Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
قوله تعالى (( حتى تكون حرضا )) سورة يوسف
الثالث عشر
والمعنى : لا أبرح قاعداً ومثله كثير . وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد
وقتادة لا تزال تذكره ، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين .
﴿ المسألة الثانية ) حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم
والعقل للحزن والحب ، وقوله حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه ، وقال
تعالى ( حرض المؤمنين على القتال )
إذا عرفت هذا فنقول : وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لا رادة أنه ذو حرض
فحذف المضاف أو لارادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس
الفساد . وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً .
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه عبارات : أحدها : الحرض والحارض هو
الفاسد في جسمه وعقله : وثانيهما : سأل نافع بن الأزرق بن عباس عن الحرض فقال :
الفاسد الدنف . وثالثها : أنه الذي یکون لا کالأحياء ولا کالأموات ، وذكر أبو روق أن أنس
بن مالك قرأ ( حتى تكون حرضا ) بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الاشنان ، وقوله
( او تكون من الهالكين ) أي من الأموات ، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر
يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم
كأنهم قالوا : أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا
القول منعه عن كثرة البكاء والأسف .
فان قيل : لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا ؟
قلنا : إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر .
فان قيل : القائلون بهذا الكلام وهو قوله ( تالله تفيؤ ) من هم ؟
قلنا : الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الأخوة الذين قد تولى عنهم ، بل الجماعة الذين كانوا
في الدار من أولاد اولاده وخدمه :
ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) يعني
أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وانما أذكره في حضرة الله تعالى ، والانسان إذا بث شكواه
إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام ((أعوذ برضاك من سخطك
وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك)) والله هو الموفق ، والبث هو التفريق قال الله تعالى
( وبث فيها من كل دابة ) فالحزن إذا ستره الانسان كان هما وإذا ذكره لغيره كان بثا وقالوا :
:

٢٠٢
قوله تعالى (( وأعلم من الله مالا تعلمون )) سورة يوسف
الجزء
البث أشد الحزن والحزن أشدا لهم ، وذلك لأنه متی أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم یکن
ذلك الحزن مستوليا عليه وأما إذا عظم وعجز الانسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم
أبى كان ذلك بثا وذلك يدل على أن الانسان صار عاجزا عنه وهو قد استولى على الانسان ،
فقوله ( بثى وحزني إلى الله ) اى لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله ، وقرأ
الحسن : وحزني . بفتحتين وحزني بضمتين ، قيل : دخل على يعقوب رجل وقال : يا يعقوب
ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سنا عاليا فقال الذي بي لكثرة غمومي ، فأوحى الله اليه
يا يعقوب أتشكوني الى خلقي ، فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له ، وکان بعد
ذلك إذا سئل قال ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) وروى أنه أوحى الله إليه إنما وجدت
عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه ، وان أحب خلقي الى الأنبياء
والمساكين فاصنع طعاما وادع اليه المساكين ، وقيل : اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها
فبكت حتى عميت .
ثم قال يعقوب عليه السلام ﴿ وأعلم من الله مالا تعلمون ﴾ أي أعلم من رحمته
وإحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب ، فهو إشارة إلى أنه
كان يتوقع وصول يوسف اليه ، وذكروا السبب هذا التوقع أمورا : أحدها : أن ملك الموت
أتاه فقال له : يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار الى جانب
مصر وقال : اطلبه ههنا ، وثانيها : أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة ، لأن أمارات الرشد
والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء ، وثالثها : لعله تعالى
أوحى إليه أنه سيوصله اليه ، ولكنه تعالى ما عين الوقت ، فلهذا بقي في القلق ، ورابعها :
قال السدي : لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف
وقال : يبعد أن يظهر في الكفار مثله ، وخامسها : علم قطعا أن بنيامين لا يسرق وسمع أن
الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام
الأول .
﴿ والمقام الثاني ) أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف . وهو قوله ( یا
بني اذهبوا فتحسوا من يوسف وأخيه )
واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه :
تحسسوا من يوسف ، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر، قال أبو بكر
الانباري يقال : تحسست عن فلان ولا يقال من فلان ، وقيل : ههنا من يوسف لأنه أقام من
مقام عن ، قال : ويجوز أن يقال : من للتبعيض، والمعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف ،

٢٠٣
الثالث عشر قوله تعالى ((انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرين )) سورة يوسف
واستعلموا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة ( من ) لما فيها من الدلالة على التبعيض ، وقرىء
( تجسسوا ) بالجيم كما قرىء بهما في الحجرات .
ثم قال ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ قال الأصمعي: الروح ما يجده الانسان من نسيم
الهواء فيسكن اليه وتركيب الراء والواو والحاء، يفيد الحركة والاهتزاز ، فكلما يهتز الانسان له
ويلتذ بوجوده فهو روح . وقال ابن عباس : لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله ، وعن
قتادة : من فضل الله ، وقال ابن زيد : من فرج الله ، وهذه الألفاظ متقاربة ، وقرأ الحسن
وقتادة : من روح الله بالضم أي من رحمته .
ثم قال ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ قال ابن عباس رضى الله
عنهما : إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء .
واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الانسان أن الاله غير قادر على
الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة
يوجب الكفر ، فاذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة ، وكل واحد منها
كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا والله أعلم ، وقد بقي من مباحث هذه الآية
سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ أن بلوغ يعقوب في حب يوسف الى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن
كان غافلا عن الله ، فان من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله
تعالى ، وأيضا القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشیئین ، فلما كان قلبه مستغرقا في حب
ولده امتنع أن يقال : إنه كان مستغرقا في حب الله تعالى.
﴾ أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل
والسؤال الثانى .
بذكر الله تعالى ، وبالتفويض اليه والتسليم لقضائه .
وأما قوله ( يا أسفي على يوسف) فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلا عن أكابر
الأنبياء .
والسؤال الثالث﴾ لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء ، وكان أبوه وجده وعمه
كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا ، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة
في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية ، بل لا بد وأن يبلغ في الشهرة الى حيث يعرفها
كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه
٠٠
..

٢٠٤
قوله تعالى (( فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز)) سورة يوسف
الجزء
فَلَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسِّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُ وَجِئْنَا بِضَدَعَةٍ مُرْجَنِةٍ فَأَوْفٍ
لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآَ إِنَّ الَّ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ (٨ه قَالَ هَلْ عَلْتُ مَّا فَعَمْ
بِيُوسُفَ وَأَخِهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (29)
العظيم ، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريبا من مصر، فمع قرب
المسافة يمتنع بقاء مثل هذه الواقعة مخفية .
السؤال الرابع ﴾ لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحد إلى يعقوب ويعلمه أنه في
الحياة وفي السلامة ولا يقال : إن کان یخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكا قاهرا کان یمکنه إرسال
الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول .
﴿ والسؤال الخامس ﴾ كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم
يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئا عنها .
السؤال السادس ﴾ كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه
کان یعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى .
والجواب عن الأول : أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من
الخواطر . ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال
بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سببا لكمال الاستغراق .
والجواب عن الثاني : أن الداعي الانسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول
( يا أسفي على يوسف) وتارة كان يقول ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) وأما بقية
الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلى حسن ، فقال هذه الوقائع التي نقلت الينا إما يمكن
تخريجها على الأحوال المعتادة أولا يمكن فان كان الأول فلا اشكال ، وأن الثاني فنقول : كان
ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد ، فلم يمتنع أن
يقال : إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام ، ولكن
لم يصل خبر أحدهما الى الآخر على سبيل نقض العادة .
قوله تعالى ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة
فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين. قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه
إذ أنتم جاهلون

٢٠٥
قوله تعالى (( وجئنا ببضاعة مزجاة )) سورة يوسف
الثالث عشر
قَالُواْ أَِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَآ أَنِى قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ, مَن
يَتَّقِ وَيَصْبِرُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
قالوا أثنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فان الله
لا يضيع أجر المحسنين
اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفاً والتقدير : أن يعقوب لما قال لبنيه ( اذهبوا
فتحسسوا من يوسف وأخيه ) قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف
عليه السلام فقالوا له ( يا أيها العزيز)
فان قيل : إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى
الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل ؟
قلنا : لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق
اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا : نجربه في ذكر هذه الأمور فان
رق قلبه لنا ذكرنا لها المقصود وإلا سكتنا . فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة . وقالوا يا أيها
العزيز ، والعزيز هو الملك القادر المنيع ( مسنا وأهلنا الضر) وهو الفقر والحاجة وكثرة العيال
وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ( وجئنا ببضاعة مزجاة ) وفيه أبحاث :
﴿ البحث الأول) معنى الازجاء في اللغة، الدفع قليلا قليلا . ومثله التزجية يقال
الريح تزجى السحاب . قال الله تعالى ( ألم تر أن الله يزجى سحابا) وزجيت فلانا بالقول
دافعته . وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة .
والبحث الثاني ﴾ إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أولهما
جميعاً والمفسرون ذكروا كل هذه الاقسام قال الحسن : البضاعة المزجاة القليلة ، وقال آخرون
إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة ، فقال ابن عباس رضى الله عنهما كانت دراهم رديئة
لا تقبل في ثمن الطعام ، وقيل : خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة ، وقيل : متاع الأعراب
الصوف والسمن . وقيل الحبة الخضراء وقيل الأقط ، وقيل النعال والأدم ، وقيل سويق المقل ،
وقيل صوف المعز ، وقيل إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤًا بها
ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس :
﴿ الحث الثالث ﴾ في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة ؟ وفيه وجوه :

٢٠٦
قوله تعالى (( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه )) سورة يوسف
الجزء
الأول: قال الزجاج: هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل، والمعنى أنا
جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة
مزجاة بها الأيام الثاني: قال أبو عبيد: انما قيل للدراهم الرديئة مزجاة، لأنها مردودة مدفوعة غير
مقبولة ممن ينفقها قال وهى من الأزجاء، والأزجاء عند العرب السوق والدفع. الثالث: ببضاعة
مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الانفاق لا ينفق مثلها إلا من اضطر واحتاج اليها لفقد غيرها مما
هو أجود منها. الرابع. قال الكلبي: مزجاة لغة العجم، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر
الأنباري: لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوبا إلى القبط .
﴿ البحث الرابع ﴾ قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالامالة، لأن أصله الياء ، والباقون
بالنصب والتفخيم .
واعم ان حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها أو لنقصانها أو لمجموعهما ولما
وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له (فاوف لنا الكيل) والمراد ان يساهلهم
إما بأن يقيم الناقص مقام الزائد او يقيم الردىء مقام الجيد، ثم قالوا (وتصدق علينا) والمراد
المسامحة بما بين الثمنين وان يسعر لهم بالردىء كما يسعر بالجيد، واختلف الناس في انه هل كان
ذلك طلباً منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالا للأنبياء قبل محمد اله
بهذه الآية وعلى هذا التقدير، كأنهم طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة، وانكر الباقون
. ذلك. وقالوا حال الأنبياء وحال اولاد الأنبياء بنا في طلب الصدقة . لأنهم يأنفون من الخضوع
للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع الى الله تعالى والاستعانة به عمن سواه، وروى عن الحسن
ومجاهد: انهما كرها ان يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق على، قالوا: لأن الله لا يتصدق إنما
يتصدق الذي يبتغي الثواب، وإنما يقول: اللهم اعطني او تفضل، فعلى هذا التصديق هو
إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي، وأجاز الليث ان يقال للسائل: متصدق، واباه الأكثرون.
وروى أنهم لما قالوا (مسنا وأهلنا الضر) وتضرعوا اليه اغرورقت عيناه فعند ذلك (قال هل
علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) وقيل: دفعوا اليه كتاب يعقوب. فيه من يعقوب اسرائيل الله
ابن اسحق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله الى عزيز مصر. اما بعد فانا اهل بيت موكل بنا البلاء
اما جدی فشدت يداه ورجلاه ورمى في النار لیحرق فنجاه الله وجعلها بردا وسلاما علیه، وأما
ابي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما انا فكان لي ابن. وكان أحب أولادي الى
فذهب به اخوته الى البرية. ثم اتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد اکله الذئب فذهب عيناني
من البكاء عليه ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه. وكنت أتسلى به فذهبوا به اليك ثم رجعوا

٢٠٧
قوله تعالى (( قال أنا يوسف )) سورة يوسف
الثالث عشر
وقالوا. إنه قد سرق وانك حبسته عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فان رددته على
وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك. فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك
وعيل صبره وعرفهم انه يوسف
ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال ( هل علمتم ما فعلتم
بيوسف وأخيه ) قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده ولان قلبه وکثر
بكاؤه وصرح بانه يوسف. وقيل: إنه لما رأى اخوته تضرعوا اليه ووصفوا ما هم عليه من شدة
الزمان وقلة الحيلة ادركته الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف، وقوله (هل علمتم ما فعلتم بيوسف)
استفهام يفيد تعظيم الواقعة، ومعناه: ما أعظمماارتكبتم في يوسف وما اقبح ما اقدمتم عليه،
وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وهل تعرف من خالفت؟
واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى ( وأوحينا اليه لتنبئنهم بامرهم هذا وهم لا
يشعرون ) وأما قوله ( وأخيه ) فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب افراده عن أخيه لأبيه
وأمه ، وأيضا كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الايذاء قالوا في حقه ( إن يسرق فقد سرق أخ
له من قبل ) وأما قوله ( إذ أنتم جاهلون ) فهو يجري مجرى العذر كأنه قال : أنتم إنما أقدمتم
على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور ، يعني والآن
لستم كذلك ، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى ( ما غرك بربك الكريم ) قيل إنما ذكر تعالى
هذا الوصف المعين ليكون ذلك جاريا مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك
فكذا ههنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفا للأمر عليهم . ثم إن اخوته قالوا
( أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف) قرأ ابن كثير ( انك ) على لفظ الخبر ، وقرأ نافع ( آينك
لأنت يوسف) بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو (أينك) بمد الألف وهو رواية قالون
عن نافع ، والباقون ( أثنك ) بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام ، وقرأ أبي ( أو أنت يوسف)
فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر . أما الأولون
فقالوا : إن يوسف لما قال لهم ( هل علمتم ) وتبسم فأبصروا ثناياه ، وكانت كاللؤلؤ المنظوم
شبهوه بيوسف ، فقالوا له استفهاما ( أئنك لأنت يوسف) ويدل على صحة الأستفهام أنه ( قال
أنا يوسف) وإنما أجابهم عما استفهموا عنه . وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روى عن ابن
عباس رضى الله عنهما: ان اخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان في فرقة
علامة وكان ليعقوب واسحق مثلها شبه الشامه فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة فقالوا (إنك
لأنت يوسف) ويجوز ان يكون ابن كثير اراد الاستفهام. ثم حذف حرف الاستفهام وقوله (قال
انا يوسف) فيه بحثان :

٢٠٨
قوله تعالى (( قالوا تالله لقد آثرك الله علينا)) سورة يوسف
الجزء
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
قَالُواْ تَللَّهَ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُّا ◌َخَطِعِينَ
٩١
١٠٠٤
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهَوَ أَرْحَمِ الرَّحِمينَ
أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَنَ وَجْهِ
٩٢
أَبِ يَأْتِ بَصِيرًا وَأُتُونِ بِأَهْلِكُمْ أَجَعِيرَ
البحث الأول ﴾ اللام لام الابتداء ، وأنت مبتدأ. ويوسف خبره ، والجملة خبر
إن .
﴿ البحث الثاني﴾ أنه إنما صرح بالاسم تعظيما لما نزل به من ظلم إخوته وما عوضه الله
من الظفر والنصر؛ فكأنه قال : أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني الى
أعظم المناصب ، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون ،
ولهذا قال ( وهذا أخي ) مع أنهم كانو يعرفونه لأن مقصوده أن يقول : وهذا أيضاً كان مظلوما
كما كنت ثم إنه صار منعما عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله ( قد من الله علينا ) قال ابن
عباس رضى الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله
( إنه من يتق ويصبر ) معناه : من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس ( فان الله لا يضيع
أجر المحسنين ) والمعنى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع
الضمير لاشتماله على المتقين . وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف بكونه
متقياً ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا القول كذباً منه وذكر الكذب في
مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي روي عن ابن كثير في طريق قنبل ( إنه من يتقي )
باثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل (( من )) بمنزلة الذي فلا يوجب الجزم ويجوز على هذا
الوجه أن يكون قوله ( ويصبر ) في موضع الرفع إلا أنه حذف الرفع طلباً للتخفيف كما يخفف في
عضد وشمع . والباقون بحذف الياء في الحالين .
قوله تعالى ﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا خاطئین قال لا تثريب عليكم اليوم
يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً وأتوني
بأهلكم أجمعين ﴾
اعلم أن يوسف عليه السلام لم ذكر لاخوته أن الله تعالى من عليه وان من يتق المعاصي
٠

