Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ قوله تعالى « وجاوزنا ببني إسرائيل البحر )) سورة يونس ---- والجواب : من وجهين: الأول : أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان، فهو إنما ذکر هذا الكلام بالنفس ، لا بكلام اللسان ، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام ، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان ، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب . الثاني : أن يكون المراد من الغرق مقدماته. السؤال الثاني ﴾ أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله ( آمنت) وتانیها قوله (لا إله إلا الذي آمنْت به بنو اسرائيل ) وثالثها قوله ( وأنا من المسلين ) فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال : إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الاقرارا ؟ والجواب : العلماء ذكروا فيه وجوها : ﴿ الوجه الأول﴾ أنه إنما آمن عند نزول العذاب. والايمان في هذا الوقت غير مقبول ، لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الالجاء ، وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة ، ولهذا السبب قال تعالى ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) الوجه الثاني ﴾ هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة ، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف بعزة الربوبية وذلة العبودية ، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقروناً بالاخلاص ، فلهذا السبب ما كان مقبولا . ﴿ الوجه الثالث ﴾ هو أن ذلك الاقرار كان مبنياً على محض التقليد، ألا ترى أنه قال (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها، فهو أقر بذلك الاله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان هذا محض التقليد، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة (طه) كان من الدهرية، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى ، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته ، إلا بنور الحجج القطعية ، والدلائل اليقينية ، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد ، لأنه يكون ضماً لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل الفخر الرازي ج١٧ م١١ ١٦٢ قوله تعالى «آلان وقد عصیت قبل وكنت من المفسدين )) سورة يونس السابق . ﴿ الوجه الرابع﴾ رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل ، فلما قال فرعون ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ) انصرف ذلك الى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت ، فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر . ﴿ الوجه الخامس ﴾ أن اليهود كانت قلوبهم مائلة الى التشبيه والتجسيم . ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) فكأنه آمن بالاله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول، وكل من اعتقد ذلك كان كافرا. فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون . الوجه السادس﴾ لعل الايمان إنما كان يتم بالاقرار بوحدانية الله تعالى، والاقرار بنبوة موسى عليه السلام ، فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه . ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فانه لا يصبح إيمان إلا اذا قال معه وأشهد أن محمداً رسول الله ، فكذا ههنا . ﴿ الوجه السابع )روى صاحب الكشاف أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتوى فيها: ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته ، فكفر نعمته وجحد حقه ، وادعى السيادة دونه ؟ فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتواه اليه . أما قوله تعالى ﴿ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ﴾ ففيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول ﴾ من القائل له (آلآن وقد عصيت قبل) الجواب : الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر قوله ( وكنت من المفسدين ) في مقابلة قوله ( وأنا من المسلمين ) ومن الناس من قال : إن قائل هذا القول هو الله تعالی ، لأنه ذکر بعده ( فالیوم ننجيك ببدنك ) الی قوله ( وإن کثیرا من الناس عن آياتنا لغافلون) وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى. السؤال الثاني ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة ١٦٣ قوله تعالى (( فالیوم ننجيك ببدنك » سورة يونس والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة . الجواب : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية . وأيضا فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين . السؤال الثالث ﴾ هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه . والجواب : الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليفكان ثابتا أو ما كان ثابتا ، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وأيضا فلو منعه بما ذكر وه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد یتوب بأن یندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضى ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الايمان ، ولو قيل : إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل ( وما نتنزل إلا بأمر ربك) وقوله تعالى في صفتهم ( وهم من خشيته مشفقون ) وقوله ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) وأما إن قيل : إن التكليف كان زائلا عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل. الذي نسب جبريل اليه فائدة أصلا . ثم قال تعالى ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ وفيه وجوه : الأول ( ننجيك ببدنك ) أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني : نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله ( ببدنك ) في موضع الحال ، أي في الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث: أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله ( فبشرهم بعذاب أليم ) كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع : قرأ بعضهم ( ننحيك) بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه الماء الى الساحل كأنه ثور . ١٦٤ قوله تعالى ((ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق )) سورة يونس وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأْ صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ فَا آَخْتَلَفُواْ حَتَّى بَآَهُمُ الْعِلِمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ فِمَا كَانُواْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ ٩٣ وأما قوله ﴿ ببدنك ﴾ ففيه وجوه: الأول: ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدنا محضا من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك كاملا سوياً لم تتغير . الثالث ( ننجيك ببدنك ) أي نخرجك من البحر عريانا من غير لباس الرابع (ننجيك ببدنك ) أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله ( ببدنك ) أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف. أقول : إن صح هذا. فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام . وأما قوله ﴿لتكون لمن خلفك آية ﴾ ففيه وجوه: الأول : أن قوما ممن اعتقدوا فيه الالهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني : لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله أنا ربكم الأعلى ليكون ذلك زجراً للخلق عن مثل طريقته . ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون . الثالث : قرأ بعضهم ( لمن خلقك ) بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . الرابع : أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج احداً منهم من قعر البحر ، بل خصه بالاخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالا على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة . وأما قوله ﴿وان كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ فإلأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عافية فرعون وختم ذلك بهذا الكلام . وخاطب به محمداً عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجرا لأمته عن الاعراض عن الدلائل ، وباعثاً لهم على التأمل فيها والاعتبار بها ، فان المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ) قوله تعالى ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ ١٦٥ قوله تعالى ((ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق)) سورة يونس اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده ، ذكر أيضاً في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل ، وههنا بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ أن قوله (بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق) أي أسكناهم مكان صدق اي مكانا محموداً ، وقوله ( مبوأ صدق ) فيه وجهان : الأول: يجوز أن يكون مبوأ صدق مصدراً ، أي بوأناهم تبوأ صدق . الثاني : أن يكون المعنى منزلا صالحاً مرضياً ، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقا ، لأن عادة العرب أنها إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق تقول : رجل صدق ، وقدم صدق . قال تعالى ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) والسبب فيه أن ذلك الشيء إذا كان كاملا في وقته صالحاً للغرض المطلوب منه ، فكل ما يظن فيه من الخبر ، فانه لا بد وأن يصدق ذلك الظن . ﴿ البحث الثاني﴾ اختلفوا في أن المراد ببني اسرائيل في هذه الآية أهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام . ﴿ أما القول الأول ) فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى ، وعلى هذا التقدير : كان المراد بقوله ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) الشام ، ومصر، وتلك البلاد فانها بلاد كثيرة الخصب ، قال تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) والمراد من قوله ( ورزقناهم من الطيبات ) تلك المنافع ، وأيضاً المراد منه أنه تعالى أورث بني اسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل ، كما قال ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) ثم قال تعالى ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم . ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا ، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة . وأما القول الثاني ﴾ وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين . قال ابن عباس : وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات ، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيباً في البلاد ، ثم إنهم بقوا على ١٦٦ قوله تعالى (( فان كنت في شك مما أنزلنا إليك )) سورة يونس فَإِن كُنتَ فِى شَكٍ مِمَّ أَوَّلْنَا إِلَيْكَ فَدْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَةُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ بَآءَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَُّواْ ◌ِعَنْتِ الَِّ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ (٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٦﴾ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٩٧ دينهم ، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم ، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه علماً ، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور . وفي كون القرآن سبباً لحدوث الاختلاف وجهان الأول : أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون به على سائر الناس . فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسداً وبغياً وإيثاراً لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سبباً لحدوث الاختلاف فيهم . الثاني : أن يقال : إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفاراً محضاً بالكلية . وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم . وأما قوله تعالى ﴿ إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار الدنيا ، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم ، فيتميز الحق من المبطل والصدّيق من الزنديق. قوله تعالى ﴿ فان كنت في شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم » . اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عندما جاءهم العلم اورد على رسول الله الخلي في هذه الاية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة، فقال تعالى (فان كنت في شك مما انزلنا اليك) وفي الاية مسائل : ١٦٧ قوله تعالى (( فان كنت في شك مما أنزلنا إليك)) سورة يونس المسألة الأولى﴾ قال الواحدي الشك في وضع اللغة ، ضم بعض الشيء إلى بعض ، يقال : شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض. ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء ، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم ، أي يضمون ، وشك الرجل في السلاح ، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه اياها ، فاذا قالوا : شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين ، فيجوز هذا ، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه . ﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلف المفسرون: في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل غيره . أما من قال بالأول : فاختلفوا على وجوه . الوجه الأول﴾ أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر ، والمراد غيره كقوله تعالى ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ) وكقوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وكقوله ( يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس) ومن الأمثلة المشهورة : اياك أعني واسمعي يا جارة . والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه : الأول : قوله تعالى في آخر السورة ( يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز ، هم المذكورين في هذه الآية على سبيل التصريح . الثاني : أن الرسول لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية . والثالث : أن بتقدير أن يكون شاكا في نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك باخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار ، وإن حصل فيهم من كان مؤمنا إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والانجيل ، فالكل مصحف محرف ، فثبت أن الحق هو أن هذا الخطاب ، وإن كان في الظاهر مع الرسول صل# إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد ، فان السلطان الكبير إذا كان له أمير ، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فاذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص ، فانه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم . ﴿ الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك، إلا أن المقصود أنه متى ١٦٨ قوله تعالى « فان کنت في شك مما أنزلنا الیك » سورة يونس سمع هذا الكلام ، فانه يصرح ويقول (( يارب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة )) ونظيره قوله تعالى للملائكة ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا (سبحانك انت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن) وكما قال لعيسى عليه السلام (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا. الوجه الثالث ﴾ هو أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بايراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس ، ونظيره قوله تعالى ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك ) وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله ( فان كنت في شك ) فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع أولم يقع ، ولا بأن الجزاء وقع أولم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه ان كون الخمسة زوجا يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع ، فليس في الآية دلالة عليه ، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة الیقین وطمأنينة النفس وسکون الصدر ، وهذا السبب أکثر الله في کتابه من تقریر دلائل التوحيد والنبوة. والوجه الرابع ﴾ في تقرير هذا المعنى أن تقول : المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الايمان ، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعا لهم عن قبول الايمان فقال تعالى ( فان كنت في شك ) من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعنى أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فانه ليس فيه عيب . ولا يحصل بسببه نقصان ، فاذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات . ١٦٩ قوله تعالى ( فان کنت في شك مما أنزلنا إليك )) سورة يونس الوجه الخامس ﴾ أن یکون التقدير أنك لست شاكا البتّة . ولو كنت شاکا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً ، لزم منه المحال الفلاني فكذا ههنا . ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والانجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة . الوجه السادس ﴾ قال الزجاج: إن الله خاطب الرسول في قوله ( فان كنت في شك ) وهو شامل للخلق وهو كقوله ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) قال : وهذا أحسن الأقاويل ، قال القاضى : هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال ، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره ، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر ، ثم قال : ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل . الوجه السابع ﴾ هو أن لفظ (إن) في قوله (إن كنت في شك ) للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقيناً . وأما الوجه الثاني ﴾ وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة ، المصدقون به . والمكذبون له. والمتوقفون في أمره الشاكون فيه ، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها الانسان في شك مما أنزلنا اليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع ، كما في قوله ( يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك ) و( يا أيها الانسان إنك كادح ) وقوله ( فاذا مس الانسان ضر) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنسانا بعينه ، بل المراد هو الجماعة فكذا ههنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال ( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ) المسألة الثالثة ) اختلفوا في أن المسؤل منه في قوله ( فسأل الذين يقرؤن الكتاب ) من هم ؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن صوريا ، وتميم الداري ، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم ، ومنهم من قال : الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار . لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والانجيل ، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد ◌ّ فقد حصل الغرض. فان قيل : إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير ، فكيفيمكن ١٧٠ قوله تعالى ( ولا تكونن من الذین کذبوا بآيات الله )) سورة يونس التعويل عليها. قلنا : إنهم إنما حرفوها بسبب اخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . فان بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالته دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور ، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء ، ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ومعرفة نبوة الرسول عليه. والثاني: أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى ( فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) والأول أولى ، لأنه هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم . واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده ( لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ) أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك ، وانتفاء التكذيب بآيات الله ، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج واظهار التشدد . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله (( لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق)) ثم قال ﴿ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ﴾ واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة . إما أن يكون من المصدقين بالرسول . أو من المتوقفين في صدقه ، أو من المكذبين ، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر المكذب ، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله ( ولا تكونن من الممترين ) ثم أتبعه بذكر المكذب ، وبين أنه من الخاسرين ، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل ، بين أن له عبادا قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون . وعبادا قضى لهم بالكرامة ، فلا يتغيرون ، فقال ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر: كلمات على الجمع ، وقرأ الباقون : كلمة على لفظ الواحد ، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية . المسألة الثانية ﴾ المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك واخباره عنه ، وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية ، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر ، أما الحكم والاخبار والعلم فظاهر ، وأما مجموع القدرة والداعي فظاهر أيضاً ، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا لمرجح ، وذلك المرجح من الله تعالى قطعاً للتسلسل . وعند حصول هذا المجموع يجب الفعل ، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه . . ١٧١ قوله تعالى: ((فلولا کانت قرية آمنت)) سورة يونس فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ أَنْزْىٍ فِ الْحَيَزَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَئُهُمْ إِلَى ◌ٍِ ٩٨ ثم قال تعالى ﴿ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ والمراد أنهم لا يؤمنون البتة ، ولو جاءتهم الدلائل التي لاحد لها ولا حصر، وذلك لأن الدليل لا يهدي إلا باعانة الله تعالى فاذا لم تحصل تلك الاعانة ضاعت تلك الدلائل . القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، قصة يونس عليه السلام قوله تعالى ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين ﴾ اعلم انه تعالى لما بين من قبل (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم) أتبعه بهذه الآية، لانها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الايمان، وذلك يدل على أن الكفار فريقان: منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الايمان. وكل ما قضى الله به فهو واقع. وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في كلمة (لولا ) في هذه الآية طريقان: الطريق الأول﴾ أن معناه النفي ، روى الواحدي في البسيط قال : قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا ، فمعناه هلا ، إلا حرفين ، فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها ، معناه فما كانت قرية آمنت ، فنفعها إيمانها ، وكذلك فلولا كانت من القرون من قبلكم معناه ، فما كان من القرون ، فعلى هذا تقدير الآية ، فما كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس . وانتصب قوله ( إلا قوم يونس ) على أنه استثناء منقطع عن الأول ، لأن أول الكلام جرى على القرية ، وان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية ، فكان كقوله : الا أوارى وما بالربع من أحد وقرىء أيضا بالرفع على البدل . ١٧٢ قوله تعالى « ولو شاء ربك لآمن من في الارض )) سورة يونس وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُهُمْ بَحِعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ خَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ الطريق الثاني ﴾ أن ﴿ لولا ﴾ معناه هلا، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الايمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس . وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى، إلا ان المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا . المسألة الثانية ) روى أن يونس عليه السلام بعث الى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم غاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب ، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة ، وكان يونس قال لهم ان أجلكم أربعون ليلة . فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها الى بعض فعلت الأصوات ، وكثرت التضرعات وأظهروا الايمان والتوبة وتضرعوا الى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده الى ملكه ، وقيل خرجوا الى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال هم قولوا يا حي حين لا حي. وياحي يا محي الموتى. وياحي لا إله إلا انت، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله . ﴿ المسألة الثالثة) إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق ؟ والجواب : أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب ، وأما قوم يونس فانهم تابوا قبل ذلك فانهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق قوله تعالى ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . ١٧٣ قوله تعالى (وما كان لنفس أن تؤمن الا بإذن الله)) سورة يونس وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَ يَعْقِلُونَ ١٠٠ ٠.٠ ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها ، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي ◌ّ كان يهددهم بنزول العذاب على الكافرين ، ويعد اتباعه أن الله ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم ، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته ، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل السخرية ، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعد به لا يقدح في صحة الوعد ، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح وواقعة موسى عليهما السلام مع فرعون وامتدت هذه البيانات الى هذه المقامات ، ثم في هذه الآية بين أن جد الرسول في دخولهم في الايمان لا ينفع ومبالغته في تقرير الدلائل ، وفي الجواب عن الشبهات لا تفيد ، لأن الايمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته ، فاذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الايمان ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن جميع الكائنات بمشيئة الله تعالى ، فقالوا كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فقوله ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ﴾ يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل ، أجاب الجبائي والقاضي وغيرهما بأن المراد مشيئة الالجاء ، أي لو شاء الله أن يلجئهم الى الايمان لقدر عليه ولصح ذلك منه ، ولكنه ما فعل ذلك ، لأن الايمان الصادر من العبد على سبيل الالجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة ، ثم قال الجبائي : ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم الى ذلك ان يعرفهم اضطراراً أنهم لو حاولوا تركه، حالٌ الله بينهم وبين ذلك وعند هذا لا بد وأن يفعلوا ما ألجئوا اليه كما أن من علم منا أنه إن حاول قتل ملك فانه يمنعه منه قهرا لم يكن تركه لذلك الفعل سببا لاستحقاق المدح والثواب فكذا ههنا . واعلم أن هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه : الأول : أن الكافر كان قادرا على الكفر فهل كان قادرا على الايمان ، أو ما كان قادرا عليه ؟ فان قدر على الكفر ولم يقدر على الايمان ٦ ١٧٤ قوله تعالى ( وما کان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله )) سورة يونس فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، فاذا كان خالق تلك القدرة هو الله تعالى لزم أن يقال إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما ان كانت القدرة صالحة للضدين كما هو مذهب القوم ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل ، وإن توقف على مرجح فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فان كان من العبد عاد التقسيم فيه ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجبا لذلك الكفر فاذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الالزام . الثاني : أن قوله ﴿ ولو شاء ربك﴾ لا يجوز حمله على مشيئة الالجاء، لأن النبي مّ ﴿ ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة ، فبين تعالى أنه لا قدرة للرسل على تحصيل هذا الايمان ، ثم قال ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾ فوجب أن يكون المراد من الايمان المذكور في هذه الآية هو هذا الايمان النافع حتى يكون الكلام منتظما ، فأما حمل اللفظ على مشيئة القهر والالجاء فانه لا يليق بهذا الموضع . الثالث: المراد بهذا الالجاء ، إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها ، ثم يأتي بالايمان عندها . وإما أن يكون المراد خلق الايمان فيهم . والأول باطل ، لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ وقال أيضا ﴿ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمتهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الالجاء الى الايمان، بل كان ذلك عبارة عن خلق الايمان فيهم ، ثم يقال لكنه ما خلق الايمان فيهم ، فدل على أنه ما أراد حصول الايمان لهم وهذا عين مذهبنا . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد ، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى المسألة الثانية ﴾ احتج اصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للاشياء قبل ورود الشرع بقوله ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بأذن الله ﴾ قالوا وجه الاستدلال به أن الاذن عبارة عن الاطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس أن يقدم على هذا الايمان ، ثم قالوا : والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه : الأول : أن معرفة الله تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه ، فوجب أن لا يجب ذلك بحسب العقل ، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائدا الى المشكور أو الى .هـ ١٧٥ قوله تعالى (( ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون)) سورة يونس الشاكر . والأول باطل لأن في الشاهد المشكور ينتفع بالشكر فيسره الشكر ويسوءه الكفران ، فلا جرم كان الشكر حسنا والكفران قبيحا ، أما الله سبحانه فانه لا يسره الشكر ولا يسوءه الكفران ، فلا ينتفع بهذا الشكر أصلا . والثاني باطل لأن الشاكر يتعب في الحال بذلك الشكر ويبذل الخدمة مع ان المشكور لا ينتفع به البتة ولا يمكن أن يقال ان ذلك الشكر علة الثواب ، لأن الاستحقاق على الله تعالى محال فان الاستحقاق على الغير إنما يعقل إذا كان ذلك الغير بحيث لو لم يعط لأوجب امتناعه من إعطاء ذلك الحق حصول نقصان في حقه ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن النقصان والزيادة لم يعقل ذلك في حقه ، فثبت أن الاشتغال بالايمان وبالشكر ، لا يفيد نفعا بحسب العقل المحض وما كان كذلك امتنع أن يكون العقل موجبا له ، فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله ﴾ قال القاضي : المراد أن الايمان لا يصدر عنه إلا بعلم الله أو بتكليفه أو باقداره عليه . وجوابنا : أن حمل الاذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز لا سيما وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ونجعل﴾ بالنون وقرأ بالياء كناية عن اسم الله تعالى . ﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج اصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ وتقريره أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ والمراد من الرجس ههنا العمل القبيح ، سواء كان كفرا او معصية ، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر والمعصية الى طهارة الايمان والطاعة ، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الايمان لا يحصل الا بمشيئة الله تعالى وتخليقه ، ذكر بعده أن الرجس لا يحصل الا بتخليقه وتكوينه . والرجس الذي يقابل الايمان ليس إلا الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والايمان من الله تعالى . أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال : الرجس ، يحتمل وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي يلحق العذاب بهم كما قال ﴿ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ والثاني : أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم . ١٧٦ قوله تعالى (( قل انظروا ماذا في السموات والارض )) سورة يونس قُلٍ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ اٌلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى الْآَيَنْتُ وَالنَّذُرُ عَنْ قَوْمِ لَّاُ يُؤْمِنُونَ والجواب : أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه ، وإنما يقصد ضده ، وإنما قصد الى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل الا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله كونه حقا صدقا صوابا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة. قوله تعالى ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة ﴿قل انظروا﴾ بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة الى اللام. ﴿ المسألة الثانية) اعلم انه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الايمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض . فقال ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ واعلم ان هذا يدل على مطلوبين : الأول : انه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بالتدبير في الدلائل كما قال عليه السلام ((تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق)) والثاني: وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السموات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، فهي حركات الافلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، فهي النظر في احوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن واحوال الانسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الاجناس - الى انواع لا نهاية لها . ولو أن الانسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح قوله تعالى ((فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قلبهم)) سورة يونس ١٧٧ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّمِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَأَنْتَظُرُواْ إِنِى مَعَكُ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٦) ثُمَ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَلِكَ حَقًّا عَيْنَا نُتِ الْمُؤْمِنِينَ بعوضة لانقطع عقله قبل ان يصل الى اقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد فلهذا السبب ذكر قوله ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ ولم يذكر التفصيل ، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية ، حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية ، ثم انه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الازل بالشقاء والضلال ، فقال ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال النحويون ﴿ما﴾ في هذا الموضع تحتمل وجهين: الأول: أن تکون نفیا بمعنی أن هذه الآیات والنذر لا تفید الفائدة في حق من حکم الله علیه بأنه لا یؤمن ، كقولك : ما يغني عنك المال ان لم تنفق . والثاني : أن تكون استفهاما كقولك : أي شيء يغني عنهم وهو استفهام بمعنى الانكار . المسألة الثانية ﴾ الآيات هي الدلائل والنذر الرسل المنذرون او الانذارات . المسألة الثالثة) قرىء ﴿وما يغني ﴾ بالياء من تحت. ل قوله تعالى ﴿ فهل ينتظرون الا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين/ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين ﴾ واعلم ان المعنى هل ينتظرون الا أياماً مثل أيام الأمم الماضية، والمراد أن الانبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل السخرية، وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كانوا يفعلون. ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم ﴿فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ ثم إنه تعالى قال ﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا) وفيه مسائل : الفخر الرازي ج١٧ م١٢ ١٧٨ قوله تعالى ( قل يا ايها الناس ان كنتم في شك من ديني )) سورة يونس قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شَكٍ مِّنْ دِينِ فَلَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَقَّكُّ وَأَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ () وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِّيْنِ حَتْفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (﴾ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَّا مِنَ الظَّالِمِينَ المسألة الأولى﴾ قرأ الكسائي في رواية نصير ﴿ننجي ﴾ خفيفة، وقرأ الباقون: مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله ﴿ ننجي المؤمنين ﴾ . ﴿ المسألة الثانية) ثم حرف عطف، وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن نهلكهم سريعا ثم ننجي رسلنا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل . فقال : العذاب لا ينزل إلا على الكفار . وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة . ثم قال ﴿ كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: أي مثل ذلك الانجاء ننصر المؤمنين ونهلك المشركين وحقا علينا اعتراض ، يعني حق ذلك علينا حقا . المسألة الثانية﴾ قال القاضي قوله ﴿حقا علينا﴾ المراد به الوجوب ، لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب الى الثواب واجب ولولاه لما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الافعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى قضاء الدين للسبب المتقدم . والجواب : أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم ، ولا نقول إنه حق بسبب الاستحقاق ، لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا . قوله تعالى ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذین تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين. وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين. ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فان فعلت فانك إذا من الظالمين. ١٧٩ قوله تعالى (( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم)) سورة يونس واعلم انه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات، أمر رسوله بإظهار دينه وباظهار المباينة عن المشركين. لكي نزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السرالى الاظهار فقال ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني﴾ واعلم ان ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله وَ له، وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابىء فأمر الله تعالى ان يبين لهم أنه على دين ابراهيم حنيفا مسلما لقوله تعالى ﴿إن ابراهيم كان امة قانتا لله حنيفا﴾ ولقوله ﴿وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا﴾ ولقوله ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ والمعنى: أنكم كنتم لا تعرفون ديني فأنا ابينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أمورا فالقید الأول ﴾ قوله ﴿ فلا أعبد الذین تعبدون من دون الله ﴾ وانما وجب تقدیم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن تكون مقدمة على اثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح ، وانما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق الا بمن حصلت له غاية الجلال والاكرام ، وأما الأوثان فانها أحجار . والانسان أشرف حالا منها ، وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس . القيد الثاني﴾ قوله ﴿ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم﴾ والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله ، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله . فان قيل : ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله ﴿ الذي یتوفاکم ﴾ قلنا : فيه وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد أني اعبد الله الذي خلقكم أولا ثم يتوفاكم ثانيا ثم يعيدكم ثالثا ، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مرارا وأطوارًاً فههنا أكتفي بذكر التوفي منها لكونه منبها على البواقي . الثاني : أن الموت أشد الأشياء مهابة ، فخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام ، ليكون اقوى في الزجر والردع الثالث : أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ﴾ فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر ١٨٠ قوله تعالى (( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك )) سورة يونس هذا الكلام لا جرم قال ههنا ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وهو اشارة الى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول : أعبد ذلك الذي وعدني باهلاكهم وبابقائي. والقيد الثالث ﴾ من الامور المذكورة في هذه الآية قوله ﴿وأمرت أن أكون من المؤمنين ) واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس اعمال الجوارح انتقل منها الى الايمان والمعرفة ، وهذا يدل على انه ما لم يصر الظاهر مزينا بالأعمال الصالحة ، فانه لا يحصل في القلب نور الايمان والمعرفة والقيد الرابع ﴾ قوله ﴿وان اقم وجهك للدين حنيفا) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الواو في قوله ﴿وإن أقم وجهك﴾ حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان: الأول: أن قوله ﴿وأمرت أن أكون ﴾ قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه ﴿وأن أقم وجهك﴾ الثاني: أن قوله ﴿وأن أقم وجهك﴾ قائم مقام قوله ﴿وأمرت﴾ باقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وباقامة الوجه للدين حنيفا . ﴿ المسألة الثانية) إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية الى طلب الدين ، لأن من بريد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء ، فانه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، واذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل الابصار، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله ﴿ حنيفا﴾ أي مائلا اليه ميلا كليا معرضا عما سواه إعراضا كليا ، وحاصل هذا الكلام هو الاخلاص التام ، وترك الالتفات الى غيره ، فقوله أولا ﴿ وأمرت أن أكون من المؤمنين) إشارة إلى تحصيل أصل الايمان، وقوله ﴿وأن اقم وجهك للدين حنيفا ﴾ إشارة الاستغراق في نور الايمان والاعراض بالكلية عما سواه. ﴿ والقيد الخامس ) قوله ﴿ولا تكونن من المشركين ﴾ واعلم أنه لا يمكن هذا نهيا عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار مذكورا بقوله تعالى في هذه الآية ﴿ فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ﴾ فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ذلك الى غيره كان ذلك شركا ، وهذا هو الذي تسميه صحاب القلوب بالشرك الخفي . والقيد السادس) قوله تعالى ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