Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
قوله تعالى (( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم )) سورة التوبة
واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة ، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة .
وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضى الله تعالى عنهم .
﴿ والقول الثاني﴾ قال أبو مسلم : يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال
والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين ، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها . وقد ذكر الله
تعالى بعضها في كتابه كقوله تعالى ((وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) وقوله (لقد
صدقكم الله وعده إذا تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم) الآية، والمقصود منه وصف المهاجرين
والأنصار بانهم اتبعوا الرسول عليه السلام في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة، وذلك يفيد
نهاية المدح والتعظيم .
ثم قال تعالى ﴿ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ﴾ وفيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ فاعل (كاد) يجوز أن يكون (قلوب ) والتقدير : كاد قلوب فريق
منهم تزيغ ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الأمر والشان ، والفعل والفاعل تفسير للأمر
والشان ، والمعنى : كادوا لا يثبتون على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة
لشدة العسرة .
﴿ البحث الثاني﴾ قرأ حمزة وحفص عن عاصم (يزيغ ) بالياء لتقدم الفعل ، والباقون
بالتاء التأنيث قلوب ، وفي قراءة عبد الله ( من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم )
﴿ البحث الثالث﴾ (كاد) عند بعضهم تفيد المقاربة فقط، وعند آخرين تفيد المقاربة
مع عدم الوقوع ، فهذه التوبة المذكورة توبة عن تلك المقاربة ، واختلفوا في ذلك الذي وقع في
قلوبهم . فقيل : هم بعضهم عند تلك الشدة العظيمة أن يفارق الرسول ، لكنه صبر
واحتسب . فلذلك قال تعالى ( ثم تاب عليهم ) لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر
اليسير . وقال الآخرون بل كان ذلك لحديث النفس الذي يكون مقدمة العزيمة ، فلما نالتهم
الشدة وقع ذلك في قلوبهم ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفا منه أن يكون معصية . فلذلك قال
تعالى ( ثم تاب عليهم )
فان قيل : ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار ؟
قلنا : فيه وجوه :
الوجه الأول ﴾ أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطبيبا لقلوبهم ، ثم ذكر
الذنب ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة ، والمقصود منه تعظيم شأنهم .

٢٢٢
قوله تعالى ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا)) سورة التوبة
وَعَلَى الثَّلَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ خَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ
عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُواْ أَن لََّلْجَأْ مِنَ اللَّهِلَّ إِلَيْهِ مُمَ تَابَ عَلَيْهِمْ لِبَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ
النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
١١٨
والوجه الثاني ﴾ أنه إذا قيل: عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، دل ذلك على أن ذلك
العفو، عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة ، قال عليه السلاة والسلام ((إن الله
ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة )) وهذا معنى قول ابن عباس في قوله ( ثم تاب عليهم )
یرید ازداد عنھم رضا
والوجه الثالث ﴾ أنه قال ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه
في ساعة العسرة ) وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب عليهم من الوساوس التي
كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة ، ثم إنه تعالى زاد عليه فقال ( من بعدما كاد يزيغ قلوب
فريق منهم ) فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية ، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة
أخرى لئلا يبقى في خاطر أحدهم شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس .
ثم قال تعالى ﴿ إنه بهم رؤف رحيم ﴾ وهما صفتان الله تعالى ومعناهما متقارب ، ويشبه
أن تكون الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة .
وقيل : إحداهما للرحمة السالفة ، والأخرى للمستقبلة .
قوله تعالى ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت
وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو
التواب الرحيم ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ هذا معطوف على الآية الأولى ، والتقدير: لقد تاب الله على النبي
والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا ، والفائدة في هذا
العطف أنا بينا أن من ضم ذكر توبته إلى توبة النبي عليه الصلاة والسلام ، كان ذلك دليلا على
تعظيمه وإجلاله ، وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النبي عليه الصلاة والسلام وتوبة
المهاجرين والأنصار في حكم واحد ، وذلك يوجب اعلاء شأنهم وكونهم مستحقين لذلك .