٢٠٩
قوله تعالى (( وإن كنا لخاطئين )) سورة يوسف
الثالث عشر
ويصبر على أذى الناس فانه لا يضيعه الله صدقوه فيه ، واعترفوا له بالفضل والمزية ( قالوا تالله
لقد آثرك الله علينا وان كنا الخاطئين) قال الأصمعي: يقال : آثرك ايثار ، أي فضلك الله ،
وفلان آثر عبد فلان ، إذا كان يؤثره بفضله وصلته ، والمعنى : لقد فضلك الله علينا بالعلم
والحلم والعقل والفضل والحسن والملك ، واحتج بعضهم بهذه الآية على أن اخوته ما كانوا
أنبياء ، لأن جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة اليه فلو شاركوه في
منصب النبوة لما قالوا ( تالله لقد آثرك الله علينا) وبهذا التقدير يذهب سؤال من يقول لعل المراد
كونه زائد عليهم في الملك وأحوال الدنيا وان شاركوه في النبوة لانا بينا أن أحوال الدنيا لا يعبأ
بها في جنب منصب النبوة .
واما قوله ﴿ وإن كنا لخاطئين ) قيل الخاطىء هو الذي أتى بالخطيئة عمدا. وفرق بين
الخاطىء والمخطىء ، فلهذا الفرق يقال لمن يجتهد في الاحكام فلا يصيب إنه مخطىء ، ولا يقال
إنه خاطىء وأكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو اقدامهم على القائه في الجب وبيعه
وتبعيده عن البيت والأب . وقال أبو علي الجبائي : إنهم لم يعتذروا اليه من ذلك ، لأن ذلك
وقع منهم قبل البلوغ فلا يكون ذنبا فلا يعتذر منه ، وانما اعتذروا من حيث أنهم اخطئوا بعد
ذلك بان لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ، ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله وهذا الكلام ضعيف
من وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ أنا بينا أنه لا يجوز أن يقال إنهم أقدموا على تلك الأعمال في زمن
الصبا لأنه من البعيد في مثل يعقوب أن يبعث جمعا من الصبيان غير البالغين من غير أن يبعث
معهم رجلا عاقلا يمنعهم عما لا ينبغي ويحملهم على ما ينبغي .
الوجه الثاني ﴾ هب أن الأمر على ما ذكره الجبائي إلا أنا نقول غاية ما في الباب أنه لا
يجب الاعتذار عن ذلك إلا أنه يمكن أن يقال انه يحسن الاعتذار عنه ، والدليل عليه أن المذنب
إذا تاب زال عقابه . ثم قد يعيد التوبة والاعتذار مرة أخرى ، فعلمنا أن الانسان أيضاً قد
يتوب عند ما لا تكون التوبة واجبة عليه .
1
واعلم أنهم لما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم مجرمين خاطئين قال يوسف ( لا تثريب
عليكم اليوم يغفر الله لكم ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول) التثريب التوبيخ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا زنت أمة
أحدكم فليضر بها الحد ولا يشربها )) أي ولا يعيرها بالزنا ، فقوله ( لا تثريب ) أي لا توبيخ ولا
عيب وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش . ومعناه إزالة الثرب كما

٢١٠
قوله تعالى (( قال لا تثریب علیکم اليوم )) سورة يوسف
الجزء
أن التجليد إزالة الجلد قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ
ألا ترى إلى قول يوسف عیه السلام لا خوته ( لا تثريب عليكم ) وقول يعقوب ( سوف أستغفر
لکم ربي )
﴿ البحث الثاني﴾ ان قوله ( اليوم ) متعلق بماذا وفيه قولان :
القول الأول ﴾ انه متعلق بقوله ( لا تثريب ) أي لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو
مظنة التثريب فما ظنكم بسائر الأيام ، وفيه احتمال آخر وهو أني حكمت في هذا اليوم بأن لا
تثريب مطلقاً لأن قوله ( لا تثريب ) نفى للماهية ونفى الماهية يقتضي انتفاء جميع أفراد الماهية ،
فكان ذلك مفيداً للنفي المتناول لكل الأوقات والأحوال . فتقدير الكلام اليوم حكمت بهذا
الحكم العام المتناول لكل الأوقات والأحوال . ثم إنه لمابين لهم أنه أزال عنهم ملامة الدنيا
طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب الآخرة فقال ( يغفر الله لكم ) والمراد منه الدعاء .
والقول الثاني ﴾ أن قوله ( اليوم ) متعلق بقوله ( يغفر الله لكم ) كأنه لما نفى التثريب
مطلقا بشرهم بأن الله غفر ذنبهم في هذا اليوم ، وذلك لأنهم لما انكسروا وخجلوا واعترفوا وتابوا
فالله قبل توبتهم وغفر ذنبهم ، فلذلك قال ( اليوم يغفر الله لكم ) روى أن الرسول عليه
الصلاة والسلام أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، وقال لقريش. ((ما تروني فاعلا
بكم)) فقالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ، فقال ((أقول ما قال أخي يوسف
لا تثريب عليكم اليوم)) وروى أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس : اذا أتيت رسول
اللّه ◌َلّ فاتل عليه (قال لا تثريب عليكم اليوم) ففعل، فقال رسول الله وَلـ ((غفر الله لك ولمن
علمك )) وروى أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوه اليه إنك تحضرنا في مائدتك بكرة وعشيا ونحن
نستحي منك لما صدر منا من الاساءة اليك ، فقال يوسف عليه السلام ان أهل مصر وإن ملكت
فيهم فانهم ينظروني بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما
بلغ ، ولقد شرفت الآن باتيانكم وعظمت في العيون لما جئتم وعلم الناس أنكم إخوتي وإني
من حفدة إبراهيم عليه السلام .
ثم قال يوسف عليه السلام ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ﴾
قال المفسرون : لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه ، فأعطاهم قميصه ، قال
المحققون: إنما عرف أن القاء ذلك القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى
ولولا الوحي لما عرف ذلك ، لأن العقل لا يدل عليه ويمكن أن يقال : لعل يوسف عليه السلام
علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء وضيق القلب ضعف بصره فاذا ألقى عليه

