Indexed OCR Text
Pages 1-20
تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الرَّازى الشَّهُ بالتّغِير الكبير ومَفَتَحِ الغَّه للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلامه ضياءالدين عمر الشّهر بخطِ الرَى نَفْعَ اللّهباليمين ٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام دار الفكر للطبَّاعَة وَالنشْر وَالتوزيع ۔ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي ٣ قوله تعالى ((الرتلك آيات الكتاب الحكيم)) سورة يونس الجزء الحادى عشر (١٠) سورة يُنِسْ مَكِيَّة وَآَيَانُها تشْع وَيَانَة مكية ، إلا الآيات : ٤٠ و ٩٤ و٩٥ و٩٦ فمدنية نزلت بعد الإِسراء بِسُـ إِلَلَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ج الَّرَتِلْكَ ءَايَنْتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم عن ابن عباس رضى الله عنهما : أن هذه السورة مكية إلا قوله ( ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ) فانها مدنية نزلت في اليهود . قوله جل جلاله ﴿ الر ﴾ وفيه مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم (الر) بفتح الراء على التفخيم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحي عن أبي بكر : بكسر الراء على الإِمالة . وروى عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ، بين الفتح والكسر، واعلم أن كلها لغات صحيحة . قال الواحدي : الأصل ترك الامالة في هذه الكلمات نحو ماولا ، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء ، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة ، فقصد بذكر الامالئة التنبيه على أنه أسماء لا حروف . ﴿ المسألة الثانية﴾ اتفقوا على أن قوله ( الر) وحده ليس آية ، واتفقوا على أن قوله ( طه ) وحده آية . والفرق أن قوله ( الر) لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده بخلاف قوله ( طه ) فانه يشاكل مقاطع الآية التي بعده . ٤ قوله تعالى (( تلك آيات الكتاب الحكيم )) سورة يونس ﴿ المسألة الثالثة ﴾ الكلام المستقصي في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكرههنا أيضا بعض ما قيل . قال ابن عباس ( الر ) معناه أنا الله أرى . وقيل أنا الرب لا رب غيري . وقيل (الر) و(حم) و(ن) اسم الرحمن . قوله تعالى ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى) قوله (تلك) يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، وأيضاً فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن ، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب ، كما قال تعالى ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) وقال تعالى ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) وقال ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل ههنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات : ﴿ الاحتمال الأول﴾ أن يقال: المراد من لفظة (تلك) الاشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن ، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ، ولا يغيره كرور الدهر ، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة ( الر ) هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء . ﴿ الاحتمال الثاني﴾ أن يقال: المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله . واعلم أن على هذين القولين تكون الاشارة بقولنا ( تلك ) إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال وهو أن (تلك) يشار بها الى الغائب، وآيات هذه السورة حاضرة، فكيف يحسن ان يشار اليه بلفظ ( تلك ) واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى ( الم ذلك الكتاب ) ﴿ الاحتمال الثالث والرابع﴾ أن يقال: لفظ (تلك) إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن ، والمراد بها : هي آيات القرآن الحكيم ، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى ، وفي الآية قولان آخران : أحدهما : أن يكون المراد من ( الكتاب الحكيم ) التوراة والانجيل، والتقدير: إن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل ، والمعنى: أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة ٥ قوله تعالى ((أكان للناس عجبا أن اوحينا إلى رجل منهم)) سورة يونس أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآَ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنِذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ ◌َهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَاذَا لَسَحِرٌ مُبِينُ للقصص المذكورة في التوراة والانجيل، مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما كان عالما بالتوراة والانجيل، فحصول هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمداً بانزال الوحي عليه. والثاني: وهو قول أبي مسلم: أن قوله (الر) إشارة إلى حروف التهجي، فقوله (الرتلك آيات الكتاب ) يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت علامات لهذا الكتاب الذي به وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم، دون سائر القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالا . ﴿ المسألة الثانية) في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه : الأول : أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة . الثاني : أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال الأعشى : وغريبة تأتى الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها الثالث : قال الأكثرون ( الحكيم ) بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل ، دليله قوله تعالى ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ) فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتمييز حقها عن باطلها ، وفي الأفعال لتمييز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمداً صادق في دعوى النبوة ، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ليست إلا القرآن. الرابع: أن ( الحكيم) بمعنى المحكم . والإِحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور. او المراد منه براءته عن الكذب والتناقض. الخامس: قال الحسن: وصف الكتاب بالحكيم، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه، فعلى هذا (الحكيم) يكون معناه المحكوم فيه. السادس: أن (الحكيم) في أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب، فكان وصف القرآن به مجازا، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب، فمن حيث أنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه قوله تعالى ﴿ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافر ون إن هذا لساحر مبین﴾ ٦ قوله تعالى ((أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم)) سورة يونس في الآية مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه : الأول : قوله تعالى ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الاله تعالى واحدا ، لم يبعد أيضاً أن يتعجبوامن تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة ! والثاني : أن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولا الى خلقه إلا يتيم أبي طالب! والثالث: أنهم قالوا ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشراً ورسولاً، كما حكى عن الكفار إنهم قالوا (أبعث الله بشراً رسولا) والثاني: أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيراً يتيماً ، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك. وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم) فان قوله (أكان للناس عجباً) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الانكار، لأن يكون ذلك عجباً، وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه: الأول: انه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والاذن والمنع. ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد. وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمراً غير ممتنع، بل مجوزاً في العقول. الثاني: أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) وقال (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) وقال (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به، إلا إذا أرسل إليهم رسولا ومنبهاً. فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل اليهم ذلك الرسول، وإذا كان ذلك واجباً فكيف يتعجب منه. الثالث : أن إرسال الرسل امر ما اخلى الله تعالى شيئاً من أزمنة وجود المكلفين منه، كما قال (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى اليهم) فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير، ويؤكده قوله تعالى (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام. الرابع : أنه تعالى إنما أرسل اليهم رجلا عرفوا نسبه وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم والأكاذيب ملازما للصدق والعفاف . ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا البتة، ثم إنه مع ذلك يتلوا عليهم أقاصيصهم ٠ ٧ قوله تعالى ((أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم )) سورة يونس ويخبرهم عن وقائعهم، وذلك يدل على كونه صادقا مصدقا من عند الله، ويزيل التعجب، وهو من قوله (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) وقال (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك). الخامس: أن مثل هذا التعجب كان موجوداً عند بعثة كل رسول، كما في قوله (وإلى عاد أخاهم هودا). (وإلى ثمود أخاهم صالحا) إلى قوله (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) السادس: أن هذا التعجب. إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولا من البشر، أو سلموا انه لا تعجب في ذلك، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة . أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرّفهم تمام ما يحتاجون اليه في أديانهم كالعبادات وغيرها . وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث اليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم اليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) وقال ( قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) وأما الثاني: فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا في غاية العبد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغني سببا لكمال الحال عنده . كما قال تعالى ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد . المسألة الثانية﴾ الهمزة في قوله ( أكان) لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و( أن أوحينا ) اسم كان وعجبا خبره ، وقرأ ابن عباس ( عجب ) فجعله اسما وهو نكرة و( أن أوحينا) خبره وهو معرفة كقوله : يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون ((كان )) تامة ، وأن أوحينا ، بدلا من عجب . ﴿ المسألة الثالثة ) أنه تعالى قال ( أكان للناس عجبا) ولم يقل أكان عند الناس عجبا ، والفرق أن قوله ( أكان للناس عجبا ) معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والعجب اليه ! وليس في قوله ( أكان عند الناس عجبا ) هذا المعنى . ٨ قوله تعالى (( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق )) سورة یونس ﴿ المسألة الرابعة﴾ (أن ) مع الفعل في قولنا ( أن أوحينا) في تقدير المصدر وهو اسم كان ، وخبره هو قوله ( عجبا) وإنما تقدم الخبر على المتبدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالانكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما ( أن ) في قوله ( أن أنذر الناس) فمفسرة لأن الايجاء فيه معنى القول ، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس . المسألة الخامسة﴾ أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله ، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الانذار والتبشير . أما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الانذار عن فعل ما لا ينبغي ، وأما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها . وإنما قدم الانذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي . ﴿ المسألة السادسة) قوله ( قدم صدق ) فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال المفسرين . أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في البسيط منها وجوها . قال الليث وأبو الهيثم : القدم السابقة ، والمعنى : أنهم قد سبق لهم عند الله خير . قال ذو الرمة . وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر وقال أحمد بن يحي : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء . واعلم ان السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني، أن السعي والسيق لا يحصل الا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يدا، لأنها تعطى باليد . فان قيل : فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه ( قدم صدق ) قلنا : الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة ، وقال بعضهم : المراد مقام صدق . وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل ( قدم صدق ) على الأعمال الصالحة ؛ وبعضهم حمله على الثواب ، ومنهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة والسلام ، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد : صلى لدى العرش واتخذ قدما ينجيك يوم العثار والزلل ﴿ المسألة السابعة ﴾ أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فانذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين (إن هذا لساحر مبين ) أي إن هذا ٠ ٩ قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض )) سورة يونس إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِىِ خَقَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيهِ إِلَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِ، ذَلِكُمُ اللَّه ◌َبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ الذي يدعي أنه رسول هو ساحر . والابتداء بقوله ( قال الكافرون ) على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ، قال القفال : وإضمار هذا ، غير قليل في القرآن . خ المسألة الثامنة ) قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي (إن هذا الساحر ) والمراد منه محمد ◌َّةٍ، والباقون ( لسحر ) والمراد به القرآن . واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحراً يدل على عظم محل القرآن عندهم ، وكونه معجزاً . وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام . واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحراً ، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم ، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح ، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه . فقال بعضهم : أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ،ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، وقال آخرون : أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله ، جار مجرى السحر . واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه ، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد، لأنه ◌َّ كان منهم، ونشأ بينهم وما غاب عنهم ، وما خالط أحدا سواهم ،وما كانت مكة بلدة العلماء والأذكياء ، حتى يقال : إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الاتيان بمثل هذا القرآن . وإذا كان الأمر كذلك ، كان حمل القرآن على السحر كلاما في غاية الفساد ، فلهذا السبب ترك جوابه . قوله تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكر ون ﴾ اعلم أنه تعالى لماحكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة ، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة في أن يبعث خالق الخلق اليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل باثبات أمرين: أحدهما: إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا نافذ الحكم بالأمر ١٠ قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) سورة يونس والنهي والتكليف. والثاني: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الانبياء عن حصولهما ، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . ﴿ أما الأول) وهو اثبات الالهية، فبقوله تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ) ﴿وأما الثاني) وهو إثبات المعاد والحشر والنشر. فبقوله ( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقاً) فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن ، ونهاية الكمال . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الكتب العقلية أن الدليل الدال على وجود الصانع تعالى ، إما الامكان وإما الحدوث وكلاهما إما في الذوات وإما في الصفات ، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة ، وهي إمكان الذوات ، وإمكان الصفات ، وحدوث الذوات ، وحدوث الصفات . وهذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي وهو عالم السموات والكواكب ، وتارة في العالم السفلي ، والأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الالهية التمسك بامكان الصفات وحدوثها تارة في أحوال العالم العلوي ، وتارة في أحوال العالم السفلي ، والمذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام العلوية في مقاديرها وصفاتها ، وتقريره من وجوه : الأول : أن أجرام الأفلاك لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ ، ومتى كان الأمر كذلك كانت لا محالة محتاجة إلى الخالق والمقدر . ﴿ أما بيان المقام الأول﴾ فهو أن أجرام الأفلاك لا شك أنها قابلة للقسمة الوهمية ، وقد دللنا في الكتب العقلية على أن كل ما كان قابلا للقسمة الوهمية ، فانه يكون مركبا من الأجزاء والأبعاض . ودللنا على أن الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقمسة ، ولكنه يكون في نفسه شيئاً واحدا كلام فاسد باطل . فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ ، وإذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق ومقدر ، وذلك لأنها لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم ، وبعضها حصل على سطحها ، وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهية والحقيقة ، والفلاسفة أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط ، ويمتنع كونها مركبة من أجزاء مختلفة الطبائع . وإذا ثبت هذا فنقول : حصول بعضها في الداخل ، وحصول بعضها في الخارج ، أمر ممكن الحصول جائز الثبوت ، يجوز أن ينقلب الظاهر باطنا ، والباطن ظاهرا . وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبر وقاهر ، يخصص بعضها بالداخل ١١ قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) سورة يونس وبعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في تركيبها وأشكالها وصفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم . ﴿ الوجه الثاني﴾ في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الاله القادر أن نقول: حركات هذه الأفلاك لها بداية ، ومتى كان الأمر كذلك افتقرت هذه الافلاك في حركاتها إلى محرك ومدبر قاهر . أما المقام الأول ﴾ فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال ، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها ، والأزل ينافي المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا ، فثبت أن لحركات الأفلاك أولا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال : هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة ، لكنها كانت واقفة وساكنة . وما كانت متحركة . وعلى التقديرين : فلحركاتها أول وبداية . وأما المقام الثاني﴾ وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر ، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة في ذلك الوقت المعين دون ما قبله ودون ما بعده ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص ، وترجيح مرجح . وذلك المرجح يمتنع أن يكون موجبا بالذات ، وإلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلا قبل ذلك الوقت ، ولما بطل هذا ، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب . و الوجه الثالث ) في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الاله المختار ، وهو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر ، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول . فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن ، ولا بد له من مرجح ، ويعود التقرير الأول فيه . فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ أن كلمة (الذي) كلمة وضعت للاشارة إلى شيء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كما إذا قيل لك من زيد ؟ فتقول : الذي أبوه منطلق ، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقا ، أمرا معلوما عند السامع ، فهنا لما قال ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ) فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقا السموات والأرض في ستة أيام ، أمرا معلوما عند السامع ، والعرب ما كانوا عالمين بذلك ، فكيف يحسن هذا التعريف؟ وجوابه أن يقال : هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى ، لأنه مذکور في أول ما 1 ١٢ قوله تعالى ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض )) سورة يونس يزعمون أنه هو التوراة . ولما كان ذلك مشهورا عندهم والعرب كانوا يخالطونهم ، فالظاهر أنهم أيضا سمعوه منهم ، فلهذا السبب حسن هذا التعريف . ﴿ السؤال الثاني ﴾ ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها ؟ والجواب : أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر. والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا يتجزأ ، والجزء الذي لا يتجزأ لا يمكن إيجاده إلا دفعة ، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان ، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة ، فهل حصل شيء من ذلك الايجاد في الآن الأول أو لم يحصل ، فان لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الايجاد ، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر ، فهما إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزأ ، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزأ متجزأ . وهو محال . وإن كان شيئاً آخر ، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزأ لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة ، وكذا القول في ايجاد جميع الأجزاء . فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة ، ولا شك أيضاً أنه تعالى قادر عن إيجاده وتكوينه على التدريج . وإذا ثبت هذا فنقول ههنا مذهبان : الأول : قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد ، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول : لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة ؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة ، فسقط هذا السؤال . الثاني : قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة . فعند هذا قال القاضي : لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السموات والأرض في هذه المدة المخصوصة ، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين . ثم قال القاضي : فان قيل : فمن المعتبر وما وجه الاعتبار؟ ثم أجاب وقال: أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه السموات والأرضين، أو معهما ، وإلا لكان خلقهما عبثا . فان قيل : فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد ؟ ! قلنا : إنه تعالى لا يخاف الفوت ، فلا يجوز أن يقدم خلق مالا ينتفع به أحد لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت ، ونخاف العجز والقصور . قال : وإذا ثبت هذا فقد صح ما روى في الخبر أن خلق الملائكة L ١٣ قوله تعالى (( ثم استوى على العرش )) سورة يونس كان سابقاً على خلق السموات والأرض . فان قيل : أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان ، فقبل خلق السموات والأرض لا مكان ، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان ؟ قلنا : الذي يقدر على تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر ، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالا بعد حال أقوى . والدليل عليه : أن ما يحدث على هذا الوجه ، فانه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم . وأما المخلوق دفعة واحدة فانه لا يدل على ذلك . والسؤال الثالث ) فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روى عن ابن عباس أنه قال : إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ؟ والجواب : قال القاضي : الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما ، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً ، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة . ولقائل أن يقول : لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والانجيل ، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا ، لم يكن ذلك قادحاً في صحة التعريف . ﴿ السؤال الرابع﴾ هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها ، فكيف يعقل هذا التعريف؟ والجواب : التعريف يحصل لما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في مدة ، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر ، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام . ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم ، يحصل فيها حدوث العالم ، وذلك يوجب قدم المدة . وجوابه : أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة ، والدليل عليه أن تلك المدة المعنية حادثة ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى ، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال ، فكل ما يقولونه في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم . ﴿ السؤال الخامس ﴾ أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده . فالمراد بهذه الآية أيهما . ١٤ قوله تعالى (( ثم استوى على العرش )) سورة يونس والجواب : الغالب في اللغة أنه يراد باليوم اليوم بليلته . ﴿ المسألة الثانية) أما قوله ( ثم استوى على العرش) ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه ، ولکنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة ، فنقول : هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه ، بحيث لولا العرش لسقط ونزل ، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره . فانه يفهم منه هذا المعنى . إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجا إلى العرش ، وإنه لولا العرش لسقط ونزل ، وذلك محال . لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له ، والثاني : أن قوله ( ثم استوى على العرش ) يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه ، وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيراً كان محدثاً ، وذلك بالاتفاق باطل . الثالث : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت ، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركا ، وكل ذلك من صفات المحدثات . الرابع : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة ( ثم ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش ، فاذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة . فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش ، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش . فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش . إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره ؟ فيه قولان . القول الأول ﴾ وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني ، أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله ( ثم استوى على العرش) أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها ، فان كل بناء فانه يسمى عرشاً ، وبانيه يسمى عارشاً ، قال تعالى ( ومن الشجر ومما يعرشون ) أي يبنون ، وقال في صفة القرية ( فهي خاوية على عروشها ) والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال ( وكان عرشه على الماء ) أي بناؤه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة ١٥ قوله تعالى (( يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه )) سورة يونس لئلا ينهدم ، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته . والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه . فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا . ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى ( خلق السموات والأرض في ستة أيام ) إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله ( ثم استوى على العرش ) يكون إشارة الى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ) فذكر أولا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا ذكر بقوله ( خلق السموات والأرض ) أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله ( ثم استوى على العرش ) أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها . والقول الثاني ﴾ وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية : الجسم العظيم الذي في السماء . وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى ( ثم استوى على العرش ) لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى ( وكان عرشه على الماء ) وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين . بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر . وهو أن يكون المراد : ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش . ﴿ والقول الثالث ﴾ أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولى عرشه أي ملكه فقوله ( ثم استوى على العرش ) المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات . والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف ( ثم ) الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده . ﴿المسألة الرابعة﴾ أما قوله (يدبر الأمر ) معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى ١٦ قوله تعالى ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون )) سورة يونس الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من ( الأمر ) الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض . فان قيل : ما موقع هذه الجملة ؟ قلنا : قد دل بكونه خالقا السموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويا على العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة . ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولا حادث من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة والحكمة والعلم والاحاطة والتدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات ، واليه تنتهي الحاجات . وأما قوله تعالى ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ ففيه قولان: ﴿ القول الأول) وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها ، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر. ولا يستجرىء أحد أن يشفع اليه في شيء إلا من بعد إذنه، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح . فان قيل : كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق ، وإنما يليق ذكره بأحوال القيامة ؟ والجواب من وجوه : الوجه الأول ﴾ ما ذكره الزجاج: وهو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون : إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فالمراد منه الرد عليهم في هذا القول وهو كقوله تعالى ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ) والوجه الثاني ﴾ وهو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلها للعالم مستقلا بالتصرف فيه من غير شريك ولا منازع ، بين أمر المبدأ بقوله ( يدبر الأمر ) وبين حال المعاد بقوله ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) والجوه الثالث ﴾ يمكن أيضا أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من رعاية المصالح ، مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح ، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده محسن اليهم مريد للخير والرأفة بهم ، ولا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى حضور شفيع يشفع فيه . ١٧ قوله تعالى ( إلیه مرجعكم جميعا )) سورة يونس إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُأ ◌َلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ، لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمِلُواْ الصَّالِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَيٍِ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ٤ القول الثاني ﴾ في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني . فقال : الشفيع ههنا هو الثاني ، وهو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر ، كما يقال الزوج والفرد، فمعنى الآية خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ، ثم خلق الملائكة والجن والبشر، وهو المراد من قوله ( إلا من بعد إذنه ) أي لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود ، إلا من بعد أن قال له : كن . حتى كان وحصل . واعلم أنه تعالى ما بين هذه الدلائل وشرح هذه الأحوال ، ختمها بعد ذلك بقوله ( ذلکم الله ربكم فاعبدوه) مبينا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له ، ومنبها على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها ووصفها . ثم قال بعده ( أفلا تذكرون ) دالا بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة ، وذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على جلالته وعزته وعظمته ، أعلى المراتب وأكمل الدرجات . قوله تعالى ﴿ اليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا یکفر ون ﴾ اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ ، أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في بيان أن إنكار الحشر والنشرليس من العلوم البديهية، ويدل عليه وجوه : الأول : أن العقلاء اختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه . وقال بامكانه عالم من الناس ، وهم جمهور أرباب الملل والأديان . وما كان معلوم الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه . الثاني : أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة ، وعرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضاً هذه القضية ، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الفخر الرازي ج١٧ م٢ ١٨ قوله تعالى ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده )) سورة يونس الأول. الثالث: أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أولا نقول به. فان قلنا به فقد زال الإشكال بالكلية، فانه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرةٍ أخرى. وإن أنكرنا القول بالنفس فالاحتمال أيضاً قائم، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركِّب تلك الأجزاء المفرقة تركيبا ثانيا، ويخلق الانسان الأول مرة اخرى. والرابع: أنه سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر ونحن نجمعها ههنا . فالمثال الأول ﴾ أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، ونرى اليبس مستوليا عليها بسبب شدة الحر في الصيف . ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء والربيع ، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة كما قال تعالى ( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) وثانيها : قوله تعالى (ومن آياته انك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) إلى قوله ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى ) وثالثها : قوله تعالى ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب ) والمراد كونه مُنبّهاً على أمر المعاد . ورابعها: قوله (أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الانسان الى طعامه) وقال عليه السلام ((إذا رأيتم الربيع فأكثرواذكر النشور)) ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه . ﴿ المثال الثاني﴾ ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن ، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال ، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن . واذاثبت هذا فنقول : ما جاز تكوّن بعضه لم يمتنع أيضاً تكون كله ، ولما ثبت ذلك ظهر أن الاعادة غير ممتنعة ، واليه الاشارة بقوله تعالى ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) يعني أنه سبحانه لما كان قادرا على إنشاء ذواتكم أولا ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه. فوجب القطع أيضاً بأنه لا يمتنع عليه سبحّانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة . ﴿ المثال الثالث ) أنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق ، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الايجاد الأول كان أولى ، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة ، منها في هذه الآية وهو قوله ( أنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) وثانيا : قوله تعالى في سورة يس ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) وثالثها : قوله تعالى ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) ورابعها : قوله تعالى ( أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لَبس من خلق جديد ) ١٩ قوله تعالى (( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده )) سورة يونس وخامسها : قوله تعالى ( أيحسب الانسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منيّ يمنى ) إلى قوله ( أليس ذلك بقادر على أن يجي الموتى) وسادسها : قوله تعالى ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب) إلى قوله (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور : الأول : أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله ( إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ) كأنه تعالى يقول : لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات متعاقبة ؟ والثاني : أنه تعالى شبهها باحياء الأرض الميتة . والثالث : أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر. ﴿ والآية السابعة ) في هذا الباب قوله تعالى ( قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ) ﴿ المثال الرابع﴾ أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال : إنه لا يقدر على إعادتها ؟ فان من كان الفعل الأصعب عليه سهلا ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان أولى. وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة : منها : قوله تعالى ( أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) وثانيها : قوله تعالى ( أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحي الموتى ) وثالثها : قوله ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها ) المثال الخامس ﴾ الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر والنشر، فان النوم أخو الموت ، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت . قال تعالى ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) ذكر عقيبه أمر الموت والبعث ، فقال ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) وقال في آية أخرى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) إلى قوله ( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر. المثال السادس ﴾ أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث أنه يحصل الضد بعد حصول الضد ، إلا أنه ذلك غير مستنكر في قدرة الله تعالى ، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب ٢٠ قوله تعالى (( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)) سورة يونس الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت ؟ فان حكم الضدين واحد . قال تعالى مقرراً لهذا المعنى ( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ) وأيضاً نجد النار مع حرها ويبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فاذا أنتم منه توقدون ) فكذا ههنا . فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد ، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول . المسألة الثانية ﴾ في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب . اعلم أن الأمة فريقان منهم مِن يقول : يجب عقلا أن يكون إله العالم رحيما عادلا منزها عن الإسلام والاضرار ، إلا لمنافع أجلّ وأعظم منها ، ومنهم من ينكر هذه القاعدة ويقول : لا يجب على الله تعالى شيء أصلا ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول : فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه . الحجة الأولى﴾ انه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا بها يميزون بين الحسن والقبيح ، وأعطاهم قدرا بها يقدرون على الخير والشر. وإذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة الله تعالى وعدله ان يمنع الخلق عن شتم الله وذكره بالسوء ، وأن يمنعهم عن الجهل والكذب وإيذاء أنبيائه وأوليائه ، والصالحين من خلقه . ومن الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات والخيرات والحسنات ، فانه لو لم يمنع عن تلك القبائح ، ولم يرغب في هذه الخيرات ، قدح ذلك في كونه محسنا عادلا ناظرا لعباده . ومن المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط الثواب بفعلها ، والزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها ، وذلك الثواب المرغب فيه ، والعقاب المهدد به غیر حاصل في دار الدنيا . فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب ،وهذا العقاب ، وهو المطلوب ، وإلا لزم كونه كاذباً ، وأنه باطل . وهذا هو المراد من الآية التي نحن فيها وهي قوله تعالى ( ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات ، وفي الردع عن المنكرات ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات ولا حاجة مع ذلك إلى الوعد والوعيد ؟ سلّمنا أنه لا بد من الوعد والوعيد ، فلم لا يجوز أن يقال : الغرض منه مجرد الترغيب والترهيب ليحصل به نظام العالم كما قال تعالى (ذلك الذي يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) فاما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه ؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد لصار كلامه كذبا فنقول: ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فان كان هذا كذبا وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن