد يترقّى فلا يفرح بها من
حيث هي هي، وإنما يفرح بها من حيث أنها من المولى، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة
بالمولى لا بهذه الأحوال، ولذلك قال بعض المحققين : من آثر العرفان للعرفان : فقد قال
بالفاني. ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجّة الوصول، فقد ظهر بهذا
التقرير. الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه، أن هذا المثال الذي ذكره الله تعالى في هذا
الكتاب مثال هاد إلى عالم القدس وحضرة الجلال، وسرادقات الكبرياء فنسأل الله تعالى مزيد
الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب وذكر بعضهم: في تقرير هذا المثال كلاما لا بأس به، فقال:
إنما مثَّل الله سبحانه وتعالى الايمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا
بثلاثة أشياء: عرق راسخ ، وأصل قائم، وأغصان عالية. كذلك الايمان لا يتم إلا بثلاثة
أشياء: معرفة في القلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: في نصب قوله (كلمة طيبة) وجهان: الأول :
أنه منصوب بمضمر. والتقدير : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله (ضرب الله
مثلا). الثاني: قال ويجوز أن ينتصب مثلاً . وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى
جعلها مثلا ، وقوله (كشجرة طيبة) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير : هي كشجرة طيبة .
الثالث : قال صاحب حل العقد: أظن أن الأوجه أن يجعل قوله (كلمة) عطف بيان، والكاف
في قوله (كشجرة) في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة .
المسألة الثالثة﴾ قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله، والشجرة
الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب الكشاف: إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار
كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة
الكلام عليها، أصلها: أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ،
والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، (تؤتى) أي هذه الشجرة (أكلها) أي ثمرها وما
يؤكل منها، كل حين : واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس : ستة أشهر، لأن بين
حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال : نذرت أن لا أكلّم أخى حتى
حين ، فقال : الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى ( تؤتى أكلها كل حين ) وقال مجاهد وابن
زيد : سنة ، لأن الشجرة من العام الى العام تحمل الثمرة . وقال سعيد ابن المسيب :
شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . وقال الزجاج : جميع من شاهدنا من أهل اللغة
يذهبون الى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من
قوله ( تؤتی أکلها کل حین ) انه ينتفع بها في كل وقت وفى كل ساعة ليلا أو نهارا أو شتاء أو
١٢٣
..
قوله تعالى ((ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)) سورة ابراهيم
صيفا . قالوا : والسبب فيه أن النخلة اذا تركوا عليها الثمر من السنة الى السنة انتفعوا بها في
جميع أوقات السنة . وأقول : هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية ، إلا
أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة ، ولا
حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها ، فانا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة
بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغى لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها
لنفسه ، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ،
واختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب، والله أعلم بالأمور .
ثم قال ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكر ون ﴾ والمعنى : أن في ضرب الأمثال
زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعانى ، وذلك لأن المعانى العقلية المحضة لا يقبلها الحس
والخيال والوهم ، فاذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك
المنازعة . وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول الى المطلوب .
وأما قوله تعالى: ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من
قرار ﴾.
فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله ، فإنه أول الآفات وعنوان المخالفات ورأس
الشقاوات ثم انه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاث :
الصفة الأولى ﴾ انها تكون خبيثة فمنهم من قال انها الثوم ، لأنه صلى الله عليه وسلم
وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة . وقيل : إنها الكَّراث . وقيل : إنها شجرة الحنظل لكثرة ما
فيها من المضار وقيل : إنها شجرة الشوك .
واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة اليه ، فان الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد
تكون بحسب الطعم ، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر ، وقد تكون بحسب اشتمالها على
المضار الكثيرة، والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة ، إلا أنها لما كانت
معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب .
والصفة الثانية ) قوله ( اجتثت من فوق الأرض) وهذه الصفة في مقابل قوله
( أصلها ثابت ) ومعنى اجتثت استؤصلت . وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ، وقوله ( من
فوق الأرض ) معناه : ليس لها أصل ولا عرق ، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا
ثبات ولا قوة .
١٢٤
قوله تعالى ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت)) سورة ابراهيم
يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ بِالْقَوْلِ النَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللهُ
الظَّلِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَايَشَآءُ
والصفة الثالثة ﴾ قوله مالها من قرار ، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية ، والمعنى
أنه ليس لها استقرار . يقال : قرّ الشىء قرارا . كقولك : ثبت ثباتا ، شبه بها القول الذي لم
يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت .
واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال ، وذلك لأنه تعالى بینّ كونها
موصوفة بالمضار الكثيرة وخالية عن كل المنافع . أما كونها موصوفة بالمضار فاليه الاشارة بقوله
( خبيثة ) وأما كونها خالية عن كل المنافع فاليه الاشارة بقوله ( اجتثت من فوق الأرض مالها من
قرار ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله
الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾.
اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتاً ، وصفة الكلمة
الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة ولا يكون لها قرار ذكر أن ذلك القول
الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة الله لهم ، وثبات ثوابه عليهم ،
والمقصود: بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى ،
فقوله (يثبت الله) أي على الثواب والكرامة ، وقوله (بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)
أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا .
ثم قال ﴿ويضل الله الظالمين) يعنى كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها أصل ثابت ولا فرع
باسق، فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة وهم الظالمون يضلهم الله عن كراماته ويمنعهم عن
الفوز بثوابه، وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في
القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق . وعن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال في قوله، (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي
الآخرة) قال حين يقال له في القبر من ربك وما دينك؟ فيقول ربي الله وديني الاسلام ونبيّي محمد
صلى الله عليه وسلم)) والمراد من الباء في قوله (بالقول الثابت) هو أن الله تعالى انما ثبتهم في القبر
بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول، ولهذا الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت
١٢٥
قوله تعالى ((الم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا)) سورة ابراهيم
أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (١٨) جَهَمَ يَصْلونها
وَبِئْسَ الْقَرَارُ (3) وَجَعَلُوْلِلّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَ كُمْ
إِلَى النَّارِ
٣
المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل والقلب أقوى، فكلما كانت مواظبة
العبد على ذكر لا اله إلا الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم، كان رسوخ هذه
المعرفة في عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل. قال ابن عباس: من داوم على الشهادة في الحياة
الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها ، وانما فسر الآخرة ههنا بالقبر، لأن الميت انقطع
بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وقوله (ويضل الله الظالمين) يعنى أن الكفار إذا
سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري، وانما قال ذلك لأن الله أضله، وقوله (ويفعل الله ما يشاء)
يعنى إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله البتة .
قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم
يصلونها وبئس القرار، وجعلوا لله أنداد ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار﴾.
اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال ( ألم تر إلى الذين بدلوا
نعمة الله كفرا) نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن . وجعل عيشهم في
السعة . وبعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة ، ثم إنه تعالى
حكى عنهم أنواعا من الأعمال القبيحة .
﴿ النوع الأول) قوله ( بدلوا نعمة الله كفرا) وفيه وجوه : الأول : يجوز أن يكون
بدلوا شكر نعمة الله كفرا ، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعم أتوا بالكفر ، فكأنهم
غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا . والثاني : أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفراً لأنهم لما
كفروا سلب الله تلك النعمة عنهم فبقى الكفر معهم بدلا من النعمة . الثالث : أنه تعالى
أنعم عليهم بالرسول والقران فاختاروا الكفر على الايمان .
﴿والنوع الثاني﴾ ما حكى الله تعالى عنهم قوله (وأحلوا قومهم دار البوار ) وهو
الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور ، ومنه قوله تعالى ( وكنتم قوماً بورا ) وأراد بدار البوار جهنم
بدليل أنه فسرها بجهنم فقال ( جهنم يصلونها وبئس القرار ) أى المقر وهو مصدر سُمي به .
﴿ النوع الثالث﴾ من أعمالهم القبيحة قوله (وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله ) وفيه
مسائل :
١٢٦
قوله تعالى ((قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)) سورة ابراهيم
قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُوْ الصَّلَةَ وَيُنفِقُوْ مِمَّارَزَقْنَهُمْ مِرَّا وَعَلَائِيَةً مِّن قَبْلِ أَن
١٠/٠١٠/٦٠
يَأْتِىَ يَوْمٌ لََّبَيْعٌ فِيهِ وَلَا خَلُ (﴾
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفرا ذكر أنهم بعد أن
كفروا بالله جعلوا له أندادا ، والمراد من هذا الجعل الحكم والاعتقاد والقول، والمراد من
الأنداد الأشباه والشركاء، وهذا الشريك يحتمل وجوها : أحدها : أنهم جعلوا للأصنام حظاً
فيما أنعم الله به عليهم نحو قولهم هذا لله وهذا لشركائنا . وثانيها أنهم شركوا بين الأصنام وبين
خالق العالم في العبودية . وثالثها أنهم كانوا يصرحون باثبات الشركاء لله وهو قولهم في الحج:
لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ليضلوا) بفتح الياء من ضل يضل .
والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل .
المسألة الثالثة ﴾ اللام في قوله ( ليضلوا عن سبيله ) لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب
يؤدى إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي ، أى الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا
إذا قرىءبالضم فانه يحتمل الوجهين ، وإذا قرىء بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم
يريدوا ضلال أنفسهم. وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر
المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل . وكل ما حصل في العاقبة كان شبيهاً بالأمر المقصود في
هذا المعنى ، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز ، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في
العاقبة ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال ( قل تمتعوا فان
مصيركم إلى النار ) والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت ، فانها بالنسبة إلى ما سيصل
اليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم ، فلهذا المعنى قال ( قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار )
وأيضا أن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفرا ، فأولئك كانوا في
الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى ( قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار ) وهذا الأمر
يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى ( اعملوا ما شئتم) وكقوله ( قل تمتع بكفرك قليلا إنك من
أصحاب النار )
قوله تعالى ﴿ قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية
من قبل أن یأتی یوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر
١٢٧
قوله تعالى ((الله الذي خلق السموات والأرض)) سورة ابراهيم
المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل :
{ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائى (لعبادي) بسكون الياء والباقون : بفتح الياء
لالتقاء الساكنين فحرك الى النصب .
﴿ المسألة الثانية ) في قوله ( يقيموا) وجهان : الأول : يجوز أن يكون جوابا لأمر
محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادى الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة
وينفقوا . الثانى : يجوز أن يكون هو أمرا مقولاً محذوفا منه لام الأمر ، أى ليقيموا .
كقولك : قل لزيد ليضرب عمرا وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله ( قل ) عوض منه ولو قيل
ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز .
المسألة الثالثة ﴾ أن الانسان بعد الفراغ من الايمان لا قدرة له على التصرف في شىء الا
في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة. وأما المال
فيجب صرفه الى البذل في طاعة الله تعالى ، فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الايمان
والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى ( الذين
يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون )
﴿ المسألة الرابعة ) قالت المعتزلة : الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراما ، لأن
الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح ، ولا شىء من الانفاق من الحرام بممدوح . فينتج
أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مراراً .
المسألة الخامسة ﴾ في انتصاب قوله (سراً وعلانية ) وجوه: أحدها : أن يكون على
الحال أى ذوى سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها : على الظرف أى وقت سر
وعلانية . وثالثها : على المصدر أى انفاق سر وانفاق علانية . والمراد اخفاء التطوع واعلان
الواجب .
واعلم أنه تعالى لما أمر باقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال ( من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه
ولا خلال ) قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالا
ومحالة ، وهي المصادقة ، قال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا محالة ولا قرابة ، فكأنه
تعالى يقول : أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الانفاق في مثل هذا اليوم الذي لا
تحصل فيه مبايعة ولا محالة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة ( لا بيع فيه ولا خلّة ولا
شفاعة ).
٠
١٢٨ قوله تعالى ((وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم)) سورة ابراهيم
اللّهُالَّذِى خَلَقَ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضَ وَأَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا
أَكِّ وَّرَ لَكُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَّرَ لَكُ اْأَنْهَرَ ◌َّ وَخَّرَ لَكُمْ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآبَيْنِ وََّلَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَ يچِ وَءَاتَّكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِن
تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِلَا تُحْصُوهَا إِنَّالْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
٣٤
فان قيل : كيف نفى المخآلة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في قوله ( الأخلاء
يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )
قلنا : الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفى المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة
النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله
تعالى ، ومحبة الله تعالى والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم
الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت
الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار ﴾
اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكانت العمدة
العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وبصفاته ، وفي حصول
الشقاوة فقدان هذه المعرفة ، لا جرم ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل
الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ، وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل ، أولها :
خلق السموات . وثانيها : خلق الأرض ، واليهما الاشارة بقوله تعالى ﴿ الله الذي الذي خلق
السموات والأرض﴾ وثالثها: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾
ورابعها : قوله ﴿وسخَّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ﴾ وخامسها : قوله ﴿وسخر لكم
الأنهار﴾ وسادسها وسابعها: قوله ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ وثامنها وتاسعها:
قوله ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ وعاشرها: قوله ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ وهذه
الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مرارا وأطوارا ولا بأس بأن
١٢٩
قوله تعالى ((وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره))سورة ابراهيم
نذكرههنا بعض الفوائد : فاعلم أن قوله تعالى ﴿الله﴾ مبتدأ، وقوله ﴿ الذي خلق﴾
خبره. ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض، وقد ذكرنا في هذا الكتاب من كم وجه
تدل السماء والأرض على وجود الصانع الحكيم، وإنما بدأ بذكرهما ههنا لأنهما هما الأصلان
اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك، فانه قال بعده ﴿وأنزل من السماء ماء
فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾ وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول﴾ لولا السماء لم يصح انزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر
الماء فيه ، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب .
﴿ البحث الثاني﴾ (وانزل من السماء ماء) وفيه قولان: الأول : أن الماء نزل من
السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقا من السمو، وهو الارتفاع . والثاني : أنه تعالى أنزله
من نفس السماء وهذا بعيد ، لأن الانسان ربما كان واقفا على قمّة جبل عال ويرى الغيم أسفل
منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطرا عليهم، وإذا كان هذا أمرا مشاهدا بالبصر
كان النزاع فيه باطلا .
