Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى ( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف
الثاني عشر
وأيضا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه اذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه ، وههنا بتقدير أن
يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب ، فان ههنا أنواعا من
الاضمارات يحسن إضمار كل واحد منها ، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر
الفرق . والله أعلم .
﴿ المقام الثاني﴾ في الكلام على هذه الآية أن نقول: سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا
نقول : إن قوله ( وهم بها ) لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم
من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية ، فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص
يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة
بها ونحن نضمر شيئا آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه : الأول : المراد أنه عليه السلام هم
بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد ، فوجب أن يحمل في حق كل
أحد على القصد الذي يليق به ، فاللائق بالمرأة القصد الى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع
واللائق بالرسول المبعوث الى الخلق القصد الى زجر العاصي عن معصيته والى الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، يقال : هممت بفلان أي بضربه ودفعه
فان قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله ( لولا أن رأى برهان ربه) فائدة .
قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى أعلم يوسف عليه
السلام أنه لوهم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله ، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع
من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك ، والثاني : أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن
نفسه فربما تعلقت به ، فكان يتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد
بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن ، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة
هي الخائنة ، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى ، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا
عنها ، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية .
الوجه الثاني ﴾ في الجواب أن يفسرالهم بالشهوة ، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة .
يقول القائل : فيما لا يشتهيه ما يهمني هذا ، وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء الى ، فسمى الله
تعالى شهوة يوسف عليه السلام هما ، فمعنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان
ربه لدخل ذلك العمل في الوجود . الثالث : أن يفسر الهم بحديث النفس ، وذلك لأن المرأة
الفائقة في الحسن والجمال اذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد وأن يقع هناك بين
الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات ، فتارة تقوى داعية الطبيعة
۔ ۔۔

١٢٢
قوله تعالى (( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف
الجزء
والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة . فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان
عبارة عن جواذب العبودية ، ومثال ذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف ، اذا
رأى الجلاب المبرد بالثلج فان طبيعته تحمله على شربه ، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا
يدل على حصول الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية
أكمل ، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ذهبنا اليه ولم يبق في يد الواحدي إلا
مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا
عنها ، إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين .
واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي وسلم أنه قال ((ما كذب ابراهيم عليه السلام الا
ثلاث كذبات )) فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار فقال على طريق الاستنكار فان لم
نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له : يا مسكين ان قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب ابراهيم عليه
السلام وان رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون ابراهيم عليه السلام عن
الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب .
اذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي : ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا
القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين ، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبتون للعصمة فقد
فسروا رؤية البرهان بوجوه : الأول : أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا. والعلم بما على الزاني
من العقاب والثاني : أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة .
بل نقول : انه تعالى طهر نفوس المتصلين به عنها كما قال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال
الرادعة لهم عن الاقدام على المنكرات . والثالث : أنه رأى مكتوبا في سقف البيت ( ولا تقربوا
الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) والرابع : أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ، والدليل
عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثو المنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنهم منعوا الناس
عنها ، ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وأيضاً أن الله تعالى عير
اليهود بقوله ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) وما يكون عيباً في حق اليهود كيف
ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات .
وأما الذين نسبوا المعصية الى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان

١٢٣
قوله تعالى (( ولقد همت به وهم بها )) سورة يوسف
الثاني عشر
أمورا : الأول : قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته
بثوب فقال يوسف لم فعلت ذلك ؟ قالت أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصية ، فقال
يوسف أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحى من إلهي القائم على كل نفس بما
كسبت فوالله لا أفعل ذلك أبدا قالوا : فهذا هو البرهان . الثاني : نقلوا عن ابن عباس رضى
الله عنهما أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجار وأنت.
مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه . قال وهو قول عكرمة . ومجاهد . والحسن . وسعيد بن
جبير. وقتادة . والضحاك . ومقاتل . وابن سيرين . قال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب
فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله . والثالث : قالوا إنه سمع في الهواء قائلا يقول يا
ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فاذا زنا ذهب ريشه . والرابع : نقلوا عن ابن عباس
رضى الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه
السلام فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج ، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال :
هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذي أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له : انك لا
تأتينا البتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل ، وأيضا فان
ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز ، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعا عن الزنا بحسب
الدلائل الأصلية ، فلما انضاف اليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم
نقلوا أن جروا دخل حجرة النبي صل﴿ وبقي هناك بغير عمله قالوا : فامتنع جبريل عليه السلام
من الدخول عليه أربعين يوما ، وههنا زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة
ذهب اليه جبريل عليه السلام ، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب
حضور جبريل عليه السلام ، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة فاذا دخل
عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل ، وههنا أنه رأى يعقوب عليه
السلام عض على أنامله فلم يلتفت اليه ، ثم إن جبريل عليه السلام الى أن يركضه على ظهره
فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين ، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص
في هذه المسألة والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه : الأول : أن السوء جناية
· اليد والفحشاء هو الزنا . الثاني : السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة .
والفحشاء هو الزنا . أما قوله ( إنه من عبادنا المخلصين ) أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى
ومن فتح اللام أراد الذين خلصهم الله من الأسواء ، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية
إبراهيم عليه السلام الذين قال الله فيهم ( إنا أخلصناهم بخالصة )
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (المخلصين) بكسر اللام في
جميع القرآن والباقون بفتح اللام .