٢١١
قوله تعالى (( ولما فصلت العیر)) سورة يوسف
الثالث عشر
وَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِدُونِ
، فَلَمَّآ أَن جَاءَ الْبَشِيرُ الْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ
اُلْقَدِحِ.
قَالُواْ تَآلَِّ إِنَّكَ لَفِي ضَلَلِكَ
فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ (﴾ قَالُواْ يَأْبَانَا
أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ (﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُلَكُمْ رَبِيِّ إِنَّهُ هُوَ
- اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمَ
٩٨
قميصه فلا بد أن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد ، وذلك يقوي الروح ويزيل
الضعف عن القوى ، فحينئذ يقوى بصره ، ويزول عنه ذلك النقصان ، فهذا القدر مما يمكن
معرفته بالقلب فان القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى، وقوله (يأت بصيرا) أي يصير
بصيرا ويشهد له (فارتد بصيرا) ويقال: المراد يأت الى وهو بصير، وإنما أفرده بالذكر تعظيما له،
وقال في الباقين (وأتوني بأهلكم أجمعين) قال الكلبي: كان أهله نحو من سبعين انسانا وقال
مسروقدخل قوم يوسف عليه السلام مصر. وهم ثلاثة وتسعون من بین رجل وامرأة، وروی ان
يهودا حمل الكتاب وقال انا احزنته بحمل القميص الملطخ بالدم اليه فافرحه كما أحزنته، وقيل
حمله وهو حاف وحاسر من مصر الى كنعان. وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا .
قوله تعالى ﴿ ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولاان تفندون قالوا تالله
انك لفى ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني
أعلم من الله ما لا تعلمون. قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. قال سوف أستغفر لكم
رپي إنه هو الغفور الرحيم ﴾
يقال : فصل فلان من عند فلان فصولا إذا خرج من عنده . وفصل مني الیه كتابا اذا
أنفذ به اليه. وفصل يكون لازما ومتعديا واذا كان لازما فمصدره الفصول واذا كان متعديا
فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة الى كنعان قال : يعقوب عليه السلام لمن
حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده ( إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ) ولم يكن هذا
القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم ( اذهبوا فتحسسوا من
يوسف وأخيه ) واختلفوا في قدر المسافة فقيل : مسيرة ثمانية أيام ، وقيل عشرة أيام ، وقيل

٢١٢
قوله تعالى )) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه )) سورة يوسف
الجزء
ثمانون فرسخا . واختلفوا في كيفية وصول تلك الرائحة اليه ، فقال مجاهد : هبت ريح
فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه
السلام إنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال ( إني لأجد
ريح يوسف) وروى الواحدي باسناده عن أنس بن مالك عن رسول الله وسلم أنه قال : أما قوله
( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ) فان نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار
نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على
الطنفسة وقعد معه يحدثه ، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص اسحاق وكساه اسحق
يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في الجب
والقميص في عنقه . فذلك قوله ( اذهبوا بقميصي هذا) والتحقيق أن يقال : إنه تعالى أوصل
تلك الرائحة اليه على سبيل اظهار المعجزات لا وصول الرائحة اليه من هذه المسافة البعيدة أمر
مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لاحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه
السلام حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام الى ما لا ينبغي ، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان
معجزة له . قال أهل المعاني : إن الله تعالى أوصل اليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء
مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره اليه مع قرب
احدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة
صعب وكل صعب فهو في زمان الاقبال سهل ومعنى: لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود
لأنه وجدان له بحاسة الشم، وقوله (لولا ان تفندون) قال ابو بكر بن الأنباري: أفند الرجل
إذا حزن وتغير عقله وفند اذا جهل ونسب ذلك اليه، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من
خرف فهو المفند قال صاحب الكشاف: يقال شيخ منفد ولا يقال عجوز مفنده، لأنها لم يكن في
شبيهتها ذات رأى حتى تفند في كبرها فقوله (لولا أن تفندون) أي لولا ان تنسبوني الى الخرف،
ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون عنده (تالله إنك لفى ضلالك القديم) وفي الضلال ههنا
وجوه: الأول: قال مقاتل يعني بالضلال ههنا الشقاء، يعني شقاء الدنيا والمعنى: انك لفى
شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله (إنا اذن لفى ضلال
وسعر) يعنون لفى شقاء دنيانا، وقال قتادة: لفى ضلالك القديم، أي لفى حبك القديم لا
تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم (إن أبانا لفى ضلال مبين) ثم قال قتاده: قد قالوا كلمة غليظة
ولم يكن يجوز ان يقولوا لنبي الله، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم ان يوسف قد مات
وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره ، ذاهباً عن الرشد والصواب وقوله (فلما أن جاء البشير) في
((ان)) قولان: الأول: أنه لا موضع لها من الاعراب وقد تذكر تارة كما ههنا . وقد تحذف كقوله
(فلما ذهب عن إبراهيم الروع) والمذهبان جميعاً موجودان في أشعار العرب . والثاني : قال