﴿ البحث الثالث﴾ قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل
من السماء على سبيل العادة ، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين ، لأنهم اذا علموا أن
هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب ، فالمنافع العظيمة الدائمة في
الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها ، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلبا لهذه
الخيرات الحقيرة ، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه
أولى . ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب
ولا نصب ، هذا قول المتكلمين . وقال قوم آخرون : إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة
هذا الماء النازل من السماء ، والمسألة كلامية محضة ، وقد ذكرناها في سورة البقرة .
﴿ البحث الرابع ﴾ قال أبو مسلم : لفظ ( الثمرات ) يقع في الأغلب على ما يحصل على
الأشجار ، ويقع أيضا على الزروع والنبات ، كقوله تعالى ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه
يوم حصاده ).
البحث الخامس﴾ قال تعالى ( فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) والمراد أنه تعالى
إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا ، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه
الثمرات إيصال الخير والمنفعة الى المكلفين ، لأن الاحسان لا يكون إحسانا إلا إذا قصد
المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن اليه .
الفخر الرازي ج١٩م ٩
١٣٠
قوله تعالى ((وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بامره)) سورة ابراهيم
البحث السادس ﴾ قال صاحب الكشاف : قوله ( من الثمرات ) بيان للرزق ، أي
أخرج به رزقا هو ثمرات ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج، ورزقا حال من
المفعول أو نصبا على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق ، والتقدير : ورزق من الثمرات
رزقاًلكم .
﴿ فأما الحجة الرابعة ) وهي قوله ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) ونظيره
قوله تعالى ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ) ففيها مباحث :
البحث الأول ﴾ أن الانتفاع بما ينبت من الأرض انما يكمل بوجود الفلك الجاري في
البحر ، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من نعمه حتى أن نعمة
هذا الطرف إذا نقلت الى جانب الآخر من الارض وبالعكس كثر الربح في التجارات ، ثم إن
هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه
الآية . فان قيل : ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد ؟
قلنا : أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال ، وأما على مذهب المعتزلة
فقد أجاب القاضي عنه فقال : لولا أنه تعالى خلق الاشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب
السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق
الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة ، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق
الحركات القوية فيها ولولا أنه وسَّع الانهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما
وقع الانتفاع بالسفن، فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال ، وهو المدبر لهذه الأمور
والمسخر لها حسنت اضافة السفن اليه .
﴿ البحث الثاني ﴾ أنه تعالى أضاف ذلك التسخير الى أمره لأن الملك العظيم قلما
يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيما لشأنه، ومنهم من حمله على ظاهر قوله (إنما
أمرنا الشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وتحقيق هذا الوجه راجع الى ما ذكرناه.
مسخّر
﴿ البحث الثالث ﴾ الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز، والمعنى أنه لما كان يجري على
وجه الماء کما یشتهيه الملاح كأنه حیوان مسخّر له.
﴿ الحجة الخامسة) قوله تعالى (وسخر لكم الأنهار) واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به
في الزراعات، لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها
الى مواضع الزرع والنبات ، وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب ، والصالح لهذا المهم هو مياه
الأنهار .
١٣١
قوله تعالى ((وسخر لكم الشمس والقمر دائبين)) سورة ابراهيم
﴿ الحجة السادسة والسابعة ﴾ قوله ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين):
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم ، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله
( وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا)، ومنها قوله ( الشمس والقمر بحسبان ) ومنها
قوله ( وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) ومنه قوله ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا)،
وقوله ( دائبين ) معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة،يقال دأب يدأب
دأبا ودؤبا، وقد ذكرنا هذا في قوله ( قال تزرعون سبع سنين دأبا ) قال المفسرون : قوله
( دائبين) معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات
والحيوان فان الشمس سلطان النهار . والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول
الأربعة ، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء
في أول هذا الكتاب .
﴿ الحجة الثامنة والتاسعة ﴾ قوله (وسخر لكم الليل والنهار )
واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى ( وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار
معاشا) وقوله ( وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ) قال المتكلمون :
تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان ، والاعراض لا تسخرُ .
والحجة العاشرة ) قوله (وآتاكم من كل ما سألتموه ) ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة
العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها ، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على
بعضها التعديد والاحصاء فقال ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) والمفعول محذوف تقديره من كل
مسؤول شيئا ، وقرىء (من كل ) بالتنوين و( ما سألتموه) نفي ومحله نصب على الحال ، أي
آتاكم من جميع ذلك غير سؤال ويجوز أن تكون ((ما)) موصولة والتقدير: آتاكم من كل ذلك
ما احتجتم اليه ولم تصلح احوالكم ومعايشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان
الحال ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) قال
الواحدي : النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر يقال : أنعم الله عليه ينعم إنعاما ونعمة أقيم
الإسم مقام الانعام كقوله : أنفقت عليه إنفاقا ونفقة بمعنى واحد ، ولذلك لم يجمع لأنه في
معنى المصدر ، ومعنى قوله ( لا تحصوها ) أي لا تقدرون على تعديدها جميعها لكثرتها.
