Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ قوله تعالى ((ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله)) سورة التوبة وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيِنْ ءَاتَّنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَّنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٣) فَلََّءَ اتَهُم مِّنِ فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَّ أُوَّهُم مُّعْرِضُونَ (﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَاَ أَخْلَفُواْاللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كانوا، يَكْذِبُونَ (9) أَلَمْ يَعْلُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِّرَّهُمْ وَجَنُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَُّمُ الْغُوبِ VA قوله تعالى ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضلهلتصدقن ولنكونن من الصاحین فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ﴾ اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي). (ومنهم من يلمزك في الصدقات). ( ومنهم منیقول ائذنلي ولا تفتني). (ومنهم من عاهدالله لئن اتانا من فضله ﴾ قال ابن عياس رضي الله عنهما : أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام ، فلحقه شدة ، فخلف الله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار ، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله، إلى آخر الآية ، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله ادع الله ان يرزقني مالا. فقال عليه السلام ((يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه)) فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا بها، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ثم ترك الجمعة . وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول رسول الله ◌َ ل﴿ل عنه، فأخبر بخبره فقال ((يا ويح ثعلبة)) فنزل قوله ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فبعث اليه رجلين وقال ((مرا بثعلبة فخذا صدقاته)) فعند ذلك قال لهما : ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية ، فلم يدفع الصدقة ، فانزل الله تعالى ﴿ومنهم من عاهد الله ﴾ فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا ، فأتى الرسول عليه السلام وسأله ان يقبل صدقته ، فقال : إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي ١٤٢ قوله تعالى ((ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله)) سورة التوبة التراب على رأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام ((قد قلت لك فما أطعتني)) فرجع إلى منزله وقبض رسول الله وَليل . ثم أتى أبا بكر بصدقته ، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . فان قيل : إن الله تعالى أمر بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا یقبلها منه ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الاهانة له ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضا أنه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الاخلاص ؛ وأعلم اللّهُ الرسولَ عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضا أنه تعالى لما قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة . والله أعلم . المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالا لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات ، ثم إنه تعالى آتاه المال ، وذلك الانسان ما وفّ بذلك العهد ، وههنا سؤالات : السؤال الأول ﴾ المنافق كافر، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى ؟ والجواب : المنافق قد يكون عارفا بالله ، إلا أنه كان منكرا لنبوة محمد عليه السلام ، فلكونه عارفا بالله يمكنه أن يعاهد الله ، ولكونه منكرا لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، كان كافرا . وكيف لا اقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرّون بوجود الصانع القادر؟ ويقلّ في أصناف الكفار من ينكره ، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الانسان أبواب الخيرات ، ويعلمون أنه يمكن التقرب اليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق ، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين . وأيضا فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلما ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقا ، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال ﴿ فأعقبهم نفاقا ﴾ ﴿ السؤال الثاني﴾ هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة ؟ الجواب : منهم من قال : كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره ، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد . يروى عن المعتمر بن سليمان قال : أصابتنا ريح شديدة في البحر ، ١٤٣ قوله تعالى (( لنصدقن ولنكونن من الصالحين)) سورة التوبة فنذر قوم منا أنواعا من النذور ، ونويت أنا شيئا وما تكلمت به ، فلما قدمت البصرة سألت أبي ، فقال: يا بنياف به . وقال أصحاب هذا القول إن قوله ﴿ومنهم من عاهد الله ﴾ كان شيئا نووه في أنفسهم ألا ترى أنه تعالى قال ﴿ ألم يعلموا ان الله يعلم سزهم ونجواهم﴾ وقال المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان ، والدليل عليه قوله عليه. السلام ((إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به)) أو لفظ هذا معناه وأيضا فقوله تعالى ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا الله من فضله لنصدقن﴾ إخبار عن تكملة بهذا القول ، وظاهره مشعر بالقول باللسان . السؤال الثالث﴾ قوله ﴿ لنصدقن﴾ المراد منه إخراج مال، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجبا ، وقد يكون غير واجب والواجب قسمان : قسم وجب بالزام الشرع ابتداء ، كاخراج الزكاة الواجبة ، وإخراج النفقات الواجبة ، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور . إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة ، فقوله ﴿ لنصدقن ﴾ هل يتناول الأقسام الثلاثة ، أو ليس الأمر كذلك ؟ والجواب : قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة ، فغير داخلة تحت هذه الآية ، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله ﴿ بخلوابه ﴾ والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب ، وأيضا أنه تعالى ذمهم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يستحق الذم . وأما القسمان الباقيان ، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة ، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج الى انفاقه في طريق الحج والغزو ، والمال الذي يحتاج اليه في النفقات الواجبة . بقي أن يقال : هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل ، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه ، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله ﴿ لئن آتانا من فضله لنصدقن ﴾ وهذا لا يشعر بالنذر، لان الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الانفاقات الواجبة ان وسع الله عليه ، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا" الالتزام ، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وانما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول . قلنا : قوله ﴿لنصدقن﴾ لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور، لأن هذا إخبار عن ايقاع هذا الفعل في المستقبل ، وهذا القدر لا يوجب الفور ، فكأنهم قالوا لنصدقن في وقت كما قالوا ﴿ ولنكونن من الصالحين ﴾ أي في أوقات لزوم الصلاة ، فخرج من التقدير الذي ذكرناه ١٤٤ قوله تعالى ((فلما آتاهم من فضله بخلوا به)) سورة التوبة أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء ، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من اداء الزكاة ، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين ، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه ، ولا يقومون بما يقولون والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي . ﴿ السؤال الرابع ﴾ ما المراد من الفضل في قوله ﴿ لئن آتانا من فضله ﴾ والجواب : المراد إيتاء المال بأي طريق كان ، سواء كان بطريق التجارة او بطريق الاستنتاج أو بغيرهما . ﴿ السؤال الخامس ﴾ كيف اشتقاق ﴿ لنصدقن ﴾ الجواب : قال الزجاج : الأصل لنتصدقن ، ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها . قال الليث : المصدق المعطي والمتصدق السائل . قال الأصمعي والفراء : هذا خطأ فالمتصدق هو المعطى قال تعالى ﴿وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ﴾ السؤال السادس ﴾ ما المراد من قوله ﴿ولنكونن من الصالحين ﴾ الجواب : الصالح ضد المفسد ، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكلف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه أبواب الخير ليصدقن وليجمعن ، وأقول التقييد لا دليل عليه . بل قوله ﴿ لنصدقن﴾ اشارة الى اخراج الزكاة الواجبة وقوله ﴿ولنكونن من الصالحين﴾ اشارة الى إخراج كل مال يجب إخراجه على الاطلاق. ثم قال تعالى ﴿ فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة : الصفة الأولى ﴾ البخل وهو عبارة عن منع الحق . والوصفة الثانية ﴾ التولي على العهد . ﴿ والصفة الثالثة ﴾ الاعراض عن تكاليف الله وأوامره . ثم قال تعالى ﴿ فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه ﴾ وفيه مسائل: ١٤٥ قوله تعالى ((فأعقبهم نفاقا في قلوبهم )) سورة التوبة ﴿ المسألة الأولى) قوله ﴿فاعقبهم نفاقا﴾ فعل ولا بد من إسناده الى شيء تقدم ذكره . والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره ، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والاعراض ولا يجوز اسناد إعقاب النفاق الى المعاهدة او التصدق او الصلاح ، لان هذه الثلاثة اعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق ، ولا يجوز اسناد هذا الاعقاب الى البخل والتولي والاعراض ، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثرا في حصول النفاق في القلب ، لان ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثرا في حصول الجهل في القلب . اما أولا : فلأن ترك الواجب عدم ، والجهل وجود والعدم لا يكون مؤثرا في الوجود . وأما ثانيا : فلأن هذا البخل والتولي والاعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق ، مع أنه لا يحصل معه النفاق . وأما ثالثا : فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزا شرعا أو كان محرما شرعا ، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثرا . واما رابعا : فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ فلو كان فعل الاعقاب مسندا الى البخل والتولي ، والاعراض لصار تقدير ، الآية فاعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، وذلك لا يجوز ، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الاعقاب الى شيء من الاشياء التي تقدم ذكرها الا الى الله سبحانه ، فوجب إسناده اليه ، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم ، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى ، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه : أنهم لما ضلوا في الماضي ، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل ، والذي يؤكد القول بأن قوله فاعقبهم نفاقا ﴾ مسند الى الله جل ذكره أنه قال ﴿الى يوم يلقونه﴾ والضمير في قوله تعالى يلقونه﴾ عائد الى الله تعالى، فكان الأولى أن يكون قوله ﴿فأعقبهم﴾ مسندا الى الله تعالى . قال القاضي : المراد من قوله ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ﴾ أي فأعقبهم العقوبة على النفاق ، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ، ويدوم ذلك بهم الى الآخرة . قا١٠ : هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة ، فان ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر ، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية ، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الليث: يقال: أعقبت فلانا ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك . قال الهذلي : الفخر الرازي ج١٦ م١٠ ١٤٦ قوله تعالى ((فأعقبهم نفاقا في قلوبهم)) سورة التوبة بعد الرقاد وعبرة لا تقلع أودی بني وأعقبوني حسرة ويقال : أكل فلان أكلة أعقبته سقما ، وأعقبه الله خيرا . وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر . يقال أعقبه الله . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فاذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به ، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام (( ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صلى وصام وزعم أنه مؤمن ، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان)) وعن النبي عليه السلام ((تقبلوا لى ستا أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا واذا وعدتم فلا تخلفوا واذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا ابصاركم وايديكم وفروجكم . أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا)) قال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أنه# أنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صل فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فاخلفوه ، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال : إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله واذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن واصل بن عطاء قال : أتي الحسن رجل فقال له : إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ فاخلفوه وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين ؟ فتوقف الحسن رحمه الله . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ ﴿الى يوم يلقونه) يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقا، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقا له ، فانه روى أن ثعلبة أتى النبي وَ ل بصدقته فقال ان الله تعالى منعني ان اقبل صدقتك ، وبقي على تلك الحالة ، وما قبل صدقته أحد حتى مات ، فدل على ان مخبر هذا الخبر وقع موافقا فكان إخبارا عن الغيب فكان معجزا . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية بدليل أنه قال في صفة المنافقين الى يوم يلقونه ﴾ وأجمعوا على ان الكفار لا يرونه ، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . قال: والذي يقويه قوله عليه السلام ((من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان )) وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا . والقاضي استحسن هذا الكلام . وأقول : أنا شديد التعجب من أمثال ١٤٧ قوله تعالى ((وأن الله علام الغيوب)) سورة التوبة هؤلاء الافاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة ؟ وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية ، وفي هذا الخبر لدليل منفصل ، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور . ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل ، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل ، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك ، فان قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية ، وذلك ممنوع فنقول : لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئا فقد وصل اليه فكانت الرؤية لقاء ، كما أن الادراك هو البلوغ . قال تعالى ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ أي لملحقون ، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا ، ثم نقول : لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية ، بل المقصود أنه تعالى أعقبهم نفاقا الى يوم يلقونه ﴾ أي حكمه وقضاءه ، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غدا ، أي تجازى عليه ، قال تعالى ﴿ بما أخلفوا اللّه ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لاجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب . ثم قال تعالى ﴿ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم﴾ والسرما ينطوي عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو ! الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى ﴿ وقربناه نجيا ﴾ وقوله ﴿ فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ وقوله ﴿ فلا تتناجوا بالاثم والعدوان وتناجوا بالبر والتقوى ﴾ وقوله ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الاية كأنه تعالى قال ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وانه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ؟ ثم قال ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائبا عن الخلق . والمراد أنه تعالى تقتضى ذاته العلم بجميع الاشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات، فيجب كونه عالما بما في الضمائر والسرائر، فكيف يمكن الاخفاء منه؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام ﴿إنك انت علام الغيوب﴾ فأما وصف الله بالعلامة فانه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال. ١٤٨ قوله تعالى ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين)) سورة التوبة الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِيَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَايَِدُونَ إِلَّ جُهْدَهُمْ ٧٩ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ◌َخِرَاللهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم قوله تعالى ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعا وطبعا . قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله تَّله خطبهم ذات يوم وحث على أن يجمعوا الصدقات ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لى ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة وهذه الأربعة أقرضتها ربي ، فقال : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما امسكت . قيل : قَبِلَ الله دعاء الرسول فيه حتى صالحت امرأته ناصر عن ربع الثمن على ثمانين ألفا ، وجاء عمر بنحو ذلك ، وجاء عاصم بن عدى الأنصاري بسبعين وسقا من تمر الصدقة ، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، وقال : آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لارسال الماء الى نخيله ، فأخذت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر ربي، فأمر رسول الله وَله بوضعه في الصدقات. فقال المنافقون على وجه الطعن ما جاؤا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة . وأما أبو عقيل فانما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر ، والله غني عن صاعه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والكلام في تفسير اللمز مضى عند قوله ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات ﴾ والمطوعون المتطوعون ، والتطوع التنفل ، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب ، وسبب إدغام التاء في الطاء قرب المخرج . قال الليث : الجهد شيء قليل يعيش به المقلّ ، قال الزجاج ﴿ إلا جهدهم ﴾ وجهدهم بالضم والفتح . قال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم ، وحكى ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال الجهد الطاقة . تقول هذا جهدي أي طاقتي . إذا عرفت هذا فالمراد بالمطوعين في الصدقات ، أولئك الأغنياء الذين أتوا بالصدقات الكثيرة وبقوله ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم ﴾ أبو عقيل حيث جاء بالصاع من التمر . ثم حكى عن المنافقين أنهم يسخرون منهم ، ثم بين أن اللّه سخر منهم . واعلم أن إخراج المال لطلب مرضاة الله ، قد يكون واجبا كما في الزكوات وسائر الانفاقات الواجبة وقد يكون نافلة ، وهو المراد من هذه الآية ، ثم الآتي بالصدقة النافلة قد يكون غنيا فيأتي بالكثير ، كعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان . وقد يكون فقيرا فيأتي ١٤٩ قوله تعالى ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)) سورة التوبة أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُلَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالله لَيَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ٨٠ بالقليل وهو جهد المقل ولا تفاوت بين البابين في استحقاق الثواب ، لأن المقصود من الاعمال الظاهرة كيفية النية واتبار حال الدواعي والصوارف. فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أكثر موقعا عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به الغني . ثم إن أولئك الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعيروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة ، وذلك التعبير يحتمل وجوها : الأول : أن يقولوا إنه لفقره محتاج إليه ، فكيف يتصدق به ؟ إلا أن هذا من موجبات الفضيلة ، كما قال تعالى ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وثانيها : أن يقولوا أي أثر لهذا القليل ؟ وهذا أيضا جهل ، لأن هذا الرجل لما لم يقدر إلا عليه فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه فهو أعظم موقعا عند الله من عمل غيره ، لأنه قطع تعلق قلبه عما كان في يده من الدنيا ، واكتفى بالتوكل على المولى . وثالثها : أن يقولوا إن هذا الفقير إنما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب ، وهذا ايضا جهل ، لأن سعى الانسان في ان يضم نفسه الى أهل الخير والدين خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة . وأما قوله ﴿ سخر الله منهم﴾ فقد عرفت القانون في هذا الباب، وقال الأصم : المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البرمع أنه لا يثيبهم عليها ، فكان ذلك كالسخرية . قوله تعالى ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ . في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: عند نزول الآية الأولى في المنافقين ، قالوا يا رسول الله استغفر لنا. فقال رسول الله وهو يقول سأستغفر لكم، واشتغل بالاستغفار لهم، فنزلت هذه الآية، فترك رسول الله وسيم الاستغفار. وقال الحسن : كانوا يأتون رسول الله ، فيعتذرون اليه ويقولون إنْ أردنا إلا الحسن وما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا فنزلت هذه الآية . وروى الأصم : أنه كان عبد الله بن أبي بن سلول إذا خطب الرسول، ١٥٠ قوله تعالى ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)) سورة التوبة قام وقال هذا رسول الله أكرمه الله وأعزه ونصره ، فلما قام ذلك المقام بعد أحد، قال له عمر اجلس يا عدو الله ، فقد ظهر كفرك وجابهه الناس من كل جهة ، فخرج من المسجد ، ولم يصل فلقيه رجل من قومه فقال له ما صرفك؟ فحكى القصة ، فقال ارجع الى رسول الله يستغفر لك . فقال ما أبالي استغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤسهم) وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر لهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ وروى الشعبي قال: دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله و القول إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام من أنت ؟ فقال انا الحباب بن عبد الله قال بل أنت عبد الله بن عبد الله ، إن الحباب هو الشيطان ، ثم قرأ هذه الآية . قال القاضي : ظاهر قوله ﴿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ﴾ كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار ، وقد حكي ما روي فيه من الأخبار ، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، فنزلت هذه الآية . ﴿ المسألة الثالثة﴾ من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين ، يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه ، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب : قالوا : والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال عليه السلام ((والله لأزيدن على السبعين)) ولم ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى ﴿ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ﴾ الآية فكف عنهم . ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال بالعكس أولى ، لأنه تعالى لما بين للرسول عليه السلام أنه لا يغفر لهم البتة . ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور مساو للحال في العدد المذكور وذلك يدل على أن التقيد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما وراءه بخلافه . ﴿ المسألة الرابعة) من الناس من قال: إن الرسول عليه السلام اشتغل بالاسغفار للقوم ، فمنعه الله منه ، ومنهم من قال : إن المنافقين طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فالله تعالى نهاه عنه والنهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي مقدما على ذلك الفعل ، وانما قلنا إنه عليه السلام ما اشتغل بالإستغفار لهم لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاسغفار للكافر لا يجوز. ولهذا السبب أمر الله رسوله بالاقتداء بابراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه ﴿ لاستغفرن لك ﴾ وإذا كان هذا مشهورا في ١٥١ قوله تعالى ((فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ... )) سورة التوبة فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ الهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُواْلَا تَفِرُواْ فِى الْخَرِّ قُلْ نَارُ جَهَتَمَ أَشَدُّ ◌َّا لَّوْكَانُواْ يَفْقَهُونَ (بَهِ فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوْ كَثِيرًا جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٨٢ الشرع فكيف يجوز الاقدام عليه ؟ الثاني : أنْ استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرًا على القبح والمعصية . الثالث : أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالاقدام على الذنب . الرابع أنه تعالى إذا كان لا يجيبه اليه بقي دعاء الرسول عليه السلام مردودا عند الله ، وذلك يوجب نقصان منصبه ، الخامس : أن هذا الدعاء لو كان مقبولا من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الاجابة . فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه ، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع ، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة : لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك . لا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاهاذكرهاهنا، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله﴾ فبین أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة، كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا التعليل شاهدا بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع اصرارهم على الكفر ، ويؤكده أيضا قوله تعالى ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية. فثبت أن الحق ما ذكرناه . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال المتأخرون من أهل التفسير، السبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشرمرات ، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض والبحار والاقاليم والنجوم والأعضاء ، هو هذا العدد . وقال بعضهم : هذا العدد إنما خص بالذكر ههنا لأنه روى أن النبي عليه السلام كبر على حمزة سبعين تكبيرة ، فكأنه قيل تستغفر لهم سبعين مرة بازاء صلاتك على حمزة ، وقيل : الأصل فيه قوله تعالى ﴿ كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ وقال عليه السلام ((الحسنة بعشر أمثالها الى سبعمائة )) فلما ذكر الله تعالى هذا العدد في معرض التضعيف لرسوله صار أصلا فيه . قوله تعالى ﴿ فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ ١٥٢ قوله تعالى ((فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله)) سورة التوبة اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين ، وهو فرحهم بالعقود وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول اللهوح له في غزوة تبوك ، والمخلف المتروك ممن مضى . فان قيل : إنهم احتالوا حتى تخلفوا ، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون . والجواب من وجوه : الأول : أن الرسول عليه السلام منع أقواما من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوّشون ، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين . والثاني : أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهي قوله ﴿فإن رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ﴾ فلما منعهم الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين . الثالث : أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه الى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام . وقوله ﴿ بمقعدهم﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المدينة ، فعلى هذا المقعد اسم للمكان . وقال مقاتل ﴿ بمقعدهم﴾ بقعودهم وعلى هذا، هو اسم للمصدر . وقوله ﴿خلاف رسول الله﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج ، يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا . قالوا : وهو منصوب لأنه مفعول له ، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله لل . والثاني : قال الأخفش : إن ﴿خلاف﴾ بمعنی خلف، وان یونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله ، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ ﴿ خلف رسول الله ﴾ وعلى هذا القول ، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف، والسبب فيه أن الانسان متوجه الى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجها اليها ، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص . بسط الشواطب بينهن حصيرا عقب الربيع خلافھم فکانا وقوله ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب الى الغزو . واعلم أن الفرح بالاقامة يدل على كراهة الذهاب الا انه تعالى أعاده للتأكيد ، وأيضا لعل المراد أنه مال طبعه الى الاقامة لأجل إلفة تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج الى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والاهدار ، وايضا مما منعهم من ذلك الخروج شدة ١٥٣ قوله تعالى ((فان رجعك الله إلى طائفة منهم )) سورة التوبة ٤٤٠٠٠١١٠٠ فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إِلَى طَآِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَعْدَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُ جُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُ واْمَعَ الْخَلِفِينَ ( ٨٣ الجر في وقت خروج رسول الله مَّة ، وهو المراد من قوله ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الاخير بقوله ﴿ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ﴾ أي إن بعد هذه الدار، دارا اخرى، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وايضا هذه مشقة منقضية ، وتلك مشقة باقية ، وروى صاحب الكشاف لبعضهم : مساءة يوم أنها شبه انصاب مسرة أحقاب تلقيت بعدها وراء تقضيها مساءة أحقاب فکیف بأن تلقى مسرة ساعة ثم قال تعالى ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا﴾ وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الاخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، والدليل عليه قوله بعد ذلك ﴿ جزاء بما كانوا يكسبون ﴾ ومعنى الآية أنهم ، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم ، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة ، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير ، لأنه عقاب دائم لا ينقطع ، والمنقطع بالنسبة الى الدائم قليل ، فلهذا المعنى . قال ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ﴾ قال الزحاج : قوله ﴿ جزاء﴾ مفعول له، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض. وقوله ﴿بما كانوا يكسبون ﴾ أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجدا لافعاله ، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر اليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالما ، مشهور ، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مرارا تغني عن الاعادة . قوله تعالى ﴿ فان رجعك الله الى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ﴾ واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته ، لأن خروجهم معه يوجب أنواعا من الفساد . فقال ﴿فإن رجعك الله الى طائفة منهم﴾ أي من المنافقين ﴿فقل لن تخرجوا معي ابدا﴾ قوله ﴿فان ١٥٤ قوله تعالى ((فان رجعك الله إلى طائفة منهم)). سورة التوبة. رجعك الله﴾ يريد ان ردك الله الى المدينة، ومعنى الرجع مصير الشيء الى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعا كقولك رددته ردا. وقوله ﴿الى طائفة منهم﴾ انما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين. وقوله ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ أي للغزومعك ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدا﴾ الى غزوة، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ومجرى اظهار نفاقهم وفضائحهم، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج الى الغزو بعد اقدامهم على الاستئذان، كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن الاسلام موصوفين بالمكر والخداع، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذرا من مكرهم وكيدهم وخداعهم، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جاريا مجرى اللعن والطرد، ونظيره قوله تعالى ﴿سيقول المخلفون إذا انطلقتم الى مغانم لتأخذوها﴾ الى قوله ﴿قل لن تتبعونا﴾ ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله ﴿إنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾ والمراد منه القعود عن غزوة تبوك، يعني ان الحاجة في المرة الاولى الى موافقتكم كانت اشد، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة الى حضوركم، فعند ذلك لا نقبلكم، ولا نلتفت اليكم، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب الکشاف، وهو ان قوله ﴿مرة﴾ في ﴿اول مرة﴾ وضعت موضع المرات، ثم أضيف لفظ الأول اليها، وهو دال على واحدة من المرات، فكان الأولى ان يقال اولى مرة . وأجاب : عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال : هند أكبر النساء ، ولا يقال هند كبرى النساء . ثم قال تعالى ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ ذكروا في تفسير الخالف أقوالا : الاول : قال الأخفش وأبو عبيدة الخالفون جمع ، واحدهم خالف، وهو من يخلف الرجل في قومه ، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت ، فلا يبرحون ، والثاني : أن الخالفين مفسر بالمخالفين . قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفا . وقال الأخفش : فلان أهل بيته اذا كان مخالفا لهم . وقال الليث هذا الرجل خالفة ، أي مخالف كثير الخلاف ، وقوم خالفون ، فاذا جمعت قلت الخالفون . والقول الثالث ﴾ الخالف هو الفاسد. قال الأصمعي: يقال : خلف عن كل خير يخلف خلوفا اذا فسد ، وخلف اللبن وخلف النبيذ اذا فسد . واذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة : فلا شك ان اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات . ١٥٥ قوله تعالى ((ولا تصل على أحد منهم مات أبدا)) سورة التوبة وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًّا وَلَتَّقُمْ عَلَى قَبْرِهِة إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ» وَمَانُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (#) - واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشددا فيه مبالغا في تقرير موجباته ، فانه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه ، وأن يحترز عن مصاحبته . قوله تعالى ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ﴾ اعلم انه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم ، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه الى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم ، وهذا الذي ذكره في هذه الآية ، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم ، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم . عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول اللّه ◌َ له، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه ، فأرسل اليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر رضي الله عنه لم تعطي قميصك لهذا الرجس النجس؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((إن قميصي لا يغنى عنه من الله شيئا فلعل الله أن يدخل به ألفا في الاسلام)) وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ ألف. فلما مات جاء ابنه يعرف فقال عليه الصلاة والسلام لابنه ((صل عليه وادفنه )) فقال إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه، فنزلت هذه الآية . وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أساري بدر وقد سبق شرحه . وثانيها : آية تحريم الخمر . وثالثها : آية تحويل القبلة . ورابعها : آية أمر النساء بالحجاب. وخامسها : هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصبا عاليا ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه ((لو لم أبعث لبعثت یا عمر نبيا » ١٥٦ قوله تعالى ((ولا تقم على قبره )) سورة التوبة فان قيل : كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافرا وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الاجلال والتعظيم له ، وأيضا إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة ، وأيضا دفع القميص اليه يوجب إعزازه ؟ والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل اليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الايمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الاسلام وشاهد منه هذه الامارة التي دلت على دخوله في الاسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلما ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من الصلاة عليه . وأما دفع القميص اليه فذكروا فيه وجوها : الأول : أن عباس عم رسول اللّه ◌َ و لما أخذ أسيرا ببدر، لم يجدوا له قميصا، وكان رجلا طويلا، فكساه عبد الله قميصه . الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ، ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لى في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك. والثالث : أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلا بقوله ﴿ وأما السائل فلا تنهر ﴾ فلما طلب القميص منه دفعه اليه لهذا المعنى . الرابع : ان منع القميص لا يليق بأهل الكرم . الخامس : أن ابنه عبد الله بن أبي ، كان من الصالحين ، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه . السادس : لعل الله تعالى أوحى اليه أنك إذا دفعت قميصك اليه صار ذلك حاملا لألف نفر من المنافقين في الدخول في الاسلام ففعل ذلك لهذا الغرض ، وروى لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين . السابع : أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال ﴿ وما أرسلناك الا رحمة للعالمين﴾ وقال ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر الله تعالى، ودفع اليه القميص لاظهار الرحمة والرأفة . إذا عرفت هذا فنقوله : قوله ﴿ ولا تصل على احد منهم مات أبدا﴾ قال الواحدي ﴿ مات﴾ في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله ﴿ أبدا﴾ متعلق بقوله ﴿ أحد ﴾ والتقدير ولا تصل أبدا على أحد منهم . واعلم أن قوله ولا تصل أبدا يحتمل تأبيد النفي ويحتمل تأبيد المنفى ، والمقصود هو الأول ، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعا كليا دائما . ثم قال تعالى ﴿ولا تقم على قبره) وفيه وجهان: الأول : قال الزجاج : كان رسول ١٥٧ قوله تعالى ((ولا تعجبك أموالهم وأولادهم» سورة التوبة ٠٫٠١٤٠٠٠/٠٤ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَهُ مُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم ◌ِهَا فِىِ الدُّنْيَا وَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ٨٥ اللّه ◌َلّ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له، فمنع ههنا منه. الثاني: قال الكلبي لا تقم باصلاح مهمات قبره ، وهو من قولهم ، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله ﴿ إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ﴾ وفيه سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ الفسق أدنى حالا من الكفر، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافرا فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقا ؟ والجواب أن الكافر قد یکون عدلا في دينه ، وقد یکون فاسقا في دينه خبیثا ممقوتا عند قومه ، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد ، أمر مستقبح في جميع الأديان ، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر ، تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة مذمومه عند كل أهل العالم . السؤال الثاني ﴾ أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الايمان مع قيام الكفر فيه ؟ والجواب : أن التكاليف مبنيّة على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام ((نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر )) ﴿ السؤال الثالث) قوله ﴿ ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ تصريح بكون ذلك النهي معللا بهذه العلة ، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال ، لأن حكم الله قديم ، وهذه العلة محدثة ، وتعليل القديم بالمحدث محال . والجواب : الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا ؟ بحث طويل ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه . قوله تعالى ﴿ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ﴾ اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا ، وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ: فأولها: في الآية المتقدمة قال ﴿ فلا تعجبك﴾ بالفاء . وههنا قال ١٥٨ قوله تعالى ((ولا تعجبك اموالهم واولادهم)) سورة التوبة ولا تعجبك﴾ بالواو وثانيها : أنه قال هناك ﴿ أموالهم ولا أولادهم﴾ وههنا كلمة ( لا) محذوفة . وثالثها : أنه قال هناك ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم﴾ وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة أن﴾ ورابعها : أنه قال هناك ﴿في الحياة) وههنا حذف لفظ الحياة وقال ﴿ في الدنيا ﴾ فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة ، فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ، ثم نذكر فائدة هذا التكرير . أما المقام الأول ﴾ فنقول : ﴿ أما النوع الأول﴾ من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله ﴿ فلا تعجبك﴾ بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية ، فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله ﴿ ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ وصفهم بكونهم كارهين للانفاق ، وإنما كرهوا ذلك الانفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الاعجاب بفاء التعقيب ، فقال ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو وأما النوع الثاني﴾ وهو أنه تعالى قال في الآية الاولى ﴿ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدىء بالأدنى ثم يترقى الى الاشرف، فيقال لا يعجبني امر الامير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل على انه كان اعجاب اولئك الاقوام بأولادهم فوق اعجابهم بأموالهم وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الامرين عندهم . ﴿ أما النوع الثالث) وهو أنه قال هناك ﴿ إنما يريد الله ليعذبهم﴾ وههنا قال ﴿ إنما يريد الله أن يعذبهم ﴾ فالفائدة فيه التنبيه على ان التعليل في إحكام الله تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه ((أن)) كقوله ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله ﴾ أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله . ﴿ وأما النوع الرابع﴾ وهو أنه ذكر في الآية الأولى ﴿في الحياة الدنيا﴾ وههنا ذكر ﴿في الدنيا﴾ وأسقط لفظ الحياة، تنبيها على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيها على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ ، والعالم بحقائق القرآن هو الله تعالى. وأما المقام الثاني ) وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذبا للقلوب وجلبا للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك، يجب ١٥٩ قوله تعالى ((وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله)) سورة التوبة وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَجَهِدُ واْمَعَ رَسُولِهِ أَسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الْطَوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْفَعِدِينَ ﴾ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْحَوَلِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (چ) التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى، لا جرم أعاد الله قوله ﴿إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ في سورة النساء مرتين، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح، وقيل ايضا إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوما من المنافقين لهم اموال واولاد في وقت نزولها، واراد بهذه الآية أقواما آخرين، والكلام الواحد إذا احتج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنيا عن ذكره مع الآخرين . قوله تعالى ﴿ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ﴾ واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول اللّه عليه والقعود عن الغزو، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالايمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول ، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين فى البلد . أما قوله ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ﴾ ففيه أبحاث : ﴿ البحث الأول﴾ يجوز أن يراد بالسورة تماما وأن يراد بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه ، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة ، لأن فيها الأمر بالايمان والجهاد . ﴿البحث الثاني) قوله ﴿ أن آمنوا بالله ) قال الواحدي: موضع ﴿أن﴾ نصب بحذف حرف الجر . والتقدير بأن آمنوا أي بالايمان . ١٦٠ قوله تعالى (( بأن يكونوا مع الخوالف)) سورة التوبة البحث الثالث ﴾ لقائل أن يقول : كيف يأمر المؤمنين بالايمان ، فان ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال . أجابوا عنه ؛ بأن معنى امر المؤمنين بالايمان الدوام عليه والتمسك به في المستقبل ، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب ، فان الأمر متوجه عليهم ، وإنما قدم الأمر بالايمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين الاقدام على الجهاد قبل الايمان لا يفيد فائدة أصلا ، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولا ، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانيا حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة في الدين ، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون ، فقال ﴿ استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ وفي ﴿ أولوا الطول﴾ قولان: الأول : قال ابن عباس والحسن : المراد أهل السعة في المال : الثاني : قال الأصم : يعني الرؤساء والكبراء المنظور اليهم وفي تخصيص ﴿ أولوا الطول ﴾ بالذكر قولان: الأول : أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد ، والثاني : أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان . ثم قال تعالى ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ وذكرنا الكلام المستقصى في الخالف في قوله ﴿ فاقعدوا مع الخالفين﴾ وههنا فيه وجهان: الأول: قال الفراء ﴿ الخوالف﴾ عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن، والمعنى : رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء . الثاني : يجوز أيضا أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال . والخالفة الذي هو غير نجيب . قال الفراء : ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل ، إلا حرفان : فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، والقول الأول أولى ، لأنه أدل على القلة والذلة . قال المفسرون : وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف . ثم قال ﴿ وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الايمان ، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالا ، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر ، صار القلب كالمطبوع على الكفر ، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الله فالمقصود حاصل . وقال الحسن : الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر الى الحد الذي كأنه مات عن الايمان ، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب ، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم﴾ وقوله ﴿فهم لا يفقهون ﴾ أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد .