Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
قوله تعالى ((ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا)) الآية سورة الأعراف
سَآءَ مَثَلًّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلُونَ
قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش الى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك
الكلب الذي أخرج لسانه أبدا من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة .
والثالث: ان الكلب اللاهث لا يزال لهثه البتة، فكذلك الانسان الحريص لا يزال حرصه
البتة .
أما قوله تعالى ﴿ إن تحمل عليه يلهث ﴾ فالمعنى ان هذا الكلب ان شد عليه وهيج لهث
وان ترك أيضا لهث ، لأجل ان ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له ، فكذلك هذا الحريص
الضال إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل ان ذلك الضلال والخسارة عادة
أصلية وطبيعة ذاتية له .
فأن قيل : ما محل قوله ( ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث )
قلنا : النصب على الحال ، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلا لاهثا في الأحوال كلها .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين
بآيات الله قال ابن عباس : يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا يدعوهم إلى طاعة
الله ، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه ، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب
الذى ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول
فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذى بقي على اللهث في كل الأحوال .
ثم قال ﴿ فاقصص القصص﴾ يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم ( لعلهم
يتفكرون ) يريد يتعظون .
قوله تعالى ﴿ ساء مثلا القوم الذين كذبوا بلْاياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾
اعلم انه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) وزجر
بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى ( ساء مثلا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الليث : ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال: ساءت الشيء يسوء
فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءه . قال النحويون : تقديره ساء مثلا ، مثل القوم انتصب
مثلا على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئا آخر سوى مثلا ، فلما ذكرت نوعا ، فقد
ميزته من سائر الانواع وقولك القوم ارتفاعه من وجهين : أحدهما : ان يكون مبتدأ ويكون

٦٢
قوله تعالى ((من يهد الله فهو المهتدي)) الآية سورة الأعراف
مَنْ يَهْدِ اللّه فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾
١٧٨
قولك ساء مثلا خبره . والثاني : انك لما قلت ساء مثلا . قيل لك : من هو؟ قلت القوم ،
فيكون رفعه على انه خبر مبتدأ محذوف . وقرأ الجحدرى : ساء مثل القوم .
﴿ البحث الثاني ﴾ ظاهر قوله ( ساء مثلا) يقتضي كون ذلك المثل موصوفا بالسوء ،
وذلك غير جائز ، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى ، فكيف يكون موصوفا بالسوء ، وأيضا فهو
يفيد الزجر عن الكفر والدعوة الى الايمان ، فكيف يكون موصوفا بالسوء ، فوجب أن يكون
الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله تعالى واعراضهم عنها ، حتى وصلوا في
التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث .
أما قوله تعالى ﴿وانفسهم كانوا يظلمون﴾ فاما ان يكون معطوفا على قوله (كذبوا)
فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وأما ان
يكون كلاما منقطعا عن الصلة بمعنى وما ظلموا الا أنفسهم بالتكذيب، وأما تقديم المفعول ،
فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم الى
غيرهم .
قوله تعالى ﴿ من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾
في الآية مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم انه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور وعرف حالهم
بالمثل المذكور بين في هذه الآية ان الهداية من الله ، وأن الضلال من الله تعالى ، وعند هذه
اضطربت المعتزلة ، وذكروا في التأويل وجوها كثيرة : الأول : وهو الذى ذكره الجبائي وارتضاه
القاضي ان المراد من يهده الله الى الجنة والثواب في الآخرة ، فهو المهتدى في الدنيا السالك
طريقة الرشد فيما كلف ، فبين الله تعالى انه لا يهدى الى الثواب في الآخرة الا من هذا وصفه ،
ومن يضلله عن طريق الجنة ( فأولئك هم الخاسرون ) والثاني : قال بعضهم إن في الآية
حذفا ، والتقدير : من يهده الله فقبل وتمسك بهداه فهو المهتدى ، ومن يضلل بأن لم يقبل فهو
الخاسر. الثالث : ان يكون المراد من يهده الله بمعنى ان من وصفه الله بكونه مهتديا فهو
المهتدى ، لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يحصل الا في حق من كان موصوفا بذلك الوصف
الممدوح ، ومن يضلل اى ومن وصفه الله بكونه ضالا ( فأولئك هم الخاسرون ) والرابع : ان
يكون المراد من يهده الله بالالطاف وزيادة الهدى فهو المهتدى ومن يضلل عن ذلك لما تقدم منه

