Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى ((لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)) سورة التوبة لَقَدْ نَصَرَ كُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَنَْبَتْكُمْ كَثْتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شْعًا وَضَاقَتْ عَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُ مُدْبِرِينَ (٥﴾ ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَّلَ جُنُودًا لَّمْ تَزَوْهَا وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رحيم قوله تعالى ﴿ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تفني عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم وفي هذه الاية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الاعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والاخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات والمساكن ، رعاية لمصالح الدين ، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جدا على النفوس والقلوب ، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فانه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضا ، وضرب تعالى لهذا مثلا ، وذلك أن عسكر رسول الله صل98 في وقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على ان الانسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن، لأجل مصلحة الدين وتصبيراً لهم عليها، ووعداً لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه، هذا تقرير النظم وهو في غاية الحسن . المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي : النصر: المعونة على العدو خاصة ، والمواطن جمع موطن ، وهو كل موضع أقام به الانسان لأمر ما، فعلى هذا : مواطن الحرب مقاماتها ومواقفها . :٠ ٢٢ قوله تعالى (( ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا)) سورة التوبة وامتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد ، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله. ويقال: إنها ثمانون موطنا، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، ومن نصره الله فلا غالب له. ثم قال ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) أي واذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم . ﴿ المسألة الثالثة) لما فتح رسول الله لل مكة، وقد بقيت أيام من شهر رمضان ، خرج متوجها الى حنين لقتال هوزان وثقيف. واختلفوا في عدد عسكر رسول الله وض له فقال عطاء عن ابن عباس : كانوا ستة عشر ألفا ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفا عشرة آلاف الذين احاصروا. مكة ، وألفان من الطلقاء ، وقال الكلبي: كانو عشرة آلاف. وبالجملة فكانوا عددا كثيرين ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، فهذه الكلمة ساءت رسول اللّه ◌َ ل﴿ وهي المراد من قوله ( إذا أعجبتكم كثرتكم ) وقيل إنه قالها رسول الله ، وقيل قالها أبو بكر. وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله وَ ل بعيد، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلا على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها . ثم قال تعالى ﴿ فلم تغن عنكم شيئا ﴾ ومعنى الاغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله (فلم تغن عنكم شيئا ) أي لم تعطكم شيئا يدفع حاجتكم . والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم ، وإنما يغلبون بنصر الله ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، وقوله ( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) يقال رحب يرحب رحبا ورحابة ، فقوله (بما رحبت) أي برحبها، ومعناه رحبها ((فما)) ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر ، والمعنى: أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم . قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله ◌َ ثقة ، ولم يبق معه إلا العباس ابن المطلب. وأبو سفيان بن الحرث. قال البراء: والذي لا إله إلا هو ما ولى رسول الله عليه وسلم دبره قط، قال : ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب ، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)) وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي، وكانت بغلته شهباء ، ثم قال للعباس : ناد المهاجرين والأنصار ، وكان العباس رجلا صيّتًا ،". فجعل ينادي يا عباد الله يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقا واحدا، وأخذ رسول الله و ﴿ بيده كفا من الحصى فرماهم بها وقال ((شاهت الوجوه )) فما زال أمرهم مدبرا ، وحدهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى ، ولم يبق منهم يومئذ ٢٣ قوله تعالى (( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين )) سورة التوبة أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب ، فذلك قوله ( ثم انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) . واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع . وأن الذي أوجب النصر ما كان إلا من الله ذكر أمورا ثلاثة أحدها إنزال السكينة، والسكينة ما يسكن اليه القلب والنفس، ويوجب الأمنة والطمأنينة، وأظن وجه الاستعارة فيه ان الانسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك، وإذا أمن سكن وثبت، فلما كان الأمن موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن . واعلم أن قوله تعالى ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي ، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى . أما بيان الأول : فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم ، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات ، بل فر القوم وانهزموا . ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وثبتوا عنده وسكنوا . فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية . وأما بيان الثاني : وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح . قوله تعالى ﴿ ثم أنزل الله سكينته على رسوله ﴾ والعقل أيضا دل عليه ، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد ، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل ، وهو محال . ثم قال تعالى ﴿وأنزل جنودا لم تروها ﴾ واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم ، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة ، وليس في الظاهر ما يدل على عدد الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر ، وقال سعيد بن جبير : أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة . ولعله إنما ذكر هذا العدد قياسا على يوم بدر ، وقال سعيد بن المسيب : حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم ، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء ، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان ، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، وأيضا اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر. وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو القاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين . ... " ٢٤ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس)) سورة التوبة يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسْ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَمَ بَعْدَ عَمِهِمْ هَذَا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِكُ الَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّاللَّ عَلِيمُ حَكِيمٌ ﴾ ثم قال تعالى ﴿وعذب الذين كفروا﴾ وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول الله له في ذلك اليوم ، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم واخذ أموالهم وسبى ذراريهم . واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق الله ، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر. وهو تعالی نسب تلك الا شیاء إلى نفسه وقد بينا أن قوله ( ثم أنزل الله سکینته على رسوله ) يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلا بينا ثابتا ، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة : إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره ، وقد سبق جوابه غير مرة . ثم قال ﴿ وذلك جزاء الكافرين) والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين ، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله ( الزانية والزاني فاجلدوا ) قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء ، والجزاء اسم للكافي ، وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه. فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسما للكافي ، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء ، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم ، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية . ثم قال الله تعالى ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ يعني أن مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فان الله تعالى قد يتوب عليهم . قال أصحابنا : إنه تعالى قد يتوب على بعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر ويخلق فيه الاسلام . قال القاضي : معناه فانهم بعد أن جرى عليهم ما جرى ، إذا أسلموا وتابوا فان الله تعالى يقبل توبتهم ، وهذا ضعيف لأن قوله تعالى ( ثم يتوب الله) ظاهرة يدل على أن تلك التوبة إنما حصلت لهم من قبل الله تعالى وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله (فتاب عليه) ثم قال (والله غفور رحيم) أي غفور لمن تاب، رحيم لمن آمن وعمل صالحا. والله اعلم . قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ﴾ ٢٥ قوله تعالى ((إنما المشركون نجس )) سورة التوبة وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم، وذلك لأنه ◌َّه لما أمر عليا أي يقرأ على مشركي مكة، أول سورة براءة وينبذ اليهم عهدهم وأن الله برىء من المشركين ورسوله ، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة ، وأجاب الله تعالى عنها بقوله ( وإن خفتم عيلة ) أي فقرا وحاجة ( فسوف يغنيكم الله من فضله ) فهذا وجه النظم وهو حسن موافق . المسألة الثانية ﴾ قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان . وقال قوم : بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة ، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة ، والذي يفيد ههنا التمسك بقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ومعلوم أنه باطل . ﴿ المسألة الثالثة ) قال صاحب الكشاف: النجس مصدر نجس نجسا وقذر قذرا ، ومعناه ذو نجس . وقال الليث : النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء ، ورجل نجس ، وقوم أنجاس ، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس . واختلفوا في تفسير كون المشرك نجسا نقل صاحب الكشاف عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركا توضأ ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية ، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم . واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسا فلا يرجع عنه الا بدليل منفصل ، ولا يمكن ادعاء الاجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل . واحتج القاضي على طهارتهم بما روى أن النبي ◌َ و شرب من أوانيهم ، وأيضا لو كان جسمه نجسا لم يبدل ذلك بسبب الاسلام. والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن القرآن أقوى من خبر الواحد ، وأيضا فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدما على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين : الأول : أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضا كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى ، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فازالها الله ، فلا يبعد أن يقال أيضا الشرب من أوانيهم كان جائزا فحرمه الله تعالى . الثاني : أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان ، فلو قلنا : إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان . أما إذا قلنا : إنه كان حلالاً بحكم الأصل ، والرسول شرب من أنيتهم بحكم الأصل ، ثم جاء التحريم ٢٦ قوله تعالى ((إنما