Indexed OCR Text

Pages 61-80

٠
٦١
قوله تعالى (( والذين آتيناهم الكتاب )) سورة الرعد
وَالَّذِينَ ءَ اتَيْنَئُهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَبِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ،
قُلْ إِنَأُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهَ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَعَابٍ
٣٦
المسألة الثالثة﴾ قال القاضي : هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد ، لأنها لو
كان مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى (كل من عليها فان).(وكل شيء هالك
إلا وجهه)،لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى (أكلها دائم) فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة .
ثم قال : فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها الملائكة ومن يُعَدُّ حيا من
الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روى في ذلك ، إلا أن الذي نذهب اليه أن جنة الخلد خاصة
إنما تخلق بعد الاعادة .
والجواب : أن دليلهم مركب من آيتين : أحدهما : قوله ( كل شيء هالك إلا وجهه)
والأخرى قوله ( أكلها دائم وظلها ) فاذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط
دليلهم، فنحن نحصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة ، وهو قوله
تعالى ( وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ).
قوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر
بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به اليه أدعوا وإليه مآب ﴾.
اعلم أن في المراد بكلمة (الكتاب) قولين: الأول: إنه القرآن والمراد أن أهل القرآن
يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة والبعث والاحكام والقصص،
ومن (الاحزاب) الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار من ينكر بعضه، وهو قول
الحسن وقتادة .
فان قيل : الأحزاب ينكرون كل القرآن .
قلنا : الاحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن ، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات
علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء ، والاحزاب ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء .

٦٢
قوله تعالى ((قل انما أمرت أن أعبد الله)) سورة الرعد
والقول الثاني ﴾ أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل. وعلى هذا التقدير ففي الآية
قولان: الأول: قال ابن عباس: الذين آتيناهم الكتاب. هم الذين آمنوا بالرسول وَ ل من
أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا
أربعون بنجران ، وثمانية باليمن ، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة ، وفرحوا بالقرآن ، لأنهم
آمنوا به وصدقوه، والاحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين، قال القاضي : وهذا الوجه أولى
من الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتى القرآن فانهم يفرحون بالقرآن ، أما إذا حملناه على هذا
الوجه ظهرت الفائدة ويمكن أن يقال : إن الذين أوتوا القرآن يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من
العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة ، فلهذا السبب حكى الله تعالى فرحهم به . والثاني : والذين
آتيناهم الكتاب اليهود أعطوا التوراة ، والنصارى أعطوا الانجيل ، يفرحون بما أنزل في هذا
القرآن ، لأنه مصدق لما معهم . ومن الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه ، وهو قول
مجاهد . قال القاضي : وهذا لا يصح ، لأن قوله ( يُفرحون بما أنزل اليك ) يعم جميع ما أنزل
اليه ، ومعلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل اليه ويمكن أن يجاب فيقال إن قوله ( بما أنزل
إليك) لا يفيد العموم بدليل جواز إدخال لفظتي الكل والبعض عليه، ولو كانت كلمة (( ما ))
للعموم لكان ادخال لفظ الكل عليه تكريرا وإدخال لفظ البعض عليه نقصا . ثم إنه تعالى لما بين
هذا جمع كل ما يحتاج المرء اليه في معرفة المبدأ والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال ( قل إنما أمرت أن
أعبد الله ولا أشرك به اليه أدعوا وإليه مآب )،وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به ، وفيه
فوائد: أولها: أن كلمة ((إنما )) للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى ، وذلك يدل
على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك بدل
على أن المرء مكلف بذلك. وثالثها: أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد معرفته ولا سبيل الى
معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع
وصفاته، وما يجب ويجوز ويستحيل عليه. ورابعها: أن عبادة الله واجبة، وهو يبطل قول نفاة
التكليف، ويبطل القول بالجبر المحض. وخامسها: قوله (ولا أشرك به) وهذا يدل على نفي
الشركاء والانداد والاضداد بالكلية، ويدخل فيه ابطال قول كل من أثبت معبوداً سوى الله
تعالى سواء قال: إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان
والأرواح العلوية، أو يزدان واهر وفق ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله
التنويه. وسادسها: قوله (اليه أدعوا) والمراد منه أنه كما وجب عليه الاتيان بهذه العبادات
فكذلك يجب عليه الدعوة الى عبودية الله تعالى وهو إشارة الى نبوته. وسابعها: قوله (وإليه
مآب) وهو اشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فاذا تأمل الانسان في هذه الألفاظ القليلة
ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين .

٦٣
قوله تعالى ( وکذلك أنزلناه حکما عربیا )) سورة الرعد
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ
مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ وَلَا وَاقٍ
قوله تعالى ﴿ وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم
ما لك من الله من و لی ولا واق﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل الى من تقدم من
الأنبياء ، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ، كذلك أنزلنا عليك القرآن . والكناية في
قوله ( أنزلناه) تعود الى ((ما )) في قوله ( يفرحون بما أنزل إليك ) يعني القرآن .
المسألة الثانية ) قوله ( أنزلناه حكما عربيا) فيه وجوه : الأول : حكمة عربية مترجمة
بلسان العرب . الثاني : القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف، فالحكم لا يمكن إلا
بالقرآن ، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة . الثالث : أنه
تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله
حكما .
واعلم أن قوله ( حكما عربيا) نصب على الحال ، والمعنى : أنزلناه حال كونه حكما
عربيا .
﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة: الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه: الأول:
أنه تعالى وصفه بكونه مُنزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث . الثاني : أنه وصفه بکونه عربیا
والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثا . الثالث : أن
الآية دالة على أنه انما كان حكما عربيا ، لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة ، وكل
ما کان کذلك فهو محدث .
والجواب : أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا
نزاع فيه والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ روي أن المشركين كانوا يدعونه الى ملة آبائه فتوعده الله تعالى على
متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي الى قبلتهم بعد أن حوَّله الله عنها. قال ابن عباس :
الخطاب مع النبي ◌َّ والمراد أمته ، وقيل: بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام

٦٤
قوله تعالى ((ولقد أرسلنا رسلا من قبلك)) سورة الرعد
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةُ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ
بِعَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِ أَجَلٍ كِتَابٌ (٨) يَمْحُواْ اللّهُمَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ
الْكتبِ
بحق الرسالة وتحذيره من خلافها ، ويتضمن ذلك أيضا تحذير جميع المكلفين ، لأن من هو
أرفع منزلة إذا حذّر هذا التحذير فهُم أحق بذلك وأولى .
قوله تعالى ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن
يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾
اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته :
فالشبهة الأولى ﴾ قولهم ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) وهذه
الشبهة انما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى .
﴿ والشبهة الثانية ﴾ قولهم : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من
جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله ( لو ما تأتينا بالملائكة ) وقوله ( لولا أنزل عليه ملك )
فأجاب الله تعالى عنه ههنا بقوله ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا
وذرية ) يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشرلا من جنس الملائكة فإذا جاز
ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه .
الشبهة الثالثة﴾ عابوا رسول الله له بكثرة الزوجات وقالوا: لو كان رسولا من عند
الله لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالنسك والزهد ، فأجاب الله تعالى
عنه بقوله ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) وبالجملة فهذا الكلام
يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة ، ويصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة ، فقد
كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية . ولداود مائة امرأة .
والشبهة الرابعة ﴾ قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من
المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه
بقوله ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا باذن الله ) وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة
العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض الى مشيئة الله تعالى إن
شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك .

٦٥
قوله تعالى (( يمحوا الله ما يشاء ويثبت )) سورة الرعد
الشبهة الخامسة ﴾ أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له
ولقومه . ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في
نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه .
فأجاب الله عنه بقوله (لكل أجل كتاب) يعني أن الله قد قضى بنزول العذاب على الكفار
وظهور الفتح والنصر للأولياء في أوقات معينة مخصوصة، ولكل حادث وقت معين، (ولكل
أجل كتاب) فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على
كونه كاذبا .
الشبهة السادسة ﴾ قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام التي نص
الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والانجيل ، لكنه نسخها وحرَّفها نحو
تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والانجيل ، فوجب أن لا يكون نبيا حقا .
فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب )،
ويمكن أيضا أن يكون قوله ( لكل أجل كتاب ) كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لانا
نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة، ثم يبقيه مدة
مخصوصة ثم يميته ويفرّق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولا ، ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع
أن یشرع الحكم في بعض الأوقات ، ثم ینسخه في سائر الأوقات،فکان المراد من قوله ( لكل
أجل كتاب ) ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده
أم الكتاب ) والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغنى تارة
ويفقر أخرى ، فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته
المشيئة الالهية عند أهل السنة،أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام
التحقيق في تفسير هذه الآية ، ثم ههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى) قوله تعالى (لكل أجل كتاب ) فيه أقوال الأول : أن لكل شيء وقتاً
مقدرا فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به ، وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن
ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة . ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم
الفساد . الثاني : أن لكل حادث وقتا معينا قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر
والسعادة والشقاوة ، ولا يتغير البتة عن ذلك الوقت . والثالث : أن هذا من المقلوب والمعنى :
أن لكل كتاب منزل من السماء أجلا ينزله فيه ، أي لكل كتاب وقت يعمل به ، فوقت العمل
بالتوراة والانجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر. والرابع : لكل أجل معين
الفخر الرازي ج١٩م ٥

