Indexed OCR Text

Pages 181-200

٠٠
١٨١
قوله تعالى ((فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه)) الآية سورة الأنفال
قلنا : لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة ، فلهذا السبب خاف
وفر .
فان قيل : فعلى هذا الطريق وجب ان ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة
البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين ، والحاصل : انه إن قدر على هذا المعنى
فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين ؟ وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم اليه هذا العمل في
واقعة بدر ؟
الجواب : لعله تعالى إنما غير صورته الى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع
فلا يفعل ذلك التغيير .
السؤال الثاني ﴾ أنه تعالى لما غير صورته الى صورة البشر فما بقى شيطانا بل صار
بشرا .
الجواب ان الانسان إنما كان إنسانا بجوهر نفسه الناطقة ، ونفوس الشياطين مخالفة
لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة ، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على
أن الانسان ليس إنسانا بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة .
﴿ السؤال الثالث ) ما معنى قول الشيطان ( لا غالب لكم اليوم من الناس) وما الفائدة
في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين ؟
والجواب : أنه وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون ان دولة محمد عليه
الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد ، ولأن محمدا كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا
لهذا السبب خائفين جدا من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، فذكر إبليس هذا الكلام ازالة
للخوف عن قلوبهم ، ويحتمل ان يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة
خصوصا وقد تصور بصورة زعيم منهم ، وقال ( اني جار لكم ) والمعنى : اني إذا كنت وقومي
ظهيرا لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجارههنا : الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما
يدفع الجار عن جاره ، والعرب تقول : أنا جار لك من فلان أى حافظ لك من مضرته فلا يصل
اليك مكروه منه .
ثم قال تعالى ﴿ فلما تراءت الفئتان ﴾ أى التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة
الأخرى نكص على عقبيه ، والنكوص الاحجام عن الشيء ، والمعنى : رجع وقال : إني أرى
ما لا ترون ، وفيه وجوه الأول : انه روحاني ، فرأى الملائكة فخافهم . قيل : رأى جبريل

١٨٢
قوله تعالى ((إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)) الآية الانفال
إِذْ يَقُولُ الْمُنَنفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَإِنَّ اللَّهَ عَنِزُحَكِيمٌ ®
يمشي بين يدى النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل : رأى ألفا من الملائكة مردفين . الثاني :
أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام ، فعلم انه لو وقف لنزلت عليه
بلية .
ثم قال ﴿ إني أخاف الله﴾ قال قتادة صدق في قوله ( إني أرى ما لا ترون) وكذّب في قوله
( إني أخاف الله) وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف ان يكون الوقت الذى أنظر اليه
قد حضر فقال : ما قال اشفاقا على نفسه .
أما قوله ﴿والله شديد العقاب ﴾ فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس ، ويجوز ان
ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله .
ثم قال تعالى بعده ﴿ والله شديد العقاب ﴾
قوله تعالى ﴿ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على
الله فان الله عزيز حكيم ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ إنما لم تدخل الواو في قوله ( إذ يقول ) ودخلت في قوله ( وإذ زین
لهم ) لأن قوله ( وإذزين ) عطف على هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطرا ورثاء ، وأما هنا
وهو قوله ( إذ يقول المنافقون ) فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع
عما قبله ، وعامل الاعراب في ( إذ) فيه وجهان : الأول : التقدير والله شديد العقاب إذ يقول
المنافقون والثاني : اذكروا إذ يقول المنافقون .
﴿ المسألة الثانية) أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج ؛ وأما الذين في قلوبهم
مرض فهم قوم من قريش اسلموا وما قوى إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا ، ثم إن قريشا لما
خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أولئك نخرج مع قومنا فان كان محمد في
كثرة خرجنا اليه ، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا . قال محمد بن إسحق : ثم قتل هؤلاء جميعا
مع المشركين يوم بدر وقوله ( غر هؤلاء دينهم ) قال ابن عباس : معناه انه خرج بثلثمائة وثلاثة
:

قوله تعالى: (( ولو ترى إذ ترى إذ يتوفى الذين كفروا)) الآية سورة الأنفال ١٨٣
وَلَوْ تَرَّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَكُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ
عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الَّ لَيْسَ بِظٍَّ لِّلْعَبِدِ
٥١
عشر يقاتلون ألف رجل ، وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم . وقيل المراد : إن هؤلاء
يسعون في قتل أنفسهم رجاء ان يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل .
ثم قال تعالى ﴿ومن يتوكل على الله فان الله عزيز حكيم﴾ أى ومن يسلم أمره الى الله
ويثق بفضله ويعول على إحسان الله ، فان الله حافظه وناصره ، لأنه عزيز لا يغلبه شيء ،
حكيم يوصل العذاب الى أعدائه والرحمة والثواب الى أوليائه :
قوله تعالى ﴿ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا
عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾
اعلم انه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب الذى يصل
اليهم في ذلك الوقت ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحده (إذ تتوفى) بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة
والجمع ، والباقون بالياء على المعنى .
﴿ المسألة الثانية) جواب (لو) محذوف. والتقدير: لرأيت منظرا هائلا، وأمرا
فظيعا ، وعذابا شديدا .
﴿المسألة الثالثة﴾ (ولو ترى) ولو عاينت وشاهدت لأن لو ترد المضارع الى الماضي أو
الماضي الى المضارع .
المسألة الرابعة ﴾ الملائكة رفعها بالفعل ، ويضربون حال منهم ، ويجوز ان يكون في
قوله ( يتوفى ) ضمير لله تعالى ، والملائكة مرفوعة بالابتداء ويضربون خبر .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الواحدى : معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم على
استيفائها وهذا يدل على أن الانسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وأنه هو الروح فقط ، لأن قوله

١٨٤
قوله تعالى ((ذلك بما قدمت ايديكم)) الآية سورة الأنفال
( يتوفى الذين كفروا) يدل على أنه استوفى الذات الكافرة ، وذلك يدل على أن الذات الكافرة
هي التي استوفيت من هذا الجسد ، وهذا برهان ظاهر على ان الانسان شيء مغاير لهذا
الجسد ، فقوله ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا
بوجوههم الى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم الله
بمثله في وقت نزع الروح ، وأقول فيه معنى آخر الطف منه ، وهو أن روح الكافر إذا خرج من
جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة ، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا
الظلمات ، وهو لشدة حبه للجسمانيات ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنه إلا الآلام
الحسرات ، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات ، وبسبب إقباله
على الآخرة مع عدم النور والمعرفة ينتقل من ظلمات الى ظلمات ، فهاتان الجهتان هما المراد من
قوله ( يضربون وجوههم وأدبارهم )
ثم قال تعالى ﴿ وذوقوا عذاب الحريق ) وفيه إضمار ، والتقدير: ونقول ذوقوا عذاب
الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسمعيل ربنا
تقبل منا) أى ويقولان ربنا ، وكذا قوله تعالى ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند
ربهم ربنا أبصرنا) أى يقولون ربنا . قال ابن عباس : قول الملائكة لهم (وذوقوا عذاب
الحريق ) إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقاطع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الاجزاء
والأبعاض ، فذك قوله ( وذوقوا عذاب الحريق ) قال الواحدى : والصحيح ان هذا تقوله
الملائكة لهم في الآخرة . وأقول : أما العذاب الجسماني فحق وصدق ، وأما الروحاني فحق
أيضا لدلالة العقل عليه ، وذلك لأنا بينا ان الجاهل اذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد
بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة ، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف
والحزن ، والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية ، والنار الروحانية .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ قيل هذا إخبار عن قول الملائكة ، وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدى: يجوز ان يقال ذلك مبتدأ ، وخبره قوله ( بما قدمت
ايديكم ) ويجوز ان يكون محل ذلك نصبا ، والتقدير : فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من قوله (ذلك) هذا أى هذا العذاب الذى هو عذاب
الحريق ، حصل بسبب ما قدمت أيديكم ، وذكرنا في قوله ( الم ذلك الكتاب ) أن معناه هذا
الكتاب وهذا المعنى جائز .

١٨٥
قوله تعالى ((ذلك بما قدمت ايديكم)) الآية سورة الأنفال )
المسألة الثالثة ﴾ ظاهر قوله ( ذلك بما قدمت) يقتضي ان فاعل هذا الفعل هو اليد ،
وذلك ممتنع من وجوه . أحدها : ان هذا العذاب انما وصل اليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر
هو القلب لا اليد . ان اليد ليست محلا للمعرفة والعلم ، فلا يتوجه التكليف عليها ، فلا يمكن
إيصال العذاب اليها ، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة ، وسبب هذا المجاز ان اليد آلة العمل
والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة .
واعلم ان التحقيق ان الانسان جوهر واحد وهو الفعال وهو الدراك وهو المؤمن وهو
الكافر وهو المطيع والعاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في
الظاهر الى الآلة ، وهو في الحقيقة مضاف الى جوهر ذات الانسان .
المسألة الرابعة ) قوله ( بما قدمت أيديكم ) يقتضي ان ذلك العقاب كالأمر المتولد من
الفعل الذى صدر عنه ، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها
الانسان ، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الانسان ، فكان هذا الكلام مطابقا
للمعقول .
ثم قال تعالى ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ في محل ان وجهان: أحدهما : النصب بنزع الخافض يعني بأن
الله: والثاني : أنك إن جعلت قوله ( ذلك ) في موضع رفع جعلت ان في موضع رفع أيضا .
بمعنى وذلك ان الله قال الكسائي ولو كسرت ألف ان على الابتداء كان صوابا ، وعلى هذا
التقدير : يكون هذا كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله .
﴿ المسألة الثانية) قالت المعتزلة: لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه
لكان ظالما ، وأيضا قوله تعالى ( ذلك بما قدمت أيديكم وان الله ليس بظلام للعبيد) يدل على
انه تعالى إنما لم يكن ظالما بهذا العذاب ، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدل.
على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالما في هذا العذاب ، فلو كان الموجد
للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالما ، وأيضا تدل هذه الآية على كونه قادرا
على الظلم ، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة .
واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران ، فلا فائدة في
الاعادة . والله أعلم .