٦٣
قوله تعالى ((ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون)) الآية سورة الأعراف
من سوء اختياره، فأخرج لهذا السبب بتلك الالطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين .
اعلم أنا بينا ان الدلائل العقلية القاطعة ، قد دلت على ان الهداية والاضلال لا يكونان
إلا من الله من وجوه : الأول : ان الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصول الداعي ليس إلا
من الله فالفعل ليس الا من الله . والثاني : ان خلاف معلوم الله ممتنع الوقوع ، فمن علم الله
منه الايمان لم يقدر على الكفر وبالضد . الثالث : ان كل أحد يقصد حصول الايمان
والمعرفة ، فاذا حصل الكفر عقيبه علمنا انه ليس منه بل من غيره ، ثم نقول :
أما التأويل الأول : فضعيف لأنه حمل قوله ( من يهد الله ) على الهداية في الآخرة الى
الجنة وقوله ( فهو المهتدى ) على الاهتداء الى الحق في الدنيا ، وذلك يوجب ركاكة في النظم ،
بل يجب ان تكون الهداية والاهتداء راجعين الى شيء واحد ، حتى يكون الكلام حسن النظم .
﴿وأما الثاني﴾ فانه التزام لاضمار زائد، وهو خلاف اللفظ، ولو جاز فتح باب أمثال
هذه الاضمارات لانقلب النفي اثباتًا والاثبات نفيا ، ويخرج كلام الله عز وجل من أن يكون
حجة ، فان لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء ، وحينئذ يخرج الكل عن الافادة .
وأما الثالث﴾ فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلانا لا يفيد في اللغة البتة أنه
وصفه بكونه مهتديا ، وقياس هذا على قوله فلان ضلل فلانا وكفره ، قياس في اللغة وانه في نهاية
الفساد والرابع : أيضا باطل لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الالطاف ، فقد فعله عند المعتزلة
في حق جميع الكفار، فحمل الآية على هذا التأويل بعيد . والله اعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( فهو المهتدى) يجوز اثبات الياء فيه على الاصل ، ويجوز
حذفها طلبا للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب :
دوامى الايد يخبطن السريحا
فطرت منصلى في يعملات
ومن أبياته أيضا :
مسحت بماء البين عطف الاثمد
کخوف ریش حمامة نجدية
قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء .
وأما قوله ﴿ومن يضلل﴾ يريد من يضلله الله ويخذله ( فأولئك هم الخاسرون ) أى
خسروا الدنيا والآخرة .

٦٤
قوله تعالى ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا)) الآية. سورة الأعراف
وَلَقَدْ ذَرَأْنَاِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ آلْجِنِّ وَالْإِنِسَ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعٌْ لَّا
يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاَ أُوْلَئِكَ كَالْأُنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلَّ أُوْلَكَ
١٧٩
هُمُ الْغَفِلُونَ
قوله تعالى ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم
اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم
الغافلون ﴾
هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الافعال
وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه : الأول : انه تعالى بين باللفظ الصريح انه خلق كثيرا من
الجن والانس لجهنم ، ولا مزيد على بيان الله . الثاني : انه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل
النار ، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلا وخبره الصدق كذبا وكل ذلك محال
والمفضي الى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء محالا امتنع ان
يريده ، فثبت انه تعالى يمتنع ان يريد ان لا يدخلهم في النار ، بل يجب ان يزيد ان يدخلهم في
النار ، وذلك هو الذى دل عليه لفظ الآية . الثالث : ان القادر على الكفر إن لم يقدر على
الايمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد ان يدخله في النار ، وان كان قادرا على
الكفر وعلى الايمان معا امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك المرجح ان
حصل من قبله لزم التسلسل ، وان حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة
للظفر ، فقد خلقه للنار قطعا . الرابع : انه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل
ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا ان العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ،
فحينئذ حصل مراد العبد، ولم يحصل مراد الله تعالى، فيلزم كون العبد أقدر واقوى من الله
تعالى، وذلك لا يقوله عاقل والخامس: ان العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق
النار، وإنما يريد الايمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة، فلما حصل
الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده، وجب ان لا یکون حصوله من قبل
العبد، بل يجب ان يكون حصوله من قبل الله تعالى.
فان قالوا : العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل ، لأنه اشتبه الأمر
عليه وظن انه هو الاعتقاد الحق الصحيح .

٦٥
قوله تعالى ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً)) سورة الأعراف
فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم ، فان كان
إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن انتهى الى جهل حصل
ابتداء لا لسابقه جهل آخر ، فقد توجه الالزام وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين
العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن
والانس ) قالت المعتزلة : لا يمكن ان يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيرا من
الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة . والعبادة والخير والصلاح . قال تعالى ( إنا
أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله ) وقال ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع
باذن الله ) وقال ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) وقال ( هو الذى ينزل على عبده آيات بينات
ليخرجكم من الظلمات الى النور ) وقال ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط )
وقال ( يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ) وقال ( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ) وأمثال
هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا
يمكن حمل قوله تعالى ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس ) على ظاهره .
الوجه الثاني ﴾ أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا
يبصرون بها) وهو تعالى انما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنار ، ولما كانوا
قادرين على الايمان البتة وعلى هذا التقدير : فيقبح ذمهم على ترك الايمان .
﴿ الوجه الثالث) وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة
أصلا ، لأن منافع الدنيا بالقياس الى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع الى
انسان حلوا مسموما فانه لا يكون منعما عليه ، فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملواً من كثرة نعمة
الله على كل الخلق ، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم .
﴿الوجه الرابع﴾ أن المدح والذم، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب يبطل
هذا المذهب الذى ينصرونه .
﴿ الوجه الخامس ﴾ لو أنه تعالى خلقهم للنار، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار ، لأنه
لا فائدة في أن يستدرجهم الى النار بخلق الكفر فيهم .
﴿ الوجه السادس﴾ أن قوله ( ولقد ذرأنا لجهنم) متروك الظاهر، لأن جهنم اسم
لذلك الموضع المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مرادا منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال :
إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف، فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا
جهنم ، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله ( وما خلقت الجن
الفخر الرازي ج١٥ م٥
٠

٦٦
قوله تعالى ((ولقد ذرأنا لجهنم )) الآية سورة الأعراف
والانس إلا ليعبدون ) لأن ظاهرها يصح دون حذف .
﴿الوجه السابع﴾ انه اذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا الى جهنم، عاد
الأمر في تأويلهم الى أن هذه اللام للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار،
ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه
انه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه الى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت
عاقبة كثير من الجن والانس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة ،
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر . أما القرآن فقوله تغالى ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا
درست ) ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا
اللفظ ، وأيضا قال تعالى (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا
ليضلوا عن سبيلك ) وأيضا قال تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وهم ما
التقطوه لهذا الغرض . إلا أنه لما كانت عاقبة امرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر
فأبیات قال :
وللموت تغدوا الوالدات سخاها
كما لخراب الدهر تبنى المساكن
أموالنا لذوى المیراث نجمعها
وقال :
ودورنا خراب الدهر نبنيها
له ملك ینادی کل یوم
وقال :
لدوا للموت وابنو للخراب
فللموت ما تلد الوالده
وأم سماك فلا تجزعي
وقال :
هذا منتهى كلام القوم في الجواب
واعلم ان المصير في التأويل إنما يحسن اذا ثبت بالدليل امتناع العقلي حمل هذا اللفظ على
ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل انه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ ، كان المصير الى التأويل في
مثل هذا المقام عبثا . وأما الآيات التي تمسكوا بها في اثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معرضة
بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه
الآية وهو قوله ( من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) وهو صريح
مذهبنا ، وما بعد هذه الآية وهو قوله ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون
وأملى لهم إن كيدى متين ) ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس ، إلا ما يقوى قولنا ويشيد
مذهبنا ، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفا جدا .

٦٧
قوله تعالى ((لهم قلوب لا يفقهون بها)) الآية سورة الأعراف
أما قوله تعالى ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا
يسمعون بها ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الاعمال فقالوا:
لا شك ان أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا، ولا شك أنه
كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات، وآذان يسمعون بها الكلمات، فوجب ان يكون المراد من
هذه الآية تقييدها بما يرجع الى الدين، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع الى مصالح
الدين ، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع الى مصالح الدين .
وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت انه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع ان قلوبهم وأبصارهم
وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجرى مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به ،
وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك ، لقبح من اللّه تكليفهم ، لأن تكليف من لا
قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم . فوجب حمل الآية على ان المراد منه أنهم بكثرة
الاعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين
باصرة ولا أذن سامعة .
والجواب : ان الانسان إذا تأكدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكدة .
الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه
وفضائله ، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عاقل من نفسه . ولهذا السبب قالوا في المثل
المشهور - حبك الشيء يعمي ويصم .
إذا ثبت هذا فنقول : إن أقواما من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة والسلام
وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه . والعلم
الضرورى حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الانسان ، بل هو حاصل
في القلب شاء الانسان أم كره .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار
العبد ، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فان الانسان لا يمكنه مع تلك
النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم ، وإذا ثبت هذا القول بالجبر لزوما لا
محيص عنه . ونقل عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية
الحسن . روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الانسان قلبه فيه مواد

٦٨
قوله تعالى ((أولئك كالأنعام)) الآية
سورة الأعراف
وأضدادها ، فان سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن
أهلكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وان سعد بالرضا شقي
بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالا أطغاه
الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به
مضر وكل افراط له مفسد وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف، وهو كالمطلع على سر
مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة من أحوال
القلب بانها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الانسان على هذه الحالة علم أنه
لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب الاحياء فصلا في تقرير
مذهب الجبر .
ثم قال فان قيل : إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك
تركت ، فيكون فعلي حاصلا بي لا بغيرى ثم قال : وهب انك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا
نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئا شئته ، وإن شئت ان لا تشاء لم
تشأه. ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له : بل شئت أو لم
تشاء ذلك الشيء واذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد
حصول مشيئتك بك فالانسان مضطر في صورة مختار .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج العلماء بقوله تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها) على أن محل
العلم هو القلب ، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبه في معرض الذم، وهذا إنما يصح لو
كان محل الفهم والفقه هو القلب والله اعلم .
أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ) فتقريره ان الانسان وسائر الحيوانات متشاركة
في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ، ومتشاركة أيضا في منافع الحواس الخمس الباطنة
والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الانسان وبين سائر
الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه الى معرفة الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به .
فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا
كالانعام .
ثم قال ﴿ بل هم أضل ﴾ لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ،
والانسان أعطى القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة
على تحصيلها كان أخص حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها . فلهذا السبب قال تعالى ( بل