٢١٣
قوله تعالى ((قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)) سورة يوسف
الثالث عشر
البصريون هي مع ((ما)) في موضع رفع بالفعل المضمر تقديره: فلما ظهر أن جاء البشير، أي
ظهر البشير فأضمر الرابع قال جمهور المفسرين البشير هو يهودا قال انا ذهبت بالقميص الملطخ
بالدم وقلت إن يوسف أكله الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله ( ألقاه على
وجهه) أي طرح البشير القميص على وجهه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه نفسه (فارتد
بصيرا) أي رجع بصيرا ومعنى الارتداد انقلاب الشيء الى حالة قد كان عليها وقوله (فارتد
بصيرا) أي صيره الله بصيرا كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال
بعضهم : إنه كان قد عمى بالكلية فالله تعالى جعله بصيراً في هذا الوقت . وقال آخرون : بل
كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان . فلما ألقوا القميص على وجهه، وبشر
بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه ، فعند ذلك قوى بصره
وزال النقصان عنه . فعند هذا قال (ألم أقل لكم اني أعلم من الله ما لا تعلمون) والمراد علمه
بحياة يوسف من جهة الرؤيا . لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم ، وهو إشارة الى ما
تقدم من قوله (إنما أشكو بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) روی انه سأل البشير
وقال: کیف یوسف قال هو ملك مصر، قال ما أصنع بالملك على أي دبر ترکته قال: علی دین
الاسلام قال الآن تمت النعمة ، ثم إن اولاد یعقوب أخذوا يعتذرون الیہ ( وقالوا يا أبانا
استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي أنه هو الغفور الرحيم) وظاهر
الكلام انه لم يستغفر لهم في الحال ، بل وعدهم بانه يستغفر لهم بعد ذلك، واختلفوا في سبب
هذا المعنى على وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما : والأكثرون أراد ان يستغفر لهم
في وقت السحر ، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الاجابة . الثاني: قال ابن عباس رضي
الله عنهما : في رواية اخرى أخر الاستغفار الى ليلة الجمعة . لأنها اوفق الأوقات للاجابة .
الثالث : أاراد ان يعرف انهم هل تابوا في الحقيقة ام لا، وهل حصلت توبتهم مقرونة
بالاخلاص التام ام لا ، الرابع : استغفر لهم في الحال : وقوله (سأستغفر لكم) معناه اني أداوم
على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل ، فقد روى انه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف
وعشرين سنة ، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده الى السماء وقال ((اللهم اغفر
لي جزعي على يوسف وقلة صبري عليه ، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه السلام»
فاوحى تعالى اليه: قد غفرت لك ولهم أجمعين . وروى ان ابناء يعقوب عليه السلام قالوا
ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء : ما يغني عنا إن لم يغفر لنا ، فاستقبل الشيخ القبلة قائما
يدعوا ، وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم
فظنوا انها الهلكة فنزل جبريل عليه السلام وقال ((ان الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد
مواثيقهم بعدك على النبوة)) وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور.

٢١٤
قوله تعالى (( فلما دخلوا على يوسف آوى اليه أبويه )) سورة يوسف
الجزء
فَلَمَا دَخَلُواْ عَلَ يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللهُ ءَامِنِينَ
وَرَفَعَ أَبَوَبِهِ عَلَى الْعَرْشِ وَثُ واْلَهُو ◌ُجَّدًا وَقَالَ يَأْبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْ يَنِىَ مِن قَبْلُ
قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِ إِذْ أَنْرَجْنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْمِنَ
الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَبِّ إِنَّ رَبِى لَطِفُ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ
هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى ﴿ فلما دخلوا على يوسف آوى اليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين.
ورفع أبويه على العرش وخر وا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها
ربي حقاً وقد أحسن بي إذا اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان
بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ .
اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز اليه بمن
معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم
تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخليل والناس فقال يا يهودا هذا
فرعون مصر. قال : لا . هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال
يعقوب عليه السلام: السلام عليك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما
بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون
رجلا سوى الصبيان والشيوخ
أما قوله ﴿ آوی اليه أبويه ﴾ ففیه بحثان:
البحث الأول ﴾ في المراد بقوله أبويه قولان : الأول : المراد أبوه وأمه ، وعلى هذا
القول فقيل إن أمه كانت باقية حية الى ذلك الوقت ، وقيل إنها كانت قد ماتت ، إلا أن الله
تعالى أحياها وانشرها من قبرها حتى سجدت له تحقيقا لرؤية يوسف عليه السلام ،
والقول الثاني﴾ ان المراد أبوه وخالته، لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين،
وقيل : بنيامين بالعبرانية ابن الوجع ، ولما ماتت امه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى بأحد
الأبوين ، لأن الرابة تدعى ، إما لقيامها مقام الأم أو لأن الخالة أم كما أن العم أب ، ومنه قوله
تعالى ( وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق )

٢١٥
قوله تعالى ((ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)) سورة يوسف
الثالث عشر
البحث الثاني ﴾ آوى اليه أبويه ضمهما اليه واعتنقهما .
فان قيل : ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟
قلنا : كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم اليه أبويه
وقال لهم ( ادخلوا مصر)
أما قوله ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾ ففيه أبحاث.
﴿ البحث الأول﴾ قال السدى إنه قال : هذا القول قبل دخولهم مصر؛ لأنه كان قد
استقبلهم وهذا هو الذي قررناه ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : المراد بقوله ( ادخلوا
مصر) أي أقيموا بها آمنين ، سمى الاقامة دخولا لاقتران أحدهما بالآخر .
البحث الثاني ﴾ الاستثناء وهو قول (إن شاء الله) فيه قولان : الأول: أنه عائد الى
الأمن لا إلى الدخول ، والمعنى : ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله ، ونظيره قوله تعالى ( لتدخلن
المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) وقيل إنه عائد الى الدخول على القول الذي ذكرناه أنه قال
لهم هذا الكلام قبل أن دخلوا مصر .
﴿ البحث الثالث) معنى قوله ( آمنين) يعني على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا
تخافون أحد ، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر وقيل آمنين من القحط والشدة والفاقة ،
وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف .
أما قوله ﴿ورفع أبويه على العرش ﴾ قال أهل اللغة: العرش السرير الرفيع قال تعالى
( ولها عرش عظيم ) والمراد بالعرش ههنا السرير الذي كان يجلس عليه يوسف ، وأما قوله
( وخروا له سجدا ) ففيه إشكال ، وذلك لأن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف وحق الأبوة
عظيم قال تعالى ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) فقرن حق الوالدين
بحق نفسه ، وأيضا أنه كان شيخا ، والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ .
﴿والقول الثالث ) أنه كان من أكابر الأنبياء ويوسف وان كان نبيا إلا أن يعقوب كان
أعلى حالا منه .
والقول الرابع ﴾ أن جد يعقوب واجتهاده في تکثیر الطاعات أکثر من جد یوسف ولما
اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب فكيف استجاز
يوسف أن يسجد له يعقوب هذا تقرير السؤال .

٢١٦
قوله تعالى (( ورفع أبويه على العرش )) سورة يوسف
الجزء
والجواب عنه من وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء أن المراد بهذه الآية أنهم خروا له
أي لأجل وجدانه سجدا لله تعالى ، وحاصل الكلام : أن ذلك السجود كان سجودا للشكر
فالمسجود له هو الله ، إلا أن ذلك السجود انما كان لأجله والدليل على صحة هذا التأويل أن
قوله ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير ، ثم
سجدوا له ، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في
التواضع .
فان قالوا : فهذا التأويل لا يطابق قوله ((( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) والمراد منه
قوله ( إني رأيت أحد عشركوكبا والشمس والقمر رايتهم لي ساجدين )
قلنا : بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله ( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين )
لاجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في اعلاء منصى ، وإذا كان هذا محتملا
سقط السؤال. وعندي أن هذا التأويل متعین ، لأنه لا يستبعد من عقل یوسف ودینه أن يرضى
بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة .
والوجه الثاني ﴾ في الجواب أن يقال : إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا
لنعمة وجدانه . وهذا التأويل حسن فانه يقال : صليت للكعبة كما يقال : صليت الى
الكعبة . قال حسان شعرا .
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
ما كنت أعرف أن الأمر منصرف
وأعرف الناس بالقرآن والسنن
اليس أول من صلى لقبلتكم
وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة ، وكذلك يجوز أن يقال سجد للقبلة
وقوله ( وخروا له سجدا ) اي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه .
﴿ الوجه الثالث ﴾ في الجواب قد يسمى التواضع سجودا كقوله :
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
وكان المرد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل ، لأنه تعالى قال ( وخروا له سجدا)
والخرور الى السجدة مشعر بالاتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب عنه بأن الخرور قد
يعني به المرور فقط قال تعالى ( لم يخروا عليها صما وعميانا) يعني لم يمروا .
٠

٢١٧
الثالث عشر قوله تعالى ((قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل)) سورة يوسف
الوجه الرابع﴾ في الجواب أن نقول: الضمير في قوله (وخروا له) غير عائد إلى
الأبوين لا محالة ، وإلا لقال : وخروا له ساجدين ، بل الضمير عائد إلى إخوته ، وإلى سائر
من كان يدخل عليه لأجل التهنئة ، والتقدير : ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما ،
وأما الأخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين .
قال قالو : فهذا لا يلائم قوله ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل )
قلنا : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل
الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر ، تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له . ولا شك
أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصرلا جله في نهاية التعظيم له ، فكفى هذا القدر في
صحة الرؤيا فاما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من
العقلاء .
﴿ الوجه الخامس﴾ في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو
السجود ، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه ، وهذا في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم
كانت أليق بيوسف منها بيعقوب ، فلو كان الأمر كما قلتم ، لكان من الواجب أن يسجد
يوسف ليعقوب عليه السلام .
والوجه السادس ﴾ فيه أن يقال: لعل أخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا
يسجدوا له على سبيل التواضع ، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك
سببا لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم
حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود ، حتى تصير
مشاهدتهم لذلك سببا لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب
محتسبا فاذا أراد ترتيبه مكنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببا في أن لا يبقى في قلب أحد
منازعة ذلك المحتسب فى إقامة الحسبة فكذا ههنا.
لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا
الوجه السابع
هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو . ويوسف ما كان راضيا بذلك في
قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت .
ثم حکی تعالی أن یوسف لما رأی هذه الحالة ﴿ قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد
جعلها ربي حقا ﴾ وفيه بحثان :
٠٠
٠