١٨٦
قوله تعالى ((كدأب آل فرعون.)) الآية سورة الأنفال
كَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنُ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُذُنُوِهِمْ إِذَّ
اللَّ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَلْيَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةٌ أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ خَّى
يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (﴿ كَذَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِغَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكَئُهُمْ بِذُنُوِهِمْ وَأَغْرَقْنَاَ ءَ الَ فِرْعَوْنٌ
وَكُلُّ كَانُواْ ظَلِلِينَ
قوله تعالى ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم
إن الله قوى شديد العقاب . ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم وان الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم
بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلا وآجلا كما
شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل . فقال ( كدأب آل فرعون ) والمعنى :
عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم . فجوزى هؤلاء بالقتل والسبى كما جوزى
أولئك بالاغراق وأصل الدأب في اللغة ادامة العمل يقال : فلان يدأب في كذا، أى يداوم
عليه ويوظب ويتعب نفسه ، ثم سميت العادة دأبا لأن الاسسان مداوم على عادته ومواظب
عليها .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله قوى شديد العقاب ) والغرض منه التنبيه على أن لهم عذابا
مدخرا سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل ، ثم ذكر ما يجرى مجرى العلة في العقاب الذى
انزله بهم ، فقال ( ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله ( لم يك ) أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون . لأنها لم

١٨٧
قوله تعالى ((ذلك بأن الله لم يك)) الآية سورة الأنفال
تشبه الغنة المحضة ، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفا ، فحذفت تشبيها لها كما تقول لم
يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدى : وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف
النون ههنا .
وأجاب على بن عيسى عنه : فقال ان كان ويكون أم الافعال من أجل ان كل فعل قد
حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب . ويضرب معناه يكون ضرب ، وهكذا
القول في الكل فثبت ان هذه الكلمة أم الافعال . فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات ،
فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن ، فانه لا حاجة الى ذكرها كثيرا فظهر
الفرق . والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضي : معنى الآية انه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة
وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر ، فاذا
صرفوا هذه الأحوال الى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم
استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء
أحدا بالعذاب والمضرة ، والذى يفعله لا يكون الاجزاء على معاص سلفت ، ولو كان تعالى
خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما صح ذلك ، قال أصحابنا :
ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي : الامام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى
معللة بفعل الانسان ، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وارادته لما كان لا يحصل إلا عند اتیان
الإنسان بذلك الفعل ، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك
الارادة ، فحينئذ يكون فعل الانسان مؤثرا في حدوث صفة في ذات الله تعالى ؛ ويكون
الانسان مغيرا صفة الله ومؤثرا فيها ، وذلك محال في بديهة العقل ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا
الكلام على ظاهره ، بل الحق ان صفة الله غالبة على صفات المحدثات ، فلولا حكمه وقضاؤه
أولا لما أمكن للعبد ان يأتي بشيء من الأفعال والأقوال.
﴿المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى (کداب آل فرعون) ذكروا فيه
وجوها كثيرة: الأول: ان الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الكلام
الأول فيه. ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل . والثاني : أنه أريد بالأول
ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت ، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة . الثالث : أن
الكلام الأول هو قوله ( كفروا بآيات الله) والكلام الثاني هو قوله ( كذبوا بآيات ربهم ) فالأول
إشارة الى أنهم أنكروا الدلائل الالهية ، والثاني اشارة الى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم

١٨٨
قوله تعالى ((إن شر الدواب عند الله)) الآية سورة الأنفال
إِنَّ ثَّالَّوَآتِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢﴾ الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ
ثُمَّيَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَ يَتَّقُونَ
بالوجوه الكثيرة ، فانكروا دلائل التربية والاحسان مع كثرتها وتواليها عليهم ، فكان الأثر
اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الاهلاك والاغراق ، وذلك يدل على أن
لكفران النعمة أثرا عظيما في حصول الهلاك والبوار ، ثم ختم تعالى الكلام بقوله ( وکل کانوا
ظالمين) والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية ، وظالمي سائر الناس بسبب
الايذاء والإيجاش وأن الله تعالى إنما هلكهم بسبب ظلمهم ، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك
الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم ، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا
أنت ، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم
/ قوله تعالى ﴿ إن شر الدواب عند الله ﴾ الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم
ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ﴾
اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله ( وكل كانوا ظالمين ) أفرد بعضهم بمزية في الشر
والعناد . فقال ( إن شر الدواب عند الله) أى في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان .
الصفة الأولى ﴾ الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه لا يتغير عنه
البتة .
الصفة الثانية ) أن يكون ناقضا للعهد على الدوام فقوله ( الذين عاهدت منهم)
بدل من قوله ( الذين كفروا) أى الذين عاهدت من الذين كفروا وهم شر الدواب وقوله
( منهم ) للتبعيض فان المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم وقوله ( ثم ينقضون عهدهم في كل مرة )
قال أهل المعاني إنما عطف المستقبل على الماضي ، لبيان ان من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة .
قال ابن عباس : هم قريظة فانهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه
المشركين بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم
الخندق ، وقوله ( وهم لا يتقون ) معناه أن عادة من رجع الى عقل وحزم أن يتقي نقض العهد
حتى يسكن الناس الى قوله ويثقوا بكلامه ، فبين تعالى ان من جمع بين الكفر الدائم وبين نقض
العهد على هذا الوجه كان شر الدواب .
ء

١٨٩
قوله تعالى ((فإما تثقفنهم في الحرب)) الآية سورة الأنفال
وَإِمَّ تَخَافَنَّ
فَإِمَّ ◌َثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ بَذَّ كُونَ }
٥٧
مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَأَنْبِذٍ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ الََّ لَا يُحِبُّ الْخَآَ يِنِينَ
٥٨
قوله تعالى ﴿ فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من
قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ﴾
اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله الى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها قوله ( وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ومنها قوله ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) وتارة
يرشد الى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم
في كل مرة، بين ما يجب ان يعاملوا به فقال (فاما تثقفنهم في الحرب) قال الليث: يقال: ثقفنا
فلانا في موضع كذا، أي أخذناه وظفرنا به، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب.
يقال: شرد يشرد شرودا، وشرده تشريدا، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار
الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلا يفرق بهم من خلفهم. قال عطاء: تثخن فيهم القتل
حتى يخافك غيرهم، وقيل: نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد (لعلهم يذكرون)
أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد، وقرأ ابن مسعود
فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر، وقرأ أبو حيوة من خلفهم،
والمعنى: فشرد تشريدا متلبسا بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني،
فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك
الوقت .
وأما قوله (وإما تخافن من قوم خيانة) يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثا بأمارات ظاهرة
. (فانتِذْ اليهم) فاطرح اليهم العهد على طريق مستو ظاهر، وذلك ان تظهر لهم نبذ العهد
وتخبرهم أخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهم
بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك (إن الله لا يحب الخائنين) في العهود وحاصل الكلام في
هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره ان يتباعد على أقصى
الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه. قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فاما
ان تظهر ظهورا محتملا، أو ظهورا مقطوعا به، فان كان الأول وجب الاعلام على ما هو مذكور
في هذه الآية، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن
معه من المشركين الى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به

١٩٠
قوله تعالى ((ولا يحسبن الذين كفروا)) الآية سورة الأنفال
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجُونَ
وبأصحابه فههنا يجب على الامام ان ينبذ اليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا
ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فههنا لا حاجة الى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة
فانهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل اليهم جيش
رسول الله بمر الظهران، وذلك على اربعة فراسخ من مكة. والله تعالى أعلم بالصواب واليه
المرجع والمآب .
قوله تعالى ﴿ ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب
ويتمكن منه وذكر أيضا ما يجب ان يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد ، بين أيضا حال من فاته
في يوم بدر وغيره ، لئلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة
والسلام مبلغا عظيما فقال ( لا تحسبن الذين كفروا سبقوا) والمعنى : أنهم لما سبقوا فقد فاتوك
ولم تقدر على انزال ما يستحقونه بهم ، ثم ههنا قولان : الأول : أن المراد ولا تحسبن انهم
انفلتوا منك ، فإن الله يظفرك بعيرهم . والثاني : لا تحسبن انهم لما تخلصوا من الاسر والقتل
انهم قد تخلصوا من عقاب الله ومن عذاب الآخرة ( إنهم لا يعجزون ) أى أنهم بهذا السبق لا
يعجزون الله من الانتقام منهم والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته ولم يتمكن من التشفي
والانتقام منه .
﴿المسألة الثانية) قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ((لا يحسبن)) بالياء المنقطة من
تحت ، وفي تصحيحه ثلاثة أوجه : الأول : قال الزجاج : ولا يحسبن الذين كفروا ان
يسبقونا ، لأنها في حرف ابن مسعود أنهم سبقونا فاذا كان الأمر كذلك فهي بمنزلة قولك حسبت
ان أقوم ، وحسبت أقوم وحذف أن كثير في القرآن قال تعالى ( قل أفغير الله تأمروني أعبد )
والمعنى: أن أعبد الثاني: أن نضمر فاعلا للحسبان ونجعل الذين كفروا المفعول الأول،
والتقدير: ولا يحسبن أحد الذين كفروا. والثالث: قال أبو علي: ويجوز أيضا ان يضمر
المفعول الأول، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا انفسهم سبقوا أو إياهم سبقوا، وأما أكثر
القراء فقرؤا (ولا تحسبن) بالتاء المنقطة من وقف على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والذين
كفروا والمفعول الأول وسبقوا المفعول الثاني وموضعه نصل والمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا
سابقين .

١٩١
قوله تعالى ((واعدوا لهم ما استطعتم)) سورة الأنفال
وَأَعِدُواْلَهُمْ مَّاسْتَطَعْتُم مِّنْ قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّاللّهِ وَعَدُوَّكُرْ
وَانَرِينَ مِنْ دُوِمْ لَ تَعْلَمُنَهُ اللهُ يَعْلُهُمْ وَمَا تُتْفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فِي سَبِيلِ الهِ يُوَفَّ
إِلَيْكُرْ وَأَنْتُمْ لَا تُظُونَ
﴿ المسألة الثالثة﴾ أكثر القراء على كسر (إن) في قوله ( أنهم لا يعجزن ) وهو الوجه
لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول كقوله ( أم حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ) وتم
الكلام ثم قال ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ فكما ان قوله (ساء ما يحكمون) منقطع من الجملة التي
قبلها ، كذلك قوله ( إنهم لا يعجزون ) وقرأ ابن عامر ( أنهم ) بفتح الألف، وجعله متعلقا
بالجملة الأولى ، وفيه وجهان : الأول : التقدير لا تحسبنهم سبقوا ، لأنهم لا يفوتون فهم
يجزون على كفرهم . الثاني : قال أبو عبيد : يجعل ( لا) صلة ، والتقدير : لا تحسبن أنهم
يعجزون .
قوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف
اليكم وأنتم لا تظلمون ﴾
اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله ان يشرد من صدر منه نقض العهد ، وأن ينبذ العهد
الى من خاف منه النقض ، أمره في هذه الآية بالاعداد لهؤلاء الكفار . قيل : إنه لما اتفق
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر ان قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله
أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة ، والمراد بالقوة ههنا : ما
يكون سببا لحصول القوة وذكروا فيه وجوها : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة .
الثاني: روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال ((ألا إن القوة الرمى)) قالها
ثلاثا . الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون . الرابع : قال أصحاب المعاني الأولى ان
يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من
جملة القوة. وقوله عليه الصلاة والسلام ((القوة هي الرمى)) لا ينفي كون غير الرمى معتبرا ،
كما أن قوله عليه الصلاة والسلام ((الحج عرفة والندم توبة)) لا ينفي اعتبار غيره ، بل يدل على
أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا ، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد

١٩٢
قوله تعالى ((وآخرين من دونهم.)) الآية سورة الأنفال
بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمى فريضة ، إلا أنه من فروض الكفايات ، . وقوله
( ومن رباط الخيل ) الرباط المرابطة أو جمع ربيط ، كفصال وفصيل ، ولا شك أن ربط الخيل
من أقوى آلات الجهاد . روى ان رجلاً قال لابن سيرين : إن فلانا أوصى بثلث ماله
للحصون . فقال ابن سيرين : يشترى به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها ، فقال
الرجل إنما أوصى للحصون ، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر :
إن الحصون الخيل لا مدر القرى
ولقد علمت على تجنبى الردى
قال عكرمة : ومن رباط الخيل الاناث وهو قول الفراء ووجه هذا القول ان العرب
تسمي الخيل اذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطا واحدها ربيط ، ويجمع ربط على رباط وهو جمع
الجمع ، فمعنى الرباط ههنا ، الخيل المربوط في سبيل الله ، وفسر بالأناث لأنها أولى ما يربط
لتناسلها ونمائها بأولادها ، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول ، هذا ما ذكره الواحدى .
ولقائل أن يقول : بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى ، لأن المقصود من رباط الخيل
المحاربة عليها ، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو ، فكانت المحاربة عليها
أسهل ، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها ، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل
اللفظ على مفهومه الأصلي ، وهو كونه خيلا مربوطا ، سواء كان من الفحول أو من الأناث ،
ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر باعداد هذه الأشياء . فقال ( ترهبون به عدو الله وعدوكم )
وذلك ان الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع
الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أمورا كثيرة . أولها : أنهم لا يقصدون دخول
دار الاسلام . وثانيها : أنه اذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية . وثالثها :
أنه ربما صار ذلك داعيا لهم الى الايمان . ورابعها : أنهم لا يعينون سائر الكفار . وخامسها :
أن يصير ذلك سببا لمزيد الزينة في دار الاسلام .
ثم قال تعالى ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴾ والمراد ان تكثير آلات
الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء ، كذلك يرهب الأعداء الذين لا
نعلم أنهم أعداء . ثم فيه وجوه : الأول : وهو الأصح أنهم هم المنافقون ، والمعنى : أن
تكثير أسباب الغزوكما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين .
فان قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الارهاب ؟
قلنا : هذا الارهاب من وجهين : الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم
وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين ، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر

١٩٣
قوله تعالى ((وان جنحوا للسلم.)) الآية سورة الأنفال
وَإِن جَنَحُوْ لِلَّلِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الَهِ إِنَّهُ هُوَ الَمِيعُ الْعَلِيمُ
٦١
في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الايمان ، والثاني : ان المنافق من عادته أن يتربص
ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الافساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في
غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة .
والقول الثاني ﴾ في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال : المراد
كفار الجن. روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله
يعلمهم) فقال إنهم الجن. ثم قال ((إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق)) وقال
الحسن : صهيل الفرس يرهب الجن ، وهذا القول مشكل ، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل
تأثيره في إرهاب الجن .
﴿ والقول الثالث ) أن المسلم كما يعاديه الكافر ، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضا ،
فاذا كان قوى الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، فكذلك يخافه كل من يعاديه
مسلما كان أو كافرا .
ثم إنه قال تعالى ﴿وما تنفقوا من شيء في سبيل اللّه﴾ وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه
الخيرات ( يوف اليكم ) قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، أى لا يضيع في الآخرة أجره :
ويعجل الله عوضه في الدنيا ( وأنتم لا تظلمون ) أى لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن
عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى ( آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا )
قوله تعالى ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ﴾
واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار ، بين بعده أنهم عند الارهاب
إذا جنحوا أى مالوا الى الصلح ، فالحكم قبول الصلح . قال النضر: جنح الرجل الى فلان ،
وأجنح له إذا تابعه وخضع له ، والمعنى : إن مالوا الى الصلح فمل اليه وأنث الهاء في لها ، لأنه
قصد بها قصد الفعلة والجنحة ، كقوله ( إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) أراد من بعد
فعلتهم ، قال صاحب الكشاف: السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب . قال الشاعر :
والحرب تكفيك من أنفاسها جرع
السلم تأخذ منها ما رضيت به
وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين ، والباقون بالفتح وهما لغتان : قال قتادة
هذه الآية منسوخة بقوله ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله ( قاتلوا الذين لا يؤمنون
ء
الفخر الرازي ج١٥ م١٣
٠٠

١٩٤
قوله تعالى ((وان يريدوا أن يخدعوك)) الآية سورة الأنفال
وَإِن يُرِيدُ واْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِىّ أَبَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ (0)
وَأَفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ بَيِعًامَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَلَكِنَّ
اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِءٌ حَكِيمٌ ﴾
بالله ) وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه ، فاذا
رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ، وان كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم
للمسلمين عشرسنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانه هادن
أهل مكة عشرّسنين ، ثم انهم نقضوا العهد قبل كمال المدة .
أما قوله تعالى ﴿وتوكل على الله﴾ فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم الى الله ليكون
عونا لك على السلامة ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء ، ولذلك قال
( إنه هو السميع العليم ) تنبيها بذلك على الزجر عن نقض الصلح ، لأنه عالم بما يضمره
العباد ، وسامع لما يقولون . قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير . وورودها فيهم لا يمنع
من إجرائها على ظاهر عمومها . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وان يريدوا ان يخدعوك فان حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين
وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه
عزيز حكيم ﴾
اعلم انه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح . ذكر في هذه الآية حكما من أحكام
الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة ، وجب قبول ذلك الصلح ، لأن الحكم يبنى
على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان ، فلما بنينا أمر الايمان عن الظاهر لا
عن الباطن ، فههنا أولى ولذلك قال ( وان یریدوا ) المراد من تقدم ذكره في قوله ( وإن جنحوا
للسلم )
فان قيل : أليس قال ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم ) أى أظهر نقض ذلك
العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية ؟
قلنا : قوله ( واما تخافن من قوم خيانة ) محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية

١٩٥
قوله تعالى ((والف بين قلوبهم)) الآية سورة الأنفال
دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم
تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات
على المسالمة وترك المنازعة ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك ، قال ( فان حسبك الله ) أى فالله
يكفيك ، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني ، وهذا حسبي . هو الذى أيدك بنصره . قال
المفسرون : يريد قواك وأعانك بنصره يوم بدر ، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه
السلام من أول حياته الى آخر وقت وفاته ، ساعة فساعة . كان أمرا الهيا وتدبيرا علويا ، وما
كان لكسب الخلق فيه مدخل ، ثم قال ( وبالمؤمنين ) قال ابن عباس : يعني الأنصار .
فان قيل : لما قال ( هو الذى أيدك بنصره ) فأى حاجة مع نصره الى المؤمنين ، حتى قال
( وبالمؤمنين )
قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما : ما يحصل من غير واسطة
أسباب معلومة معتادة . والثاني : ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة . فالأول : هو
المراد من قوله أيدك بنصره . والثاني : هو المراد من قوله ( وبالمؤمنين ) ثم إنه تعالى بين أنه كيف
أيده بالمؤمنين . فقال ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم
ولكن الله ألف بينهم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم
عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثاره ، ثم إنهم انقلبوا عن
تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا ، وعادوا
أعوانا ، وقيل : هم الأوس والخزرج ، فان الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة ،
ثم زالت الضغائن وحصلت الألفة والمحبة ، فازالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة
القوية والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى ، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد
والارادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى ، وذلك لأن تلك الألفة والمودة والمحبة الشديدة
إنما حصلت بسبب الايمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام . فلو كان الايمان فعلا للعبد
لا فعلا لله تعالى ، لكانت المحبة المرتبة عليه فعلا للعبد لا فعلا لله تعالى ، وذلك على خلاف
صريح الآية . قال القاضي : لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة ، لما حصلت هذه الأحوال ،
فأضيفت تلك المخالصة الى الله تعالى على هذا التأويل ، ونظيره انه يضاف علم الولد وأدبه الى
٠

