Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّزى
الصََّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِعِ الغَيْب
للإمَامِ حَّ الَّزى مخز الّين ابن العلامة ضياءالدين عمر
الشّهر بخطِ الرى نفع اللهباليمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
الجُزْءُ التَّاسِع عَشِرُ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
٠٠
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي

٣
قوله تعالى ((وهو الذي مد الأرض )) سورة الرعد
بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُوَ الَِّ مَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِ النََّرَتِ جَعَلَ فِيهَا
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِ ذَالِكَ لَبَيْتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُ ونَ
قوله تعالى: ﴿وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل
فيها ز وجین اثنین یغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال ﴿وهو
الذي مد الأرض ﴾.
واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه : الأول : أن الشيء إذا تزايد
حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾
اشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد
ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقداراً مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز
ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص وتقدير مقدِّر.
الثاني : قال أبو بكر الأصم المد هو البسط الى ما لا يدرك منتهاه، فقوله ﴿وهو الذي مد
الأرض ﴾ يشعر بأنه تعالى جعل حجم الارض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه ، لأن
الأرض لو كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به . والثالث : قال قوم كانت
الأرض مدوَّرة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا . وقال آخرون : كانت
مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها اذهبي كذا وكذا .
اعلم أن هذا القول انما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كروية وأصحاب هذا القول
احتجوا عليه بقوله ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ وهذا القول مشكل من وجهين: الأول:
أنه ثبت بالدلائل أن الأرض كروية فكيف يمكن المكابرة فيه؟
فان قالوا : وقوله ﴿ مد الأرض ﴾ ينافي كونها كروية فكيف يمكن المكابرة فيه؟
قلنا : لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها

٤
قوله تعالى (( وهو الذي مد الأرض )) سورة الرعد
تشاهد كالسطح، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله، ألا ترى أنه
تعالى قال: ﴿والجبال أوتادا﴾ فجعلها أوتادا مع أن الناس يستقرون عليها فكذلك ههنا:
والثاني: أن هذه الآية انما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع، والشرط فيه أن يكون
ذلك أمرا مشاهدا معلوما حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت
أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع ، فثبت أن التأويل الحق
هو ما ذكرناه .
والنوع الثاني ﴾ من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال واليه الاشارة بقوله ﴿وجعل
فيها رواسي ﴾ من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها، يقال: رسا هذا الوتد
وأرسیته، والمراد ما ذكرنا .
واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه : الأول :
أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد وأن يكون بتخليق
القادر الحكيم، قالت الفلاسفة : هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من
العالم فكانت تتولد في البحر طينا لزجا . ثم يقوى تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما يشاهد
في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية ، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال
قالوا : وانما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لان أوج الشمس وحضيضها
متحركان ففي الدهر الاقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في
حضيضها كانت أقرب الى الأرض فكان التسخين أقوى وشدة السخونة توجب انجذاب
الرطوبات فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال . والآن لما
انتقل الأوج الى جانب الشمال والحضيض الى جانب الجنوب انتقلت البحار الى جانب الجنوب
فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال،هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من
وجوه : الأول : أن حصول الطين في البحر أمر عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فَلِمَ حصل
هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض ، والثاني : وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تِلك
الاحجار موضوعة سافا فسافا فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول
مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه، والثالث : أن أوج الشمس الآن قريب من أول
السرطان فعلى هذا مضى قريب من تسعة آلاف سنة من الوقت الذي انتقل أوج الشمس الى
جانب الشمالي، وبهذا التقدير بما أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت، فوجب أن
لا يبقى من الأحجار شيء، لكن ليس الامر كذلك، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف .
والوجه الثاني ﴾ من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما

قوله تعالى ((ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين)) سورة الرعد
يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة، وقد يحصل فيها معادن
الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط والقير والكبريت ، فكون الأرض واحدة في
الطبيعة ، وكون الجبل واحدا في الطبع ، وكون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دليلا ظاهرا
على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات والممكنات .
والوجه الثالث ﴾ من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه
الأرض ، وذلك أن الحجر جسم صلب فاذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت الى
الجبل أحتبست هناك فلا تزال تتكامل ، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة ، ثم إنها لكثرتها
وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا
الوجه ، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه
الآية ، ومثل قوله ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامحات وأسقيناكم ماء فراتا﴾.
والنوع الثالث ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقه
النبات ، واليه الاشارة بقوله ﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ إن الحبة اذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت
وكبرت وبسبب ذلك ينشق اعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرةُ الصاعدة في الهواء
ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من العجائب ، لأن طبيعة
تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والافلاك والكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى
من تلك الحبة جرم صاعد الى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض ، ومن
المحال ان یتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك انما كان بسبب تدبیر
المدبر الحكيم والمقدر القديم، لا بسبب الطبع والخاصية ، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة
بعضها يكون خشبا وبعضها يكون نورا ثم إن تلك الثمرة أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة
الطبائع، فالجوز له أربعة أنواع من القشور، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبية وتحتها القشرة
المحيطة باللبنة ، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز
رطبا وأيضا فقد يحصل في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة فالأترج قشره حار يابس ولحمه حار
رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس، وكذلك فإن العنب قشره وعجمه
باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع
تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر
القديم .