٦٩
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)) الآية سورة الاعراف
وَلَه الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْعِدُونَ فِىَ أَسْمَِّهِ سَيُجْزَوْنَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٨٠
t
هم أضل ) وقال حكيم الشعراء :
وتربة الأرض أصل الجسم والبدن
الروح عند إله العرش مبدؤه
ليصلحا لقبول الأمر والمحن
قد ألف الملك الحنان بينهما
فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن
فالروح في غربة والجسم في وطن
وقيل في تفسير قوله ( بل هم أضل ) وجوه أخرى فقيل : لأن الانعام مطيعة الله تعالى
والكافر غير مطيع ، وقال مقاتل : هم أخطأ طريقا من الأنعام ، لأن الأنعام تعرف ربها
وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه . وقال الزجاج ( بل هم أضل ) لأن الانعام تبصر
منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها وتحترز عن مضارها . وهؤلاء الكفار وأهل العناد
أكثرهم يعلمون انهم معاندون ومع ذلك فيصرون عليه ، ويلقون أنفسهم في النار وفي*
العذاب ، وقيل إنها تفر أبدا الى أربابها ، ومن يقوم بمصالحها ، والكافر يهرب عن ربه وإلهه
الذى أنعم عليه بنعم لا حد لها . وقيل : لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان
معها مرشد قلما تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وهم يزدادون في
الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال ( أولئك هم الغافلون ) قال عطاء : عما أعد الله لأوليائه
من الثواب ولأعدائه من العقاب .
قوله تعالى ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذین یلحدون في أسمائه سيجزون
ما كانوا يعملون ﴾
اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله ( أولئك هم الغافلون ) أمر بعده بذکر
الله تعالى فقال ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم
هو الغفلة عن ذكر الله . والمخلص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق
والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فان القلب إذا غفل عن ذكر الله ، وأقبل على
الدنيا وشهواتها وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان ، ولا يزال ينتقل من رغبة الى رغبة .
ومن طلب الى طلب ، ومن ظلمة الى ظلمة ، فاذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله

٧٠
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)) الآية سورة الأعراف
تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات ، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى ) مذكور في سور أربعة : أولها :
هذه السورة وثانيها : في آخر سورة بني اسرائيل في قوله ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما
تدعوا فله الأسماء الحسنى ) وثالثها : في أول طه وهو قوله ( الله لا إله إلا هو له الأسماء
الحسنى ) ورابعها : في آخر الحشر وهو قوله ( هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء
الحسنى )
إذا عرفت هذا فنقول (الأسماء) ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها
ومفهوماتها، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال، وهي
محصورة في نوعين: عدم افتقاره الى غيره، وثبوت افتقار غيره اليه .
واعلم ان لنا في تفسير أسماء الله كتابا كبيرا كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه بلوامع
البينات في تفسير الأسماء والصفات، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه، ونحن نذكر ههنا
لمعاً ونكتاً منها. فنقول: إن أسماء الله يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة .
الوجه الأول﴾ أن نقول: الأسم إما أن يكون اسما للذات، أو لجزء من أجزاء
الذات، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها. أنا اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم،
وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار. وأما اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى
محال، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الاجزاء، وكل ما كان كذلك فهو يمكن، فواجب
الوجود يمتنع أن يكون له جزء .
وأما اسم الصفة فنقول: الصفة إما أن تكون حقيقة أو إضافية أو سلبية ، أوما يتركب
عن هذه الثلاثة، وهي أربعة، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة
سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية. أما الصفة الحقيقة العارية عن
الاضافة فكقولنا موجود عند من يقول: الوجود صفة، أو قولنا واحد، عند من يقول: الوحدة
صفة ثانية، وكقولنا حي ، فان الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والاضافات، وأما الصفة
الاضافية المحضة، فكقولنا: مذكور ومعلوم، وأما الصفة السلبية، فكقولنا: القدوس
السلام . وأما الصفة الحقيقية مع الأضافة، فكقولنا: عالم وقادر، فان العلم صفة حقيقية،
وله تعلق بالمعلوم والقادر، فأن القدرة صفة حقيقية، ولها تعلق بالمقدور، وأما الصفة الحقيقية
مع السلبية. فكقولنا: قديم أزلى، لأنه عبارة عن موجود لا أول له. وأما الصفة الاضافية مع

٧١
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)) الآية سورة الأعراف
السلبية، فكقولنا: أول. فانه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره، وأما الصفة الحقيقية مع
الأضافة والسلب، فكقولنا: حكيم، فانه هو الذي يعلم حقائق الأشياء، ولا يفعل ما لا يجوز
فعله فصفة العلم صفة حقيقية، وكون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات، نسب وإضافات،
وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب .
إذا عرفت هذا فنقول: السلوب، غير متناهية ، والاضافات أيضا غير متناهية ، فكونه
خالقا للمخلوقات صفة إضافية، وكونه محييا ومميتا إضافات مخصوصة، وكونه رازقا أيضا إضافة
أخرى مخصوصة. فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها الله تعالى،
لأن مقدوراته غير متناهية، ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة
أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله أكثر. ولما
كان هذا بحرا لا ساحل له ولا نهاية له، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى .
﴿ النوع الثاني﴾ في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون: وهو ان صفات الله تعالى
ثلاثة أنواع : ما يجب ، ويجوز ، ويستحيل على الله تعالى ، ولله تعالى بحسب كل واحد من
هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة .
﴿ والنوع الثالث﴾ في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ذاتية ، أو
معنوية ، أو كانت من صفات الأفعال .
والنوع الرابع ﴾ في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير الله تعالى،
أو لا يجوز، أما القسم الأول ؛ فهو كقولنا : الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق .
فان هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد ، وان كان معناها في حق الله تعالى مغايرا لمعناها في
حق العباد . وأما القسم الثاني فهو كقولنا : الله الرحمن . إما القسم الأول : فانها إذا قيدت
بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا : يا أرحم
الراحمين ، ويا أكرم الأكرمين ، ويا خالق السموات والأرضين .
النوع الخامس ﴾ في تقسيم أسماء الله أن يقال: من أسماء الله ما يمكن ذكره وحده ،
كقولنا : يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم . ومنها ما لا يكون كذلك ، كقولنا : مميت وضار ،
فانه لا يجوز إفراده بالذكر ، بل يجب ان يقال : يا محبي يا مميت يا ضار يا نافع .
النوع السادس ﴾ في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال : أول ما يعلم من صفات الله
تعالى كونه محدثا للأشياء مرجحا لوجودها على عدمها ، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه
بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه ، فاذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن

٧٢
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى)) الآية سورة الأعراف
الوجود والعدم لذاته ، قضى العقل بافتقاره الى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، وذلك المرجح
ليس إلا الله سبحانه ، فثبت ان أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحا ومؤثرا ، ثم نقول ذلك
المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة ، والأول باطل ، وإلا لدام
العالم بدوامه ، وذلك باطل . فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحا على سبيل
الصحة ليس إلا كونه تعالى قادرا ، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحا ، هو كونه
قادرا . ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالما ، ثم إنا إذا علمنا كونه
تعالى قادرا عالما ، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون الاحيا ، علمنا من كونه قادرا عالما ،
كونه حيا . فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقع في درجة واحدة ، بل العلم
بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى ) يفيد الحصر، ومعناه ان الاسماء
الحسنى ليست إلا لله تعالى ، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن
الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله
سبحانه ، وأما ما سوى ذلك الواحد ، فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فهو محتاج في
ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقة والاضافية والسلبية الى تكوين الواجب لذاته ،
ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف ، فالله سبحانه كامل لذاته ، وكمال كل ما سواه
فهو حاصل بجوده وإحسانه ، فكل كمال وجلال وشرف، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي
ذاته ، ولغيره على سبيل العارية ، والذى لغيره من ذاته ، فهو الفقر والحاجة والنقصان
والعدم ، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست
إلا الله، وأن كل ما سواه ، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان .
المسألة الثالثة﴾ دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله، والصفات الحسنى
ليست إلا لله ، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى
صفة كمال وجلال فانه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه ، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان
أنه قال : لا أطلق على ذات الله تعالى اسم الشيء . قال : لأن اسم الشيء يقع على أخس
الأشياء وأكثرها حقارة وابعدها عن درجات الشرف ، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد
في المسمى شرفا ورتبة وجلالة .
وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب ان تكون دالة على
الشرف والكمال ، وثبت ان اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله بكونه شيئا . قال ومعاذ
الله أن يكون هذا نزاعا في كونه في نفسه حقيقة وذاتا وموجودا، إنما النزاع وقع في محض
اللفظ ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا ؟ فأما قولنا إنه منشيء الأشياء فهو اسم يفيد
المدح والجلال والشرف، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقا ، ثم أكد هذه الحجة بأنواع
:

٧٣
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى)) الآية سورة الأعراف
أخرى من الدلائل . فالأول : قوله تعالى ( ليس كمثله شيء ) معناه ليس مثل مثله شيء ، ولا
شك أن عين الشيء مثل لمثل نفسه . فلما ثبت بالعقل أن كل شيء مثل مثل نفسه ، ودل
الدليل القرآني على أن مثل مثل الله ليس بشيء ، كان هذا تصريحا بأنه تعالى غير مسمى باسم
الشيء، وليس لقائل أن يقول ((الكاف)) في قوله ( ليس كمثله) حرف زائد لا فائدة فيه ، لأن
حمل كلام اللّه على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد .
﴿ الحجة الثانية) قوله تعالى ( خالق كل شيء) ولو كان تعالى داخلا تحت اسم الشيء
لزم كونه تعالى خالقا لنفسه وهو محال . لا يقال هذا عام دخله التخصيص ، لأنا نقول هذا كلام
لا بد من البحث عنه فنقول : ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل ،
ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادرا ،
ألحقوا ذلك الأكثر بالكل . وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم ، وأطلقوا لفظ الكل عليه ، وجعلوا
ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم .
وإذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان أعظم
الأشياء هو الله تعالى ، وادخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب ،
فوجب ان يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور .
﴿ الحجة الثالثة ﴾ هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وما رأينا أحدا من
السلف قال في دعائه يا شيء ، فوجب الامتناع منه ، والدليل على أنه غير وارد في كتاب الله أن
الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى ( قل أى شيء أكبر شهادة قل اللّه شهيد بيني
وبينكم ) وقد بينا في سورة الانعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود ، فسقط الكلام فيه .
فان قال قائل : فقولنا : موجود ومذكور وذات ومعلوم ، ألفاظ لا تدل على الشرف
والجلال فوجب ان تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى. فنقول : الحق في هذا الباب
التفصيل ، وهو أنا نقول : ما المراد من قولك : إنه تعالى شيء ، وذات ، وحقيقة ؟ إن عنيت
أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء ، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة ،
وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا ؟ فنقول لا يجوز . لأنا رأينا السلف
يقولون : يا الله يا رحمن يا رحيم الى سائر الأسماء الشريفة ، وما رأينا ولا سمعنا أن أحدا
يقول : يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم ، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض
النداء والدعاء واجبا لله تعالى . والله أعلم.