واعلم أن الانسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع ، فعليه أن
يتأمل في شىء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين .
١٣٢
قوله تعالى ((وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) سورة ابراهيم
المثال الاول ﴾ أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان ، منها دماغية ومنها نخاعية.
أما الدماغية فانها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحِكم الناشئة من كل واحد من تلك
الأرواح السبعة ، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم الى شعب كثيرة
وكل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشّعر ولكل واحد منها ممر إلى
الأعضاء،ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع
لاختلت مصالح البنية ، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جداً ، ولكل واحدة
منها حكمة مخصوصة ، فاذا نظر الانسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية
من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف قطعا أنه لا
سبيل له الى الوقوف عليها والاطلاع على أحوالها، وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى ( وإن تعدوا
نعمت الله لا تحصوها)، وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين
والأوردة ، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع
والفعل والانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له ، وإذا اعتبرت هذا في بدن
الانسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه ، فان عجائب عالم الأرواح أكثر
من عجائب عالم الأجساد،ثم لمّا اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم
الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن
عقول جميع الخلائق لو رُكْبت وجعلت عقلا واحدا ثم بذلك العقل تأمّل الانسان في عجائب
حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل ، فسبحانه تقدس عن أوهام
المتوهمين .
المثال الثاني ﴾ أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها
وإلى ما بعدها، أما الأمور التي قبلها : فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا
كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب ، لأن الحنطة لا بد منها ، وأنها لا تنبت إلا
بمعونة الفصول الأربعة ، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار ، ولا يحصل شىء منها إلا
بعد دوران الأفلاك ، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات ، وفي
كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز ، وهي
لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا
بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه
الآلات ، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ؛ ثم إذا حصلت تلك الآلات
فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة ، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ
١٣٣
قوله تعالى ((واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا)) سورة ابراهيم
وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنَّا وَأَجْنُبْنِ وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأُصْنَامَ (چ رَبِّ
بَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِىِ فَإنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
٣٦
الخبز من ذلك الدقيق . فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة . وأما النظر فيما بعد
حصولها : فتأمل في تركيب بدن الحيوان ، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها
الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ،
ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية ،
فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور ، والعقول
قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث ، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى ( وإن تعدوا
نعمة الله لا تحصوها ) ثم إنه تعالى قال ( إن الانسان لظلوم كفار ) قيل : يظلم النعمة باغفال
شكرها، كفّار شديد الكفران لها . وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع
ويمنع ، والمراد من الانسان ههنا : الجنس ، يعنى أن عادة هذا الجنس هو هذا الذى ذكرناه ،
وههنا بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ أن الانسان مجبول على النسيان وعلى الملل، فاذا وجد نعمة نسيها
في الحال وظلمها بترك شكرها ، وإن لم ينسها فانه في الحال يملّها فيقع في كفران النعمة ،
وأيضاً ان نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقى .
البحث الثانى ﴾ أنه تعالى قال في هذا الموضع (إن الانسان لظلوم كفار ) وقال في
سورة النحل ( إن الله لغفور رحيم ) ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول : إذا
حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي اخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها
وصفان : وهما كونك ظلوما كفارا ، ولي وصفان عند إعطائها وهما كونى غفورا رحيما ،
والمقصود كأنه يقول : إن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك
وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوقير ولا أجازى جفاءك إلا بالوفاء،ونسأل الله حسن العاقبة
والرحمة .
قوله تعالى ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنيّ أن نعبد الأصنام
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنی فانه مني ومن عصانى فانك غفور رحيم ﴾.
١٣٤
قوله تعالى ((واجنبنى وبني أن نعبد الأصنام)) سورة ابراهيم
اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه وأنه لا يجوز عبادة
غيره تعالى البتة، حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان.
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أشياء : أحدها : قوله
( رب اجعل هذا البلد آمنا ) والمراد : مكة آمناً ذا أمن .
فان قيل : أى فرق بين قوله ( اجعل هذا بلدا آمنا ) وبين قوله ( اجعل هذا البلد آمنا )
قلنا: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون ، وفي الثاني :
أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف، ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو
الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة . وثانيها: قوله
(واجنبنى وبنيّ أن نعبد الأصنام) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) قرىء (واجنبي) وفيه ثلاث لغات جنبه واجنبه وجنبه. قال الفراء:
أهل الحجاز يقول جنبيني بالتخفيف، وأهل نجد يقولون جنبنى شره وأجنبنى شره، وأصله
جعل الشيء عن غيره على جانب وناحية .