/
٢٢٣
قوله تعالى ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا )) سورة التوبة
﴿ المسألة الثانية ) أن هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى ( وآخرون مرجون
لأمر الله) واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم مخلفين وذكروا وجوهاً، أحدها:
انه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف او حصل الرضا من الرسول عليه الصلاة والسلام
بذلك ، بل هو كقولك لصاحبك أين خلفت فلانا فيقول : بموضع كذا لا يريد به أنه أمره
بالتخلف بل لعله نهاه عنه وانما يريد أنه تخلف عنه . وثانيها : لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كانوا
على عزيمة الذهاب إلى الغزو فأذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام قدرما يحصلوا الآلات
والأدوات فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل فصح أن يقال : خلفهم الرسول . وثالثها : أنه
حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله ( وآخرون مرجون لأمر الله ) فالمراد من كون هؤلاء
مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة عن الطائفة الأولى . قال كعب بن مالك وهو أحد هؤلاء
الثلاثة : قول الله تعالى في حقنا ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ليس من تخلفنا انما هو تأخير
رسول الله ﴿ أمرنا ليشير به إلى قوله (وآخرون مرجون لأمر الله)
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء ( خلفوا) أي خلفوا الغازين
بالمدينة ، أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وفسدوا من الخالفة وخلوف الفم ، وقرأ
جعفر الصادق ( خالفوا ) وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين .
﴿ المسألة الرابعة﴾ هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الذي
نزلت فيه آية اللعان ، ومرارة بن الربيع ، وللناس في هذه القصة قولان :
﴿ القول الأول ﴾ أنهم ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال الحسن : كان
لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال : يا أرضاه ما خلفني عن رسول الله إلا أمرك ،
إذهبي فأنت في سبيل الله فلاكابدن المفاوز حتى أصل إلى النبي ◌َ لّ وفعل، وكان للثاني أهل
فقال يا أهلاه ما خلفني عن رسول الله و له إلا أمرك فلا كابدن المفاوز حتى أصل اليه وفعل ،
والثالث: ما كان له مال ولا أهل فقال: مالي سبب إلا الضن بالحياة والله لأكابدن المفاوز حتى
أصل إلى رسول الله لل فلحقوا بالرسول ◌َ ل﴿ فأنزل الله تعالى (وآخرون مرجون لأمر الله)
والقول الثاني ﴾ وهو قول الأكثرين أنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة
والسلام قال كعب: كان رسول الله وَ له يجب حديثي فلما أبطأت عنه في الخروج قال عليه
الصلاة والسلام، ((ما الذي حبس كعبا)) فلما قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته
وقلت : إن کراعي وزادي كان حاضرا واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبى الرسول ذلك ، ثم إنه
عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة ، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم ،
فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت : يا رسول الله لقد

٢٢٤
قوله تعالى (( حتى إذا صاقت عليهم الأرض بما رحبت)) سورة التوبة
بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوما أنزل الله تعالى ( لقد تاب الله على
النبي والمهاجرين ) وأنزل قوله (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) فعند ذلك خرج رسول الله يشير إلى
حجرته وهو عند أم سلمة فقال ((الله أكبر قد أنزل الله عذر أصحابنا)) فلما صلى الفجر ذكر
ذلك لأصحابه وبشرهم بأن اللّه تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله بصير وتلا عليهم ما نزل
فيهم . فقال كعب: توبتي إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال ((لا)) قلت فنصفه قال
((لا)) قلت فثلثه قال (( نعم)) واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة .
الصفة الأولى ) قوله ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) قال المفسرون :
معناه : أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضا عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمر
أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوما ، وقيل : أكثر ، ومعنى ( وضاقت
عليهم الأرض بما رحبت ) تقدم تفسيره في هذه السورة .
والصفة الثانية ) قوله (وضاقت عليهم أنفسهم ) والمراد ضيق صدورهم بسبب الهم
والغم ومجانبة الأوليا والأحباء ، ونظر الناس لهم بعين الاهانة .
الصفة الثالثة ) قوله (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا اليه ) ويقرب معناه من قوله عليه
الصلاة والسلام في دعائه (( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك
منك)) ومن الناس من قال معنى قوله ( وظنوا ) أي علموا كما في قوله ( الذين يظنون أنهم
ملاقوا ربهم ) والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء ، ولا
يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا اليه . وقال آخرون : وقف أمرهم على
الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن
تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن عاد الى تجويز كون تلك المدة قصيرة ، ولما وصفهم الله
بهذه الصفات الثلاث ؛ قال ( ثم تاب عليهم ) وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار. والتقدير : حتى إذا ضاقت عليهم
الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا اليه . تاب عليهم ثم
تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟
قلنا : هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو
لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك .
فان قيل : فما معنى قوله ( ثم تاب عليهم ليتوبوا )

٢٢٥
قوله تعالى (( ثم تاب عليهم ليتوبوا)) سورة التوبة
قلنا فيه وجوه : الأول : قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى
فقوله ( ثم تاب عليهم ) يدل على 'أن التوبة فعل الله وقوله (ليتوبوا) يدل على أنها فعل
العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره ( فليضحكوا ) مع قوله ( وأنه هو أضحك وأبكى ) وقوله
( كما أخرجك ربك ) مع قوله ( إذ أخرجه الذين كفروا ) وقوله ( هو الذي يسيركم ) مع قوله
( قل سيروا) والثاني : المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيا لهم إلى التوبة في
المستقبل. والثالث: أصل التوبة الرجوع، فالمراد يبطلها ثم تاب عليهم ليرجعوا الى حالهم
وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنین، وزوال المباينة فتسکن نفوسھم عند ذلك . الرابع: (ثم تاب
عليهم ليتوبوا) أي ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يطلبها. الخامس : (ثم تاب عليهم)
لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان الا بعد توبة الله عليهم .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله
عقلا قالوا لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر . ثم إنه عليه الصلاة
والسلام ما قبلهم ولم يلتفت اليهم وتركهم مدة خمسين يوما أو أكثر ، ولو كان قبول التوبة
واجبا عقلا ، لما جاز ذلك
أجاب الجبائي عنه بأن قال : إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر ، لكنه يقال :
أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد
وغيره . وأيضاً لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة ، بل كان على سبيل
التشديد في التكليف . قال القاضي : وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة
بهذا التشديد ، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب ، فالذي يجري عليهم ، وهذه حالهم
يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين .
والجواب : أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى ( ثم تاب عليهم ) وكلمة ( ثم ) للتراخي ،
فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة ، فان حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك
عدولا عن الظاهر من غير دليل .
فان قالوا : الموجب لهذا العدول قوله تعالى ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده )
قلنا : صيغة يقبل للمستقبل ، وهو لا يفيد الفور أصلا بالاجماع ، ثم إنه تعالى ختم
الآية بقوله ( إن الله هو التواب الرحيم )
واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب . يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة
الفخر الرازي ج١٦ م١٥