١٢٤
قوله تعالى (( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر )) سورة يوسف
الجزء
وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ فِيصَهُ مِن دُيُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِ قَالَتْ مَاجَزَاءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمُ (﴾ قَالَ هِىَ رَوَدَتِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ
شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ فِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾
وَإِن كَانَ قِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ فَلَّارَءَ الفِيصَهُ.
قُدَّ مِن دُيٍُ قَالَ إِنَّهُو مِن كَيْدِ كُنَّ إِنَّكَيْدَ كُنَّ عَظِيمُ (٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِعِينَ
قوله تعالى ﴿ واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفیا سيدها لدى الباب قالت ما
جزاء من أراد بأهلك سوأ إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال هي راودتني عن نفسي وشهد
شاهد من أهلها إن كان قميصهقد من قبل فصدقت وهو من الكاذبین. وإن کان قميصه قد من
دبر فكذبت وهي من الصادقین. فلما رأی قميصه قد من دبر قال إنه من کیدکن إن کیدکن
عظيم. يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها ( همت ) أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال ( واستبقا
الباب ) والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه الى
نفسها ، والاستباق طلب السبق الى الشيء ، ومعناه تبادر الى الباب يجتهد كل واحد منهما أن
يسبق صاحبه فان سبق يوسف فتح الباب وخرج ، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا
يخرج ، وقوله ( واستبقا الباب ) أي استبقا الى الباب كقوله ( واختار موسى قومه سبعين رجلا )
أي من قومه .
واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها الى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلفه فلم
تصل إلا إلى دبر القميص فقدته ، أي قطعته طولا ، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد
من قوله ( والفيا سيدها لدى الباب ) أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي ، وانما لم يقل
سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكا لذلك الرجل في الحقيقة ، فعند ذلك خافت المرأة
من التهمة فبادرت الى أن رمت يوسف بالفعل القبيح ، وقالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا
٠

١٢٥
الثاني عشر
قوله تعالى ((واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر)) سورة يوسف
إلا أن يسجن أو عذاب أليم، والمعنى ظاهر. وفي الآية لطائف: إحداها: أن ((ما)) يحتمل
أن تكون نافية ، أي ليس جزاؤه إلا السجن ، ويجوز أيضا أن تكون استفهامية يعني أى شىء
جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول : من في الدار إلا زيد . وثانيها : أن حبها الشديد ليوسف
حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر
العذاب ، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، وأيضا أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن
يعامل بأحد هذين الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالسوء
والألم ، وأيضا قالت ( إلا أن يسجن ) والمراد أن يسجن يوما أو أقل على سبيل التخفيف .
فأما الحبس الدائم فانه لا يعبر عنه بهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من
المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله ( لئن اتخذت إلها
غيري لأجعلك من المسجونين ) وثالثها : أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم
منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة ، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته
فاستحت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء ، وما وجدت من نفسها أن ترميه
بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من
نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر الى تلك
المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من
أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح . ورابعها : أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها
عن نفسه ، وكان ذلك بالنسبة اليها جاريا مجرى السوء فقولها : ما جزاء من أراد بأهلك سوأ ،
جاريا مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها . وفي ظاهر الأمر
كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي .
واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف
إلى إزالة هذه التهمة فقال : هى راودتني عن نفسي ، وأن يوسف عليه السلام ماهتك سترها في
أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر .
واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق :
فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسط على مولاه
الى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج
والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة
زينت نفسها على أكمل الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين
النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه

١٢٦
قوله تعالى (( واستبقسا الباب وقدت قميصه من دبر )) سورة يوسف
الجزء
السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر ، وذلك
ايضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته الى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل
ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه السلام فانه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر
على التصريح باللفظ الصريح فان الخائن خائف ، السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا
وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فالحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما حصلت هذه
الأمارات الكثيرة الدالة على ان مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت
لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي
تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله
﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال: الأول: أنه كان لها ابن عم وكان
رجلا حكيما. واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال قد سمعنا
الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أیکما قدام صاحبه، فان كان شق
القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب . وإن كان من الخلف فالرجل صادق وأنت
كاذبة فلما نظروا الى القميص ورأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها ﴿إنه من کیدکن إن کیدکن
عظيم﴾ أي من عملكن. ثم قال ليوسف أعرض عن هذا واكتمه ، وقال لها استغفري لذنبك،
وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين . والثاني: وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله
عنهما وسعيد بن جبير والضحاك : ان ذلك الشاهد كان صبيا انطقه الله تعالى في المهد ، فقال
ابن عباس: تكلم في المهد أربعة صغار شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون ، وعيسى بن
مريم ، وصاحب جريج الراهب قال الجبائي : والقول الأول أولى لوجوه : الأول :
أنه تعالى لو انطق الطفل بهذا الكلام لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافيا وبرهانا قاطعا، لأنه من
البراهين القاطعة القاهرة ، والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ضعيف
والعدول عن الحجة القاطعة حال حضورها وحصولها الى الدلالة الظنية لا يجوز . الثاني: أنه
تعالى قال ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ وإنما قال من أهلها ليكون أولى بالقبول في حق المرأة لأن
الظاهر من حال من يكون من اقرباء المرأة ومن أهلها أن لا يقصدها بالسوء والاضرار ،
فالمقصود بذكر كون ذلك الرجل من أهلها تقوية قول ذلك الرجل وهذه الترجيحات إنما يصار
اليها عند كون الدلالة ظنية ، ولو كان هذا القول صادرا عن الصبي الذي في المهد لكان قوله
حجة قاطعة . ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من أهلها وبين أن لا يكون من أهلها وحينئذ لا
يبقى لها القيد أثر. الثالث : أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف الا على من تقدمت له معرفة
بالواقعة وأحاطة بها .
والقول الثالث ﴾ أن ذلك الشاهد هو القميص ، قال مجاهد: الشاهد كون قميصه