﴿المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول: الاشكال على هذه الآية من وجوه: أحدها : أن
إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمنا ، وما قبل الله دعاءه ، لأن جماعة خرّبوا الكعبة
وأغاروا على مكة. وثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يعبدون الوثن البتة ، وإذا كان كذلك
فما الفائدة في قوله اجنبنى عن عبادة الأصنام . وثالثها : أنه طلب من الله تعالى أن لا يجعل
أبناءه من عبدة الأصنام والله تعالى لم يقبل دعاء ، ولأن كفار قريش كانوا من أولاده، مع
أنهم كانوا يعبدون الأصنام .
فان قالوا : إنهم ما كانوا أبناء ابراهيم وانما كانوا أبناء أبنائه، والدعاء مخصوص
بالأبناء، فنقول: فاذا كان المراد من أولئك الأبناء أبناءه من صلبه، وهم ما كانوا إلا إسماعيل
واسحاق، وهما كانا من أكابر الأنبياء، وقد علم أن الأنبياء لا يعبدون الصنم ، فقد عاد
السؤال في أنه ما الفائدة في ذلك الدعاء ؟
والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أنه نقل أنه عليه السلام لما فرغ من
بناء الكعبة ذكر هذا الدعاء ، والمراد منه : جعل تلك البلدة آمنة من الخراب ، والثانى : أن
المراد جعل أهلها آمنين ، كقوله ( واسأل القرية ) أى أهل القرية ، وهذا الوجه عليه أكثر
المفسرين ، وعلى هذا التقدير فالجواب من وجهين :
١٣٥
قوله تعالى ((وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا)) سورة ابراهيم
الوجه الأول ﴾ ما اختصت به مكة من حصول مزيد في الأمن، وهو أن الخائف كان
اذا التجأ إلى مكة أمن ، وكان الناس مع شدة العداوة بينهم يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم
بعضا ، ومن ذلك أمن الوحش فانهم يقربون من الناس اذا كانوا بمكة ، ويكونون مستوحشين
عن الناس خارج مكة ، فهذا النوع من الأمن حاصل في مكة فوجب حمل الدعاء عليه .
﴿ والوجه الثاني﴾ أن يكون المراد من قوله (اجعل هذا البلد آمناً) أى بالأمر والحكم
بجعله آمناً وذلك الأمر والحكم حاصل لا محالة .
والجواب : عن السؤال الثاني قال الزجاج : معناه ثبتنى على اجتناب عبادتها كما قال
( واجعلنا مسلمين لك ) أي ثبتنا على الاسلام .
ولقائل أن يقول : السؤال باق لأنه لما كان من المعلوم أنه تعالى يثبت الأنبياء عليهم
السلام على الاجتناب من عبادة الاصنام فما الفائدة في هذا السؤال؟ والصحيح عندى في الجواب
وجهان : الأول : أنه عليه السلام وان كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الاصنام إلا أن
ذكر ذلك هضماً للنفس واظهارا للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب . والثانى : أن
الصوفية يقولون : إن الشرك نوعان : شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون ، وشرك خفي
وهو تعليق القلب بالوسايط وبالاسباب الظاهرة . والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن
الصوفيّة ولا يرى متصرفا سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ( واجنبنى وبنيّ أن
نعبد الاصنام) المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي والله أعلم بمراده .
والجواب عن السؤال الثالث من وجوه : الأول : قال صاحب الكشاف: قوله
(وبنيّ) أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التى ذكرناها في قوله
( واجنبنى) والثانى : قال بعضهم أراد من أولاده وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال
الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة فيهم . الثالث : قال مجاهد : لم يعبد أحد من ولد ابراهيم
عليه السلام صنما ، والصنم هو التمثال المصور وما ليس بمصور فهو وثن . وكفار قريش ما
عبدوا التمثال وانما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة وأشجارا مخصوصة ؛ وهذا الجواب ليس
بقوي ، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والحجر كالصنم
في ذلك . الرابع: أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر
الآية ( فمن تبعنى فانه منى ) وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فانه ليس منه ، ونظيره قوله
تعالى لنوح ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) . والخامس : لعله وإن كان عمم في
الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء
١٣٦
قوله تعالى ((فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم)) سورة ابراهيم
عليهم السلام، ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام (قال إنى جاعلك للناس إماماً
قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بقوله ( واجنبنى وبنيّ أن نعبد الأصنام) على أن
الكفر والإيمان من الله تعالى ، وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من الله أن يجنبه
ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الايمان ليس إلا من
الله تعالى ، وقول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد ، لأنه عدول عن الظاهر . ولأنا قد
ذكرنا وجوهاً كثيرة في إفساد هذا التأويل .
ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال ( رب إنهن أضللن كثيرا من
الناس ) واتفق كل الفرق على أن قوله ( أضللن ) مجاز لأنها جمادات ، والجماد لا يفعل شيئا
البتة ، إلا أنه لما حصل الاضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم ،
أي افتتنوا بها واغتروا بسببها .