٦٦
قوله تعالى ((يمحو الله ما يشاء ويثبت )) سورة الرعد
كتاب عند الملائكة الحفظة، فللإنسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شابا ثم
شيخا ، وكذا القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح .
الخامس : كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى ، فاذا جاء
ذلك الوقت حدث ذلك ولا يجوز حدوثه في غيره . واعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل
بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها ، لأن قوله ( لكل أجل كتاب ) معناه أن تحت
كل أجل حادث معين ، ويستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فان ذلك
محال ، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية ، فوجب أن يكون اختصاص كل
وقت بالحادث الذي يحدث فيه بفعل الله تعالى واختياره ، وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى
وهو نظير قوله عليه السلام ((جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة))
المسألة الثانية ﴾ ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم
( ويثبت ) ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت . والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من
التثبيت ، وحجة من خفف أن ضد المحو الاثبات لا التثبيت . ولأن التشديد للتکثیر ، ولیس
القصد بالمحو التكثير ، فكذلك ما يكون في مقابلته . ومن شدد احتج بقوله ( وأشد تثبيتا )
وقوله ( فثبتوا ).
﴿ المسألة الثالثة ﴾ المحوذهاب أثر الكتابة، يقال: محاه يمحوه محواً اذا أذهب أثره.
وقوله ( ويثبت ) قال النحويون : أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية
الثاني ، وهو كقوله تعالى ( والحافظين فروجهم والحافظات )
﴿ المسألة الرابعة ﴾ في هذه الآية قولان:
﴿ القول الأول﴾ إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ. قالوا : إن الله يمحو
من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والايمان والكفر ، وهو مذهب
عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون الى الله تعالى في أن يجعلهم
سعداء لا أشقياء، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله وَله.
والقول الثاني ﴾ أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا
التقرير ففي الآية وجوه : الأول : المراد من المحو والاثبات : نسخ الحكم المتقدم وإثبات
حكم آخر بدلا عن الأول . الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا
سيئة ، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال :
إنه تعالى وصف الكتاب بقوله ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وقال أيضا ( فمن يعمل

٦٧
قوله تعالى (( يمحو الله ما يشاء ويثبت )) سورة الرعد
مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ).
أجاب القاضي عنه: بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب . والمباح لا صغيرة ولا
كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة
بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكبير، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين ، أما في أصل اللغة
فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ، لأنه إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك
فهو كبير ، وعلى هذا التقرير فقوله ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) يتناول المباحات
أيضا . الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فاذا تاب
عنه محي من ديوانه . الرابع : ( يمحو الله ما يشاء) وهو من جاء أجله . ويدع من لم يجىء
أجله ويثبته . الخامس : أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فاذا مضت السنة
محيت ، وأثبت كتاباً آخر للمستقبل . السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس .
السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة . الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في
الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع الى الله تعالى . التاسع : تغير
أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، وما حصل وحضر فهو الاثبات . العاشر: يزيل ما
يشاء ، ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما شاء ، وهو
المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والافقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب
أحد من خلقه .
واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم .
فان قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف ،
فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والاثبات ؟
قلنا : ذلك المحو والاثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه
محوه .
﴿ المسألة الخامسة) قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئا ثم
يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت )
واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول
التغير والتبدل فيه محالا .
المسألة السادسة ) أما ( أم الكتاب ) فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمى كل ما

٦٨
قوله تعالى (( وإما نرینك بعض الذي نعدهم )) سورة الرعد
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِىِ نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ فَإَِّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ تَنْقُصُهَا مِنْ أَظَرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَ مُعَقِّبَ
٤٠
يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي
أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب ، وفيه
قولان :
﴿القول الأول﴾ أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وجميع حوادث العالم العلوي
والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي وم ير أنه قال ((كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه
أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة))، قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى
عالماً بجميع المعلومات على سبيل التفضيل ، وعلى هذا التقدير : فعند الله كتابان : أحدهما :
الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والاثبات . والكتاب الثاني هو
اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو
الباقي. روى أبو الدرداء عن النبي وي ليه ((أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من
الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء)»، وللحكماء
في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة .
والقول الثاني ﴾ إن أم الكتاب هو علم الله تعالى، فانه تعالى عالم بجميع المعلومات
من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير ، فالمراد
بأم الكتاب هو ذاك والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا
الحساب ﴾
اعلم أن المعنى ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم) من العذاب ( أو نتوفينك ) قبل
ذلك ، والمعنى : سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره ، فالواجب عليك تبليغ أحكام الله
تعالى وأداء أمانته ورسالته وعلينا الحساب . والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج والأداء .
قوله تعالى ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه

٦٩
قوله تعالى ((أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)) سورة الرعد
◌ِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ () وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَّهِ الْمَكْرُ جِيعًا
يَعْلَمُ مَا تَمْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلُ الْكُفَُّ لِمَنْ عُقْبَ الَّارِ
٤٣
وهو سريع الحساب وقد مکر الذين من قبلهم فلله المکر جمیعا یعلم ما تکسب كل نفس
وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ﴾
اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن یریه بعض ما وعدوه أو یتوفاه قبل ذلك ، بین في هذه
الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت . وقوله ( أولم يروا أنا نأتي
الأرض ننقصها من أطرافها ) فيه أقوال :
القول الأول ﴾ المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين
يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا، فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة
المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده . ونظيره قوله تعالى
( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون) وقوله (سنريهم آياتنا في
الآفاق ).
﴿ والقول الثاني) وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضى الله عنهما أن قوله ( ننقصها
من أطرافها) المراد : موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار ، وقال
الواحدي : وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول . ويمكن
أن يقال هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع ، وتقريره أن يقال : أولم يروا ما يحدث في
الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة ، وموت بعد حياة ، وذل بعد عز ، ونقص بعد
كمال ، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على
هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين ، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا
قاهرين ، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله . وقيل ( ننقصها من أطرافها )
بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم . فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال
هذه الوقائع ؟
ثم قال تعالی مؤكداً لهذا المعنى﴿ والله یحکم لا معقب حکمه ﴾ معناه : لا رادّ لحكمه،
والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والابطال ، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه
بالاقتضاء والطلب .
:

٧٠
قوله تعالى ((وقد مكر الذين من قبلهم)) سورة الرعد
فان قيل : ما محل قوله ( لا معقّب لحكمه )؟
قلنا : هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم نافذاً حكمه خالياً عن
المدافع والمعارض والمنازع .
ثم قال ﴿ وهو سريع الحساب ﴾ قال ابن عباس يريد سريع الانتقام، يعني أن حسابه
للمجازاة بالخير والشر يكون سريعاً قريباً لا يدفعه دافع .
أما قوله﴿ وقد مكر الذين من قبلهم ﴾ يعنى أن كفار الأمم الماضية قد مكروا برسلهم
وأنبيائهم مثل نمر ود مكر بابراهيم ، وفرعون مكر بموسى ، واليهود مكر وا بعيسى .
ثم قال﴿ فللّه المكر جميعًا﴾ قال الواحدي: معناه أن مكر جميع الماكرين له ومنه ، أي
هو حاصل بتخليقه وإرادته ، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد ، وأيضا
فذلك المكر لا يضر إلا باذن الله تعالى ولا يؤثر إلاّ بتقديره ، وفيه تسلية للنبى صلى الله عليه
وسلم وأمان له من مكرهم ، كأنه قيل له : اذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره في الممکور به
أيضاً من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من الله تعالى ،
وذهب بعض الناس الى أن المعنى : فلله جزاء المكر ، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله
تعالى أنه يجازيهم على مكرهم . قال الواحدى : والأول أظهر لقولين بدليل قوله ( يعلم ما
تكسب كل نفس ) يريد أن مكاسب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع
الوقوع ، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع ، وكل ما علم الله عدمه
كان ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك ، فكان الكل من الله
تعالى . قالت المعتزلة : الآية الأولى إن دلت على قولكم ، فالآية الثانية وهي قوله ( يعلم ما
تكسب كل نفس ) دلت على قولنا ، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب
منفعة ، ولو كان حدوث الفعل بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر ، فوجب أن لا
يكون للعبد كسب .
وجوابه : أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل ، وعلى هذا التقدير
فالكسب حاصل للعبد . ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال ( وسيعلم الكفّار لمن عقبى
الدار ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (وسيعلم الكافر) على لفظ المفرد
والباقون على الجمع قال صاحب الكشاف قرىء (الكفار، والكافرون، والذين كفروا،
والكفر) أي أهله، قرأ جناح بن حبيش (وسيعلم الكافر) من أعلمه أي سيخبر.
المسألة الثانية﴾ المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى (إن الإنسان لفي خسر) والمعنى:
إنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة ، وذلك كالزجر والتهديد .
م١

٧١
قوله تعالى ((ویقول الذین کفروا لست مرسلاً)) سورة الرعد
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَِدَا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ، عِلْمُ
الْكِتَبِ
﴿ والقول الثاني) وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية
وعشرون .
﴿والقول الثالث ) وهو قول ابن عباس يريد أباجهل. والقول الأول هو الصواب.
قوله تعالى:﴿ ویقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن
عنده علم الكتاب ﴾
اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكر وا كونه رسولاً من عند الله ، ثم إنه تعالى
احتج عليهم بأمرين : الأول: شهادة الله على نبوته ، والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر
المعجزات الدالة على كونه صادقاً في ادعاء الرسالة ، وهذا أعلى مراتب الشهادة ، لأن الشهادة
قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك . أما المعجز فانه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه
رسولا من عند الله تعالى ، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة . والثاني : قوله ( ومن
عنده علم الكتاب ) وفيه قراءتان: إحداهما : القراءة المشهورة (ومن عنده) يعنى والذي
عنده علم الكتاب. والثانية (ومن عنده علم الكتاب) وكلمة ((من)) ههنا لابتداء الغاية
أي ومن عند الله حصل علم الكتاب . أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال :
القول الأول ﴾ أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم وهم : عبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وتميم الداري . ويروى عن سعيد
بن جبير : أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول : السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام
وأصحابه ، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة . وأجيب عن هذا السؤال بأن أقول: هذه السورة
وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية مدنية ، وأيضاً فاثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما
غير معصومين عن الكذب لا يجوز ، وهذا السؤال واقع .
القول الثاني ﴾ أراد بالكتاب القرآن ، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر
وبرهان باهر ، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزاً إلا لمن علم ما في هذا الكتاب من الفصاحة
والبلاغة ، واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة . فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه
علم كونه معجزاً . فقوله (ومن عنده علم الكتاب ) أي ومن عنده علم القرآن وهو قول
الأصم .

٧٢
قوله تعالى ((ویقول الذين كفروا لست مرسلاً)) سورة الرعد
القول الثالث ﴾ ومن عنده علم الكتاب المراد به : الذي حصل عنده علم التوراة
والانجيل ، يعنى : أن كل من كان عالما بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد
صلى الله عليه وسلم ، فاذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب كان شاهداً على أن محمداً صلى الله
عليه وسلم رسول حق من عند الله تعالى .
﴿ القول الرابع﴾ ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى، وهو قول الحسن ، وسعيد
ابن جبير والزجاج، قال الحسن : لا والله ما يعنى إلا الله ، والمعنى : كفى بالذي يستحق
العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا بينى وبينكم ، وقال الزجاج : الأشبه أن
الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره ، وهذا القول مشكل ، لأن عطف الصفة على
الموصوف وإن كان جائزاً في الجملة إلا أنه خلاف الأصل . لا يقال : شهد بهذا زيد والفقيه ،
بل يقال : شهد به زيد الفقيه ، وأما قوله إن الله تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه
فبعيد ، لأنه لما جاز أن يقسم الله تعالى على صدق قوله بقوله ( والتين والزيتون ) فأي امتناع فيما
ذكره الزجاج .
﴿وأما القراءة الثانية) وهي قوله (ومن عنده علم الكتاب ) على من الجارّة فالمعنى:
ومن لدنه علم الكتاب ، لأن أحدا لا يعلم الكتاب إلا من فضله وإحسانه وتعليمه ، ثم على
هذه القراءة ففيه أيضا قراءتان : ومن عنده علم الكتاب ، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل ،
أي هذا العلم إنما حصل من عند الله .
﴿والقراءة الثانية ) ومن عنده علم الكتاب بضم العين وبكسر اللام وفتح الميم على ما لم
يسم فاعله ، والمعنى : أنه تعالى لما أمر نبيه أن يحتج عليهم بشهادة الله تعالى على ما ذكرناه،
وكان لا معنى لشهادة الله تعالى على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه ، ولا يعلم كون
القرآن معجزا إلا بعد الاحاطة بما في القرآن وأسراره ، بيّن تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا مِن
عند الله ، والمعنى : أن الوقوف على كون القرآن معجزا لا يحصل إلا إذا شرف الله تعالى ذلك
العبد بأن يعلمه علم القرآن . والله تعالى أعلم بالصواب .
تم تفسير هذه السورة يوم الأحد الثامن عشر من شعبان سنة إحدى وستمائة . وأنا ألتمس
من كل من نظر في كتابي هذا وانتفع به أن يخص ولدى محمدا بالرحمة والغفران ، وأن يذكرني
بالدعاء . وأقول في مرثية ذلك الولد شعرا :
ممزوجة بمخافات وأحزان
أرى معالم هذا العالم الفاني
وشره في البرايا دائم داني
خيراته مثل أحلام مفزعة

٧٣
قوله تعالى ((ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس)) سورة ابراهيم
(١٤) سُورَة إبْرَ اهِيَمَكِيَّة
وَآيَاتِهَائِذِئَاتِ وَحَسُونَ
٩-١
بسـ
الَرْ كِتَبُّ أَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِهِمْ إِلَى
صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
١
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ الركتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط
العزيز الحميد ﴾
اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد . ومتى لم يكن في
السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء ، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا
حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة وقوله ( الركتاب ) معناه أن السورة المسماة
بـ(الر کتاب) أنزلناه الیك لغرض كذاو كذافقوله( الر ) مبتدأوقوله ( کتاب) خبره وقوله( أنزلناه
اليك ) صفة لذلك الخبر وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند الله
تعالى . قالت المعتزلة : النازل والمنزل لا يكون قديما .
وجوابنا : أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع .
﴿المسألة الثانية ) قالت المعتزلة: اللام في قوله ( لتخرج الناس) لام الغرض