الثاني عشر
قوله تعالى (( وقال نسوة في المدينة )) سورة يوسف
١٢٨
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأْتُ الْعَزِيزِ تُرَِّدُ فَهَا عَن نَفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبّا إِنَّ لَرَهَا
فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ فَلَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِ مِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَفًا
وَءَاتَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِنًا وَقَالَتِ أَنْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ
أَيْدِيهِنَّ وَقَلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكُ كَرِيمٌ
الخاطئين ) نسبة لها الى أنها كانت كثيرة الخطأ فيما تقدم ، وهذا أحد ما يدل على أن الزوج
عرف في أول الأمر أن الذنب للمرأة لا ليوسف ، لأنه كان يعرف منها إقدامها على ما لا
ينبغي . وقال أبو بكر الأصم : إن ذلك لزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار . قال
صاحب الكشاف : وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير ، تغليبا للذكور على الاناث ، ويحتمل
أن يقال : المراد إنك من نسل الخاطئين ، فمن ذلك النسل سرى هذا العرق الخبيث فيك ،
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وقال نسوة في المدينة امر أت العزیز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا
لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت اليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة
منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا
إن هذا إلا ملك كريم ﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ لم لم يقل ﴿وقالت نسوة﴾ قلنا لوجهين: الأول: أن النسوة اسم
مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث ، الثاني : قال الواحدي
تقديم الفعل يدعو الى اسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكلبي: هن أربع ، امرأة ساقي العزيز. وامرأة خبازة .
وامرأة صاحب سجنه . وامرأة صاحب دوابه ، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب . والاشبه أن
"تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء . وامرأة العزيز هي هذه المرأة
المعلومة ﴿ تراود فتاها عن نفسه ﴾ الفتى الحدث الشاب والفتاة الجارية الشابة ﴿ قد شغفها
حبا ﴾ وفيه مسألتان :

١٢٧
١٩٨٠
قوله تعالى (( قال إنه من کیدکن إن کیدکن عظیم) سورة يوسف
الجزء
مشقوقا من دبر ، وهذا في غايةالضعف لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب الى الأهل .
واعلم ان القول الأول عليه ايضا إشكال وذلك لأن العلامة المذكورة لا تدل قطعا على براءة
يوسف عليه السلام عن المعصية لأن من المحتمل أن الرجل قصد المرأة لطلب الزنا فالمرأة
غضبت عليه فهرب الرجل فعدت المرأة خلف الرجل وجذبته لقصد ان تضربه ضربا وجيعا فعلى
هذا الوجه يكون القميص متخرقا من دبر مع أن المرأة تكون برية عن الذنب والرجل يكون
مذنبا .
وجوابه : أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه
العلامة الأخرى لا لأجل أن يعولوا في الحكم عليها ، بل لأجل أن يكون ذلك جار مجرى
المقويات والمرجحات.
ثم إنه تعالى أخبر وقال : ﴿فلما رأى قميصه ﴾ وذلك يحتمل السيد الذي هو زوجها
ويحتمل الشاهد فلذلك اختلفوا فيه ، قال ﴿ إنه من كيدكن ﴾ أي ان قولك ما جزاء من أراد
بأهلك سوءا من کیدکن إن کیدکن عظيم .
فان قيل : إنه تعالى لما خلق الانسان ضعيفا فكيف وصف كيد المرأة بالعظم ، وأيضا
فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء .
والجواب عن الأول : أن خلقة الانسان بالنسبة الى خلقه الملائكة والسموات والكواكب
خلقه ضعيفة وكيد النسوات بالنسبة الى كيد البشر عظيم ولا منافاة بين القولين وأيضا فالنساء
لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من
العار مالا يورثه كيد الرجال.
واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عليه السلام عن ذلك الفعل المنكر حكى تعالى عنه
أنه قال ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فقيل: إن هذا من قول العزيز، وقيل إنه من قول
الشاهد ، ومعناه : أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم
بسببها ، وكما أمر يوسف بكتمان هذه الواقعة أمر المرأة بالاستغفار فقال ﴿ واستغفري
لذنبك ﴾ وظاهر ذلك طلب المغفرة، ويحتمل أن يكون المراد من الزوج ويكون معنى المغفرة
العفو والصفح ، وعلى هذا التقدير فالأقرب أن قائل هذا القول هو الشاهد ، ويحتمل أن
يكون المراد بالاستغفار من الله ، لأن أولئك الأقوام كانوا يثبتون الصانع ، إلا أنهم مع ذلك
كانوا يعبدون الأوثان بدليل أن يوسف عليه السلام قال ﴿ أأرباب متفرقون أم الله الواحد
القهار ﴾ وعلى هذا التقدير: فيجوز أن يكون القائل هو الزوج . وقول ﴿إنك كنت من

١٢٩
الثاني عشر قوله تعالى ((فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن)) سورة يوسف
﴿ المسألة الأولى﴾ أن الشغاف فيه وجوه : الأول: أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب
يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلانا إذا أصبت شغافة كما تقول كبدته أي أصبت كبده
فقوله ﴿ شغفها حبا ﴾ أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب. والثاني: أن حبه أحاط
بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب ، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار .
حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه . والثالث : قال
الزجاج : الشغاف حبة القلب وسويداء القلب ، والمعنى : أنه وصل حبه الى سويداء قلبها ،
وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم .
المسألة الثانية ﴾ قرأ جماعة من الصحابة والتابعين ﴿شعفها﴾ بالعين . قال ابن
السكيت : يقال شعفه الهوى اذا بلغ الى حد الاحتراق ، وشعف الهناء البعير اذا بلغ منه الألم
الى حدا لاحتراق، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال : الشعف بالعين إحراق الحب القلب
مع لذة يجدها ، كما أن البعير اذا هنىء بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح اليه ، وقال ابن
الانباري : الشعف رؤس الجبال ، ومعنى شعف بفلان اذا ارتفع حبه الى اعلى المواضيع من
قلبه .
﴿ المسألة الثالثة ) قوله ﴿ حبها ﴾ نصب على التمييز .
ثم قال ﴿ إنا لنراها في ضلال مبين ﴾ أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب حبها اياه
كقوله ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾
ثم قال تعالى ﴿ فلما سمعت بمكرهن ارسلت اليهن واعتدت لهن متكئا ﴾ وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد من قوله ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ أنها سمعت قولهن وانما
سمي قولهن مكرا لوجوه : الأول : أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف
عليه السلام والنظر إلى وجهه. لأنهن عرفن أنهن اذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد
عذرها عندهن . الثاني : أن امرأة العزيز أسرت اليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا
السر، فلما أظهرن السركان ذلك غدرا ومكرا . الثالث : أنهن وقعن في غيبتها ، والغيبة إنما
تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر .
﴿ المسألة الثانية ﴾ أنها لما سمعت أنهن يلمنها عن تلك المحبة المفرطة أرادت إبداء
عذرها فاتخذت مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت لهن متكأ ، وفي تفسيره وجوه :

١٣٠
قوله تعالى (( فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن )) سورة يوسف
الجزء
الأول : المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه . الثاني أن المتكأ هو الطعام . قال العتبى والأصل فيه
أن من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة ،
والثالث : متكأ أترجا ، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت
عندهن أنواع الفاكهة في ذلك المجلس . والرابع : متكأ طعاما يحتاج الى أن يقطع بالسكين ،
لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الانسان الى أن يتكأ عليه عند القطع . ثم نقول : حاصل
ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلسا معينا وآتت كل واحدة منهن
سكينا أي لأجل أكل الفاكهة أولاجل قطع اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج
اليهن ويعبر عليهن وأنه عليه السلام ما قدر على مخالفتها خوفا منها ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن
أيديهن ) وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في ﴿أكبرنه﴾ قولان: الأول: أعظمنه. والثاني ﴿ أكبرن﴾
بمعنى حضن . قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاصت ، وحقيقة دخلت في
الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر الى حد الكبر وفيه وجه آخر ، وهو أن المرأة إذا خافت
وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت ، فان صح تفسير الاكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه
وقوله ﴿ فقطعن أيديهن ﴾ كناية عن دهشتهن وحيرتهن ، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما
دهشت فكانت تظن أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها ، أو يقال : إنها لما دهشت
صارت بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين بكفها
فكان يحصل الجراحة في كفها .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفق الأكثرون على انهن انما أكبرنه بحسب الجمال الفائق والحسن
الكامل قيل : كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر
الكواكب وعن النبي بم قال ((مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي الى السماء فقلت لجبريل
عليه السلام من هذا ؟ فقال يوسف فقيل يا رسول اللّه كيف رأينه؟ قال: كالقمر ليلة البدر))
وقيل : كان يوسف إذا سار في أزقة مصريرى تلألو وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس
من السماء عليها ، وقيل : كان يشبه آدم يوم خلقه ربه ، وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه .
وعندي أنه يحتمل وجها آخر وهو انهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة ،
وآثار الخضوع والاحتشام ، وشاهدن منه مهابة النبوة ، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات الى
المطعوم والمنكوح ، وعدم الاعتداد بهن ، وكان الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة والهيئة
فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه ، ووقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن ،
وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى .
٠

١٣١
قوله تعالى ((ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم)) سورة يوسف
الثاني عشر
فان قيل : فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها ﴿ فذلكن الذي
لمتنني فيه ﴾ وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوة العشق وافراط المحبة ؟
قلنا : قد تقرر أن الممنوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب وهذه السيرة الملكية
الطاهرة المطهرة فحسنة يوجب الحب الشديد وسيرته الملكية توجب اليأس عن الوصول اليه
فلهذا السبب وقعت في المحبة ، والحسرة ، والأرق والقلق ، وهذا الوجه في تأويل الاية أحسن
والله اعلم
﴿ المسألة الثالثة) قرأ أبو عمرو ﴿وقلن حاشا لله﴾ باثبات الألف بعد الشين وهي
رواية الاصمعي عن نافع وهي الأصل لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد ، والباقون
بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على الألسن اتباعا للمصحف ((وحاشا)) كلمة يفيد معنى
التنزيه ، والمعنى ههنا تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله . وأما قوله
حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله .
﴿ المسألة الرابعة) قوله ﴿ ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ﴾ فيه وجهان:
الوجه الأول ﴾ وهو المشهور أن المقصود منه اثبات الحسن العظيم له قالوا : لأنه
تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك ، كما ركز فيها أن لا حي أقبح من الشيطان ،
ولذلك قال تعالى في صفة جهنم ﴿ طلعها كأنه رؤس الشياطين) وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في
الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان فكذا ههنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك ،
فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه بالملك .
والوجه الثاني ﴾ وهو الأقرب عندي ان المشهور عند الجمهور ان الملائكة مطهرون
عن بواعث الشهوة ، وجواذب الغضب ، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم توحيد الله تعالى
وشرابهم الثناء على الله تعالى ، ثم ان النسوة لما رأين يوسف عليه السلام لم يلتف اليهن البتة
ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة الرسالة ، وسيما الطهارة قلن انا ما رأينا فيه أثراً من أثر الشهوة ،
ولا شيئاً من البشرية ، ولا صفة من الانسانية ، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في
البشر، وقد ترقى عن حد الانسانية ودخل في الملكية .
فان قالوا : فان كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند النسوة ؟ فالجواب
قد سبق والله أعلم
.
﴿ المسألة الخامسة ﴾ القائلون بأن الملك أفضل من البشر. احتجوا بهذه الآية فقالوا :

١٣٢
قوله تعالى (( قالت فذلكن الذي لمتنني فيه )) سورة يوسف
,الجزء
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَِّىِ لُمْتُنَِّى فِيهِ وَلَقَدْ رَوَدَتْهُ، عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ وَلَيْنِ لَّمْ
يَفْعَلْ مَآءَأُمُهُ لَيُسْجَنَّ وَلَيَكُونًّا مِنَ الصَّدْغِرِ ينَ
لا شك أنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام . فوجب أن يكون
إخراجه من البشرية أعلى حالا من البشر، ثم نقول : لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال
حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر ، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن ،
والأول باطل لوجهين : الأول : أنهم وصفوه بكونه كريما ، وإنما يكون كريما بسبب الأخلاق
الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة ، والثاني : أنا نعلم بالضرورة ان وجه الانسان لا يشبه وجوه
الملائكة البتة . أما كونه بعيدا عن الشهوة والغضب معرضا عن اللذات الجسمانية متوجها الى
عبودية الله تعالى مستغرق القلب ، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الانسان الكامل وبين
الملائكة .
واذا ثبت هذا فنقول : تشبيه الانسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على
سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه البتة ، فثبت ان تشبيه يوسف
عليه السلام بالملك في هذه الآية . انما وقع في الخلق الباطن ، لا في الصورة الظاهرة ، وثبت
انه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالا من الانسان في هذه الفضائل فثبت ان
الملك أفضل من البشر والله اعلم .
﴿ المسألة السادسة ﴾ لغة أهل الحجاز اعمال ((ما)) عمل ليس وبها ورد قوله ﴿ ما هذا
بشرا﴾ ومنها ﴿ما هن أمهاتهم) ومن قرأ على لغة بني تميم. قرأ ﴿ما هذا بشر وهي قراءة ابن
مسعود وقرىء ﴿ما هذا بشرا﴾ أي ما هو بعبد مملوك للبشر﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ ثم نقول:
ما هذا بشرا ، أي حاصل بشرا بمعنى هذا مشترى ، وتقول : هذا لك بشرا أم بكرا ، والقراءة
المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف، ولمقابلة البشر للملك .
قوله تعالى ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم
يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴾
اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز في شغفها حبا إنا لنراها في صلال مبين . عظم
ذلك عليها فجمعتهن ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ﴾ فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق
لأنهن بنظرة واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع انه طال مكثه عندها .

١٣٣
الثاني عشر قوله تعالى ((قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه)) سورة يوسف
قَالَ رَبِّ الِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مَِّّ يَدْعُونَنِىَ إِلَيْهِ وَإِلَا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْنَّ
وَأَكُن مِّنَ الْجَهِلِينَ (﴾ فَأَسْتَجَابَ لَهُو رَبُهُ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ
اَلَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
فان قيل : فلم قالت ﴿ فذلكن ﴾ مع ان يوسف عليه السلام كان حاصرا ؟
والجواب عنه من وجوه : الأول : قال ابن الانباري : أشارت بصيغة ذلكن الى يوسف
بعد انصرافه من المجلس . والثاني : وهو الذي ذكره صاحب الكشاف وهو أحسن ما قيل : إن
النسوة كن يقلن إنها عشقت عبدها الكنعاني ، فلما رأينه ووقعن في تلك الدهشة قالت: هذا
الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه يعني : أنكن لم تتصورنه حق تصوره ولو
حصلت في خيالكن صورته لتركتن هذه الملامة .
واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة الحال
فقالت ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾
واعلم أن هذا تصريح بأنه عليه السلام كان بريئا عن تلك التهمة ، وعن السدى أنه
قال ﴿ فاستعصم ﴾ بعد حل السراويل، وما الذي يحمله على الحاق هذه الزيادة الفاسدة
الباطلة بنص الكتاب .
ثم قال ﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴾ والمراد أن يوسف
عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار ، ومعلوم أن التوعد
بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر مثل يوسف عليه السلام ،
وقوله ﴿ وليكونا﴾ كان حمزة والكسائي يقفان على ﴿وليكونا﴾ بالألف، وكذلك قوله
لنسفعا ﴾ والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب
اليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ﴾
واعلم أن المرأة لما قالت ﴿ ولئن لم بفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴾
وسائر النسوة سمعن هذا التهديد فالظاهر أنهن اجتمعن على يوسف عليه السلام وقلن لا
مصلحة لك في مخالفة أمرها وإلا وقعت في السجن وفي الصغار . فعند ذلك اجتمع في حق
يوسف عليه السلام أنواع من الوسوسة : أحدها : أن زليخا كانت في غاية الحسن ، والثاني :

١٣٤
قوله تعالى (( والا تصرف عني كيدهن )) سورة يوسف
الجزء
أنها كانت ذات مال وثروة ، وكانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف بتقدير أن يساعدها على
مطلوبها ، والثالث : أن النسوة اجتمعن عليه وكل واحدة منهن كانت ترغبه وتخوفه بطريق
آخر ، ومكر النساء في هذا الباب شديد ، والرابع : أنه عليه السلام كان خائفا من شرها
وإقدامها على قتله وإهلاكه ، فاجتمع في حق يوسف جميع جهات الترغيب على موافقتها وجميع
جهات التخويف على مخالفتها ، فخاف عليه السلام أن تؤثر هذه الأسباب القوية الكثيرة فيه .
واعلم ان القوة البشرية والطاقة الانسانية لا تفي بحصول هذه العصمة القوية ، فعند
هذا التجأ إلى الله تعالى وقال ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعونني اليه﴾ وقرىء ﴿ السجن﴾
بالفتح على المصدر ، وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ السجن في غاية المكروهية، وما دعونه اليه في غاية المطلوبية،
فكيف قال : المشقة أحب إلي من اللذة :
والجواب : أن تلك اللذة كانت تستعقب آلاما عظيمة ، وهي الذم في الدنيا والعقاب في
الآخرة ، وذلك المكروه وهو اختيار السجن ، كان يستعقب سعادات عظيمة ، وهي المدح في
الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، فلهذا السبب قال ﴿ السجن أحب إلي مما يدعونني اليه ﴾
﴿ السؤال الثاني﴾ أن حبسهم له معصية كما أن الزنا معصية، فكيف يجوز أن يحب
السجن مع أنه معصية .
والجواب : تقدير الكلام أنه اذا كان لا بد من التزام أحد الأمرين أعني الزنا
والسجن ، فهذا أولى ، لأنه متى وجب التزام أحد شيئين كل واحد منهما شرفأخفهما أولهما
بالتحمل .
ثم قال ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين ﴾ أصب اليهن أمل
إليهن يقال : صبا الى اللهو يصبو صبوا اذا مال ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الانسان
لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى عنها قالوا : لأن هذه الاية تدل على انه تعالى إن لم
يصرفه عن ذلك القبيح وقع فيه وتقريره : أن القدرة والداعي الى الفعل والترك ان استويا امتنع
الفعل ، لأن الفعل رجحان لأحد الطرفين ومرجوحية للطرف الآخر وحصولهما حال استواء
الطرفين جمع بين النقيضين وهو محال ، وإن حصل الرجحان في أحد الطرفين فذلك الرجحان
ليس من العبد . والا لذهبت المراتب الى غير النهاية ، بل هو من الله تعالى فالصرف عبارة عن
جعله مرجوحا لأنه متى صار مرجوحا صار ممتنع الوقوع لأن الوقوع رجحان ، فلو وقع حال

الثاني عشر قوله تعالى ((ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات )) سورة يوسف
١٣٥
١٠٠
٠٠ ٠٠
وَدَخَلَ مَعَهُ
ثُمَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَارَأَوُا ◌َلْآَيَتِ لَيَسْجُنَّهُ، خَّى حٍِ ٤٥
السّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَّ إِّ أَرَسِّ أَعْصِرُ نَهْرًا وَقَالَ أْآَخُرُ إِّ أَرَسِيّ أَ حِلُ
فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُمِنْهُ نَبِّثْنَا بِتَأْوِيلِهِ، إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (3)
المرجوحية لحصل الرجحان حال حصول المرجوحية ، وهو يقتضي حصول الجمع بين النقيضين
وهو محال ، فثبت بهذا أن انصراف العبد عن القبيح ليس إلا من الله تعالى ، ويمكن تقرير هذا
الكلام من وجه آخر ، وهو أنه كان قد حصل في حق يوسف عليه السلام جميع الأسباب المرغبة
في تلك المعصية . وهو الانتفاع بالمال والجاه والتمتع بالمنكوح والمطعوم وحصل في الأعراض
عنها جميع الأسباب المنفرة ، ومتى كان الأمر كذلك ، فقد قويت الدواعي في الفعل وضعفت
الدواعي في الترك ، فطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحدث في قلبه أنواعا من الدواعي
المعارضة النافية لدواعي المعصية . إذ لو لم يحصل هذا المعارض لحصل المرجح للوقوع في
المعصية خاليا عما يعارضه ، وذلك يوجب وقوع الفعل وهو المراد بقوله ﴿ أصب إليهن وأكن
من الجاهلين ﴾
قوله تعالى ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن
فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير
منه نبئنا بتأوله إنا نراك من المحسنين﴾
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم ان زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا
جرم لم يتعرض له ، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل يوسف عليه السلام على
موافقتها على مرادها ، فلم يلتفت يوسف اليها ، فلما أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت
لزوجها : إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه ، وأنا لا
أقدر على إظهار عذري ، فاما أن تأذن لي فأخرج واعتذر وإما ان تحبسه كما حبستني ، فعند
ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث
وحتى تقل الفضيحة ، فهذا هو المراد من قوله ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه
حتى حين﴾ لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في الأول، والمراد من الآيات براءته
بقد القمیص من دبر ، وخمش الوجه ، وإلزام الحکم إياها بقوله ﴿ إِنه من کیدکن إن کیدکن
عظيم ﴾ وذكرنا أنه ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا
---

١٣٦
قوله تعالى ((ودخل معه السجن فتيان)) سورة يوسف
الجزء
عنها سعيا في إخفاء الفضيحة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ﴿بدا لهم﴾ فعل وفاعله في هذا الموضع قوله ﴿ ليسجننه ﴾
وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل الى فعل آخر ، إلا أن النحويين اتفقوا على إسناد الفعل
الى الفعل لا يجوز ، فاذا قلت خرج ضرب لم يفد البتة ، فعند هذا قالوا : تقدير الكلام ثم بدا
لهم سجنه ، إلا أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم ، وأقول : الذوق يشهد بان جعل
الفعل مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد ان يقول الفعل خبرا فجعل الخبر مخبرا عنه لا يجوز ، لأنا
نقول : الاسم قد يكون خبرا كقولك : زيد قائم فقائم اسم وخبر فعلمنا أن كون الشيء خبرا
لا ينافى كونه مخبرا عنه ، بل نقول في هذا المقام : شكوك أحدهما : أنا إذا قلنا : ضرب فعل
فالمخبر عنه بأنه فعل هو ضرب ، فالفعل صار مخبرا عنه .
فان قالوا : المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول : فعلى هذا التقدير يلزم أن
يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل ، بل نقول المخبر عنه بأنه فعل أن
كان فعلا فقد ثبت أن الفعل يصح الاخبار عنه وان كان اسما كان معناه : انا أخبرنا عن الاسم
بأنه فعل ومعلوم أنه باطل ، وفي هذا الباب مباحث عميقة ذكرناها في كتب المعقولات .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أهل اللغة: الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير
منه ، وعلى الطويل ، وقال ابن عباس : يريد الى انقطاع المقالة . وما شاع في المدينة من
الفاحشة ، ثم قيل : الحين ههنا خمس سنين ، وقيل : بل سبع سنين ، وقال مقاتل بن
سليمان : حبس يوسف اثنتي عشرسنة ، والصحيح أن هذه المقادير غير معلومة ، وانما القدر
المعلوم أنه بقي محبوسا مدة طويلة لقوله تعالى ﴿وادكر بعد أمة
أما قوله تعالى ﴿ودخل معه السجن فتيان ﴾ فههنا محذوف والتقدير: لما أرادوا حبسه
حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله ﴿ودخل معه السجن فتيان ﴾ عليه قيل: هما غلامان كانا
للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب شرابه رفع اليه أن صاحب
طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر بحبسهما بقي في الآية سؤالات :
السؤال الأول ﴾ كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير؟
والجواب : لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في المنام هذه
الرؤيا ، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك .
﴿ السؤال الثاني ﴾ كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك :

١٣٧
قوله تعالى ((قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا)) سورة يوسف
الثاني عشر
الجواب : لقوله ﴿ فيسقي ربه خمرا﴾ أي مولاه ولقوله ﴿اذكرني عند ربك ﴾
السؤال الثالث ﴾ كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك، والآخر صاحب
طعامه ؟
والجواب : رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر
والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزا .
السؤال الرابع ﴾ كيف وقعت رؤية المنام ؟
والجواب : فيه قولان :
﴿ القول الأول ) أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر الأحلام
فقال أحد الفتيين ، هلم فلنختبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها له فسألاه من غير أن يكونا
رأيا شيئا . قال ابن مسعود : ما كانا رأيا شيئا وإنما تحالما ليختبرا علمه .
﴿ والقول الثاني ﴾ قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف عليه
السلام فسألاه عنها ، فقال الساقي ايها العالم إني رأيت كأني في بستان فاذا بأصل عنبه حسنة
فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه
وسقيتها الملك فشربه فذلك قوله ﴿ إني أراني أعصر خمرا﴾ وقال صاحب الطعام إني رأيت
كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمة وإذا سباع الطير تنهش منه فذلك قوله
تعالى ﴿ وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ﴾
﴿ السؤال الخامس﴾ كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله ﴿إني أراني
أعصر خمرا ﴾ رؤيا المنام؟
الجواب : لوجوه : الأول : أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله ﴿ أعصر﴾ يغنيه عن
ذکر قوله ﴿ أراني ﴾ والثاني : دل عليه قوله ﴿ نبئنا بتأوله
﴾
﴿ السؤال السادس ) كيف يعقل عصر الخمر؟
الجواب : فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون المعنى أعصر عنب خمر ، أي العنب
الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف . الثاني : أن العرب تسمي الشيء بأسم ما يؤل اليه
إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبسا وهو يطبخ عصيرا . والثالث : قال أبو
صالح : أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت هذه اللفظة الى أهل مكة فنطقوا بها قال
الضحاك : نزل القرآن بألسنة جميع العرب .

١٣٨
قوله تعالى (( قال لا يأنيكما طعام ترزقانه )) سورة يوسف
الجزء
قَالَ لَا يَأْتِّكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ، إِلَّا نَبَّأْتُكَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكَ
◌ِمَّ عَلَّمَنِى رَبِّ إِّ تَكْتُ مِلَّ قَوْمِ لَّايُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَهُمْ بِلَِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
السؤال السابع ﴾ ما معنى التأويل في قوله ﴿ نبئنا بتأوله }
الجواب : تأويل الشيء ما يرجع اليه وهو الذي يؤل اليه آخر ذلك الأمر .
﴿ السؤال الثامن﴾ ما المراد من قوله ﴿ إنا نراك من المحسنين )
الجواب من وجوه : الأول : معناه انا نراك تؤثر الاحسان وتأتي بمكارم الأخلاق وجميع
الافعال الحميدة . قيل : إنه كان يعود مرضاهم ، ويؤنس حزينهم فقالوا إنك من المحسنين ،
أي في حق الشركاء والأصحاب ، وقيل : إنه كان شديد المواظبة على الطاعات من الصوم
والصلاة فقالوا انك من المحسنين في أمر الدين ، ومن كان كذلك فانه يوثق بما يقوله في تعبير
الرؤيا ، وفي سائر الأمور ، وقيل : المراد ﴿ إنا نراك من المحسنين﴾ في علم التعبير، وذلك
لأنه متى عبر لم يخط كما قال ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾
﴿ السؤال التاسع﴾ ما حقيقة علم التعبير؟
الجواب : القرآن والبرهان يدلان على صحته ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وأما البرهان
فهو أنه قد ثبت أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود الى عالم
الأفلاك ، ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ذلك اشتغالها بتدبير البدن وفي وقت النوم يقل
هذا التشاغل فتقوى على هذه المطالعة فاذا وقعت الروح على حالة من الأحوال تركت آثار
مخصوصة مناسبة لذلك الادراك الروحاني الى عالم الخيال فالمعبر يستدل بتلك الآثار الخيالية
على تلك الادراكات العقلية فهذا كلام مجمل ، وتفصيله مذكور في الكتب العقلية ، والشريعة
مؤكدة له روى عن النبي مقر أنه قال ((الرؤيا ثلاثة: رؤيا ما يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا
تحدث من الشيطان ورؤيا التي هي الرؤيا الصادقة حقه)) وهذا تقسيم صحيح في العلوم
العقلية وقال عليه السلام (( رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة))
قوله عز وجل ﴿ قال لا یأتیکما طعام تر زقانه إلا نباتکما بتأويله قبل ان یأتیکما ذلكما مما
علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي

١٣٩
قوله تعالى (( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه)) سورة يوسف
الثاني عشر
وَتَّبَعْتُ مِلََّءَبَىّ إِبْرَهِيمَ وَإِنْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُشْرِكَ بِالهِ مِنْ شَىْءٍ
ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (
١٣٨
إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى
الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن المذکور في هذه الآیة لیس بجواب لما سألا عنه فلا بد ههنا
من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب الى هذا الكلام والعلماء ذكروا فيه وجوهاً :
الأول : أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب ، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه
وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام ، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه
وكلامه ، حتى اذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه أن يكون بسبب تهمة وعداوة . الثاني :
لعله عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه، وذلك لأنهم
طلبوا منه التعبير ، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن والتخمين ، فبين لهم أنه لا يمكنه
الاخبار عن الغيوب على سبيل القطع واليقين مع عجز كل الخلق عنه ، واذا كان الأمر كذلك
فبأن يكون فائقا على كل الناس في علم التعبير كان أولى ، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة
تقرير كونه فائقا في علم التعبير واصلا فيه الى ما لم يصل غيره ، والثالث : قال السدى ( لا
يأتيكما طعام ترزقانه ) في النوم بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون
غيره ، ولذلك قال ( إلا نبأتكما بتأويله ) الرابع : لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه
وقبلا قوله : فأورد عليهما ما دل على كونه رسولا من عند الله تعالى ، فان الاشتغال باصلاح
مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا ، والخامس : لعله عليه السلام لما علم أن ذلك
الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الاسلام حتى لا يموت على الكفر ، ولا يستوجب
العقاب الشديد ( وليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة ) والسادس : قوله ( لا
يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) محمول على اليقظة ، والمعنى : أنه لا يأتيكما طعام
ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو ، وأي لون هو ، وكم هو ، وكيف يكون عاقبته ؟ أي اذا
أكله الانسان فهو يفيد الصحة أو السقم ، وفيه وجه آخر ، قيل : كان الملك اذا أراد قتل
إنسان صنع له طعاماً فأرسله اليه ، فقال يوسف لا يأتيكما طعام إلا أخبرتكما أن فيه سما أم

١٤٠
قوله تعالى « إني ترکت ملة قوم لا يؤمنون بالله )) سورة يوسف
الجزء
لا، هذا هو المراد من قوله ( لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) وحاصله راجع إلى أنه
ادعى الاخبار عن الغيب ، وهو يجري مجرى قول عيسى عليه السلام ، وأنبئكم بما تأكلون ،
وما تدخرون في بيوتكم ، فالوجوه الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقاً في علم التعبير ، والوجوه
الثلاثة الأخر لتقرير كونه نبيا صادقا من عند الله تعالى .
فان قيل : كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة ؟
قلنا : إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال : إنه كان قد ذكره ، وأيضا
ففي قوله ( ذلكما مما علمني ربي ) وفي قوله ( واتبعت ملة آبائي ) ما يدل على ذلك .
ثم قال تعالى ﴿ ذلكما مما علمني ربي﴾ أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ،
وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله .
ثم قال ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ لقائل أن يقول: في قوله (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) توهم
أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم
العرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال
إنه عليه السلام كان عبدا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر
التوحيد والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريا
مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر .
المسألة الثانية﴾ تكرير لفظ ( هم) في قوله ( وهم بالآخرة هم كافرون) لبيان
اختصاصهم بالكفر ، ولعل انكارهم للمعاد كان أشد انكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في
انكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد .
واعلم أن قوله ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) إشارة الى علم المبدأ . وقوله ( وهم
بالآخرة هم كافرون ) إشارة الى علم المعاد ، ومن تأمل في القران المجيد وتفكر في كيفية دعوة
الأنبياء عليهم السلام على أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق الى الاقرار
بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وان ما وراء ذلك عبث ،
ثم قال ﴿ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴾ وفيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول ﴾ ما الفائدة في ذكر هذا الكلام