ثم قال ﴿ فمن تبعنی فانه منی ﴾ یعنی من تبعنی في دینی واعتقادی فانه منی ، أي جار
مجرى بعضى لفرط اختصاصه بي وقربه منى ومن عصاني في غير الدين فانك غفور رحيم ،
واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن ابراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة
في حق أصحاب الكبائر من أمته، والدليل عليه أن قوله (ومن عصاني فانك غفور رحيم)
صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول: أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار
أو لا يكونوا كذلك ، والأول باطل من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه
الآية أنه مبرأ الكفار وهو قوله (واجنبنى وبنيّ أن نعبد الاصنام) وأيضا قوله (فمن تبعني فانه
منى) يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فانه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته .
والثاني: أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في اسقاط عقاب الكفر غير جائزة، ولما بطل هذا ثبت
أن قوله (ومن عصاني فانك غفور رحيم) شفاعة في العصاة الذين لا يكونوا من الكفار.
وإذا ثبت هذا فنقول : تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة
أو من الكبائر قبل التوبة ، والأول والثانى باطلان لأن قوله ( ومن عصانى ) اللفظ فيه مطلق
فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر ، وأيضا فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران
عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه ، فثبت أن هذه الآية شفاعة في اسقاط العقاب عن أهل
الكبائر قبل التوبة ، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق ابراهيم عليه السلام ثبت حصولها
في حق محمد صلى الله عليه وسلم لوجوه : الأول : أنه لا قائل بالفرق . والثانى : وهو أن هذا
١٣٧
قوله تعالى ((ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع)) سورة ابراهيم
رَبَّ إِّ أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرَِّتِى بِوَادٍ غَيْرٍ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
فَأَجْعَلْ أَفْعِدَةٌ مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقُهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
المنصب أعلى المناصب فلو حصل لابراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد صلى الله عليه
وسلم لكان ذلك نقصانا في حق محمد عليه السلام . والثالث : أن محمدا صلى الله عليه وسلم
مأمور بالاقتداء بابراهيم عليه السلام لقوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )
وقوله ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد
صلى الله عليه وسلم وفي إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر . والله أعلم .
إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين : قال السدى معناه : ومن عصانى ثم تاب ،
وقيل : إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر الشرك ، وقيل من عصانى
باقامته علی الکفر فانك غفور رحيم ، یعنی أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن
الكفر إلى الاسلام ، وقيل المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا
أو يكون المراد أن لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة . واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة .
أما الأول : وهو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه .
وأما الثانى : وهو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك
فنقول : هذا أيضاً بعيد ، لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يكون مراد
إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر .
وأما الثالث: وهو قوله المراد من كونه (غفورا رحيما) أن ينقله من الكفر إلى الايمان
فهو أيضاً بعيد ، لأن المغفرة والرحمة مشعرة باسقاط العقاب ولا إشعار فيهما بالنقل من صفة
الكفر إلى صفة الايمان والله أعلم .
وأما الرابع : وهو أن تحمل المغفرة والرحمة على تعجيل العقاب أو ترك تعجيل الاماتة
فنقول هذا باطل ، لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم ولم يعاجلهم الله تعالى بالعقاب ولا بالموت
مع أن أهل الاسلام متفقون على أنهم ليسوا مغفورين ولا مرحومين فبطل تفسير المغفرة والرحمة
على ترك تعجيل العقاب بهذا الوجه وظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ربنا إنى أسكنت من ذریتی بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا
ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون،
١٣٨
قوله تعالى «ربنا إني أسكنت من ذریتی بواد غير ذى زرع)) سورة ابراهيم
رَبََّ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى وَمَا نُعلِنٌ وَمَا يَحْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِى
الَّمَاءِ ﴿ اَلْحَمْدُ لِلِّ الَّذِى وَهَبَ لِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِنَقَ إِنَّ رَبِ
تَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿ رَبِ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَِّى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (3)
رَبََّا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (!
ـمــ
٤١
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمدلله
الذي وهب لي على الكبر اسمعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة
ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾،
اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن ابراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في
دعائه أموراً سبعة :
﴿المطلوب الأول ﴾ طلب من الله نعمة الامان وهو قوله (رب اجعل هذا البلد آمنا)
والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم انواع النعم والخيرات وأنه لا يتم
شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقال
الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فانها تصحّ بعد زمان، ثم إنها تقبل على
الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فانها تمسك عن العلف ولا
تتناوله إلى أن تموت، ذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من
ألم الجسد .
والمطلوب الثاني ﴾ أن يرزقه الله التوحيد، ويصونه عن الشرك ، وهو قوله (واجنبني
وبنى أن نعبد الأصنام ) .
والمطلوب الثالث ) قوله (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك
المحرم) فقوله (من ذريتي) أي بعض ذریتی وهو إسمعیل ومن ولد منه (بواد) هو وادي مكة
( غير ذي زرع ) أى ليس فيه شىء من زرع ، كقوله ( قرآنا عربيا غيرذي عوج ) بمعنى لا
يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم . وذكروا في تسميته المحرم وجوها : الأول : أن الله حرّم
التعرض له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرماً لمكانه ، الثانى : أنه كان لم يزل ممتنعا عزيزا
يهابه كل جبار كالشىء المحرم الذي حقه أن يجتنب ، الثالث : سمى محرماً لأنه محترم عظيم
١٣٩
قوله تعالى ((ربنا ليقيموا الصلاة)) سورة ابراهيم
الحرمة لا يحل انتهاكه . الرابع : أنه حرم على الطرفان أي امتنع منه كما سمى عتيقا لأنه أعتق
منه فلم يستعل عليه ، الخامس : أمر الصائرين اليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل
لهم من قبل ، السادس : حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفّه بسبعة من
الملائكة ، وهو مثل البيت المعمور الذى بناه آدم ، فرفع الى السماء السابعة . السابع : حرم
على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها ، روى أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها
لا براهيم عليه السلام فولدت له اسماعيل عليه السلام ، فقالت سارة : كنت أرجو أن يهب الله
لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتى ، وقالت لابراهيم : بعدهما منى فنقلهما إلى مكة
اسماعيل رضيع ، ثم رجع فقالت هاجر : الى من تكلنا؟ فقال الى الله . ثم دعا الله تعالى
بقوله ( ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد ) إلى آخر الآية ثم أنها عطشت وعطش الصبى
فانتهت بالصبى إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( رحم الله أم اسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا)) ثم إن ابراهيم عليه
السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت . قال القاضى : أكثر
الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لابراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى
حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول
سارة . إلا إذا قلنا : إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام ، وأقول : أما ظهور ماء زمزم
فيحتمل أن يكون إرهاصا لاسماعيل عليه السلام ، لأن ذلك عندنا جائز خلافا للمعتزلة وعند
المعتزلة أنه معجزة لابراهيم عليه السلام .
ثم قال ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ) والام متعلقة بأسكنت أى أسكنت قوما من ذريتي،
وهم اسماعيل وأولاده بهذا الوادى الذى لا زرع فيه ليقيموا الصلاة .
ثم قال ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم ﴾ وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ قال الاصمعي هوى يهوي هويا بالفتح إذا سقط من علو الى أسفل.
وقيل : ( تهوى إليهم ) تريدهم ، وقيل : تسرع اليهم . وقيل : تنحط اليهم وتنحدر اليهم:
وتنزل ، يقال : هوی الحجر من رأس الجبل یهوی اذا انحدر وانصب ، وهوی الرجل إذا
انحدر من رأس الجبل .
البحث الثاني ﴾ أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا . أما الدين فلأنه يدخل فيه
ميل الناس إلى الذهاب الى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى . وأما الدنيا : فلأنه
يدخل فيه ميل الناس الى نقل المعاشات اليهم بسبب التجارات ، فلأجل هذا الميل يتسع
١٤٠
قوله تعالى ((وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)) سورة ابراهيم
عيشهم ، ويكثر طعامهم ولباسهم .
3
البحث الثالث ﴾ كلمة ( من ) في قوله ( فاجعل أفئدة من الناس تهوى اليهم ) تفيد
التبعيض ، والمعنى : فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة اليهم . قال مجاهد : لوقال أفئدة الناس
لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس .
لحجت اليهود والنصارى والمجوس ، ولكنه قال ( أفئدة من الناس ) فهم المسلمون .
ثم قال ﴿ وار زقهم من الثمرات ﴾ وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ أنه لم يقل: وارزقهم الثمرات ، بل قال (وارزقهم من
الثمرات ) وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات اليهم .
البحث الثاني ﴾ يحتمل أن يكون المراد بايصال الثمرات اليهم إيصالها اليهم على
سبيل التجارات وإنما يكون المراد : عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها .
ثم قال ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن
يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فان ابراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير
المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لاقامة الصلوات وأداء الواجبات .
﴿ المطلوب الرابع ﴾ قوله ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن)
واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ، ذكر أنه
لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل ، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط
بأسرارها ، فقال ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) والمعنى : إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا
ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسمعيل ، وما نعلن
من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين
هاجر حيث قالت له عند الوداع الى من تكلنا ؟ فقال الى الله أكلكم ، قالت الله أمرك بهذا ؟
قال نعم : قالت إذن لا نخشى .
ثم قال ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) وفيه قولان: أحدهما :
أنه كلام الله عز وجل تصديقا لابراهيم عليه السلام كقوله (وكذلك يفعلون ) والثاني : أنه
من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفى على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان ،
ولفظ ((من)) يفيد الاستغراق كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما .
ثم قال ﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحق ﴾ وفيه مباحث :