٦
قوله تعالى (( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) سورة الرعد
المسألة الثانية ﴾ المراد بزوجين اثنين: صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم
كالحلو والحامض ، أو الطبيعة كالحار والبارد ، أو اللون كالأبيض والأسود .
فان قيل : الزوجان لا بد وأن يكون اثنین ، فما الفائدة في قوله ﴿ زوجين اثنين ﴾
قلنا : قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من
الأنواع اثنين فقط ، فلو قال : خلق زوجين، لم يُعلم أن المراد النوع أو الشخص . أما لما قال
اثنين، علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد ، والحاصل أن
الناس فيهم الآن كثرة . إلا أنهم لما ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء ، فكذلك
القول في جميع الأشجار والزرع والله أعلم .
النوع الرابع ﴾ من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل والنهار
واليه الاشارة بقوله ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ والمقصود أن الإنعام لا يكمل الا بالليل والنهار
وتعاقبهما كما قال ﴿ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ﴾ ومنه قوله ﴿ یغشی الليل نهار
يطلبه حثيثا ﴾﴾ وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب ، قرأ حمزة
والكسائي وأبو بكر عن عاصم : ﴿ يغشى ) بالتشديد وفتح الغين والباقون بالتخفيف ، ثم
إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة ، قال ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم
یتفکر ون
واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ أو ما يقرب منه بحسب المعنى ، والسبب فيه أن
الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي الى الاختلافات الواقعة في الاشكال الكوكبية ، فما
لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود ، فلهذا المعنى قال ﴿ إن في ذلك لآيات
لقوم يتفكرون ﴾ كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل
ليتم الاستدلال .
واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين : الأول : أن نقول هبوا أنكم أسندتم
حوادث العالم السفلي الى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية، إلا أنا أقمنا الدليل القاطع
على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لا بد أن يكون
بتخصيص المقدر القديم والمدبر الحكيم ، فقد سقط هذا السؤال، وهذا الجواب قد قرره الله
تعالى في هذا المقام ، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا كيف أنها تدل على وجود
الصانع . ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية .

٧
قوله تعالى (( وفي الأرض قطع متجاورات)) سورة الرعد
وَفِ اَلْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَوِرَاتٌ وَجَنَّنْتُ مِنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعُ وَتَّخِلُ صِنْوَنٌّ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ
يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ الْأُكُلِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ
فإن قال قائل : لِم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية ؟
كان جوابنا أن نقول: فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية الى
الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحا في غرضنا .
والوجه الثاني ﴾ من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث
الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية ، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه
الآية ، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين
والآخرين .
/قوله تعالى: ﴿وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان
وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم
يعقلون ﴾.
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن
يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية ، والحركات الكوكبية ،
وتقريره من وجهين : الأول : إنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك
متجاورة ، فبعضها تكون سبخية ، وبعضها تكون رخوة ، وبعضها تكون صلبة ، وبعضها
تكون منبتة ، وبعضها تكون حجرية او رملية وبعضها يكون طينا لزجا ، ثم إنها متجاورة،.
وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع متساوية ،فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها
بتقدير العليم القدير . والثاني : أن القطعة الواحدة من الارض تسقى بماء واحد فيكون تأثير
الشمس فيها متساويا ، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى
أنك قد تأخذ عنقودا من العنب فيكون جميع حباته حلوة ناضجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت
حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطباع والافلاك للكل متساوية ، بل
نقول : ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في