١٩٦
قوله تعالى ((لو انفقت ما في الأرض.)) الآية سورة الأنفال
أبيه ، لأجل انه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته فكذا ههنا .
والجواب : كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز ، وأيضا كل هذه
الالطاف كانت حاصلة في حق الكفار ، مثل حصولها في حق المؤمنين ، فلو لم يحصل هناك
شيء سوى الالطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة ، وأيضا فالبرهان العقلي مقو
لظاهر هذه الآية ، وذلك لأن القلب يصح ان يصير موصوفا بالرغبة بدلا عن النفرة
وبالعكس ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا بد له من مرجح ، فان كان ذلك المرجح هو
العبد عاد التقسيم ، وان كان هو الله تعالى ، فهو المقصود ، فعلم ان صريح هذه الآية متأكد
بصريح البرهان العقلي فلا حاجة الى ما ذكره القاضي في هذا الباب .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ دلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الاسلام ومتابعة
الرسول في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على
البعض ، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر . زالت الخصومات ، وارتفعت الخشونات ،
وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة .
واعلم ان التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير
وكمال ، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص . فمتى كان هذا التصور حاصلا كانت
المحبة حاصلة . ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء ، كانت النفرة حاصلة ، ثم إن الخيرات
والكمالات على قسمين : أحدهما : الخيرات والكمالات الباقية الدائمة ، المبرأة عن جهات
التغيير والتبديل ، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الالهية . والثاني : وهو
الكمالات المتبدلة المتغيرة ، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية ، فانها سريعة التغيير
والتبدل ، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال ، فالانسان يتصور أن له في صحبة زيد مالا عظيما
فيحبه ، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه ، ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما
حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مرارا لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله ،
والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية ، وهذان الأمر ان مستعدان للتغير
والانتقال ، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين بل كانتا
سريعتي الزوال والانتقال .
إذا عرفت هذا فنقول : الموجب للمحبة والمودة ، إن كان طلب الخيرات الدنيوية
والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال ، لأجل ان المحبة تابعة لتصور
الكمال ، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال ، فاذا كان ذلك الكمال سريع الزوال

١٩٧
قوله تعالى (( يا ايها النبي حسبك.)) الآية سورة الأنفال
يَأْيُهَا الَُّّ حَرْضِ
يَأَيُّهَا الَِّىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (@)
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُرْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِنْتَيْنِ وَإِن يَكُن
مِّنْكُم مِّنَةٌ يَغْلُواْ أَلْفَامِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
٦٥
والانتقال ، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال ، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور
الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال ، كانت تلك المحبة أيضا باقية آمنة من التغير ،
لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى ( الأخلاء
يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )
إذا عرفت هذا فنقول : العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين المال والجاه والمفاخرة ،
وكانت محبتهم معللة بهذه العلة ، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال ، وكانوا بأدنى
سبب يقعون في الحروب والفتن ، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله
تعالى والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة ، زالت الخصومة والخشونة عنهم . وعادوا
إخوانا متوافقين ، ثم بعد وفاته عليه السلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا الى طلبها
عادوا إلى محاربة بعضهم بعضا ، ومقاتلة بعضهم مع بعض ، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا
الباب ثم انه تعالى ختم هذه الآية بقوله ( إنه عزيز حكيم ) أى قادر قاهر ، يمكنه التصرف في
القلوب ، ويقلبها من العداوة الى الصداقة ، ومن النفرة الى الرغبة ، حكيم بفعل ما يفعله على
وجه الاحكام والاتقان . أو مطابقا للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر .
.. ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين يا أيها النبي حرض المؤمنين
قوله
على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من
الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾
اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر في هذه الآية
مطلقا على جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار ، لأن المعنى في الاية
الأولى ، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم ، والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج اليه في
الدين والدنيا وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله ( ومن اتبعك من
المؤمنين ) الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، نزلت على إسلام عمر ، قال سعيد بن
:

١٩٨
قوله تعالى ((ان يكن منكم عشرون.)) الآية سورة الأنفال
جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر ،
فنزلت هذه الآية . قال المفسرون : فعلى هذا القول هذه الآية مكية ، كتبت في سورة مدنية
بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية قولان : الأول : التقدير : الله كافيك وكافي
أتباعك من المؤمنين ، قال الفراء : الكاف في حسبك خفص و( من ) في موضع نصب
والمعنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك ، قال الشاعر :
فحسبك والضحاك سيف مهند
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا
قال وليس بكثير من كلامهم ان يقولوا حسبك وأخاك ، بل المعتاد ان يقال حسبك
وحسب أخيك . والثاني : أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك اتباعك من المؤمنين . قال الفراء
وهذا أحسن الوجهین ، ای ویمکن أن ینصر القول الأول بأن من کان الله ناصره امتنع ان يزداد
حاله او ينقص بسبب نصرة غير الله ، وأيضا إسناد الحكم الى المجموع يوهم ان الواحد من
ذلك المجموع لا يكتفي في حصول ذلك المهم . وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل
من الله ، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة ، ومنها ما يحصل
بناء على الأسباب المألوفة المعتادة . فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين ، ثم بين أنه تعالى وإن كان
يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين ، فليس من الواجب ان تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض
المؤمنين على القتال فانه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في
المجاهدة . فقال ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) والتحريض في اللغة كالتحضيض
وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجها آخر بعيدا ، فقال : التحريض في اللغة
ان يحث الانسان غيره على شيء حثا يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضا ، والحارض الذى
قارب الهلاك ، أشار بهذا الى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه
وسلم ، كانوا حارضين ، أى هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض .
ثم قال ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ وليس المراد منه الخبر بل
المراد الأمر كأنه قال ( إن يكن منكم عشرون ) فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى ( يغلبوا
مائتين ) والذى يدل على انه ليس المراد من هذا الكلام الخبروله وجوه: الأول: لو كان المراد منه
الخبر ، لزم أن يقال : إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم انه
باطل . الثاني : أنه قال ( الآن خفف الله عنكم ) والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث :
قوله من بعد ( والله مع الصابرين ) وذلك ترغيبا في الثبات والجهاد ، فثبت ان المراد من هذا
الكلام هو الأمر وإن كان واردا بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى ( والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين . والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) وفيه مسائل :

١٩٩
قوله تعالى ((وان يكن منكم مائة.)) الآية سورة الأنفال
﴿المسألة الأولى﴾ قوله (إن يكن منكم عشرون صابرون) يدل على أنه تعالى ما
أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابرا قاهرا على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول
أشياء ، منها : أن يكون شديد الأعضاء قويا جلدا . ومنها : أن يكون قوى القلب شجاعا
غير جبان ، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزا الى فئة ، فان الله استثنى هاتين
الحالتين في الايات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة .
واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى ( حسبك الله ومن اتبعك من
المؤمنين ) فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا لأن من تكفل الله بنصره فان
أهل العالم لا يقدرون على إيذائه .
﴿ المسألة الثانية) قوله (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم
مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا) حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة ، فما الفائدة في
العدول عن هذه اللفظة الوجيزة الى تلك الكلمات الطويلة ؟
وجوابه ان هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول الله يبعث السرايا ،
والغالب ان تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا
المعنى ذكر الله هذين العددين .
﴿ المسألة الثالثة) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر (ان تكن ) بالتاء ، وكذلك الذى بعده
( وان تكن منكم مائة صابرة ) وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما .
﴿ المسألة الرابعة) أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله ( بأنهم قوم لا
يفقهون ) وتقرير هذا الكلام من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فان غاية السعادة والبهجة
عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية ، ومن كان هذا معتقده فانه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها
للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة
فانه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت اليها ولا يقيم لها وزنا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوى
وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من
الباب الأول .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون يستعينون
بربهم بالدعاء والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى .

٢٠٠
قوله تعالى ((الآن خفف الله عنكم)) سورة الأنفال
اَلْفَنَ خَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَ أَنَّ فِكُرْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ
مِ نَتَيْزِ وَإِن يَكُن مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الِّ وَلَّمَعَ الصَّابِرِينَ
٦٦
الوجه الثالث ﴾ وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات ، وهو أن
كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيبا عند الخلق ، ولذلك إذا حضر الرجل العالم
عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء ، فان أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون
ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه ، بل نقول : إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته
وانحرفت عنه ، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيبا ، وأيضا الرجل
الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى ، فانه تقوی أعضاؤه وتشتد جوارحه ، وربما
قوى عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت .
إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله .
فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر
غيره عليه ، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من
الكافر فان لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادرا وللفرد بعد الفرد . والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة
يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن الله والله مع الصابرين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث العشرة الى وجه المائة،
بعث حمزة في ثلاثين راكبا قبل بدر الى قوم فلقيهم أبو جهل في ثلثمائة راكب وأرادوا قتالهم ،
فمنعهم حمزة وبعث رسول الله عبدالله بن أنيس الى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جامعة،
فابتدر عبد الله وقال يا رسول الله صفه لي، فقال ((إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك
قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فاخرج الیه واقتله)) قال فخرجت نحوه فلما دنوت منه وجدت
القشعريرة فقال لي من الرجل؟ قلت له من العرب سمعت بك وبجمعك، ومشيت معه حتى