٢٢٦
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله)) سورة التوبة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ
والكرم ، لا لأجل الوجوب ، وذلك يقوى قولنا في أنه لا يجب عقلا على اللّه قبول التوبة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾
واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما
مضى ، وهو التخلف عن رسول الله وَ لقه في الجهاد فقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) في مخالفة
أمر الرسول ( وكونوا مع الصادقين ) يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات ، ولا تكونوا
متخلفين عنه وجالسين مع المنافقين في البيوت ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين ، ومتى وجب الكون مع
الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت ، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل ،
ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل ، وجب اذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين . فهذا يدل
على أن إجماع الأمة حجة .
فان قيل: لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله ( كونوا مع الصادقين ) أي كونوا على طريقة
الصادقين ، كما أن الرجل إذا قال لولده : كن مع الصالحين ، لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك ،
لكن نقول : إن هذا الأمر كان موجودا في زمان الرسول فقط ، فكان هذا أمراً بالكون مع
الرسول ، فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك ، لكن لم لا يجوز أن يكون
الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة ؟
والجواب عن الأول : أن قوله ( كونوا مع الصادقين ) أمر بموافقة الصادقين ، ونهى عن
مفارقتهم ، وذلك مشترط بوجود الصادقين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فدلت هذه
الآية على وجود الصادقين . وقوله : إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين . فنقول :
إنه عدول عن الظاهر من غير دليل . قوله : هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة
والسلام
قلنا : هذا باطل لوجوه : الأول : أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد عليه الصلاة
والسلام أن التكاليف المذكورة في القران متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة ، فكان الأمر في
هذا التكليف كذلك . والثاني : أن الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء .
والثالث : لما لم يكن الوقت المعين مذكورا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من

٢٢٧
قوله تعالى (( وكونوا مع الصادقين )) سورة التوبة
حمله على الباقي ، فاما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل ، أو
على الكل وهو المطلوب ، والرابع : وهو أن قوله ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) أمر لهم
بالتقوى ، وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيا ، وانما يكون كذلك لو كان
جائز الخطأ ، فكانت الآية دالة على بكونهم صادقين ، فهذا يدل على أنه واجب على جائز الخطأ
كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعا لجائز الخطأ عن الخطأ ، وهذا
المعنى قائم في جميع الأزمان ، فوجب حصوله في كل الأزمان . قوله : لم لا يجوز أن يكون
المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان ؟
قلنا : نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان ، إلا أنا نقول : ذلك المعصوم هو
مجموع الأمة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم واحد منهم ، فنقول : هذا الثاني باطل ، لأنه
تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالما
بأن ذلك الصادق من هو، لا الجاهل بأنه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف
ما لا يطاق ، وأنه لا يجوز ، لكنا لا نعلم إنسانا معينا موصوفا بوصف العصمة ، والعلم بأنا لا
نعلم هذا الانسان حاصل بالضرورة ، فثبت أن قوله ( وكونوا مع الصادقين ) ليس أمرا
بالكون مع شخص معين ، ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع مجموع الأمة ، وذلك
يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا الاجماع حجة إلا ذلك .
﴿ المسألة الثانية ) الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته ، والذي يؤيده من الوجوه
الدالة على أن الأمر كذلك وجوه : الأول : روى أن واحداً جاء إلى النبي عليه السلام وقال :
إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب ، والناس يقولون
إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها ، فان قنعت مني بترك واحد منها آمنت
بك ، فقال عليه السلام ((اترك الكذب)) فقبل ذلك ثم أسلم ، فلما خرج من عند النبي عليه
السلام عرضوا عليه الخمر ، فقال إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت
العهد ، وان صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا ، فجاء ذلك الخاطر فتركه ،
وكذا في السرقة ، فعاد إلى رسول الله وَطير وقال ما أحسن ما فعلت ، لما منعتني عن الكذب
انسدت أبواب المعاصي على ، وتاب عن الكل . الثاني : روى عن ابن مسعود رضى الله عنه
أنه قال : عليكم بالصدق فانه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة ، وان العبد ليصدق فيكتب
عند الله صديقا وإياكم والكذب ، فان الكذب يقرب إلى الفجور،، والفجور يقرب إلى النار ،
وان الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ، ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت
وفجرت ، الثالث : قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك

٢٢٨
قوله تعالى (( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب)) سورة التوبة
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلَا
يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبُ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى
منهم المخلصين ) إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء ، لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ادعاء إغواء
الكل ، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء ، واذا كان الكذب شيئا يستنكف منه
إبليس ، فالمسلم أولى أن يستنكف منه . الرابع : من فضائل الصدق أن الايمان منه لا من
سائر الطاعات ، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب ، واختلف الناس في
أن المقتضى لقبحه ما هو ؟ فقال أصحابنا : المقتضى لقبحه هو كونه مخلا لمصالح العالم
ومصالح النفس ، وقالت المعتزلة : المقتضى لقبحه هو كونه كذبا ودليلنا قوله تعالى ( يا أيها
الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )
يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذبا ، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون
نادمين عليه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذبا لاحتمال كونه مفضيا إلى
ما يضاد المصالح ، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب افضاءه إلى المفاسد ، واحتج القاضي
على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن
يصدق فقد علم بيديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب ، ولو أمكنه أن
يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر ، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو
إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق . ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحا ، ولأنه لو
جاز أن يحسن لوجب أن يجوز حال الصدق . ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحا ،
ولأنه لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة ، وذلك يؤدي إلى
أن لا يوثق باخباره ، هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب عن الأول إن الانسان لما تقرر
عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه محّلا لمصالح العالم . .صار ذلك نصب عينه
وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها
بالقبح ، فلو فرضتم كون الانسان خاليا عن هذه العادة وفرضتم استواء الصدق والكذب في
الافضاء إلى المطلوب ، فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح ، ويقال له في الجواب عن
الحجة الثانية ، إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحا لكونه كذبا ، فلو أثبتم
هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل .
قوله تعالى ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا
يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا
:

٢٢٩
قوله تعالى ((ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة)) سورة التوبة
سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَأَلُونَ مِنْ عَدٍُ تَيْلًا إِلََّ كُتِبَ لَهُم
بِهِ، عَمَلٌ صَلِحَّ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَبْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا
كَبِيرَةٌ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ الَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (
١٢٢
يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع
أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله
أحسن ما كانوا يعملون ﴾
اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله ( وكونوا مع الصادقين ) بوجوب الكون في موافقة
الرسول عيه السلام في جميع الغزوات والمشاهد ، أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف
عنه . فقال ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله )
والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة ، وجهينة ، وأشجع ، وأسلم ، وغفار ، هكذا قاله
ابن عباس . وقيل : بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فان اللفظ عام ،
والتخصيص تحكم ، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يطلبوا لأنفسهم
:الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة ، وقوله (ولا يرغبوا بأنفسهم عن
نفسه ) يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه وتركته ، وأنا أرغب بفلان عن هذا
أي أبخل به عليه ولا أتركه . والمعنى : ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول
عليه الصلاة والسلام لنفسه .
واعلم أن ظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء . إلا أنا نقول : المرضى
والضعفاء والعاجزون مخصوصون بدليل العقل وأيضاً بقوله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا
وسعها ) وأيضا بقوله (ليس على الأعمى حرج ) الآية وأما أن الجهاد غير واجب على كل أحد
بعينه ، فقد دل الاجماع عليه فيكون مخصوصاً من هذا العموم وبقي ما وراء هاتين الصورتين
داخلا تحت هذا العموم .
واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بينّ أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من أنواع
المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم إنه ذكر أموراً خمسة : أولها : قوله
( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ) وهو شدة العطش يقال ظمىء فلان إذا اشتد عطشه . وثانيها :

٢٣٠
قوله تعالى (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة )) سورة التوبة
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنِ كُلِّ فِرَقَةٍ مِنْهُمْ طَآِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِ اٌلْدِينِ
وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ بَحَذَرُونَ
١٢٢
قوله ( ولا نصب ) ومعناه الاعياء والتعب . وثالثها ( ولا مخمصة في سبيل الله ) يريد مجاعة
شديدة يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال : فلان خميص البطن . ورابعها : قوله ( ولا يطؤن
موطئاً يغيظ الكفار ) أي ولا يضع الانسان قدمه ولا يضع فرسه حافره ، ولا يضع بعيره خفه
بحيث يصير ذلك سببا لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي : يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى
واحد ، أي أغضبه . وخامسها : قوله ( ولا ينالون من عدونيلا ) أي أسراً وقتلا وهزيمة قليلا
كان أو كثيراً ( إلا كتب لهم به عمل صالح ) أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه
الآية على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة
عند الله . وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية ،
واختلفوا فقال قتادة : هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف
عنه إلا بعذر . وقال ابن زيد : هذا حين كان المسلمون قليلين فلما كثروا نسخها الله تعالى
بقوله ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) وقال عطية ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا
دعاهم وأمرهم وهذا هو الصحيح ، لأنه تتعين الاجابة والطاعة لرسول الله إذا أمر وكذلك
غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا . لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك
بعض دون ولأدىّ ذلك إلى تعطيل الجهاد .
ثم قال ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ﴾ يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سوط فما فوقها
ولا يقطعون وادياً ، والوادي كل مفرج بين جبال وآكام يكون مسلكا للسيل ، والجمع الأودية
إلا كتب الله لهم ذلك الانفاق وذلك المسير .
ثم قال ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ﴾ وفيه وجهان : الأول: أن الأحسن
من صفة فعلهم ، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن ، وهو
الواجب والمندوب ، دون المباح . والثاني : أن الأحسن صفة للجزاء ، أي يجزيهم جزاء هو
أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل ، وهو الثواب .
قوله تعالى ﴿ وما كان المؤمنون لينفر وا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا
في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ﴾
٠

٢٣١
قوله تعالى ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة )) سورة التوبة
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه يمكن أن يقال: هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، ويمكن
أن يقال : إنها كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد .
أما الاحتمال الأول ﴾ نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه عليه السلام كان إذا
خرج إلى الغزو لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر . فلما بالغ الله سبحانه في عيوب
المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون : والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع الرسول عليه
السلام ولا عن سرية . فلما قدم الرسول عليه السلام المدينة ، وأرسل السرايا إلى الكفار ، نفر
المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : أنه لا يجوز
للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد ، بل يجب أن يصيروا طائفتين ، تبقى طائفة في
خدمة الرسول ، وتنفر طائفة أخرى إلى الغزو ، وذلك لأن الاسلام في ذلك الوقت كان محتاجا
إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار ، وأيضا كانت التكاليف تحدث والشرائع تنزل ، وكان بالمسلمين
حاجة إلى من يكون مقيما بحضرة الرسول عليه السلام فيتعلم تلك الشرائع ، ويحفظ تلك
التكاليف ويبلغها إلى الغائبين ، فثبت أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول
الله ◌َيّه إلى قسمين، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني يكونون مقيمين بحضرة
الرسول ، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو ، والطائفة المقيمة
يكونون نائبين عن النافرين ، في التفقه ، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين .
إذا عرفت هذا فنقول على هذا القول احتمالان : أحدهما : أن تكون الطائفة المقيمة هم
الذين يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام وشاهدوا
الوحي والتنزيل فكلما نزل تكليف وحدث شرع عرفوه وضبطوه ، فاذا رجعت الطائفة النافرة
من الغزو اليهم ، فالطائفة المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع ، وبهذا التقرير
فلا بد في الآية من إضمار ، والتقدير : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، وأقامت طائفة
ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم ، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا اليهم لعلهم
يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم .
﴿ والاحتمال الثاني ﴾ هو أن يقال: التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول الحسن.
ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين،
وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين ، وأن العدد القليل منهم
يغلبون العالم من المشركين ، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة

٢٣٢
قوله تعالى (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)) سورة التوبة
والتأييد وأنه تعالى يريد اعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته ، فإذا رجعوا من ذلك النفر
إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر ولعلهم يحذرون ،
فيتركوا الكفر والشك والنفاق، فهذا القول أيضاً محتمل ، وطعن القاضي في هذا القول : قال
لأن هذا الحسن لا يعدفقيها في الدين، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل
الذين ليس لهم سلاح ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم ،
وقويت شوكتهم ، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى وليس من
البشر. إذ لو كان من البشرلما غلب القليل الكثير ، ولما بقي هذا الدين في التزايد والتصاعد كل
يوم ، فالتنبيه لفهم هذه الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه .
﴿ وأما الاحتمال الثالث) وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد ، بل هو
حكم مبتدأ مستقل بنفسه ، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذ السورة أمر الهجرة ، ثم
أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسفر ، بين أيضا عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله
تعلق بالسفر . فقال وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك
غير واجب وغير جائز ، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر
له .
ثم قال ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم ﴾ يعني من الفرق الساكنة في البلاد، طائفة إلى
حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين ، وليعرفوا الحلال والحرام ، ويعودوا إلى أوطائهم ، فينذروا
ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم ، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى
حضرة الرسول للتفقه والتعلم
فان قيل : أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان ؟
قلنا : متى عجز التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر ، وفي زمان الرسول عليه السلام
كان الأمر كذلك ، لأن الشريعة ما كانت مستقرة ، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد وشرع
حادث . أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة ، فاذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم
يكن السفر واجبا إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلا على السفر لا جرم رأينا أن العلم المبارك المنتفع
به لا يحصل إلا في السفر .
﴿ المسألة الثانية) في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية ((لولا)) إذا دخل على الفعل
كان بمعنى التخصيص مثل هلاً ، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى هلا ، لأن هلا كلمتان هل وهو
استفهام وعرض ، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل ؟ هل تدخل ؟ فكانك عرضت ذلك عليه ،

٢٣٣
قوله تعالى ((ولينذروا قومهم .)) سورة التوبة
و((لا )) وهو جحد ، فهلا مركب من أمرين : العرض ، والجحد . فاذا قلت : هلا فعلت
كذا ؟ فكأنك قلت: هل فعلت. ثم قلت معه (( لا )) أي ما فعلته ، ففيه تنبيه على وجوب
الفعل ، وتنبيه على أنه حصل الاخلال بهذا الواجب، وهكذا الكلام في ((لولا )) لأنك إذا
قلت : لولا دخلت علي ، ولولا أكلت عندي . فمعناه أيضاً عرض وإخبار عن سرورك به لو
فعل، وهكذا الكلام في ((لو ما)) ومنه قوله ( لو ما تأتينا بالملائكة ) فثبت أن لولا وهلا ولو ما
ألفاظ متقاربة ، والمقصود من الكل الترغيب والتحضيض فقوله ( فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ) أي فهلا فعلوا ذلك .
المسألة الثالثة ) هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة ، وقد أطنبنا في
تقريره في كتاب المحصول من الأصول ، والذي نقوله ههنا أن كل ثلاثة ؛ فرقة . وقد أوجب
الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة ، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحداً ، فوجب أن
يكون الطائفة إما اثنين وإما واحداً ، ثم إنه تعالى أوجب العمل باخبارهم لأن قوله ( ولينذروا
قومهم ) عبارة عن إخبارهم ، وقوله ( لعلهم يخذرون ) إيجاب على قومهم أن يعملوا
بإخبارهم ، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الإثنين حجة في الشرع . قال القاضي :
هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد ، لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها
الحجة ، ولأن قوله ( ولينذروا قومهم ) يصح وإن لم يجب القبول كما أن الشاهد الواحد يلزمه
الشهادة ، وإن لم يلزم القبول ، ولأن الانذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي
وجوب العمل به .
والجواب : أما قوله ( الطائفة ) قد تكون جماعة ، فجوابه : أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة ،
فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون الطائفة ، إما اثنين أو واحداً ،
وذلك يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم .
فان قالوا : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في الكثرة إلى
حيث يحصل العلم بقولهم .
قلنا : إنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم وذلك يقتضي رجوع كل
طائفة إلى قوم خاص ، ثم إنه تعالى أوجب العمل بقول تلك الطائفة وذلك يفيد المطلوب .
وأما قوله ﴿ ولينذروا قومهم﴾ يصح وإن لم يجب القبول . فنقول إنا لا نتمسك في
وجوب العمل بخبر الواحد بقوله ( ولينذروا ) بل بقوله ( لعلهم يحذرون ) ترغيب منه تعالى في
. الحذر ، بناء على أن ذلك الانذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الانذار ، وبهذا الجواب

٢٣٤
قوله تعالى (( يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)» سورة التوبة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ قَتِلُواْالَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِكُمْ غِلْظَةً وَأَعْلُواْ
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (
خرج الجواب عن سؤاله الثالث وهو قوله : الانذار يتضمن التخويف ، وهذا القدر لا يقتضي
وجوب العمل به .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ دلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة
الخلق إلى الحق ، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم ، لأن الآية تدل على أنه تعالى
أمرهم بالتفقه في الدين ، لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق ، وأولئك
يحذرون الجهل والمعصية ويرغبون في قبول الدين . فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على
المنهج القويم والصراط المستقيم ، ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين أعمالا
الذين ضل سعيهم في الحياة الدينا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة
واعلموا أن الله مع المتقين ؛
اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة ، ثم
إنها صارت منسوخة بقوله (قاتلوا المشركين كافة) وأما المحققون فانهم انكروا هذا النسخ وقالوا:
إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح،
وهو أن يبتدؤا من الأقرب، منتقلا إلى الأبعد فالأبعد ألا ترى ان امر الدعوة وقع على
هذا الترتيب قال تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وأمر الغزوات وقع على هذا التريب لأنه
عليه السلام حارب قومه ، ثم انتقل منهم إلى غز وسائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام ،
والصحابة رضى الله عنهم لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق . وإنما قلنا : إن الابتداء بالغزو
من المواضع القريبة أولى لوجوه : الأول : أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة ، ولما تساوى
الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع وجب الترجيح ، والقرب
مرجح ظاهر كما في الدعوة ، وكما في سائر المهمات ، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم ، فوجب الابتداء
بالأقرب .. والثاني : أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل ، والحاجة إلى الدواب
والآلات والأدوات أقل . الثالث : أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد

٢٣٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)) سورة التوبة
عرّضوا الذراري للفتنة . الرابع : أن المجاورين لدار الاسلام إما أن يكونوا أقوياء أو
ضعفاء ، فان كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الاسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين ،
والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع ، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل ،
وحصول عز الاسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر، فكان الابتداء بهم أولى . الخامس :
أن وقوف الانسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه ، وإذا كان
كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير
أسلحتهم وعدد عساكرهم . السادس : أن دار الاسلام واسعة ، فاذا اشتغل أهل كل بلد
بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل ، وحصول المقصود أيسر. السابع : أنه
إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولا وجب تقديمه ، والقرب سبب السهولة ، فوجب
الابتداء بالأقرب . الثامن: أنا بينا أن رسول الله ◌َ ﴿ ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب ، وفي
الغزو بالأقرب فالأقرب ، وفي جميع المهمات كذلك . فان الأعرابي لما جلس على المائدة وكان
يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له (( كل مما يليك)) فدلت هذه
الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب .
فان قيل : ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح ، لأن الأبعد يقع في قلبه أنه
إنما جاوز الأقرب لأنه لا یقیم له وزنا .
قلنا : ذاك احتمال واحد ، وما ذكرنا احتمالات كثيرة ، ومصالح الدنيا مبينة على ترجيح ما
هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل ، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب
والأبعد ، أما إذا أمكن الجمع بين الكل ، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع ، فثبت أن هذه
الآية غير منسوخة البتة .
وأما قوله تعالى ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ قال الزجاج : فيها ثلاث لغات ، فتح الغين
وضمها وكسرها . قال صاحب الكشاف: الغلظة بالكسر الشدة العظيمة ، والغلظة
كالضغطة ، والغلظة كالسخطة ، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم ، ونظيره قوله
تعالى (واغلظ عليهم ) وقوله ( ولا تهنوا) وقوله في صفة الصحابة رضى الله عنهم ( أعزة
على الكافرين ) وقوله ( أشداء على الكفار ) وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة ، قيل
شجاعة وقيل شدة وقيل غيظا .
واعلم أن الغلظة ضد الرقة ، وهي الشدة في إحلال النقمة ، والفائدة فيها أنه أقوى
تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح ، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطردا ، بل قد يحتاج تارة

٢٣٦ قوله تعالى ((وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا)) سورة التوبة
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةَ إِمَنًا فَأَمَّا الّذِينَ
ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيَا وَهُمْ يَسْتَشِرُونَ (7) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضْ فَزَادَتْهُمْ
رِجْسًا إِلَى رِجْسِمْ وَمَنُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
١٢٥
إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ، ولهذا السبب قال ( وليجدوا فيكم غلظة ) تنبيها على
أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة البتّة فانه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله ( وليجدوا فيكم
غلظة ) يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم
وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ،
ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة .
واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين . وذلك إما باقامة الحجة
والبينة ، وإما بالقتال والجهاد ، فاما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة
والمؤاكلة فلا .
ثم قال ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين) والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب
تقوى الله لا بسبب طلب المال والجاه ، فإذا رآه قَبِلَ الاسلام أحجم عن قتاله ، وإذا رآه مال
إلى قبول الجزية تركه ، وإذاكسر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى ،
قوله تعالى ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين
آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم
وماتوا وهم كافرون ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال : وإذا ما أنزلت
سورة ، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ؟ واختلفوا فقال بعضهم : يقول بعض
المنافقين لبعض ، ومقصودهم تثبيتهم قومهم على النفاق ، وقال آخرون : بل يقولونه لأقوام
من المسلمين ، وغرضهم صرفهم عن الايمان . وقال آخرون : بل ذكروه على وجه الهزؤ ،
والكل محتمل. ولا يمكن حمله على الكل، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم. ثم إنه تعالى أجاب
فقال إنه حصل للمؤمنين: بسبب نزول هذه السورة أمران، وحصل للكافرين أيضا أمران
أما الذي حصل للمؤمنين: فالأول: هو أنها تزيدهم إيمانا إذ لا بد عند نزولها من أن يقروا بها

٢٣٧
قوله تعالى (( وأما الذين في قلوبهم مرض )) سورة التوبة
ويعترفوا بأنها حق من عند الله ، والكلام في زيادة الايمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة
الأنفال بالاستقصاء . والثاني : ما يحصل لهم من الاستبشار . فمنهم من حمله على ثواب
الآخرة ، ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر ، ومنهم من حمله على الفرح
والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث أنه يتوسل به إلى مزيد في الثواب ، ثم
جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين ، فقال ( وأما الذين في قلوبهم
مرض ) يعني المنافقين ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو
الأخلاق المذمومة ، فان كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك ،
والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة ، فقد انضم كفر إلى كفر ، وإن كان الثاني كان
المراد أنهم في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد ؛ والآن ازدادت تلك الأخلاق
الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة .
والأمر الثاني ﴾ أنهم يموتون على كفرهم ، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد
للاسبتشار الذي حصل في المؤمنين ، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى ، وذلك لأن
الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة ، وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه .
واحتج أصحابنا بقوله ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) على أنه تعالى قد يصد عن الايمان ويصرف
عنه ، قالوا إنه تعالى كان عالما بأن سماع هذه السورة يورث حصول الحسد والحقد في قلوبهم ،
وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم، أجابوا وقالوا بأن نزول تلك السورة لا
يوجب ذلك الكفر الزائد، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك السورة وازدادوا إيمانا . فثبت أن
تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم .
قلنا : لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على جانب
الايمان ، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق المعين والعادة
المعينة ، يوجب الكفر ، والدليل عليه أن الانسان الحسود لو أراد إزالة خلق الحسد عن
نفسه ، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد ، وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد ، فلا يمكنه
إزالتها عن نفسه ، وكذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير ، والفعل غير ، والخلق
غير ، فان أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون . والحاصل أن
النفس الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا سمعت
السورة صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا ، وأما النفس الحريصة
على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة ، إذا
سمعت هذه السورة المشتملة على الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفراً على

٢٣٨
قوله تعالى (( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة )) سورة التوبة
أَوَلَا يَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَمٍ مََّّةً أَوْ مَنَّتَيْنِ مُمَّ لَا يَتُوبُونَكَ وَلَ هُمْ يَُّونَ
١٢
كفره . فثبت أن إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجساً على رجس ،
فكان إنزالها سبباً في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه تعالى قد يصد
الانسان ويمنعه عن الايمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر .
بقي في الآية مباحث : الأول : ما في قوله ( وإذا ما أنزلت سورة ) صلة مؤكدة .
الثاني : الاستبشار استدعاء البشارة ، لأنه كلما تذكر تلك النعمة حصلت البشارة ، فهو
بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة . الثالث : قوله ( وأما الذين في قلوبهم
مرض ) يدل على أن الروح لها مرض ، فمرضها الكفر والأخلاق الذميمة ، وصحتها العلم
والأخلاق الفاضلة . والله أعلم،
قوله تعالى ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم
یذکر ون ﴾
اعلم أن الله تعالى لما بين أن الذين في قلوبهم مرض يموتون وهم كافرون ، وذلك يدل
على عذاب الآخرة ، بين أنهم لا يتخلصون في كل عام مرة أو مرتين عن عذاب الدنيا وفيه
مسائل :
المسألة الأولى ﴾) قرأ حمزة ( أو لا ترون ) بالتاء على الخطاب للمؤمنين ، والباقون
بالياء خبراً عن المنافقين، فعلى قراءة المخاطبة ، كان المعنى أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين
عن النظر والتدبير، ومن قرأ على المغايبة ، كان المعنى تقريع المنافقين بالاعراض عن الاعتبار
بما يحدث في حقهم من الأمور الموجبة للاعتبار .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدي رحمه الله: قوله ( أو لا يرون) هذه ألف الاستفهام
دخلت على واو العطف ، فهو متصل بذكر المنافقين ، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه
عن الخليل في قوله ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) المعنى : أنه أنزل الله من السماء ماء
فكان كذا وكذا .
المسألة الثالثة﴾ ذكروا في هذه الفتنة وجوهاً: الأول : قال ابن عباس رضى الله عنهما

٢٣٩
قوله تعالى ((وإذا أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض )) سورة التوبة
وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَكُ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنْصَرَفُواْ صَرَفَ
اللّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين ، ثم لا يتوبون من ذلك النفاق ولا يتعظون بذلك
المرض ، كما يتعظ بذلك المؤمن إذا مرض ، فانه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله ،
فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً من الله ، فيصير ذلك سبباً لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند
الله . الثاني : قال مجاهد ( يفتنون ) بالقحط والجوع . الثالث : قال قتادة : يفتنون بالغزو
والجهاد فانه تعالى أمر بالغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزى
والذكر القبيح ، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل
وأموالهم للنهب من غير فائدة . الرابع : قال مقاتل يفضحهم رسول الله باظهار نفاقهم
وكفرهم قيل : إنهم كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل
عليه ويخبره بما قالوه فيه ، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها ، ويعظهم فما كانوا
يتعظون ، ولا ينزجرون .
قوله تعالى ﴿ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم
انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ﴾
اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين ، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ذكر
المنافقين وشرح فضائحهم ، وسمعوها تأذوا من سماعها ، ونظر بعضهم إلى بعض مخصوصاً
دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقير شأنها ، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصاً
بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن ، فكلما سمعوا سورة
استهزؤا بها وطعنوا فيها ، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء ، ثم قال
بعضهم لبعض هل يراكم من أحد ؟ أي لو رآكم من أحد ؟ وهذا فيه وجوه : الأول : أن
ذلك النظر دال على ما في الباطن من الانكار الشديد والنفرة التامة ، فخافوا أن يرى أحد من
المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر ، فعند ذلك قالوا ( هل يراكم من
أحد ) أي لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم جداً؟ والثاني : أنهم كانوا إذا
سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها ، فأرادوا الخروج من المسجد ، فقال بعضهم لبعض
( هل يراكم من أحد ) يعني إن رأوكم فلا تخرجوا ، وإن كان مارآكم أحد فاخرجوا من
المسجد . لتتخلصوا عن هذا الايذاء . والثالث ( هل يراكم من أحد ) لا يكنكم أن تقولوا

٢٤٠
قوله تعالى ((صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون)) سورة التوبة
نحبه ، فوجب علينا الخروج من المسجد . قال تعالى ( ثم انصرفوا) يحتمل أن يكون المراد
نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن ، ويجوز أن يراد به ، ثم انصرفوا عن استماع
القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم .
فان قيل : ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله ( وإذا ما أنزلت سورة
فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً )
قلنا : في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم ( أيكم زادته هذه إيمانا ) وفي هذه
الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ ، وطلبوا الفرار .
ثم قال تعالى ﴿ صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ واحتج أصحابنا به على أنه
تعالى صرفهم عن الايمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : عن
كل رشد وخير وهدى ، وقال الحسن : صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم ، وقال
الزجاج : أضلهم الله تعالى ، قالت المعتزلة : لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الايمان فكيف
قال ( أنى يصرفون ) وكيف عاقبهم على الانصراف عن الايمان ؟ قال القاضي : ظاهر الآية يدل
على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم ، والصرف عن الايمان لا يكون عقوبة ، لأنه لو
كان كذلك ، لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه باقامة الحدود ، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن
الايمان . وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول . ثم قال : هذا الصرف يحتمل
وجهين : أحدهما : أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد . الثاني : صرفهم عن
الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى .
والجواب : أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جداً، وأما الوجه
الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم ، هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي ،
وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال . وحصول ذلك الداعي
ليس من العبد وإلالزم التسلسل ، بل هو من الله تعالى . فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل
في قلبه داعي الكفر ، وذلك الحصول من الله تعالى ، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك
القلب من جانب الايمان إلى الكفر ، فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان
قطعي وهو منطبق على هذا النص ، فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات ، ومما بقي من مباحث
الآية ما نقل عن محمد بن إسحق أنه قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة ، فان قوما انصرفوا
صرف الله قلوبهم ، لكن قولوا قد قضينا الصلاة ، وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة
الواردة فيما لا ينبغي ، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير ، فانه تعالى قال ( فاذا قضيت