٨
قوله تعالى (( وفي الأرض قطع متجاورات )) سورة الرعد
غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السواد، مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة
فيستحيل أن يقال : وصل تأثير الشُّمس الى أحد طرفيه دون الثاني وهذا يدل دلالة قطعية على
أن الكل بتدبير الفاعل المختار ، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه
وتعالى:﴿تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ فهذا تمام الكلام في تقرير هذه
الحجة وتفسيرها وبيانها .
واعلم أن بذکر هذا الجواب قد تمت الحجة،فان هذه الحوادث السفليةلا بد هامن مؤثر،
وبينا أن ذلك المؤثر ليس من الكواكب والأفلاك والطبائع، فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من
فاعل آخر سوى هذه الاشياء وعندها يتم الدليل ، ولا يبقى بعده للفكر مقام البتة ، فلهذا
السبب قال ههنا:﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال إن
هذه الحوادث السفلية حدثت بدون مؤثر البتة، وذلك يقدح في كمال العقل، لأن العلم بافتقار
الحادث الى المحدث لما كان علما ضروريا، كان عدم حصول هذا العلم قادحا في كمال العقل
فلهذا قال: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ وقال في الآية المتقدمة: ﴿إن في ذلك لآيات
لقوم يتفكرون﴾ فهذه اللطائف نفسية من أسرار علم القرآن ونسأل الله تعالى العظيم أن يجعل
الوقوف عليها سببا للفوز بالرحمة والغفران .
﴿ المسألة الثانية) قوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات)، قال ابو بكر الأصم: أرض
قريبة من أرض أخرى، واحدة طيبة، وأخرى سبخة وثالثة حرة. ورابعة رملية، وخامسة
تكون حصباء وسادسة تكون حمراء. وسابعة تكون سوداء. وبالجملة فاختلاف
بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم ، وفي بعض المصاحف
﴿ قطعا متجاورات ﴾ والتقدير: وجعل فيها رواسي وجعل في الأرض قطعا متجاورات . وأما
قوله ﴿وجنات من أعناب وزرع ونخيل ﴾ فنقول : الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل
والكرم والزرع وتحفّه تلك الأشجار والدليل عليه قوله تعالى ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من
أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم
وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان﴾ كلها بالرفع عطفا على قوله ﴿وجنات﴾ والباقون
بالجر عطفا على الأعناب . وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس (صنوان﴾ بضم الصاد
والباقون بكسر الصاد وهما لغتان ، والصنوان جمع صنومثل قنوان وقنو ويجمع على اصناء مثل
اسم وأسماء ، فاذا كثرت فهو الصنى ، والصنى بكسر الصاد وفتحها ، والصنو أن يكون
الأصل واحدا وتنبت فيه النخلتان والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو. وذكر ثعلب عن ابن
الاعرابي: الصنو المثل، ومنه قوله وي ليه((ألا إن عم الرجل صنو أبيه)) أي مثله.

٩
قوله تعالى ((وان تعجب فعجب قولهم)) سورة الرعد
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَِذَا كَّا تُرَابًا أَبِنَّالَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِّهِمْ وَأَوْلَئِكَ الْأَغَْلُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
إذا عرفت هذا فنقول : اذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى : أن النخيل منها ما
ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر، ومنها ما لا يكون كذلك ، واذا فسرناه بالتفسير الثاني كان
المعنى : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة ، وقد لا تكون كذلك .
ثم قال تعالى ﴿تسقى بماء واحد﴾ قرأ عاصم وابن عامر ﴿يسقى﴾ بالياء على تقدير
يسقي كله أو لتغليب المذكر على المؤنث ، والباقون بالتاء لقوله ﴿ جنات﴾ قال أبو عمرو : ومما
يشهد للتأنيث قوله تعالى ﴿ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ قرأ حمزة والكسائي
﴿ يفضل﴾ بالياء عطفا على قوله (يدبر)،(ويفصل)، (ويغشى) والباقون بالنون على تقدير:
ونحن نفضل، و﴿في الأكل﴾ قولان: حكاهما الواحدي بأنه حكي عن الزجاج أن الأكل:
الثمر الذي يؤكل، وحكى عن غيره أن الأكل: المهيأ للأكل، وأقول هذا أولى لقوله في صفة
الجنة ﴿أكلها دائم﴾ وهو عام في جميع المطعومات وابن كثير ونافع يقرآن الاكل ساكنة الكاف في
جميع القرآن، والباقون بضم الكاف وهما لغتان .
قوله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أثنا لفي خلق جديد أولئك الذين
کفر وا بر بهم وأولئك الاغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
فيه مسائل :
المسألة الأولى) اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج اليه في معرفة
المبدأ ذكر بعده مسألة المعاد فقال ﴿وإن تعجب فعجب قولهم ﴾ وفيه أقوال :
{ القول الأول ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما
كانوا قد حكموا عليك أنك من الصادقين فهذا عجب . والثاني : إن تعجب يا محمد من
عبادتهم ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا بعدما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد فهذا عجب .
والثالث : تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم لما اعترفوا بأنه
تعالى مدبر السموات والأرض وخالق الخلائق أجمعين ، وأنه هو الذي رفع السموات بغير
عمد ، وهو الذي سخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد ، وهو الذي أظهر في العالم

١٠
قوله تعالى (( أولئك الذين كفروا بربهم)) سورة الرعد
أنواع العجائب والغرائب ، فمن كانت قدرته وافية بهذه الاشياء العظيمة كيف لا تكون وافية
باعادة الانسان بعد موته ، لأن القادر على الاقوى الاكمل يكون قادرا على الاقل الاضعف من
باب أولى، فهذا تقرير موضع التعجب.
ثم إنه تعالى لما حكى هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة اشياء : أولها : قوله ﴿ أولئك
الذين كفروا بربهم ﴾ وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة فهو كافر ، وإنما لزم من
إنكار البعث الكفر بربهم من حيث أن إنكار البعث لا يتم إلا بانكار القدرة والعلم والصدق ،
أما إنكار القدرة فكما اذا قيل : إن إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر على
الاعادة . أو قيل : إنه وإن كان قادرا لكنه ليس تام القدرة ، فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة
الأبوين وتأثير. الطبائع والأفلاك ، وأما العلم فكما إذا قيل : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ،
فلا يمكنه تمييز هذا المطيع عن العاصي . وأما إنكار الصدق فكما اذا قيل : إنه وان أخبر عنه
لكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه ولما كان كل هذه الاشياء كفراً ثبت أن إنكار البعث كفر
بالله .
الصفة الثانية ) قوله ﴿وأولئك الأغلال في أعناقهم﴾ وفيه قولان :
﴿القول الأول﴾ قال أبو بكر الأصم: المراد بالأغلال: كفرهم وذلتهم وانقيادهم
للأصنام، ونظيره قوله تعالى ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾، قال الشاعر:
لهم عن الرشد أغلال وأقياد
ويقال للرجل : هذا غلّ في عنقك للعمل الرديء ، معناه : أنه لازم لك وأنك مجازى
عليه بالعذاب، قال القاضي : هذا وإن كان محتملا إلا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى ،
وأقول : يمكن نصرة قول الأصم بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الاغلال في أعناقهم في الحال
وذلك غير حاصل وأنتم تحملون اللفظ على أنه سيحصل هذا المعنى ونحن نحمله على أنه
حاصل في الحال إلا أن المراد بالاغلال ما ذكرناه ، فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض
الوجوه، فلم كان قولكم أولى من قولنا؟
والقول الثاني ﴾ المراد أنه تعالى يجعل الاغلال في أعناقهم يوم القيامة ، والدليل
عليه قوله تعالى ﴿ إذا الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ﴾
﴿والصفة الثالثة) قوله تعالى ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ والمراد منه
التهديد بالعذاب المخلد المؤبد، واحتج أصحابنا رحمهم الله تعالى بهذه الآية على أن العذاب
المخلد ليس الا للكفار فقالوا قوله ﴿هم فيها خالدون﴾ يفيد أنهم الموصوفون بالخلود لا

١١
قوله تعالى ((ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة )) سورة الرعد
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثْلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَّذُو
مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ◌ُلْيِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
غيرهم ، وذلك يدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال المتكلمون: العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حق الله
تعالى محال فكان المراد وإن تعجب فعجب عندك .
ولقائل أن يقول : قرأ بعضهم في الآية الأخرى باضافة العجب الى نفسه تعالى فحينئذ
يجب تأويله وقدبينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادىء الاعراض ، ويجب حملها على
نهايات الاعراض فان الانسان إذا تعجب من الشيء أنكره فكان هذا محمولا على الانكار .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلف القراء في قوله ﴿أئذا كنا ترابا أثنا لفي خلق جديد﴾ وأمثاله
إذا كان على صورة الاستفهام في الأول والثاني فمنهم من يجمع بين الاستفهامين في الحرفين
وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ، ثم اختلف هؤلاء فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة إلا
أنه لا يمد . وأبو عمر ويستفهم بهمزة مطولة يمد فيها ، وحمزة وعاصم بهمزتين في كل القرآن ،
ومنهم من لا يجمع بين الاستفهامين ، ثم اختلفوا فنافع وابن عامر والكسائي يستفهم في الأول
ويقرأ على الخبر في الثاني وابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، ثم اختلف هؤلاء
من وجه آخر فنافع بهمزة غير مطولة وابن عامر والكسائي بهمزتين ، أما نافع فكذلك إلا في
سورة الصافات وكذلك ابن عامر إلا في سورة الواقعة، وكذلك الكسائي إلا في العنكبوت
والصافات .
المسألة الرابعة﴾ قال الزجاج: العامل في ﴿ أئذا كنا ترابا﴾ محذوف تقديره: أئذا
كنا ترابا نُبعث ؟ ودل ما بعده على المحذوف .
قوله تعالى ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك
لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ﴾.
اعلم أنه سير كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلما هددهم
بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر، وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى، وكلما
هددهم بعذاب الدنيا قالوا له : فأتنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن
فيه ، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم يستعجلون
الرسول بالسيئة قبل الحسنة، والمراد بالسيئةههنا نزول العذاب عليهم كما قال الله تعالى عنهم في

١٢
قوله تعالى ((وان ربك لذو مغفرة للناس)) سورة الرعد
قوله ﴿ فأمطر علينا حجارة﴾ وفي قوله ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ الى
قوله ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا﴾، وإنما قالوا ذلك طعنا منهم فيما ذكره الرسول،
وكان ◌َّ يعدهم على الايمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا، فالقوم طلبوا
منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر، فهذاهو المراد بقوله ﴿ويستعجلونك
بالسيئة قبل الحسنة ﴾ ومنهم من فسر الحسنة ههنا بالإمهال والتأخير وإنما سمّوا العذاب سيئة
لأنه يسوءهم ويؤذيهم .
أما قوله ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ فاعلم أن العرب يقولون: العقوبة: مثلة
ومثله صدقة وصدقة ، فالأولى لغة الحجاز ، والثانية لغة تميم ، فمن قال مثله فجمعه مثلات ،
ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلات باسكان التاء ، هكذا حكاه الفراء والزجاج ، وقال ابن
الأنباري رحمه الله : المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئا ، وهو تغيير تبقى الصورة معه
قبيحة ، وهو من قولهم ، مثّل فلان بفلان اذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه
أو بقر بطنه فهذا هو الأصل ، ثم يقال للعار الباقي ، والخزي اللازم مثله . قال الواحدي :
وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابها
للمعاقب ومماثلا له جرم سمي بهذا الأسم. قال صاحب الكشاف: قرىء ﴿المثلات ﴾
بضمتين لاتباع الفاء العين ﴿ والمثلات﴾ بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال : السمرة ،
والمثلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين ، والمثلات جمع مثلة كركبة
وركبات .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به ،
وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها ، وكان ينبغي أن يردعهم خوف
ذلك عن الكفر اعتبارا بحال من سلف .
أما قوله ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ فاعلم أن أصحابنا تمسكوا
بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة ، ووجه الاستدلال به أن قوله
لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال: رأيت الأمير على
أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافرا للناس حال اشتغالهم بالظلم ،
ومعلوم أن حال اشتغال الانسان بالظلم لا يكون تائبا فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب
قبل الاشتغال بالتوبة . ثم نقول : ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر ، فوجب أن يبقى
معمولاً به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب، أو نقول: إنه تعالى لم يقتصر على قوله

١٣
قوله تعالى (( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه )) سورة الرعد
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلٌ عَلَيْهِءَ ايَةٌ مِّن رَبَِّةٍ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمِ هَادٍ
.٧.
﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ بل ذكر معه قوله ﴿وإن ربك لشديد العقاب
فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم
مكفرة ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : إن ربك لذو مغفرة اذا تابوا وأنه تعالى إنما لا
يعجل العقاب إمهالاً لهم في الاتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم، ويكون من هذه المغفرة
تأخير العقاب إلى الآخرة، بل نقول : يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب ،
فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولا على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال،
ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد : وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالا
لهم في الاتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة ، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد
العقاب .
والجواب عن الأول: إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة ، وإلا لوجب أن يقال : الكفار
كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم الى الآخرة ، وعن الثاني : إنه تعالى تمدح
بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل . أما أداء الواجب فلا تمدح فيه، وعندكم يجب غفران
الصغائر، وعن الثالث : إنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم ، وبينا أن
حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة ، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه .
قوله تعالى:﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم
هاد ﴾.
إعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر
أولاً ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال
ثانيا ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبّنة ثالثا ، وهو المذكور في هذه الآية .
واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا : هذا كتاب
مثل سائر الكتب وإتيان الانسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزا البتة ، وإنما
المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام .
واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام

١٤
قوله تعالى ((إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)) سورة الرعد
سوى القرآن ، وقالوا : إن يصح هذا الكلام اذا طعنوا في كون القرآن معجزا ، مع أنه ما
ظهر عليه نوع آخر من المعجزات، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات،
لامتنع أن يقولوا ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له
معجز سوى القرآن .
واعلم أن الجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد منه طلب معجزات سوى
المعجزات التي شاهدوها منه ® كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير
من الطعام القليل ، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور : مثل فلق البحر بالعصا ،
وقلب العصا ثعبانا .
فإن قيل : فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم ؟
قلنا : إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكماً ، وظهور
القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة الى سائر المعجزات ، وأيضا فلعله تعالى علم أنهم
يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة ، ويصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب
الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله ﴿ولو
علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾، بين أنه لم يعطهم
مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به ، وأيضا هذا الباب يفضي الى ما لا نهاية له ، وهو أنه
كلما أتى بمعجزة جاء واحد فطلب منه معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم
السلام، وأنه باطل .
الوجه الثاني ﴾ في الجواب: لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر
المعجزات . ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اتفق القراء على التنوين في قوله ﴿هاد﴾ وحذف الياء في الوصل،
واختلفوا في الوقف ، فقرأ ابن كثير بالوقف على الياء، والباقون: بغير الياء، وهو رواية ابن فليح
عن ابن كثير للتخفيف .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في تفسير هذه الآية وجوه : الأول : المراد أن الرسول عليه السلام
منذر لقومه مبين لهم ، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع ، وأنه تعالى عدل بين الكل في

١٥
قوله تعالى (( الله يعلم ما تحمل كل أنثى)) سورة الرعد
٨
اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَ تَغِضُ آلْأَرْحَمُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ، بِقْدَارٍ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِالْكَبِرُ الْمُتَعَالِ ﴾ سَوَآءُ مِّنْكُم مِّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَبِهِ
وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ
إظهار المعجزة، إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة
المخصوصة فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر، جعل معجزته ما هو أقرب
الى طريقهم ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب ، جعل معجزته ما كان من جنس
تلك الطريقة وهو احياء الموتى وابراء الاكمة والابرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول ◌ِلتر
الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقا ، بذلك الزمان ، وهو فصاحة القرآن فلما كان
العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فأن لا يؤمنوا عند اظهار سائر المعجزات
أولى، فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما .
والوجه الثاني ﴾ وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً فلا يضيق قلبك
بسببه، إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر الى أن يحصل الايمان في صدورهم ولست بقادر
عليهم لكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس
لك إلاالانذار، وأما الهداية فمن الله تعالى .
واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالا : الأول : المنذر والهادي شيء
واحد والتقدير : إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة
الآخر، الثاني: المنذر محمد ◌ٍّ. والهادي هو الله تعالى روى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما
وسعيد ابن جبير، ومجاهد، والضحاك، والثالث: المنذر النبي والهادي علي. قال ابن عباس
رضي الله عنهما: وضع رسول الله وَ لي يده على صدره فقال ((أنا المنذر)) ثم أومأ الى منكب علي
رضي الله عنه، وقال «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي))
قوله تعالى: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده
بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو
مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾.
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في وجه النظم وجوه : الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا

١٦
قوله تعالى ((وما تغيض الأرحام وما تزداد)) سورة الرعد
آيات أخرى غير ما أتى به الرسول و لر،بيّن أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم
أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان ، أو لأجل التعنّت والعناد ، وهل
ينتفعون بظهور تلك الآيات ، أو يزداد اصرارهم واستكبارهم ، فلو علم تعالى أنهم طلبوا
ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة ، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه ، لكنه
تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك الا لأجل محض. العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو
كقوله تعالى ﴿ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا﴾ وقوله ﴿قل
إنما الآيات عند الله ﴾ والثاني: أن وجه النظم أنه تعالى لما قال ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم ﴾
في انكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها
وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز، فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا
يكون عالما بجميع المعلومات ، أما في حق من كان عالما بجميع المعلومات ، فانه يبقى تلك
الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض ، ثم احتج على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات بأنه
يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام . الثالث : أن هذا متصل بقوله ﴿ ويستعجلونك
بالسيئة قبل الحسنة ﴾ والمعنى : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى انما ينزل العذاب
بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ لفظ ((ما)) في قوله ﴿ ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام وما
تزداد ﴾ إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية فان كانت موصولة ، فالمعنى أنه يعلم
ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى،وتام أو ناقص، وحسن أو قبيح وطويل أو
قصير وغير ذلك من الاحوال الحاضرة والمترقبة فيه .
ثم قال ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ والغيض هو النقصان سواء كان لازما أو متعديا يقال :
غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى ﴿وغيض الماء ﴾ والمراد من الآية وما تغيضه الارحام إلا
أنه حذف الضمير الراجع، وقوله ﴿وما تزداد ﴾ أي تأخذه زيادة تقول : أخذت منه حقي
وازددت منه كذا ، ومنه قوله تعالى ﴿ وازدادوا تسعا ﴾ ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على
وجوه : الأول : عدد الولد فان الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة،یر وی أن
شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني: الولد قد يكون مخدجا، وقد يكون تاما، الثالث:
مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها الى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، والى
أربعة عند الشافعي، والى خمس عند مالك، وقيل إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي
في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرما. الرابع: الدم فانه تارة يقل وتارة يكثر. الخامس:
ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام. السادس: ما ينقص بظهور دم