٧٤
قوله تعالى ((لتخرج الناس من الظلمات الى النور)) سورة ابراهيم
والحكمة ، وهذا يدل على أنه تعالى انما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، وذلك يدل على أفعال
الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح .
أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلا لأجل شيء آخر فهذا انما يفعله لو كان عاجزا عن
تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال ، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع
تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ، ثبت أن كل ظاهر أشعر به فانه مؤول محمول على
معنى آخر .
﴿المسألة الثالثة ﴾ انما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق
الهداية ، وشبَّه الايمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من
جهات : أحدها : أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه
بالكتاب. وثانيها: انه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه
وسلم فان كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة، والسلام
اخراجهم منه وكان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن
تخرجنا منه، فان قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع، فلهم أن
يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الاخراج، وان لم يخلقه فنحن خارجون منه
بلا اخراج. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم انما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم
ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالما قادرا حكيما، ويعلموا بكون
القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه اليهم من
الشرائع، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم، ويصح منهم أن يقدموا عليه
ويتصرفوا فيه
والجواب عن الكل أن نقول : الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء
الداعي إلى الفعل والترك . أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر ، والأول باطل ، لأن
صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم ، وحصول الرجحان حال حصول
الاستواء محال . والثاني : عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان ،
فان کان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، وإن لم يكن منه بل من الله تعالى ، فحينئذ يكون المؤثر
الأول هو الله تعالى وذلك هو المطلوب والله أعلم .
﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق لله تعالى
٠٫

٧٥
قوله تعالى: ((إلى صراط العزيز الحميد)) سورة ابراهيم
بقوله تعالى ( بإذن ربهم ) فان معنى الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه اخراج
الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم ، والمراد بهذا الاذن إما الأمر ، وإما العلم ، وإما
المشيئة والخلق . وحمل الاذن على الأمر محال ، لأن الاخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على
الأمر ، فانه سواء حصل الأمر أو لم يحصل ، فان الجهل متميز عن العلم . والباطل متميز عن
الحق ، وأيضا حمل الاذن على العلم محال ، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم
بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج، ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج
تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الاذن
المشيئة والتخليق ، وذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه اخراج الناس من
الظلمات إلى النور إلا بمشيئة الله وتخليقه .
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الاذن الإلطاف .
قلنا : لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصِّل القول فيه فنقول: المراد بالاذن إما ان يكون
أمراً يقتضي ترجیح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك، فان كان الثاني لم يكن
فيه أمر البتة، فامتنع أن يقال إنه مما حصل بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الأذن
معنى يقتضى ترجيح جانب الوجود على جانب العدم. وقد دللنا في الكتب العقلية على أنه متى
حصل الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا والله
أعلم .
﴿ المسألة السادسة ﴾ القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم
الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام ، احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا إنه تعالى صرح في هذه
الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الايمان ، وذلك يدل على أن
معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم .
وجوابنا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه ، وأما المعرفة فهي إنما تحصل
بالدليل والله أعلم .
﴿ المسألة السابعة) الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة. وأن طريق الخير
ليس إلا الواحد ، لأنه تعالى قال ( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) فعبر عن الجهل
والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الايمان والهداية بالنور وهو لفظ مفرد ، وذلك يدل
على أن طرق الجهل كثيرة ، وأما طريق العلم والايمان فليس إلا الواحد .
المسألة الثامنة ) في قوله تعالى ( إلى صراط العزيز الحميد ) وجهان : الأول : أنه بدل

٧٦
قوله تعالى ((الله الذي له ما في السموات وما في الأرض)) سورة ابراهيم
اللَّ الَّذِىِ لَّهُمَا فِى السَّمَنَّتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَثِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
الَّذِينَ يَسْتَحُونَ الْحَيَزَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَغُونَهَا
عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ
من قوله الى النور بتكرير العامل كقوله ( للذين استضعفوا لمن آمن منهم ) الثاني : يجوز أن
يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل : الى أي نور فقيل ( الى صراط العزيز الحميد ).
﴿ المسألة التاسعة ) قالت المعتزلة: الفاعل إنما يكون آتيا بالصواب والصلاح ، تاركا
للقبيح والعبث اذا كان قادرا على كل المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل
الحاجات ، فانه إن لم يكن قادراً على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز ، وإن لم يكن عالما
بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل ، وإن لم يكن غنيا عن كل الحاجات فربما فعل
القبيح بسبب الحاجة ، أما اذا كان قادراًعلى الكل عالما بالكل، غنياً عن الكل امتنع منه الإقدام
على فعل القبيح ، فقوله ( العزيز ) إشارة الى كمال القدرة ، وقوله ( الحميد ) إشارة إلى كونه
مستحقا للحمد في كل أفعاله ، وذلك إنما يحصل اذا كان عالما بالكل غنيا عن الكل . فثبت بما
ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفا بكونه شريفا رفيعا عاليا لكونه صراطا مستقيما للاله الموصوف
بكونه عزيزاً حميدا ، فلهذا المعنى : وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام .
﴿المسألة العاشرة﴾ إنما قدّم ذكر العزيز على ذكر الحميد، لأن الصحيح أن أول العلم
بالله العلم بكونه تعالى قادراً، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنیا عن
الحاجات، والعزيز هو القادر، والحميد هو العالم الغني، فلما كان العلم بكونه تعالى قادراً
متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عن الكل لا جرم قدم الله ذكر الحميد والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الارض وويل للكافرين من عذاب
شديد الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك
في ضلال بعيد﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر (الله) مرفوعا بالابتداء وخبره ما بعده ، وقيل
التقدير هو الله والباقون بالجر عطفا على قوله (العزيز الحميد) وههنا بحث، وهو أن جماعة من
المحققين ذهبوا إلى أن قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم لذات الله تعالى. وذهب قوم آخرون

قوله تعالى ((الله الذي له ما في السموات وما في الأرض)) سورة ابراهيم ٧٧
إلى أنه لفظ مشتق، والحق عندنا هو الأول. ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاسم المشتق عبارة
عن شيء ما حصل له المشتق منه، فالأسود مفهومة شيء ما حصل له السواد، والناطق مفهومة
شيء ما حصل له النطق، فلو كان قولنا الله اسما مشتقاً من معنى لكان المفهوم منه أنه شيء ما
حصل له ذلك المشتق منه، وهذا المفهوم كلي لا يمتنع من حيث هو عن وقوع الشركة فيه، فلو
كان قولنا الله لفظاً مشتقاً لكان مفهومه صالحاً لوقوع الشركة فيه، ولو كان الأمر كذلك لما كان
قولنا لا إله إلا الله موجباً للتوحيد، لأن المستثن هو قولنا الله وهو غير مانع من وقوع الشركة فيه
ولما أجمعت الأمة على أن قولنا لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا الله جار مجرى
الاسم العلم. الثاني: أنه كلما أردنا أن نذكر سائر الصفات والأسماء ذكرنا اولاً قولنا الله ثم
وصفناه بسائر الصفات كقولنا هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس، ولا
يمكننا أن نعكس الأمر فنقول الرحمن الرحيم الله فعلمنا أن الله هو اسم علم للذات
المخصوصة، وسائر الألفاظ دالة على الصفات والنعوت. الثالث: أن ما سوى قولنا الله كلها
دالة، إما على الصفات السلبية، كقولنا: القدوس السلام، أو على الصفات الاضافية، كقولنا
الخالق الرازق أو على الصفات الحقيقية كقولنا: العالم القادر، أو على ما يتركب من هذه
الثلاثة، فلو لم يكن قولنا: الله: اسما للذات المخصوصة، لكان جميع أسماء الله تعالى ألفاظا
دالة على صفاته، ولم يحصل فيها ما يدل على ذاته المخصوصة، وذلك بعيد، لأنه يبعد أن لا
يكون له من حيث أنه هو اسم مخصوص، والرابع: قوله تعالى (هل تعلم له سميا) والمراد هل
تعلم من اسمه الله غير الله وذلك يدل على أن قولنا: الله: اسم لذاته المخصوصة، واذا ظهرت
هذه المقدمة فالترتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصفات كقوله تعالى (هو الله الخالق البارىء
المصور) فاما أن يُعكس فيقال: هو الخالق المصور البارىء الله، فذلك غير جائز.
واذا ثبت هذا فنقول : الذين قرؤا ( الله الذي له ما في السموات) بالرفع أرادوا أن يجعلوا
قوله ( الله ) مبتدأ ويجعلوما بعده خبرا عنه وهذا هو الحق الصحيح ، فأما الذين قرؤا ( الله )
بالجر عطفا على ( العزيز الحميد ) فهو مشكل لما بينا أن الترتيب الحسن أن يقال : الله الخالق .
وأما أن يقال : الخالق الله فهذا لا يحسن ، وعند هذا اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول :
قال أبو عمرو بن العلاء : القراءة بالخفض على التقديم والتأخير، والتقدير : صراط الله
العزيز الحميد الذي له ما في السموات ، والثاني : أنه لا يبعد أن يذكر الصفة أولاً ثم يذكر
الاسم ثم يذكر الصفة مرة أخرى . كما يقال : مررت بالامام الجليل محمد الفقيه وهو بعينه
نظير قوله ( صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات ) وتحقيق القول فيه : أنا بينا أن
الصراط إنما يكون ممدوحا محمودا اذا كان صراطا للعالم القادر الغني ، والله تعالى عبر عن هذه
الأمور الثلاثة بقوله ( العزيز الحميد ) ثم لما ذكر هذا المعنى وقعت الشبهة في أن ذلك العزيز من