٢١٨
قوله تعالى (( وجاء بكم من البدو ((سورة يوسف
الجزء
البحث الأول ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : إنه لما رأى سجود أبويه وإخوته
هاله ذلك واقشعر جلده منه ، وقال ليعقوب هذا تأويل رؤياي من قبل ، وأقول : هذا يقوي
الجواب السابع كانه يقول : يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن
تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتکالیفکلفت به ، فان رؤيا الأنبياء حق کما أن رؤيا
إبراهيم ذبح ولده صار سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي
رآها يوسف وحكاها ليعقوب سببا لوجوب ذلك السجود، فلهذا السبب حكى ابن عباس رضى
الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما رأى ذلك هاله واقشعر جلده ولكنه لم يقل شيئاً ، وأقول :
لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب كانه قيل له : إنك كنت دائم الرغبة
في وصالة ودائم الحزن بسبب فراقه ، فاذا وجدته فاسجد به ، فكان الأمر بذلك السجود من
تمام الشديد والله أعلم بحقائق الأمور .
﴿ البحث الثاني ﴾ اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين الرؤيا فقيل ثمانون
سنة ، وقيل : سبعون ، وقيل أربعون ، وهو قول الأكثرين ، ولذلك يقولون إن تأويل
الرؤيا إنما صحت بعد اربعين سنة ، وقيل ثماني عشرة سنة وعن الحسن أنه ألقى في الجب وهو
ابن سبع عشرة سنة ، وبقي في العبودية والسجون ثمانين سنة ، ثم وصل الى أبيه وأقاربه ،
وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة فكان عمره مائة وعشرين سنة والله اعلم بحقائق الأمور.
ثم قال ﴿ وقد أحسن بي ﴾ أي إلى يقال : أحسن بي واليه . قال كثير .
لدينا ولا مقلية إن ثقلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
إذ أخرجني من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه : الأول أنه قال لاخوته ( لا
تثريب عليكم اليوم ) ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريبا لهم فكان إهماله جار يا مجرى
الكرم ، الثاني : انه لما خرج من البئرلم يصر ملكا بل صيروه عبدا ، أما لما خرج من السجن
صيروه ملكا فكان هذا الاخراج أقرب من أن يكون إنعاما كاملا ، الثالث : أنه لما أخرج من
البئر وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته
وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة ، الرابع : قال الواحدي : النعمة في اخراجه من
السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل
الطبع ورغبة النفس ، وهذا وان كان في محل العفو في حق غيره الا أنه ربما كان سببا للمؤاخذة
في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين
ثم قال ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ وفيه مسألتان :
..

٢١٩
"الثالث عشر قوله تعالى ((من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)) سورة يوسف
المسألة الأولى ﴾ في الآية قولان :
﴿ القول الأول ) جاء بكم من البدو أي من البادية ، وقال الواحدي ؛ البدو بسيط من
الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدوا ، ثم سمى المكان باسم المصدر
فيقال : بدو وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية .
والقول الثاني﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا
وسكنها ، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري : بدا اسم موضع
معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جمياً كثير فقال :
وأنت التي حببت شعبا إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهم
فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا القوم يبدون
بدوا إذ أتوا بدا كما يقال: غار القوم غورا إذا أتوا الغور فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد
بدا، وعلى هذا القول کان یعقوب وولده حضریین لأن البدو لم یرد به البادیةلکنعنی بهقصد بدا
الى ههنا كلام قاله الواحدي في البسيط .
﴿ المسألة الثانية ﴾ تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأن
خروج العبد من السجن أضافة إلى نفسه بقوله ( إذ أخرجني من السجن ) ومجيئهم من البدو
وأضافة إلى نفسه سبحانه بقوله ( وجاء بكم من البدو ) وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل
الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل باقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن
الظاهر .
ثم قال ﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي﴾ قال صاحب الكشاف: ( نزع )
أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزع الراكض الدابة وحملها على الجرى : يقال : نزغه ونسغه إذا
نخسه .
واعلم أن الجبائي والكتبي والقاضي : احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا : لأنه
تعالى أجبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الاحسان الى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ،
ولو كان ذلك أيضا من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا اليه كما في النعم .
والجواب : أن اضافته هذا الفعل الى الشيطان مجاز ، لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من
الكلام الخفى وقد أخبر الله عنه فقال ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم
٠

٢٢٠
خليل
قوله تعالى (( رب قد آتيتني من الملك )) سورة يوسف
الجزء
رَبِّ قَدْءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الْأُحَادِيثِ فَاطِرَ الَّمَلَوَتِ
وَاْأَرْضِ أَنتَ وَلِ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ ()
لي ) فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك . وأيضا
فان كان اقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فاقدام الشيطان على المعصية ان كان بسبب
شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وان لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق
الانسان ، فثبت أن اقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس أيضا بسبب
نفسه لأن أحد الا يميل طبعه الى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب
الآخرة ، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع ، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن
يقال ذلك من الله تعالى ، ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله (اذ
أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو) صريح في أن الكل من الله تعالى .
ثم قال ﴿ إن ربي لطيف لما يشاء﴾ والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه
واخوته مع الالفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول الا انه تعالى
لطيف فاذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وان كان في غاية البعد عن الحصول .
ثم قال ﴿ إنه هو العليم الحكيم ﴾ أعنى أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم
بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالما بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك
الصعب . وحكيم أي محكم في فعله ، حاكم في قضائه . حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث
والباطل والله أعلم .
قوله تعالى ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات
والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ روی أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه
فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الحلى وخزائن الثياب وخزائن السلاح ، فلما أدخله
مخازن القراطيس قال يا بني ما أغفلك ، عندك هذه القراطيس وما كتبت إلى على ثمان مراحل
قال نهاني جبريل عليه السلام عنه قال سله عن السبب قال أنت أبسط اليه فسأله فقال جبريل
عليه السلام ، أمرني الله بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب . فهلا خفتني وروى أن