١٧
قوله تعالى ( وکل شيء عنده بمقدار )) سورة الرعد
الحيض . وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص . وبمقدار حصول ذلك
النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان، قال ابن عباس رضي الله
عنهما : كلما سال الحيض في وقت الحمل يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل به الجبر ويعتدل
الأمر . السابع : أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فاذا امتلأت عروقها من تلك
الفضلات فاضت وخرجت وسالت من دواخل تلك العروق ، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت
تلك العروق مرة أخرى، هذا كله إذا قلنا إن كلما ((ما)) موصولة . أما إذا قلنا إنها مصدرية
فالمعنى : أنه تعالى يعلم حمل كل انثى ، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من
ذلك ولا من أوقاته وأحواله .
وأما قوله تعالى ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ فمعناه: بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص
عنه ، كقوله ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ) وقوله في أول الفرقان ﴿وخلق كل شيء فقدّره
تقدیرا ﴾.
واعلم أن قوله ﴿ كل شيء عنده بمقدار﴾ يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم،
ومعناه : أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك
امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات، ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل
حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند حكماء الاسلام أنه
تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحرّكها بحيث يلزم من حركاتها المقدّرة
بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة ، ويدخل في هذه الآية
أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة .
ثم قال تعالى، ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد علم ما
غاب عن خُلقه وما شهدوه. قال الواحدي: فعلى هذا ﴿الغيب﴾ مصدر يريد به الغائب،
﴿والشهادة﴾ أراد بها الشاهد. واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد، قال بعضهم: الغائب هو
المعلوم، والشاهد هو الموجود. وقال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس، والشاهد ما حضر،
وقال غيرهم: الغائب ما لا يعرفه الخلق، والشاهد ما يعرفه الخلق. ونقول: المعلومات قسمان:
المعدومات والموجودات، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها، ومنها معدومات لا يمتنع
وجودها، والموجودات أيضا قسمان: موجودات يمتنع عدمها ، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل
واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص، والكل معلوم لله تعالى. وحكى الشيخ
الفخر الرازي ج١٩م ٢

١٨
قوله تعالى ((سواء منكم من أسر القول ومن جهر به )) سورة الرعد
الامام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن امام الحرمين رحمهم الله تعالى أنه كان يقول: لله
تعالى معلومات لا نهاية لها ، وله في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية
لها ، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في احياز لا نهاية لها على البدل
وموصوفا بصفات لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل ، وكل
هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى ﴿عالم الغيب والشهادة﴾
ثم إنه تعالى ذكر عقيبة قوله ﴿الكبير﴾ وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيرا بحسب الجثة
والحجم والمقدار، فوجب أن يكون كبيرا بحسب القدرة والمقادير الالهية ثم وصف تعالى نفسه
بأنه المتعال وهو المتنزّه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزها في ذاته وصفاته
وأفعاله ، فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفا بالعلم الكامل والقدرة التامة ، ومنزها عن
كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على كونه تعالى قادرا على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي
اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الالهية عند قوم
وبحسب المصلحة عند آخرين ، وقرأ ابن كثير ﴿المتعالي﴾ باثبات الياء في الوقف والوصل على
الأصل ، والباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالی أکد بیان کونه عاما بکل
المعلومات فقال ﴿سواء منکم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب
بالنهار﴾ وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ لفظ ﴿سواء﴾ يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمر وثم فيه وجهان:
الأول : أن سواء مصدر والمعنى : ذو سواء كما تقول : عدل زيد وعمرو ، أي ذوا عدل .
الثاني: أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة الى الاضمار إلا أن سيبويه
يستقبح أن يقول مستو زيد وعمر و لأن اسماء الفاعلين اذا كانت نكرات لا يبدأ بها .
ولقائل أن يقول : بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الاضمار
الذي هو خلاف الأصل .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في المستخفي والسارب قولان :
القول الأول﴾ يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء (واستخفى فلان من فلان أي
توارى واستتر . وقوله ﴿وسارب بالنهار ﴾ قال الفراء والزجاج : ظاهر بالنهار في سربه أي
طريقه . يقال : خلا له سربه ، أي طريقه . وقال الأزهري : تقول العرب سربت الابل
تسرب سربا ، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت ، فاذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء

١٩
قوله تعالى (( له معقبات من بين يديه ومن خلفه )) سورة الرعد
لَهُ مُعَقِبَلْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللهَلَ يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ
خَى يُغَيِرُواْ مَاِنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءً ا فَلَا مَرَدَّلَهُ، وَمَالَهُم مِّنْ دُوِ،
مِن وَالٍ د
كان الانسان مستخفيا في الظلمات أو كان ظاهراً في الطرقات ، فعلم الله تعالى محيط بالكل .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة ، وقال مجاهد :
سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ، ومن يأتي بها في النهار، الظاهر على سبيل
التوالي .
﴿والقول الثاني) نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال: المستخفي الظاهر
والسارب المتواري ومنه يقال خفيت الشيء واخفيته أي أظهرته، واختفيت الشيء استخرجته
.(ويسمى النباش: المستخفي. والسارب: المتواري، ومنه يقال: للداخل سريا، وانسرب
الوحش اذا دخل السرب أي في كناسه. قال الواحدي: وهذا الوجه صحيح في اللغة، إلا أن
الاختيار هو الوجه الأول لإطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضا فالليل يدل على الاستتار، والنهار
على الظهور والانتشار.
قوله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ان الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم واذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.
اعلم أن الضمير في (( له)) عائد الى ((من)) في قوله ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن
جهر به ﴾ وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله معقبات، وأما المعقبات
فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله ﴿ وجاء المعذرون
من الأعراب ﴾ والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من
كل شيء ما خلف يعقب ما قبله، والمعنى في كلا الوجهين واحد.
إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بالمعقبات قولان : الأول : وهو المشهور الذي عليه
الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة الليل
تعقب ملائكة النهار وبالعكس ، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ
والكتب ، وكل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب ، فعلى هذا، المراد من المعقبات ملائكة
الليل وملائكة النهار . روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أخبرني عن العبد

٢٠
قوله تعالى ((يحفظونه من أمر الله )) سورة الرعد
كم معه من ملك فقال عليه السلام (( ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على
الشمال فاذا عملت حسنة كتبت عشرا ، واذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين
أكتب ؟ فيقول لا لعله يتوب فاذا قال ثلاثا قال نعم أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل
مراقبته لله تعالى واستحياءه منا ، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى ﴿ له
معقبات من بين يديه ومن خلفه ﴾ وملك قابض على ناصيتك فاذا تواضعت لربك رفعك وإن
تجبرت قصمك ، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي، وملك على فيك لا يدع أن
تدخل الحية في فيك ، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة الليل
بملائكة النهار فهم عشرون ملكا على كل آدمي)) وعنه وَلي (( يتعاقب فيكم ملائكة بالليل
وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر)) وهو المراد من قوله ﴿وقرآن الفجر
إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾ قيل : تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار ،
وقال ابن جريج : هو مثل قوله تعالى ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ صاحب اليمين يكتب
الحسنات والذي في يساره يكتب السيئات . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من
الجن والانس والهوام في نومه ويقظته . وفي الآية سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ الملائكة ذكور، فلم ذكر في جمعها الاناث وهو المعقبات ؟
والجواب : فيه قولان : الأول : قال الفراء : المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة ، ثم
جمعت معقبة بمعقبات ، كما قيل : ابناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال ، والذي يدل على
التذكير قوله ﴿ يحفظونه﴾ والثاني: وهو قول الأخفش: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو:
نسابة ، وعلامة ، وهو ذكر .
السؤال الثاني ﴾ ما المراد من كون اولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه ؟
والجواب : أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون
عليه أعماله وأقواله بتمامها ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من حفظهم شيء أصلا ، وقال
بعضهم : بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه ، لأن السارب بالنهار إذا
سعی في مهماته فانما يحذر من بين يديه ومن خلفه .
السؤال الثالث ﴾ ما المراد من قوله ﴿من أمر الله ﴾؟
والجواب : ذكر الفراء فيه قولين :
٠٠