٧٨
قوله تعالى (( وويل للكافرين من عذاب شديد)) سورة ابراهيم
هو؟ فعطف عليها قوله ( الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ) ازالة لتلك الشبهة .
الثالث : قال صاحب الكشاف : الله عطف بيان للعزيز الحميد ، وتحقيق هذا القول ما قررناه
فيما تقدم . الرابع : قد ذكرنا في أول الكتاب أن قولنا الله في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف
صار جارياً مجرى الاسم العلم فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصفات فذلك لأجل أنه
جعل اسم علم ، وأما في هذه الآية حيث جعل وصفاً للعزيز الحميد ، فذاك لأجل أنه حمل على
كونه لفظا مشتقا فلا جرم بقي صفة . الخامس : أن الكفار ربما وصفوا الوثن بكونه عزيزا
حميدا ، فلما قال ( لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد )
بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ذلك العزيز الحميد هو الوثن ، فأزال الله تعالى هذه
الشبهة وقال ( الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ) أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو
الله الذي له ما في السموات وما في الأرض .
﴿ المسألة الثانية ) قوله ( الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ) يدل على أنه تعالى
غير مختص بجهة العلو البتة، وذلك لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، فلو حصل أن ذات الله
تعالى في جهة فوق ، لكان حاصلا في السماء ، وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو
ملكه ، فلزم كونه مُلكاً لنفسه وهو محال ، فدلت هذه الآية على أنه منزَّه عن الحصول في جهة
فوق .
﴿ المسألة الثالثة) احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال
( له ما في السموات وما في الأرض ) وأعمال العباد حاصلة في السموات والأرض فوجب القول
بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله
تعالى ، وإذا ثبت أنها مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى ، وإلا لكان العبد قد منع
الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال .
واعلم أن قوله تعالى ( له ما في السموات وما في الأرض ) يفيد الحصر، والمعنى: أن ما في
السموات وما في الأرض له لا لغيره ، وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله . ثم
إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال ( وويل للكافرين من عذاب شديد )
والمعنى : إنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك السموات والأرض ولكل ما فيهما الى
عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا وَ يُخُلُق ولا يُخْلَقُ ، ولا إدراك له ولا فعل ، فالويل ثم الويل لمن
كان كذلك ، وإنما خص هؤلاء بالويل ، لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه
ويقولون يا ويلاه . ونظيره قوله تعالى ( دعوا هنالك ثبورا)، ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين
الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب ، وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع : الأول :

٧٩
قوله تعالى ((الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة)) سورة ابراهيم
قوله ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إن شئت جعلت ((الذين)) صفة الكافرين في الآية المتقدمة، وإن
شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله ( أولئك ) وإن شئت نصبته على الذم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الاستحباب طلب محبة الشيء، وأقول إن الانسان قد يجب الشيء
ولكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشيء ، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ، ولكنه يكره
كونه محبا لهما ، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له ، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية
المحبة، فقوله ( الذين يستحبون الحياة الدنيا ) يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ،
ولا يكون الانسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة
العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة ، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة
بأنواع كثيرة من العيوب فأحدها : أن بسبب هذه الحياة أنفتحت أبواب الآلام والاسقام
والغموم والهموم والمخاوف والأحزان . وثانيها : أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا
دفع الآلام ، بخلاف اللذات الروحانية فانها في أنفسها لذات وسعادات، وثالثها: أن سعادات
هذه الحياة منغِّصة بسبب الانقطاع والانقراض والانقضاء . ورابعها : أنها حقيرة قليلة ،
وبالجملة فلا يحبُّ هذه الحياة إلا من كان غافلا عن معايبها وكان غافلا عن فضائل الحياة
الروحانية الأخروية ، ولذلك قال تعالى ( والآخرة خير وأبقى ) فهذه الكلمة جامعة لكل ما
ذكرناه .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ إنما قال ( يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ) لأن فيه اضمار ،
والتقدير : يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة ، فجمع تعالى بين هذين الوصفين
ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا بعد أن يضاف اليه إيثارها على
الآخرة ، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فان ذلك لا يكون
مذموما حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة
المذمومة .
﴿ النوع الثاني﴾ من الصفات التي وصف اللهُ الكفارَ بها قوله تعالى (ويصدون عن
سبيل الله ).
واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال ، ومن منع الغير من الوصول الى
سبيل الله ودينه فهو مِضلّ ، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين ، وهذه المرتبة الثانية وهي
كونهم صادين عن سبيل الله ، إشارة إلى كونهم مضلين .

٨٠
قوله تعالى (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)) سورة ابراهيم
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اَللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى
مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
والنوع الثالث ﴾ من تلك الصفات قوله (ويبغونها عوجا) واعلم أن الاضلال على
مرتبتين:
﴿ المرتبة الأولى﴾ أنه يسعى في صدر الغير ومنعه من الوصول الى المنهج القويم
والصراط المستقيم
والمرتبة الثانية ﴾ أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق، ويحاول
تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو النهاية في الضلال والاضلال ، واليه
الاشارة بقوله (ويبغونها عوجا) قال صاحب الكشاف الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها
عوجا. فحذف الجار وأوصل الفعل، ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء
الكفار قال في صفتهم (أولئك في ضلال بعيد) وإنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه:
﴿ الوجه الأول﴾ أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في هذه
المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق، فان شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد،
مثل السواد والبياض، فكذا ههنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد
عن الحق فانه لا يعقل ضلال أقوى وأكمل من هذا الضلال.
والوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى، لأنه
قد تمکن ذلك في نفوسهم .
والوجه الثالث ﴾ أن يكون المراد من الضلال الهلاك. والتقدير: أولئك في هلاك
يطول عليهم فلا ينقطع، وأراد بالبعد امتداده وزوال انقطاعه.
قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبین لهم فيضل الله من يشاء ويهدي
من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾ .
في الآية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج
الناس من الظلمات الى النور) كان هذا إنعاماً على الرسول من حيث أنه فوض اليه هذا المنصب