Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى ((وإما ينزغنك من الشيطان)) الآية، سورة الأعراف
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ تَزٌْ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ
صفة أهل الجنة ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ) ﴾ إذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت ان
هذه الآية مشتملة على مكارم الاخلاق فيما يتعلق بمعاملة الانسان مع الغير . قال عكرمة : لما
نزلت هذه الآية قال عليه السلام (( يا جبريل ما هذا؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو ان تصل
من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك )) قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق
للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت
بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق رضي
الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه
الآية طريق آخر فقالوا ( خذ العفو وأمر بالعرف) أى ما عفا لك من أموالهم ، أى ما أتوك به
عفوا فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية
وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله ( وأمر بالعرف) أى باظهار الدين الحق ،
وتقرير دلائله ( وأعرض عن الجاهلين ) أى المشركين قالوا : وهذا منسوخ بآية السيف فعلى
هذه الطريقة جميع الآية منسوخة الا قوله ( وأمر بالعرف)
واعلم ان تخصيص قوله ( خذ العفو ) بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضا فهذا
الكلام إذا حملناه على اداء الزكاة لم يكن ايجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافيا لذلك ، لأن
آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكي فلم يكن أیجاب
الزكاة سببا لصيرورة هذه الآية منسوخة .
وأما قوله ( وأعرض عن الجاهلين ) فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن
يصبر على سوء أخلاقهم ، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها ، وليس
فيه دلالة على امتناعه من القتال ، لأنه لا يمتنع ان يؤمر عليه السلام بالاعراض عن الجاهلين مع
الأمر بقتال المشركين فانه ليس من المتناقض ان يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها ؟ ولكن
قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا فحينئذ لا حاجة الى التزام النسخ ، إلا أن الظاهرية
من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة .
قوله تعالى ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم ﴾
وفيه مسائل :

١٠٢
قوله تعالى ((وإما ينزغنك من الشيطان)) الآية سورة الأعراف
المسألة الأولى﴾ قال أبو زيد: لما نزل قوله تعالى ( وأعرض عن الجاهلين ) قال
النبي صلى الله عليه وسلم كيف يا رب والغضب ؟ فنزل قوله ( وإما ينزغنك )
المسألة الثانية ﴾ اعلم ان نزغ الشيطان ، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب بما
يسول للانسان من المعاصي ، عن ابي زيد نزغت بين القوم إذا افسدت ما بينهم ، وقيل النزغ
الازعاج ، وأكثر ما يكون عند الغضب ، وأصله الازعاج بالحركة الى الشر، وتقرير الكلام انه
تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت
عن مقابلته فقال ( وأعرض عن الجاهلين ) ولما كان من المعلوم ان عند إقدام السفيه على
السفاهة يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الانسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد
الشيطان مجالا في حمل ذلك الانسان على ما لا ينبغي ، لا جرم بين تعالى ما يجرى مجرى العلاج
لهذا الغرض فقال ( فاستعذ بالله ) والكلام في تفسير الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على
الاستقصاء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا : لولا انه يجوز
من الرسول الاقدام على المعصية او الذنب ، وإلا لم يقل له ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ
فاستعذ بالله ) والجواب عنه من وجوه : الأول : ان حاصل هذا الكلام انه تعالى قال له : إن
حصل في قلبك من الشيطان نزغ ، كما انه تعالى قال ( لئن اشركت ليحبطن عملك ) ولم يدل
ذلك على انه أشرك . وقال ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ولم يدل ذلك على أنه حصل
فيهما آلهة . الثاني : هب أنا سلمنا ان الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام ، إلا أن هذا لا
يقدح في عصمته ، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول وسوسته ، والآية لا تدل على ذلك .
عن الشعبى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما من إنسان إلا ومعه شيطان)) قالوا
وانت يا رسول الله قال وأنا ولكنه أسلم بعون الله ، فلقد أتاني فأخذت بحلقه ، ولولا دعوة
سليمان لأصبح في المسجد طريحا ، وهذا كالدلالة على ان الشيطان يوسوس الى الرسول صلى الله
عليه وسلم . وقال تعالى ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في
أمنيته ) الثالث: هب أناسلمنا ان الشيطان يوسوس . وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر
وسوسته ، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى ، قال عليه الصلاة والسلام ((وإنه
ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة))
المسألة الرابعة ﴾ الاستعاذة بالله عند هذه الحالة ان يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه
وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين الى الاعراض عن مقتضى الطبع والاقبال على
امر الشرع .

١٠٣
قوله تعالى ((ان الذين اتقوا)) الآية سورة الأعراف
إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَِّفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
وَإِنْخَتُهُمْ يَمُدُونَهُمْ فِ الْغَيّ ثُمَّ لَا يُقْصُرُونَ
﴿ المسألة الخامسة﴾ هذا الخطاب وان خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع
المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذى ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان ،
ولذلك قال تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على
الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) وإذا ثبت بالنص ان لهذه الاستعاذة أثرا في دفع نزغ
الشيطان ، وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال .
﴿ المسألة السادسة) قوله (إنه سميع عليم ) يدل على ان الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا
إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة ، فكأنه تعالى قال اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فاني
سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فاني عليم بما في ضميرك ، وفي الحقيقة القول
اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والاثر .
قوله تعالى ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذاهم مبصرون
واخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم انه تعالى بين في الآية الأولى ان الرسول صلى الله عليه وسلم
قد ينزغه الشيطان وبين ان علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله . ثم بين في هذه الآية ان حال
المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب ، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ
الذى هو كالابتداء في الوسوسة ، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من
الشيطان ، وهذا المس يكون لا محالة أبلغ من النزغ .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طيف) بغير ألف، والباقون
( طائف) بالالف . قال الواحدى رحمه الله : اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد ، وقال ابو زيد
يقال : طاف يطوف طوفا وطوافا إذا أقبل وأدبر . وأطاف يطيف اطافة إذا جعل يستدير بالقوم
ويأتيهم من نواحيهم ، وطاف الخيال يطيف طيفا اذا ألم في المنام . قال ابن الأنبارى : وجائز
ان يكون طيف أصله طيف . إلا أنهم استثقلوا التشديد ، فحذفوا احدى الياءين أبقوا ياء
ساكنة ، فعلى القول الأول هو مصدر ، وعلى ما قاله ابن الأنبارى هو من باب هين وهين وميت
وميت ، ويشهد لصحة قول ابن الأنبارى قراءة سعيد بن جبير ( إذا مسهم طيف) بالتشديد ،

١٠٤
قوله تعالى ((ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان)) الآية سورة الأعراف
هذا هو الأصل في الطيف ، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا ، لأنه لمة من لمة الشيطان
تشبه لمة الخيال. قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن
الغضبان يشبه المجنون. وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف، مثل العافية والعاقبة
ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة. قال الفراء في هذه الآية: الطائف والطيف
سواء، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالانسان، ومنهم من قال: الطيف كالخطرة والطائف
كالخاطر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم ان الغضب انما يهيج بالانسان اذا استقبح من المغضوب عليه
عملا من الأعمال ، ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا ، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزا عن
الدفع ، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة اذا كان واقعا في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا
بظواهر الأمور فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات
كثيرة . أما الاعتقاد الأول : وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه ، فاذا انكشف له انه
إنما أقدم على ذلك العمل ، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة ، ومتى خلق الله فيه تلك
الداعية امتنع منه ان لا يقدم على ذلك العمل ، فاذا تجلى هذا المعنى زال الغضب ، وأيضا فقد
يخطر ببال الانسان ان الله تعالى علم منه هذه الحالة ، ومتى كان كذلك فلا سبيل له الى تركها ،
فعند ذلك يفر غضبه ، واليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام (( من عزف سر الله في القدر
هانت عليه المصائب)) وأما الاعتقاد الثاني والثالث : وهو اعتقاده في نفسه كونه قادرا وكون
المغضوب عليه عاجزا ، فهذان الاعتقادان أيضا فاسدان من وجوه : أحدها : انه يعتقد انهکم
أساء في العمل ، والله كان قادرا عليه ، وهو كان أسيرا في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز
عنه . وثانيها : ان المغضوب عليه كما انه عاجز في يد الغضبان ، فكذلك الغضبان عاجز
بالنسبة الى قدرة الله . وثالثها : ان يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب
والرجوع الى ترك الايذاء ولا يحاش . ورابعها : ان يتذكر انه إذا امضى الغضب وانتقم كان
شريكا للسباع المؤذية والحيات القاتلة . وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكا لأكابر الأنبياء
والأولياء . وخامسها : ان يتذكر انه ربما انقلب ذلك الضعيف قويا قادرا عليه ، فحينئذ ينتقم
منه على أسوأ الوجوه ، أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه اليه ، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى
( إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ) ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة ، والمراد من قوله
( تذكروا ) ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله ( فاذا هم مبصرون )
معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان ،
ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان .

قوله تعالى ((وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها» الآية سورة الاعراف ١٠٥
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِعَايَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنََّ أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِن رَّبِ هَذَا
بَصََبُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
المسألة الرابعة﴾ قوله ( فاذا هم مبصرون ) معنى (إذا) ههنا للمفاجأة ، كقولك
خرجت فاذا زيد وإذا في قوله ( إذا مسهم ) يستدعي جزاء ، كقولك آتيك إذا احمر البسر.
أما قوله تعالى ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في ان الكناية في قوله (وإخوانهم) الى ماذا تعود على
قولين .
﴿ القول الأول﴾ وهو الأظهر ان المعنى: وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في
الغي ، وذلك لأن شياطين الانس إخوان لشياطين الجن ، فشياطين الانس يغوون الناس ،
فيكون ذلك امدادا منهم لشياطين الجن على الاغواء والاضلال .
والقول الثاني ﴾ إن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين ، فان الشياطين
يكونون مددا لهم فيه ، والقولان مبنيان على ان لكل كافر أخا من الشياطين .
﴿ المسألة الثانية) تفسير الامداد تقوية تلك الوسوسة والاقامة عليها وشغل النفس عن
الوقوف على قبائحها ومعيبها .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ نافع (يمدونهم ) بضم الياء وكسر الميم من الامداد ، والباقون
( يمدونهم ) بفتح الياء وضم الميم ، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد ، وقيل مد معناه جذب ، وأمد
معناه من الامداد . قال الواحدى ، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على
أفعلت ، كقوله ( إنما نمدهم به من مال وبنين ) وقوله ( وأمددناهم بفاكهة ) وقوله ( أتمدونن
بمال) وما کان بخلافه فانه مجيء علی مددت قال ( ويمدهم في طغیانہم یعمهون ) فالوجه ههنا
قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله ( فبشرهم بعذاب
أليم ) وقوله ( ثم لا يقصرون ) قال الليث : الاقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد : أقصر
فلان عن الشر يقصر إقصارا إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس : ثم لا يقصرون عن الضلال
والاضلال أما الغاوى ففي الضلال وأما المغوى ففي الاضلال .
قوله تعالى ﴿ وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبع ما يوحى الي من ربي هذا
بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾

١٠٦
قوله تعالى ((وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)) الآية سورة الأعراف
وَإِذَا قُرِئَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُرْ تُرْهُمُونَ
اعلم انه تعالى : لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والانس لا يقصرون في الاغواء
والاضلال بين في هذه الآية نوعا من أنواع الأغواء والاضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات
معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من
الأرض ينبوعا) ثم أعاد : أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم ، فعند ذلك قالوا ( لولا
اجتبيتها ) قال الفراء : تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل
نفسك ، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون ( إن هذا
إلا إفك مفترى ) أو يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا في ان الله يقبل
دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله ان يذكر الجواب الشافي ، وهو قوله ( قل إنما أتبع
ما يوحي الي من ربي ) ومعناه ليس لي ان اقترح على ربي في أمر من الأمور ، وإنما انتظر الوحي
فكل شيء أكرمني به قلته ، والا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ، ثم بين أن عدم الاتيان
بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة
بالغة باهرة ، فاذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب
الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظا ثلاثة : أولها : قوله ( هذا بصائر من
ربكم ) أصل البصيرة الابصار ، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة
والمعاد ، أطلق عليه لفظ البصيرة ، تسمية للسبب باسم المسبب . وثانيها : قوله ( وهدى)
والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها ان الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان : أحدهما :
الذين بلغوا في هذه المعارف الى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين .
والثاني : الذين ما بلغوا الى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا الى درجات المستدلين . وهم أصحاب
علم اليقين ، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم
المقتصدون هدى ، وفي حق عامة المؤمنين رحمة ، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم
قال ( لقوم يؤمنون )
قوله تعالى ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾
اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله ( هذا بصائر من ربكم ) أردفه بقوله ( وإذا
قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ وفي الآية مسائل :

١٠٧
سورة الاعراف
قوله تعالى ((وإذا قرىء القرآن.)) الآية
المسألة الأولى ﴾ الانصات السكوت والاستماع، يقال : نصت، وأنصت،
وانتصت ، بمعنى واحد .
﴿ المسألة الثانية﴾ لا شك ان قوله ( فاستمعوا له وأنصتوا) أمره ، وظاهر الأمر
للوجوب ، فمقتضاه ان يكون الاستماع والسكوت واجبا ، وللناس فيه أقوال :
القول الأول ﴾ وهو قول الحسن . وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على
عمومها ففي اى موضع قرأ الانسان القرآن وجب على كل احد استماعه والسكوت ، فعلى هذا
القول يجب الانصات لعابرى الطريق ، ومعلمي الصبيان .
﴿ والقول الثاني﴾ أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة ، قال أبو هريرة رضي الله
عنه : كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية ، وأمروا بالانصات ، وقال قتادة : كان
الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم ، كم صليتم وكم بقي ؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة
بحوائجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
﴿والقول الثالث﴾ ان الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الامام . قال ابن عباس
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم،
فخلطوا عليه ، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
والقول الرابع ﴾ انها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وهذا قول سعيد بن جبير
ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله ، وكثير من الناس قد استبعد هذا
القول ، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة ، وأقول هذا القول في
غاية البعد . لأن لفظة إذا تفيد الارتباط ولا تفيد التكرار ، والدليل عليه ان الرجل إذا قال
لامرأته إذا دخلت الدار فانت طالق ، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة ، فاذا
دخلت الدار ثانيا لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة ( إذا ) لا تفيد التكرار .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) لا يفيد إلا
وجوب الانصات مرة واحدة ، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة فقد وفينا بموجب
اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة ، سلمنا ان اللفظ يفيد العموم إلا أنا.
نقول بموجب الآية ، وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله : يسكت الامام ، وحينئذ يقرأ المأموم
الفاتحة في حال سكتة الامام كما قال أبو سلمة للامام سكتتان ، فاغتنم القراءة في أيهما شئت ،

١٠٨
قوله تعالى ((وإذا قرىء القرآن.)) الآية سورة الاعراف
وهذا السؤال أورده الواحدى في البسيط .
ولقائل أن يقول : سكوت الامام إما ان تقول : إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات
والأول باطل بالاجماع والثاني يقتضي ان يجوز له أن لا يسكت . فبتقدير: أن لا يسكت يلزم
أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الامام ، وذلك يفضي الى ترك الاستماع ، والى ترك السكوت
عند قراءة الامام ، وذلك على خلاف النص ، وأيضا فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار
مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من اتمام قراءة
الفاتحة في مقدار سكوت الامام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضا فالامام إنما يبقى ساكتا
ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الامام مأموما ، والمأموم إماما ، لأن الامام في
هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك غير جائز ، فثبت ان هذا السؤال الذى أورده
الواحدى غير جائز ، وذكر الواحدى سؤالا ثانيا على التمسك بالآية . فقال : ان الانصات هو
ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتا . وان كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحدا .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى أمره أولا بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع ،
لأن السماع غير ، والاستماع غير ، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع
على الوجه الكامل ، قال تعالى لموسى عليه السلام ( وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) والمراد ما
ذكرناه ، وإذا ثبت هذا وظهر ان الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا ان الأمر بالاستماع
يفيد النهي عن القراءة .
﴿ السؤال الثالث﴾ وهو المعتمد ان نقول: الفقهاء أجمعوا على انه يجوز تخصيص عموم
القرآن بخبر الواحد فهب ان عموم قوله تعالى ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا )
يوجب سكوت المأموم عند قراءة الامام ، إلا ان قوله عليه الصلاة والسلام (( لا صلاة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب)) وقوله (( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) أخص من ذلك العموم ، وثبت ان
تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير الى تخصيص عموم هذه الآية بهذا
الخبر ، وهذا السؤال حسن .
﴿ والسؤال الرابع﴾ ان نقول: مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي انه لا يجوز
للمأموم ان يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية، عملا بمقتضى هذا النص ، ويجب عليه القراءة في
الصلوات السرية ، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة ، وهذا أيضا سؤال حسن ، وفي
الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) خطاب مع
الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطابا مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره ان الله

١٠٩
قوله تعالى ((وإذا قرىء القرآن.)) الآية سورة الأعراف
تعالى حكى قبل هذه الآية ان أقواما من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة ،
فاذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها ، فأمر الله رسوله ان يقول
جوابا عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي ، وليس لي إلا أن انتظر الوحي ، ثم بين
تعالى ان النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الاتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة
النبوة ، لأن القرآن معجزة تامة كافية في اثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله ( هذا
بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) فلو قلنا ان قوله تعالى ( وإذا قرىء القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا ) المراد منه قراءة المأموم خلف الامام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها
تعلق بوجه من الوجوه ، وانقطع النظم ، وحصل فساد الترتيب ، وذلك لا يليق بكلام الله
تعالى ، فوجب ان يكون المراد منه شيئا آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن
بصائر وهدى ورحمة ، من حيث انه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، وكونه
كذلك لا يظهر الا بشرط مخصوص ، وهو ان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على
أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ، ويحيطوا بما فيه من العلوم
الكثيرة ، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزا دالا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيستعينوا
بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات ، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن ( إنه بصائر
وهدى ورحمة ) فثبت أنا اذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن
المفيد ، ولو حملنا الّت على منع المأموم من القراءة خلف الامام فسد النظم واختل الترتيب ،
فثبت ان حمله على ما ذكرناه أولى ، وإذا ثبت هذا ظهر ان قوله ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا
. له) خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزا على
صدق نبوته ، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ، ومما يقوى ان حمل
الآية على ما ذكرناه أولى ، وجوه ؛
الوجه الأول ﴾ أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا
فيه لعلكم تغلبون) فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت ، جتى
يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة الى حد الاعجاز .
﴿ والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى قال قبل هذه الآية ( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة
لقوم يؤمنون) فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم .
ثم قال ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) ولو كان المخاطبون
بقوله ( فاستمعوا له وأنصتوا ) هم المؤمنون لما قال ( لعلكم ترحمون ) لأنه جزم قبل هذه الآية
يكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعا فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة

١١٠
قوله تعالى ((واذكر ربك في نفسك.) الآية سورة الأعراف
وَأَذْكُرُرَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرًُّا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ وَلَا
تَكُن مِّنَ الْغَفِلِينَ
للمؤمنين ؟ أما إذا قلنا : إن المخاطبين بقوله ( فاستمعوا له وأنصتوا) هم الكافرون ، صح
حينئذ قوله (لعلكم ترحمون) لأن المعنى، فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من
دلائل الاعجاز، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين، فثبت أنا لو حملناه على ما قلنا حسن قوله
(لعلكم ترحمون) ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ ((لعل)) فيه. فثبت
أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل
الوجوه، لأنا بينا بالدليل ان هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين، وإنما تناول الكفار في أول زمان
تبليغ الوحي والدعوة .
قوله تعالى ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو
والآصال ولا تكن من الغافلين
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما قال (واذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)
اعلم أن قارئا يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم ان ذلك القارىء
ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدا صلى الله عليه
وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من
تبلیغ الوحي والرسالة ، ثم إنه تعالى أردفذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآ ية بأن یذکر ر به في
نفسه ، والفائدة فيه : أن انتفاع الانسان بالذكر إنما يكمل اذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه
بهذا الشرط أقرب الى الاخلاص والتضرع .
﴿ المسألة الثانية ) أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيدا بقيود .
القيد الأول ﴾ ( واذكر ربك في نفسك) والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفا بمعاني
الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة ، وذلك
لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة . ألا ترى أن الفقهاء
أجمعوا على أن الرجل إذا قال : بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم
منها شيئا ، فانه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام .

١١١
قوله تعالى ((واذكر ربك في نفسك)) الآية سورة الأعراف
الحكم الأول
سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من المريدين
بالخلوة والذكر ، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوما ، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول
التصفية التامة ، يقرأ عليه الاسماء التسعة والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك
عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوى تأثره وعظم شوقه ، فاعرف
ان الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا
طريق حسن لطيف في هذا الباب .
الحكم الثاني
قال المتكلمون : هذه الآية تدل على إثبات کلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن یذکر
ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك .
فان قالوا : لم لا يجوز ان يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة ؟
قلنا : هذا باطل لأن الانسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن
يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله . والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو
محال . والثاني باطل لأن ما لا يكون متصورا ، كان الذهن غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع
كونه طالبا له فثبت انه لا قدرة للانسان على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية
دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايرا للمعرفة
والعلم والتصور ، وذلك هو المطلوب .
الحكم الثالث
أنه تعالى قال ( واذكر ربك في نفسك) ولم يقل : واذكر إلهك ولا سائر الأسماء ، وإنما
سماه في هذا المقام باسم كونه ربا ، وأضاف نفسه اليه ، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة
والتقريب والفضل والاحسان ، والمقصود منه ، أن يصير العبد فرحا مبتهجا عند سماع هذا
الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام
نعم الله عليه ، وبالحقيقة لا يصل عقله الى أقل أقسامها ، كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله
لا تحصوها ) فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله
( تضرعا وخيفة ) عظم الخوف، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف،
وعنده يكمل الايمان على ما قال عليه السلام ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا )) إلا أن
هنا دقيقة ، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف ،

١١٢
قوله تعالى ((ودون الجهر من القول)) الآية سورة الأعراف
فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء ، علمنا أن جانب الرجاء أقوى .
القيد الثاني ﴾ من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع، واليه الاشارة بقوله تعالى
( تضرعا) وهذا القيد معتبر ، ويدل عليه القرآن ، والمعقول . أما القرآن فقوله في سورة
الأنعام ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخيفة ) وأما المعقول : فلأن
كمال حال الانسان إنما يحصل بانكشاف أمرين : أحدهما : عزة الربوبية ، وهذا المقصود إنما
يتم بقوله (واذكر ربك في نفسك ) الثاني بمشاهدة ذلة العبودية وذلك إنما يكمل بقوله ( تضرعا )
فالانتقال من الذكر الى التضرع يشبه النزول من المعراج ، والانتقال من التضرع الى الذكر يشبه
الصعود ، وبهما يتم معراج الارواح القدسية وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها
التضرع ، والخوف، والذكر القلبي يمتنع إنفكاكه عن التضرع والخوف ، فما الفائدة في اعتبار هذا
التضرع والخوف؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الاطلاق ، لأنه ربما
استحكم في عقل الانسان أنه تعالى لا يعاقب أحدا لأن ذلك العقاب إيذاء للغير ، ولا فائدة
للحق فيه . وإذا كان كذلك لا يعذب فاذا اعتقد هذا ، لم يكمل التضرع والخوف . فلهذا
السبب نص الله تعالى على أنه لا بد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين : الأول : خوف
العقاب ، وهو مقام المبتدين . والثاني : خوف الجلال وهو مقام المحققين ، وهذا الخوف ممتنع
الزوال وكل من كان اعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، وأجيب عن هذا
الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين : مكاشفة الجمال ، ومكاشفة الجلال . فاذا كشفوا
بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين .
القيد الثالث ) قوله (وخيفة) وفي قراءة أخرى (وخفية) وقال الزجاج : أصلها
((خوفة)) فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، أقول هذا الخوف يقع على وجوه: أحدها :
خوف التقصير في الأعمال . وثانيها : خوف الخاتمة . والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما
يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول ((جف القلم بما هو
كائن الى يوم القيامة )) وثالثها : خوف اني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصرلها ولا حد بطاعاتي
الناقصة وأذكاري القاصرة . وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : الشكر شرك ، فسألوني
عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره
فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك
أن هذا شرك، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك
يشم فيه رائحة العبودية .
وأما القراءة الثانية : وهو قوله ( وخفية ) فالاخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات

١١٣
قوله تعالى ((ودون الجهر من القول.)) الآية سورة الأعراف
عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة اذا
استكملت أوجبت الغيرة ، فاذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الاخفاء
على قوله عليه السلام (( من عرف الله كل لسانه))
القيد الرابع ﴾ قوله ( ودون الجهر من القول ) والمراد منه أن يقع ذلك الذکر بحيث
يكون متوسطا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين
ذلك سبيلا) وقال عن زكريا عليه السلام ( إذ نادى ربه نداء خفيا) قال ابن عباس : وتفسير
فوله ( ودون الجهر من القول ) المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فان المراد حصول
الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه ، فانه يتأثر الخيال من ذلك
الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوی كل واحد من هذه
الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات
سبيا بمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام الى أنوار مدبر
النور والظلام .
والقيد الخامس ﴾ قوله ( بالغدو والآصال ) وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ في لفظ ((الغدو)) قولان :
القول الأول ﴾ أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدوا غدوا، ومنه قوله تعالى (غدوها
شهر) أي غدوها للسير ثم سمي وقت الغدو غدوا كما يقال: دنا الصباح أي وقته، ودنا المساء
أي وقته .
﴿القول الثاني﴾ أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل الغدوات
وواحد الغدوات غدوة ، وأما ( الآصال ) فقال الفراء : واحدها أصل وواحد الأصل
الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أى عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل
واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم
الثاني ، مسمى آخر النهار أصيلا ، لكونه ملاصقا لما هو الأصل لليوم الثاني .
المسألة الثانية ﴾ خص الغدو والآصال بهذا الذكر، والحكمة فيه أن عند الغدوة
انقلب الانسان من النوم الذى هو كالموت الى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من
الظلمة التي هي طبيعة عدمية الى النور الذى هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر
بالضد لأن الانسان ينقلب فيه من الحياة الى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص الى
الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوى القاهر
الفخر الرازي ج١٥ م٨

١١٤
قوله تعالى ((ان الذین عند ربك.)) الآية
سورة الأعراف
إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ، وَلَهُ, يَسْجُدُونَ
١١٠٠٠٠٠٠٠١٠٠١٠
٦
ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الاله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية . فلهذه
الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين
الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الامكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله
( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه
الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام .
:٠
﴿ والقيد السادس) قوله تعالى (ولا تكن من الغافلين) والمعنى ان قوله (بالغدو
والآصال ) دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلا في كل الأوقات وقوله (ولا تكن من
الغافلين ) يدل على ان الذكر القلبي يجب أن يكون دائما ، وأن لا يغفل الانسان لحظة واحدة
عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الانسانية ، وتحقيق القول ، ان
بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر الى
البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج الى الروح ، ألا ترى ان الانسان إذا
تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار
تنزل من الروح الى البدن ، وأيضا إذا واظب الانسان على عمل من الأعمال وكرر مرات
وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن الى النفس .
إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه ، حصل أثر من
ذلك الذکر اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الاثر الخيالي مزید أنوار وجلايا الى جوهر
الروح ، ثم تنعكس من تلك الاشراقات الروحانية آثار زائدة الى اللسان ومنه الى الخيال ، ثم
مرة أخرى الى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه الانوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى
بعضها ببعض ويستكمل بعضها ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم السفر
العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا نهاية له .
واعلم أن قوله تعالى ( واذكر ربك في نفسك ) وإن كان ظاهره خطابا مع النبي عليه
السلام ، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب
استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة ( وما منا إلا له مقام معلوم )
قوله تعالى ﴿ إن الذین عند ربك لا یستکبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ﴾

١١٥
قوله تعالى ((ان الذين عند ربك)) الآية سورة الاعراف
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوى
دواعيه في ذلك فقال ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) والمعنى : أن الملائكة مع
نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث
الحق والحسد ، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالانسان مع
كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدا للذات البشرية والبواعث الانسانية أولى
بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حيا ) وقال لمحمد عليه السلام ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )
﴿ المسألة الثانية ) المشبهة تمسكوا بقوله (ان الذين عند ربك) وقالوا لفظ (عند)
مشعر بالمكان والجهة .
وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله( ثم
استوى على العرش ) على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلا في المكان والجهة .
وإذا ثبت هذا فنقول : وجب المصير الى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ أنه تعالى قال (وهو معكم ) ولا شك ان هذه المعية بالفضل والرحمة
لا بالجهة فكذا هنا، وأيضا جاء في الاخبار الربانية أنه تعالى قال ((أنا عند المنكسرة قلوبهم
لأجلي )) ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا هنا .
والوجه الثاني) إن المراد القرب بالشرف. يقال : للوزير قربة عظيمة من الأمير،
وليس المراد منه القرب والجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز
والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف. لا القرب بالجهة .
﴿ والوجه الثالث ﴾ أن هذا تشريف للملائكة باضافتهم الى الله من حيث انه أسكنهم
في المكان الذى كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات .
والوجه الرابع ﴾ إنما قال تعالى في صفة الملائكة (الذين عند ربك ) لأنهم رسل الله
الى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشا عظيما ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا ،
والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات ان الملائكة أفضل
٠

١١٦
قوله تعالى ((ان الذين عند ربك. )) الآية سورة الأعراف
من البشر، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن
عبادته) والمعنى : فانت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل
منه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ذكر من طاعاتهم أولا كونهم يسبحون، وقد عرفت أن التسبيح
عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع الى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح
أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع الى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في
الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضا قوله ( وله
يسجدون ) يفيد الحصر. ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله .
فان قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) والمراد
أنهم سجدوا لآدم .
والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما عظماء
ملائكة السموات فلا . وقيل أيضا : إن قوله ( وله يسجدون ) يفيد أنهم ما سجدوا لغير الله ،
فهذا يفيد العموم . وقوله فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام .
واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة ، كقوله تعالى
حكاية عنهم ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) وقوله ( وترى الملائكة حافين من
حول العرش يسبحون بحمد ربهم ) والله أعلم .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

١١٧
قوله تعالى ((يسألونك عن الانفال قل الانفال الله والرسول)) الآية سورة الأنفال
(٨) سُورَة الأَفَّالِ مَانيَّة
وَآَيَانِهَا خخْرِ وَسَبْعُونَ
مدنية إلا من آية: ٣٠ الى غاية ٣٦ فمكية
نزلت بعد البقرة
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْقَالُ لِلَّهِ وَالرّسُولِ فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بَيْنِكِّ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولُ : إِن كُنُ مُؤْمِنِينَ()
بسم الله الرحمن الرحيم
يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم
وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾
اعلم أن قوله ( ويسألونك عن الأنفال ) يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل
والمسؤل وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أى الاحكام كان ، وإن المفسرين بأى شيء
فسروا الأنفال .
أما البحث الأول ﴾ فهو أن السائلین من کانوا ؟ فنقول إن قوله ( يسألونك عن
الأنفال ) أخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن
هذا السؤال معلوما معينا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقواما لهم تعلق
بالغنائم والأنفال . وهم أقوام من الصحابة .

١١٨
قوله تعالى ((يسألونك عن الانفال قل الانفال الله والرسول)) الآية سورة الأنفال
وأما البحث الثاني﴾ وهو أن المسؤل من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه
وسلم .
وأما البحث الثالث ﴾ وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهرى : النفل والنافلة
ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم
الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذى هو الأصل .
وقال تعالى (ووهبتا له إسحق ويعقوب نافلة ) أى زيادة على ما سأل .
﴿ وأما البحث الرابع ﴾ وهو أن هذا السؤال عن أى أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : فيه
وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وان كان مبهما إلا أن تعبين الجواب يدل على أن السؤال كان
واقعا عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى ( ويسألونك عن المحيض ويسألونك عن اليتامى )
فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن
الجواب كان معينا لأنه تعالى قال في المحيض ( قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) فدل
هذا الجواب على ان ذلك السؤال كان سؤالا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى
( قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم ) فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال
المعين كان واقعا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضا قال تعالى ( ويسألونك عن
الروح ) وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أى الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب
( قل الروح من أمر ربي ) فدل هذا الجواب على ان ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثا أو
قدیما ، فکذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الانفال ( قل الانفال لله والرسول ) دل هذا على
أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني ﴾ أن قوله ( يسألونك عن الأنفال ) أى من الأنفال ، والمراد من هذا
السؤال : الاستعطاء على ما روى في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا
اعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة ، وقرأ عبد الله ( يسألونك الأنفال )
والبحث الخامس) وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالانفال ، فنقول : إن
الأنفال التي سألوا عنها يقتضي ان يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه
وجوه : الأول : ان قوله ( قل الأنفال الله والرسول ) يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم
عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) يدل على أنهم إنما
سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله ( وأطيعوا الله ورسوله إن
كنتم مؤمنين ) يدل على ذلك .

قوله تعالى ((يسألونك عن الانفال قل الانفال الله والرسول)) الآية سورة الأنفال ١١٩
إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل ان يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم . وهي الأموال
المأخوذة من الكفار قهرا ، ويحتمل ان يكون المراد غيرها .
أما الأول ﴾ ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر
على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما
المهاجرون فأحدهم عثمان فانه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد
بن زيد ، فانه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ،
وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبولبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه
وسلم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب ، رده من الروحاء الى
عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء . وخوات بن
جبير، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم ،
فوقع من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان
قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان :
الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردا لكم ولو انهزمتم لانحزتم الينا ، فلا
تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج :
الأنفال الغنائم وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن
على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل ان
هذا السؤال كان مسبوقا بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني ﴾ وهو ان يكون المراد من الأنفال شيئا سوى الغنائم ، فعلى هذا
التقدير في تفسير الأنفال أيضا وجوه . أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من
الأنفال ما شذ عن المشركين الى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أومتاع ، فهو الى النبي
صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء . وثانيها : الأنفال الخمس الذى يجعله الله لأهل
الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية . وثالثها : ان
الأنفال هي السلب وهو الذى يدفع إلى الغازى زائدا على سهمه من المغنم ، ترغيبا له في
القتال ، كما اذا قال الامام (( من قتل قتيلا فله سلبه)) أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو
يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص انه قال :
قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به الى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن الله تعالى قد شفى صدرى من المشركين فهب لي هذا
السيف. فقال (( ليس هذا لي ولا لك اطرحه في الموضع الذى وضعت فيه الغنائم )) فطرحته

١٢٠ قوله تعالى ((يسألونك عن الانفال قل الانفال الله والرسول)) الآية سورة الأنفال
وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت الا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال: يا سعد (( إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد
صار لي فخذه)) قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح
بعضها على بعض . وان صح في الاخبار ما يدل على التعيين قضى به ، والا فالكل محتمل ،
وكما ان كل واحد منها جائز ، فكذلك ارادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينهات ، والأقرب ان
يكون المراد بذلك ماله عليه السلام ان ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ،
لأنه يسوغ له تحريضا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحدا في ابتداء المحاربة ،
ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة ، أو يعطيه سلب القاتل . أو يرضخ لبعض الحاضرين ،
وينفله من الخمس الذى كان عليه السلام يختص به وعلى هذا التقدير فيكون قوله ( قل الأنفال
الله والرسول ) المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقا للمجاهدين .
أما قوله تعالى ﴿قل الأنفال الله والرسول ﴾ ففيه بحثان :
البحث الأول ﴾ المراد منه ان حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما
تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا الى رأى أحد .
﴿ البحث الثاني ﴾ قال مجاهد وعكرمة والسدى : إنها منسوخة بقوله فان لله خمسه
وللرسول وذلك لأن قوله ( قل الأنفال الله والرسول ) يقتضي ان تكون الغنائم كلها للرسول ،
فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه :
الأول : ان قوله ( قل الأنفال الله والرسول ) معناه ان الحكم فيها لله وللرسول وهذا المعنى باق
فلا يمكن ان يصير منسوخا ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكا للغانمين .
الثاني : أن آية الخمس ، تدل على كون الغنيمة ملكا للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا
بالغنائم ، بل بالسلب وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح .
ثم قال تعالى ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله، واتركوا المنازعة
والمخاصمة بسبب هذه الأحوال. وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
﴿ البحث الثاني﴾ في قوله (واصلحوا ذات بينكم ) أي وأصلحوا ذات بينكم من
الأقوال ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما ان الاسرار لما كانت مضمرة
في الصدور قيل لها ذات الصدور .