المشركون نجس)) سورة التوبة بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة ، فوجب أن يكون هذا أولى . أما قول القاضي : لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الاسلام . فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح ، وأيضا أن أصحاب هذا المذهب يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر ، فهذا تقرير هذا القول ، وأما جمهور الفقهاء فانهم حكموا بكون الكافر طاهرا في جسمه ، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة : معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضؤون من الحدث . الثاني : المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه ، الثالث : أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء . واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل . المسألة الرابعة ﴾ قال أبو حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم : أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس . ثم روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة ، وروى الحسن بن زياد : أنه نجس نجاسة غليظة ، وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر . واعلم أن قوله تعالى ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ يدل على فساد هذا القول، لأن كلمة ((إنما )) للحصر، وهذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص ، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن قوماقد قلبوا القضية وقالوا المشرك طاهر والمؤمن حال كونه محدثاً أو جنبا نجس، وزعموا ان المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة: والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة غليظة، وهذا من العجائب، ومما يؤكد القول بطهارة أعضاء المسلم قوله عليه السلام ((المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا)) فصار هذا الخبر مطابقا للقرآن، ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن، والاخبار في هذا الباب، لأن المسلمين أجمعوا على أن انسانا لو حمل محدثا في صلاته لم تبطل صلاته، ولو كانت يده رطبة. فوصلت الى يد محدث لم تنجس يده. ولو عرق المحدث ووصلت تلك النداوة الى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب، فالقرآن والخبر والاجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن مخالفته، وشبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة والطهارة لا تكون الا بعد سبق النجاسة، وهذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام، قال الله تعالى في صفة أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وليست هذه الطهارة ٢٧ قوله تعالى ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)) الآية التوبة إلا عن الآثام والأوزار. وقال في صفة مريم (إن الله اصطفاك وطهرك) والمراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة . وإذا ثبت هذا فنقول : جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء عن الآثام والأوزار ، فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى ، فما الذي حملنا على مخالفته ، والذهاب إلى شيء يبطل القرآن والأخبار والأحكام الاجماعية . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الشافعي رضى الله تعالى عنه: الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة ، وعند مالك : يمنعون من كل المساجد ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد ، والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه الله ، وبمفهومها تبطل قول مالك ، أو نقول الاصل عدم المنع ، وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع ، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل . ﴿ المسألة السادسة) اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم؟ والأقرب هو هذا الثاني . والدليل عليه قوله تعالى ( إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد ، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة ، وإنما يخافون العيلة اذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم ، وهذا استدلال حسن من الآية ، ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ) مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانىء، وأيضا يتأكد هذا بما روى عن الرسول و لو أنه قال ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) واعلم ان اصحابنا قالوا: الحرم حرام على المشركين، ولو كان الامام بمكة فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة، وإن دخل مشرك الحرم متواريا فمرض فيه أخرجناه مريضا، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه اذا أمكن . ﴿ المسألة السابعة) لا شبهة في أن المراد بقوله ( بعد عامهم هذا) السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين ، وهي السنة التاسعة من الهجرة . ثم قال تعالى ﴿وإن خفتم عيلة) والعيلة الفقر. يقال: عال الرجل يعيل عيلة اذا افتقر ، والمعنى : إن خفتم فقرا بسبب منع الكفار ( فسوف يغنيكم الله من فضله) وفيه مسألتان : ٢٨ قوله تعالى ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)) سورة التوبة قَدِلُوْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَاَخَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ. وَلَا يَدِينُنَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْحِكِتَبَ خَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ وَهُمْ صَغِرُونَ ٢٩ ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوها: الأول : قال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين ، وحملوا الطعام الى مكة وكفاهم الله الحاجة الى مبايعة الكفار . والثاني : قال الحسن : جعل الله ما يوجد من الجزية بدلا من ذلك . وقيل : أغناهم بالفىء . الثالث : قال عكرمة : أنزل الله عليهم المطر ، وكثر خيرهم . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( فسوف يغنيكم الله من فضله) إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة ، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر فكان معجزة . ثم قال تعالى ﴿ إن شاء﴾ ولسائل أن يسأل فيقول : الغرض بهذا الخبر ازالة الخوف بالعيلة ، وهذا الشرط يمنع من افادة هذا المقصود ، وجوابه من وجوه الأول : أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب ، فيكون الانسان أبدا متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات . الثاني : أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب ، كما في قوله ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) الثالث : أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور ، لأن ابراهيم عليه السلام قال في دعائه (وارزق أهله من الثمرات) وكلمة (( من)) تفيد التبعيض . فقوله تعالى في هذه الآية (إنشاء) المراد منه ذلك التبعيض . ثم قال ﴿ إن الله عليم حكيم ﴾ أي عليم بأحوالكم ، وحكيم لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم ، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم ، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام ، وأورد ٢٩ قوله تعالى ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)) سورة التوبة الاشكالات التي ذكروها ، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا الى أن يعطوا الجزية ، فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب اذا كانوا موصوفين بصفات أربعة ، وجبت مقاتلتهم أو أن يعطوا الجزية . فالصفة الأولى ﴾ أنهم لا يؤمنون بالله . واعلم أن القوم يقولون : نحن نؤمن بالله، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة ، والمشبه يزعم أن لا موجود الا الجسم وما يحل فيه . فأما الموجود الذي لا يكون جسما ولا حالا فيه فهو منكر له ، وما ثبت بالدلائل أن الاله موجود ليس بجسم ولا حالا في جسم ، فحينئذ يكون المشبه منكرا لوجود الاله . فثبت أن اليهود منكرون لوجود الاله . فان قيل : فاليهود قسمان : منهم مشبهة ، ومنهم موحدة ، كما أن المسلمين كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الاله ، فما قولكم في موحدة اليهود ؟ قلنا : أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية ، ولكن إيجاب الجزية عليهم بأن يقال : لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وأما النصارى : فهم يقولون : بالأب والابن وروح القدس ؛ والحلول والاتحاد ، وكل ذلك ينافي الالهية . فان قيل: حاصل الكلام: أن كل من نازع في صفة من صفات الله، كان منكرا لوجود الله تعالى، وحينئذ يلزم أن تقولوا، إن أكثر المتكلمين منكرون لوجود الله تعالى، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى. ألا ترى أن أهل السنة اختلفوا اختلافا شديدا في هذا الباب، فالأشعري أثبت البقاء صفة، والقاضي أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت إدراك الطعوم، وإدراك الروائح، وإدراك الحرارة والبرودة، وهي التي تسمى في حق البشر بادراك الشم والذوق واللمس، والأستاذ أبو إسحق أنكره، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالا سبعة معللة بتلك الصفات، ونفاة الاحوال أنكروه، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمرا ولا نهيا ولا خبرا، ثم صار ذلك في الإنزال، والباقون انكروه، وقوم من قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات، في الأمر، والنهي، ٣٠ قوله تعالى (( ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب )) سورة التوبة والخبر، والاستخبار، والنداء، والمشهور أن كلام اللّه تعالى واحد، واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة، وأما اختلافات المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله تعالى، فأكثر من أن مکن ذكره في موضع واحد. إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجبا إنكار الذات أو لا يوجب ذلك؟ فان أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال : إنهم أنكروا الاله ، وان لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للايمان بالله ، وأيضا فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى ، وحشوية المسلمين يقولون : إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى ، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء ، وإذا كتب كلام اللّه في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى . وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن ، وفي كل جسم كتب فيه القرآن ، فان صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب ، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله ، فهذا تقرير هذا السؤال . والجواب : أن الدليل دل على أن من قال إن الاله جسم فهو منكر للاله تعالى ، وذلك لأن اله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم ، فاذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الاله تعالى ، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة ، بلُ في الذات ، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة ، فظهر الفرق . وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية ، فنحن نكفرهم قطعا ، فانه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة ( الله) في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة ( الله) في ألسنة جميع من قرأ القرآن ، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن ، فاذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير ، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبا بالتكفير كان أولى . والصفة الثانية ﴾ من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر . واعلم أن المنقول عن اليهود والنصارى ؛ إنكار البعث الجسماني ، فكأنهم يميلون الى البعث الروحاني . ٣١ قوله تعالى ((حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) سورة التوبة واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية ، ودللنا على صحة القول بهما وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها ، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية ، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة ، بحيث يأكلون ويشربون ، وبالجواري يتمتعون ، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث الجسماني ، فقد أنكر صريح القرآن ، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا المعنى ، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر . ﴿الصفة الثالثة) من صفاتهم قوله تعالى (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) وفيه وجهان : الأول : أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول . والثاني : قال أبو روق : لا يعلمون بما في التوراة والانجيل ، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم . الصفة الرابعة ) قوله (ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ) يقال: فلان يدين بكذا ، إذا اتخذه دينا فهو معتقده، فقوله ( ولا يدينون دين الحق ) أي لا يعتقدون في صحة دين الاسلام الذي هو الدين الحق ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الاربعة قال ( من الذين أوتوا الكتاب) فبين بهذا أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب، والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم، لأن الواجب في المشركين القتال أو الاسلام والواجب في أهل الكتاب القتال او الاسلام او الجزية . ثم قال تعالى ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: الجزية هي ما يعطى المعاهد على عهده ، وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه ، واختلفوا في قوله ( عن يد ) قال صاحب الكشاف قوله ( عن - يد) إما أن يراد به يد المعطى أو يد الآخذ ، فان كان المراد به المعطى ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد ( عن يد ) مؤاتية غير ممتنعة ، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك يقال : أعطى يده إذا انقاد وأطاع ، ألا ترى الى قولهم نزع يده عن الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة من عنقه . وثانيهما : أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد الى يد نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد ، بل على يد المعطى الى يد الآخذ . وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضا وجهان : الأول : أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين عليهم كما تقول : اليد في هذا لفلان . وثانيهما : أن يكون المراد عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة . وأما قوله ﴿ وهم صاغر ون ﴾ فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتى بها بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس . ويؤخذ بلحيته ، ٣٢ قوله تعالى (( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) سورة التوبة فيقال له : أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه ، فهذا معنى الصغار . وقيل : معنى الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية ، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه . المسألة الثانية ﴾ في شيء من أحكام هذه الآية . الحكم الاول استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمى والوجه في تقريره أن قوله ( قاتلوهم ) يقتضي إيجاب مقاتلتهم ، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم ، فلما قال ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند اعطاء الجزية ، ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه ، فاذا ارتفع وجوب قتله وإباحة دمه ، فقد ارتفع ذلك المجموع ، ولا حاجة في ارتفاع المجموع الى ارتفاع جميع أجزاء المجموع . إذا ثبت هذا فنقول : قوله قاتلوا الموصوفين من أهل الكتاب ، يدل على عدم وجوب القصاص بقتلهم وقوله ( حتى يعطوا الجزية ) لا يوجب ارتفاع ذلك الحكم ، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه وهو وجوب قتلهم ، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان . الحكم الثاني الكفار فريقان ، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا ، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ، ويجب قتالهم حتى يقولوالا اله إلا الله ، وفريق هم أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى والسامرة والصابئون ، وهذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، والمجوس أيضا سبيلهم سبيل أهل الكتاب ، لقوله عليه السلام (( سنّوا بهم سنة أهل الكتاب)) وروى أنهأخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية ، وانما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة ، وهي قوله تعالى ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قيدهم بكونهم من أهل الكتاب وهو قوله ( من الذين أوتوا ٣٣ قوله تعالى ((حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) سورة التوبة الكتاب ) واثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي الغاء هذا القيد المنصوص عليه وأنه لا يجوز . الحكم الثالث في قدر الجزية. قال أنس: قسم رسول اللّه ◌َ يقول على كل محتلم دينارا.، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشردرهما ، وعلى الاوساط أربعة وعشرين ، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين . قال أصحابنا : وأقل الجزية دينار ، ولا يزاد على الدينار الا بالتراضي ، فاذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين ، وعلى الغني أربعة دنانير ، والدليل على ما ذكرنا : أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف الا أن قوله ( حتى يعطوا الجزية ) يدل على أخذ شيء ، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل ، فيجوز أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة ، فوجب أن يبقى عليها . الحكم الرابع تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في أول السنة ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى في آخرها . الحكم الخامس تسقط الجزية بالاسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه الله ، لقوله عليه الصلاة والسلام (( ليس على المسلم جزية)) وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط . الحكم السادس قال أصحابنا : هؤلاء انما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والانجيل وأيضا مكناهم من أيديهم ، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد ◌َّةٍ ونبوته ، فامهلو لهذا المعنى . والله أعلم . وبقي ههنا سؤالان : ﴿ السؤال الأول﴾ كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول: إنه ذكر في تعظيم كفر النصارى قوله ( تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ الى هذا الحد ، ثم إنه لما أخذ منهم دينارا واحدا أقرّهم عليه وما منعهم منه . والجواب : ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر ، بل المقصود منها حقن دمه الفخر الرازي ج١٦ م٣ ٣٤ قوله تعالى ((وقالت اليهود عزير ابن الله)) سورة التوبة وَقَالَتِ الْيَّهُدُ عُنَيْرًّابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْهُم ج بِأَفْوَهِهِمْ يُضَمِعُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ٣ وامهاله مدة ، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الاسلام وقوة دلائله ، فينتقل من الكفر الى الايمان . ﴿ السؤال الثاني ﴾ هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟ والجواب : أنه لا بد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار ، فاذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الاسلام ويسمع دلائل صحته ، ويشاهد الذل والصغار في الكفر ، فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال الى الاسلام ، فهذا هو المقصود من شرع الجزية . قوله تعالى ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم انه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم اثبتوا لله ابنا ، ومن جوز ذلك في حق الاله فهو في الحقيقة قد انكر الاله ، وأيضا بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك ، وان كانت طرق القول بالشرك مختلفة ، اذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره لأنه لا معنى للشرك الا ان يتخذ الانسان مع الله معبودا ، فاذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك ، بل أنا لو تأملنا لعلمنا ان كفر عابد الوثن اخف من كفر النصارى ، لأن عابد الوثن لا يقول ان هذا الوثن خالق العالم واله العالم ، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به الى طاعة الله اما النصارى فانهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جدا ، فثبت انه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين ، وأنهم انما خصهم بقبول الجزية منهم ، لانهم في الظاهر ألصقوا انفسهم بموسى وعيسى ، وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والانجيل ، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق ، حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم ، والا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين . ٣٥ قوله تعالى ((وقالت اليهود عزير ابن الله)) سورة التوبة ﴿ المسألة الثانية) في قوله ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ أقوال: الأول: قال عبيد ابن عمير: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء . الثاني : قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة: أتى جماعة من اليهود إلى رسول اللّه ◌َئير ، وهم: سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، ومالك بن الصيف ، وقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، ولا تزعم ان عزير ابن الله ، فنزلت هذه الآية ، وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود الا ان الله نسب ذلك القول الى اليهود بناء على عادة العرب في ايقاع اسم الجماعة على الواحد ، يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب الا واحدا منها ، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس الا واحدا . ﴿ والقول الثالث ﴾ لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع، فحكى الله ذلك عنهم ، ولا عبرة بانكار اليهود ذلك ، فان حكاية الله عنهم أصدق . والسبب الذي لاجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس ان اليهود اضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير الى الله وابتهل اليه فعاد حفظ التوراة الى قلبه ، فأنذر قومه به ، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه ، فقالوا ما تيسر هذا لعزير الالأنه ابن الله، وقال الكلبى : قتل بختنصر علماءهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة . وقال السدى : العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة ، فهذا ما قيل في هذا الباب . وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون : المسيح ابن الله ، فهي ظاهرة لكن فيها اشكال قوي ، وهي انا نقطع ان المسيح صلوات الله عليه واصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس الى الابوة والبنوة ، فان هذا افحش انواع الكفر ، فكيف يليق بأكابر الانبياء عليهم السلام ؟ واذا كان الامر كذلك فكيف يعقل اطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر ، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد ، وكيف قدر على نسبته الى المسيح عليه السلام ؟ فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال : أن اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى ، ثم قال لليهود ان كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون ان دخلوا الجنة ودخلنا النار ، واني احتال فاضلهم ، فعرقب فرسه واظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال نوديت من السماء ليس لك توبة الا ان تتنصر، وقد تبت فادخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الانجيل فصدقوه واحبوه ، ثم مضى الى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور ، وعلمه ان عيسى ومريم والاله كانوا ثلاثة ، وتوجه الى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال : ما كان عيسى انسانا ولا جسما ولكنه ٣٦ قوله تعالى ((وقالت اليهود عزير ابن الله)) سورة التوبة الله وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له : ان الاله لم يزل ولا يزال عيسى ، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم انت خليفتي فادع الناس الى انجيلك ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني ، واني غدا أذبح نفسي لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس الى قوله ومذهبه ، فهذا هو السبب في وقوع الكفر في طوائف النصارى ، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى ، والأقرب عندي ان يقال لعله ورد لفظ الابن في الانجيل على سبيل التشريف، كما ورد لفظ الخليل في حق ابراهيم على سبيل التشريف ، ثم ان القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني ، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية ، والجهال ، قبلوا ذلك ، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام ، والله أعلم بحقيقة الحال . المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو ﴿عزير﴾ بالتنوين والباقون بغير التنوين . قال الزجاج : الوجه اثبات التنوين . فقوله ﴿ عزير﴾ مبتدأ وقوله ﴿ ابن الله ﴾ خبره، واذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لان عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا او عربيا ، وسبب كونه منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف، وان كان اعجميا كهود ولوط والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه : الوجه الأول ﴾ أنه اعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف . ﴿. الوجه الثاني﴾ أن قوله ﴿ابن﴾ صفة والخبر محذوف، والتقدير: عزير ابن الله معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب دلائل الاعجاز ، وقال الاسم اذا وصف بصفة ثم اخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب الى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلما . فلو كان المقصود بالانكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا ، لتوجه الانكار الى كونه معبودا لهم ، وحصل كونه ابنا لله ، ومعلوم ان ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما فوله ان من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الامور وانكره منكر ، توجه الانكار الى الخبر فهذا مسلم . وأما قوله ويكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع ، لانه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب ان يدل على ان ما سواه لا يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام . ﴿الوجه الثالث﴾ قال الفراء: نون التنوين ساكنة من عزير، والباء في قوله ﴿ابن ٣٧ قوله تعالى (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) سورة التوبة الله ﴾ ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين فحذف نون التنوين للتخفيف، وأنشد الفراء: ولا ذاكر الله الا قليلا فألفيته غیر مستعتب واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ ولقائل أن يقول : ان كل قول انما يقال بالفم ، فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة . والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو الا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل انهم قالوا باللسان قولا ، ولكن لم يحصل عند العقد من ذلك القول أثر ، لان اثبات الولد للاله مع انه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ، ليس عند العقل منه أثر. ونظيره قوله تعالى ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ والثاني : أن الانسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية واما على سبيل الرمز والتعريض ، فاذا صرح به وذكره بلسانه ، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب ، والنهاية في كونه ذاهبا اليه قائلا به . والمراد ههنا انهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه البتة . والثالث : أن المراد أنهم دعوا الخلق الى هذه المقالة حتى وقعت هذا المقالة في الأفواه والألسنة ، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق الى المذهب . ثم قال تعالى ﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين بأن الملائكة بنات الله. الثاني: أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم. الثالث: أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم فهو غير مستحدث . ﴿ المسألة الثانية ﴾ المضاهاة: المشابهة. قال الفراء يقال ضاهيته ضهيا ومضاهاة ، هذا قول اكثر أهل اللغة، في المضاهاة ، وقال شمر : المضاهاة المتابعة ، يقال فلان يضاهي فلانا اي يتابعه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم ﴿يضاهئون﴾ بالهمزة وبكسر الهاء، والباقون بغير همزة وضم الهاء ، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت . وقال أحمد بن يحي لم يتابع عاصما أحد على الهمزة . ٣٨ قوله تعالى ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) سورة التوبة ٠١٤٠٠٠٠٠٠٠٠ أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِبِحَ أَبْنَ مَرْيَ وَمَا أَمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوَاْ إِلَهَا وَِدًا لََّ إِلَّهَ إلَّا هُوَّ سُبْحَتَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ. ثم قال تعالى ﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعا ، قاتلهم الله ما أعجب فعلهم ! أنى يؤفكون الافك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير ، أي قلب وصرف، ورجل مأفوك اي مصروف عن الخير . فقوله تعالى ﴿أنى يؤفكون﴾ معناه كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل ، حتى يجعلوا لله ولدا! وهذا التعجب انما هو راجع الى الخلق ، والله تعالى لا يتعجب من شيء ، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم ، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل . قوله تعالى ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمر وا الا ليعبدوا الها واحدا لا اله الا هو سبحانه عما يشركون ﴾ واعلم أنه تعالى وصف اليهود والنصارى بضرب آخر من الشرك بقوله ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دون الله ﴾ وفي الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قال أبو عبيدة: الأحبار: الفقهاء، واختلفوا في واحدة، فبعضهم يقول حبر وبعضهم يقول حبر . وقال الأصمعي : لا أدري أهو الحبر أو الحبر ؟ وكان أبو الهيثم يقول واحد الاحبار حبر بالفتح لا غير ، وينكر الكسر، وكان الليث ، وابن السكيت يقولان حبر وحبر للعالم ذميا كان او مسلما ، بعد ان يكون من اهل الكتاب . وقال أهل المعاني الحبر العالم الذي بصناعته يحبر المعاني ، ويحسن البيان عنها . والراهب الذي تمكنت الرهبة والخشية في قلبه وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه . وفي عرف الاستعمال ، صار الاحبار مختصا بعلماء اليهود من ولد هرون ، والرهبان بعلماء النصارى أصحاب الصوامع . المسألة الثانية ﴾ الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب انهم اعتقدوا فيهم انهم آلهة العالم ، بل المراد انهم اطاعوهم في اوامرهم ونواهيهم ، نقل ان عدى بن حاتم كان نصرانيا فانتهى إلى رسول الله عليه، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل الى هذا الآية ، قال فقلت لسنا نعبدهم فقال (( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله ٣٩ قوله تعالى ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)) سورة التوبة فتستحلونه)) فقلت بلى قال ((فتلك عبادتهم)) وقال الربيع : قلت لابي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني اسرائيل ؟ فقال : انهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف اقوال الاحبار والرهبان ، فكانوا يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم كتاب اللّه تعالى . قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضى الله عنه : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء ، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل ، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا اليها وبقوا ينظرون إلى كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع ان الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا . فان قيل : انه تعالى لما كفرهم بسبب انهم اطاعوا الاحبار والرهبان فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره كما هو قول الخوارج . والجواب : أن الفاسق ، وان كان يقبل دعوة الشيطان الا انه لا يعظمه لكن يلعنه ويستخف به . أما أولئك الاتباع كانوا يقبلون قول الاحبار والرهبان ويعظمونهم ، فظهر الفرق . ﴿ والقول الثاني﴾ في تفسير هذه الربوبية ان الجهال والحشوية اذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم ، فقد يميل طبعهم الى القول بالحلول والاتحاد ، وذلك الشيخ اذا كان طالبا للدنيا بعيدا عن الدين ، فقد يلقي اليهم ان الامر كما يقولون ويعتقدون ، وشاهدت بعض المزورين ممن كان بعيدا عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له ، وكان يقول لهم أنتم عبيدي ، فكان يلقي اليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء ، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه ، فربما ادعى الالهية ، فاذا كان مشاهدا في الامة ، فكيف يبعد ثبوته في الامم السالفة ؟ وحاصل الكلام ان تلك الربوبية يحتمل ان يكون المراد منها انهم اطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم الله ، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر ، فكفروا بالله ، فصار ذلك جاريا مجرى أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله ، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد . وكل هذه الوجوه الاربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة . ثم قال تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الها واحدًا﴾ ومعناه ظاهر، وهو ان التوراة والانجيل والكتب الالهية ناطقة بذلك . ثم قال ﴿ لا اله الا هو سبحانه عما یشرکون ﴾ أي سبحانه ان يكون له شريك في الامر والتکلیف، وان يكون له شريك في کونه مسجودا ومعبودا، وان یکون شريك في وجوب نهاية ٤٠ قوله تعالى: ((يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم» سورة التوبة ,٤ ,٢٠٠٠٠ يُيُدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْيُتِمِّ نُورَهُ، وَلَوْكَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ٣٢ التعظيم والاجلال . قوله تعالى ﴿يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافر ون﴾ اعلم ان المقصود منه بيان نوع ثالث من الافعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال امر محمد رحمة، وجدهم في اخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعة وقوة دينه ، والمراد من النور : الدلائل الدالة على صحة نبوته ، وهي أمور كثيرة جدا . احدها : المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده ، فان المعجز إما ان يكون دليلا على الصدق او لا يكون ، فان كان دليلا على الصدق ، فحيث ظهر المعجز لا بد من حصول الصدق ، فوجب كون محمد رَةٍ صادقا ، وان لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام. وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد مطر، مع أنه من أول عمره الى آخره ما تعلم وما طالع وما استفاد وما نظر في كتاب ، وذلك من أعظم المعجزات . وثالثها : أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه ، والانقياد لطاعته وصرف النفس عن حب الدنيا ، والترغيب في سعادات الآخرة . والعقل يدل على انه لا طريق الى الله الا من هذا الوجه . ورابعها : أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب ، فليس فيه اثبات ما لا يليق بالله ، وليس فيه دعوة الى غير الله ، وقد ملك البلاد العظيمة ، وما غير طريقته في استحقار الدنيا ، وعدم الالتفات إليها ، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الامر كذلك ، فهذه الاحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله ، ثم انهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة ، وانواع كيدهم ومكرهم ، ارادوا إبطال هذه الدلائل ، فكان هذا جاريا مجرى من يريد ابطال نور الشمس بسبب ان ينفخ فيها ، وكما ان ذلك باطل وعمل ضائع فكذا ههنا ، فهذا هو المراد من قوله ﴿يريدون ان يطفئوا نور الله بأفواههم) ثم انه تعالى وعد محمد له مزيد النصرة والقوة واعلاء الدرجةوكمال الرتبة فقال ﴿ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ فان قيل : كيف جاز ابى الله الا كذا ، ولا يقال كرهت او ابغضت الا زيدا ؟ قلنا: أجرى ﴿أبى﴾ مجرى لم يرد، والتقدير: ما أراد الله الا ذلك، الا ان الاباء