٧٤
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)) الآية سورة الأعراف
المسألة الرابعة) قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) يدل على أنه تعالى
حصلت له أسماء حسنة ، وأنه يجب على الانسان ان يدعو الله بها ، وهذا يدل على أن اسماء
الله توقيفية لا اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا
سخي ، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه ، وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا
اصطلاحية .
﴿ المسألة الخامسة﴾ دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء الله
كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع ، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها ، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا
شك أن الله واحد ، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضا قوله ( ولله الأسماء الحسنى )
يقتضي إضافة الاسماء الى الله، وإضافة الشيء الى نفسه محال . وأيضا فلو قيل: ولله الذوات
لكان باطلا . ولما قال ( ولله الأسماء) كان حقا وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى .
﴿ المسألة السادسة) قوله (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) يدل على ان الانسان لا
يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى ، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء ،
وعرف بالدليل ان له إلها وربا خالقا موصوفا بتلك الصفات الشريفة المقدسة ، فاذا عرف
بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إن لتلك الدعوة شرائط
كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتال المنهاج لأبى عبد الله الحليمي ، وأحسن ما فيه أن يكون
مستحضرا لأمرين : أحدهما : عزة الربوبية . والثانية : ذلة العبودية . فهناك يحسن ذلك
الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر . فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة ، وأنا أذكر لهذا
المعنى مثالا ، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته الله أكبر ، فانه يجب ان يستحضر في
النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية
أو الحركية ، ثم يتعدى من نفسه الى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع الناس ، وجميع
الحيوانات ، وجميع أصناف النبات والمعادن ، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق .التي
توجد في كل أطراف العالم ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار
والمفاوز، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية ، ثم
يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها ، وفي تخليق أجرام
النيرات من الثوابت والسيارات ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الكرسي وسدرة
المنتهى ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات ، ثم
يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات ، فلا
يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل اليه فهمه وعقله وذكره وخاطره

٧٥
قوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى)) الآية سورة الأعراف
وخياله ، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين
منازلها ومراتبها ، ويقول الله أكبر ، ويشير بقوله - الله - الى الموجود الذى خلق هذه الأشياء
وأخرجها من العدم إلى الوجود ، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت ، وبقوله - اكبر - أى انه
لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر
من هذه الأشياء . فاذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ،
وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها )
أما قوله تعالى ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة (يلحدون) ووافقه عاصم والكسائي في النحل. قال
الفراء : ( يلحدون ) و ( يلحدون ) لغتان : يقال : لحدت لحدا وألحدت ، قال أهل اللغة :
معنى الالحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل
فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ولحد . وقال أبو عمر ومن أهل اللغة : الالحاد :
العدول عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذى يحفر في جانب القبر . قال
الواحدى رحمه الله: والأجود قراءة العامة لقوله تعالى ( ومن يرد فيه بالحاد ) والالحاد أكثر في
كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد .
:
المسألة الثانية﴾ قال المحققون: الالحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه : الأول :
إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله . مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ،
ومن ذلك أنهم سموا أصناما لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الاله ، والعزى
من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني :
أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه - أبا - للمسيح . وقول جمهور
النصارى : أب ، وابن وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله
سبحانه ويسمونه به، ومثل ان المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا
لكان سفيها مستحقا للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما
صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله ، فانه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع
الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله
عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم
العبرات الى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف
معناه ولا يتصور مسماه ، فانه ربما كان مسماه أمرا غير لائق بجلال الله فهذه الأقسام الثلاثة هي

٧٦
قوله تعالى ((وممن خلقنا أمة يهدون بالحق)) الآية سورة الأعراف
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أَمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (20)
الالحاد في الأسماء .
فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في اطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه
سائر الألفاظ المشتقة منه على الاطلاق ؟
قلنا : الحق عندى ان ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى ، ولا في حق الملائكة والأنبياء
وتقريره: أن لفظ ((علم)) ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله (وعلم آدم الأسماء كلها .
وعلمك ما لم تكن تعلم . وعلمناه من لدنا علما . الرحمن علم القرآن ) ثم لا يجوز أن يقال في
حق الله تعالى يا معلم ، وأيضا ورد قوله ( يحبهم ويحبونه ) ثم لا يجوز عندى أن يقال يا محب .
وأما في حق الأنبياء فقد ورد في حق آدم عليه السلام ( وعصى آدم ربه فغوى ) ثم لا يجوز أين
يقال إن آدم كان عاصيا غاويا، وورد في حق موسى عليه السلام ( يا أبت استأجره ) ثم لا يجوز
أن يقال إنه عليه السلام كان أجيرا ، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على
الوارد ، فأما التوسع باطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندى ممنوعة غير جائزة .
ثم قال تعالى ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله.
قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى أن الجزاء مفرغ على عمله
وفعله .
قوله تعالى ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾
اعلم انه تعالى لما قال ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس ) فأخبر ان كثيرا من
الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) ليبين أيضا أن
كثيرا منهم مخلوقون للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله ( ومن قوم موسى أمة
يهدون بالحق وبه يعدلون ) فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن
المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال ((هذه فيهم وقد أعطى الله قوم
موسى مثلها )) وعن الربيع بن انس أنه قال قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال ((إن
من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم)) وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه
الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة

VY
قوله تعالى ((والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم» الآية سورة الأعراف
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلُونَ (٨) وَأُمْلِي لَهُمْ
إِنَّ كَيْدِى مَتِبْنُ فـ
عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدى اليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ،
لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الزمان الذى نزلت
فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو
المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه قد
كان ظاهرا لكل الناس ان محمدا وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن
الفائدة ، والثاني باطل أيضا ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة
· الماضية حصل فيه جمع من المحقين ، فلم يبق إلا القسم الثالث . وهو أدل على انه ما خلا زمان
عن قوم من المحقين وأن اجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن اجماع سائر الأمم
حجة .
قوله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن کیدی
متین ﴾
اعلم انه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة ، أعاد ذكر المكذبين بآيات الله تعالى ،
وما عليهم من الوعيد ، فقال ( والذين كذبوا بآياتنا ) وهذا يتناول جميع المكذبين ، وعن ابن
عباس رضى الله عنهما : المراد أهل مكة ، وهو بعيد ، لأن صفة العموم يتناول الكل ، إلا ما
دل الدليل على خروجه منه .
وأما قوله ( سنستدرجهم ) فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو
الاستنزال ، درجة بعد درجة ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب طواه
شيئا بعد الشيء ودرج القوم ، مات بعضهم عقيب بعضهم ، ويحتمل ان يكون اللفظ مأخوذ
من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ .
إذا عرفت هذا فالمعنى سنقربهم إلى ما يهلكهم ، ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون
ما يراد بهم ، وذلك لأنهم كلما أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم بابا من أبواب
النعمة والخير في الدنيا ، فيزدادون بطرا وانهما كانافي الفساد وتماديا في الغي ، ويتدرجون في
المعاصي بسبب ترادف تلك النعم ، ثم يأخذهم الله دفعة واحدة على غرتهم أغفل ما يكون ،

٧٨
قوله تعالى ((وأملى لهم إن كيدي متين)) الآية سورة الأعراف
ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما حمل اليه كنوز كسرى ((اللهم إني أعوذ بك ان أكون مستدرجا
فاني سمعتك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ))
ثم قال تعالى ﴿ وأملي لهم ان كيدى متين﴾ الاملاء في اللغة الامهال واطالة المدة ونقيضه
الاعجال والملى زمان طويل من الدهر ومنه قوله ( واهجرني مليا) أى طويلا ، ويقال ملوة
وملوة وملاوة من الدهر أى زمان طويل ، فمعنى ( وأملي لهم ) أى أمهلهم وأطيل له مدة
عمرهم ليتمادوا في المعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها بالتوبة والإنابة . .
وقوله ( إن كيدى متين ) قال ابن عباس : يريد إن مكرى شديد ، والمتين من كل شيء هو
القوى يقال متن متانة .
واعلم أن أصحابنا احتجوا في مسألة القضاء والقدر بهذه الألفاظ الثلاثة ، وهي
الاستدراج والاملاء والكيد والمتين ، وكلها تدل على أنه تعالى أراد بالعبد ما يسوقه الى الكفر
والبعد عن الله تعالى ، وذلك ضد ما يقوله المعتزلة .
أجاب أبو علي الجبائي ، بأن المراد من الاستدراج ، انه تعالى استدرجهم الى العقوبات
حتى يقعوا فيها من حيث لا يعلمون ، استدراجا لهم الى ذلك حتى يقعوا فيه بغتة ، وقد يجوز
ان يكون هذا العذاب في الدنيا كالقتل والاستئصال ، ويجوز أن يكون عذاب الآخرة . قال
وقد قال بعض المجبرة المراد : سنستدرجهم الى الكفر من حيث لا يعلمون . قال : وذلك
فاسد ، لأن الله تعالى أخبر بتقدم كفرهم ، فالذى يستدرجهم اليه فعل مستقبل ، لأن السين
في قوله ( سنستدرجهم ) يفيد الاستقبال ، ولا يجب ان يكون المراد : أن نستدرجهم الى كفر
آخر لجواز ان يميتهم قبل أن يوقعهم في كفر آخر . فالمراد إذن : ما قلناه ، ولأنه تعالى لا يعاقب
الكافر بأن يخلق فيه كفرا آخر ، والكفر هو فعله ، وإنما يعاقبه بفعل نفسه .
وأما قوله ﴿ وأملي لهم ﴾ فمعناه: أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على الكفر ، ولا
أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني ، وهذا معنى قوله ( إن كيدى متين ) لأن
کیده هو عذابه ، وسماه كيدا لنزوله بالعباد من حيث لا يشعرون .
والجواب عنه من وجهين : الأول : أن قوله ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم )
معناه : ما ذكرنا انهم كلما زادوا تماديا في الذنب والكفر ، زادهم الله نعمة وخيرا في الدنيا ،
فيصير فوزهم بلذات الدنيا سببا لتماديهم في الاعراض عن ذكر الله وبعدا عن الرجوع الى طاعة
الله ، هذه حالة نشاهدها في بعض الناس ، واذا كان هذا أمرا محسوسا مشاهدا فكيف يمكن

٧٩
قوله تعالى ((أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة)) الآية سورة الأعراف
أَوَلَمْ يَتَفَُّوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينُ(
إنكاره . الثاني : هب أن المراد منه الاستدراج الى العقاب ، إلا أن هذا أيضا يبطل القول بأنه
تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح ، لأنه تعالى لما علم أن هذا الاستدراج ، وهذا الامهال
مما قد يزيد به عتوا وكفرا وفسادا واستحقاق العقاب الشديد ، فلو أراد به الخير لأماته قبل ان
يصير مستوجبا لتلك الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا
يخلقه ابتداء صونا له عن هذا العقاب ، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد التكليف ،
أو أن لا يخلقه إلا في الجنة ، صونا له عن الوقوع في آفات الدنيا وفي عقاب الآخرة ، فلما خلقه
في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف . وأطال عمره ومکنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد
إلا مزيد الكفر والفسق والاستحقاق العقاب ، علمنا أنه ما خلقه للعذاب والا النار ، كما
شرحه في الآية المتقدمة ، وهي قوله ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس ) وأنا شدید
التعجب من هؤلاء المعتزلة ، فانهم يرون القرآن كالبحر الذى لا ساحل له مملوأ من هذه
الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها ، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات
بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية ، إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن يزيل هذا
التعجب . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ان هو إلا نذير مبين ﴾
واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته ، الغافلين عن التأمل في دلائله
وبيناته ، عاد الى الجواب عن شبهاتهم . فقال ( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ) والتفكر
طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة القلب هو المسمى بالنظر ، والتعقل في الشيء والتأمل فيه
والتدبر له ، وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء ، ولما مقدمة وهي
تقليب الحدقة الى جهة المرئي : طلبا لتحصيل تلك الرؤية بالبصر، فكذلك الرؤية بالبصيرة ،
وهي المسماة بالعلم واليقين ، حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب
حدقة العقل الى الجوانب ، طلبا لذلك الانكشاف والتجلي ، وذلك هو المسمى بنظر العقل
وفكرته ، فقوله تعالى ( أو لم يتفكروا ) أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروى لطلب معرفة
الأشياء كما هي عرفانا حقيقيا تاما ، وفي اللفظ محذوف. والتقدير : أو لم يتفكروا فيعملوا ما
بصاحبهم من جنة ، والجنة حالة من الجنون ، كالجلسة والركبة ودخول (( من )» في قوله ( من
جنة ) يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون .

٨٠
قوله تعالى ((أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض)) الآية سورة الأعراف
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَدِ أَقْتَبَ أَجَلُهُمَّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
ـمــ
١٨٥
واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون لوجهين : الأول : أن
فعله عليه السلام كان مخالفا لفعلهم ، وذلك لأنه عليه السلام كان معرضا عن الدنيا مقبلا على
الآخرة ، مشتغلا بالدعوة إلى الله ، فكان العمل مخالفا لطريقتهم ، فاعتقدوا فيه أنه مجنون ،
قال الحسن وقتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلا على الصفا يدعو فخذا فخذا من
قريش . فقال يا بني فلان يا بني فلان ، وكان يحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم ؛ إن
صاحبكم هذا لمجنون ، واظب على الصياح طول هذه الليلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية
وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام ، ليعلموا أنه إنما دعا للانذار لا لما نسبه اليه
الجهال . الثاني : أنه عليه السلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه
ويصفر لونه ، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي ، فالجهال كانوا يقولون إنه مجنون فالله تعالى بين
في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون ، وذلك لأنه عليه السلام كان يدعو الى الله ،
ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة ، بالفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة الى حيث عجز
الأولون والآخرون عن معارضتها ، وكان حسن الخلق ، طيب العشرة ، موضي الطريقة نقي
السيرة ، مواظبا على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين ، ومن المعلوم بالضرورة ان
مثل هذا الانسان لا يمكن وصفه بالجنون ، وإذا ثبت هذا ظهر ان اجتهاده على الدعوة الى الدين
إنما كان لأنه نذير مبين ، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين ، وترغيب المؤمنين ، ولما كان
النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير دلائل التوحيد ، لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد
فقال ﴿ أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ واعلم أن دلائل ملكوت
السموات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة ، وقد فصلناها في هذا الكتاب مرارا
وأطوارا فلا فائدة في الاعادة .
ثم قال ﴿ وما خلق الله من شيء﴾ والمقصود التنبيه على أن الدلائل على التوحيد غير
مقصورة على السموات والأرض . بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام والأرواح فهي برهان
باهر ، ودليل قاهر على التوحيد ، ولنقرر هذا المعنى بمثال . فنقول : إن الضوء إذا وقع على
كوة البيت ظهر الذرات والهباآت ، فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول :