Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
قوله تعالى ((إن هي إلا فتنتك)) الآية سورة الاعراف
تعالى . فمعنى قوله ( لوشئت أهلكتهم من قبل وإياى ) أن موسى عليه السلام خاف ان يتهمه
بنو إسرائيل على السبعين اذا عاد اليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا ، فقال لربه : لوشئت أهلكتنا
قبل خروجنا اللميقات، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني.
{ والقول الثاني ﴾ أن تلك الرجفة ما كانت موتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة
المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقصم ظهورهم ، وخاف
موسى عليه السلام الموت ، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة .
أما قوله ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يظن موسى
عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوما بذنوب غيرهم ، فيجب تأويل الآية ، وفيه بحثان :
الأول : أنه استفهام بمعنى الجحد ، وأراد أنك لا تفعل ذلك . كما تقول : أتهين من
يخدمك ؟ أى لا تفعل ذلك. الثاني : قال المبرد : هو استفهام استعطاف، أى لا تهلكنا .
٠٠٠
وأما قوله ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ فقال الواحدى رحمه الله: الكناية في قوله ( هي ) عائدة
الى الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند . والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها
السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوما فافتتنوا ، وعصمت قوما عنها فثبتوا على الحق ، ثم
أكد بيان أن الكل من الله تعالى ، فقال ( تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء ) ثم قال
الواحدى : وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر . قالت
المعتزلة : لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل ، تضل بها من تشاء من عبادك عن
الدين ، ولأنه تعالى قال ( تضل بها ) أى بالرجفة ، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها ، فوجب
حمل هذه الآية على التأويل . فأما قوله ( إن هي إلا فتنتك ) فالمعنى : امتحانك وشدة تعبدك ،
لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها .
وأما قوله ( تضل بها من تشاء ) ففيه وجوه : الأول : تهدى بهذا الامتحان الى الجنة
والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الايمان ، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن ،
أو إن آمن لكن لا يصبر عليه . والثاني: أن يكون المراد بالاضلال الاهلاك ، والتقدير :
تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء. والثالث: أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب
في هداية من اهتدى، وضلال من ضل، جاز أن يضافا اليه .
واعلم أن هذه التأويلات متسعة ، والدلائل العقلية على أنه يجب أن يكون المراد ما
ذكرناه ، وتقريرها من وجوه : الأول : أن القدرة الصالحة للايمان والكفر لا يترجح تأثيرها في
أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر ، إلا لأجل داعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو
٢٢
قوله تعالى ((واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة)) الآية سورة الاعراف
وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِ أُصِيبُ بِهِ،
مَنْ أَشَاءُ وَرَْهَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الَّكَوَةَ وَالَّذِينَ
هُمْ بِعَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ (9)
الله تعالى ، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل واذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من
الله تعالى وأن الاضلال من الله تعالى . الثاني : أن أحدا من العقلاء لا يريد إلا الايمان
والحق والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمنا محقا ،
وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى . الثالث : أنه لو كان حصول الهداية
والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل ، امتنع أن يخص أحد
الاعتقادين بالتحصيل والتكوين ، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو
الباطل ، يقتضي كونه عالما بذلك المعتقد أولا كما هو عليه ، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل
الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلا ، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه
وأنه محال ، فثبت أنه يمتنع أن يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد ، وأما الكلام في
إيطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم .
ثم حکی تعالى عن موسی علیه السلام أنه قال بعد ذلك ( أنت ولینا فاغفر لنا وارحمنا
وأنت خير الغافرین ) واعلم أن قوله ( أنت ولینا ) یفید الحصر، ومعناه أنه لا ولی لنا ولا ناصر
ولا هادى إلا أنت ، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله ( تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء )
وقوله ( فاغفر لنا وارحمنا ) المراد منه أن إقدامه على قوله ( إن هي إلا فتنتك ) جراءة عظيمة ،
فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله (وأنت خير الغافرين ) معناه أن كل من سواك فانما
يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل أو للثواب الجزيل ، أو دفعا للربقة الخسيسة عن
القلب ، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر ، أما أنت فتغفر ذنوب
عبادك لا لطلب عرض وغرض ، بل لمحض الفضل والكرم ، فوجب القطع بكونه ( خير
الغافرين ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا اليك قال عذابي أصيب
به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا
یؤمنون
٢٣
قوله تعالى ((فسأكتبها للذين يتقون ويأتون الزكاة)) الآية سورة الاعراف
اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة . فقوله
(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) معناه أنه قرر أولا أنه لاولى له إلا الله تعالى وهو قوله (أنت
ولينا ) ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران: أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل
النفع . ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله
( فاغفر لنا وارحمنا ) ثم اتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي
الآخرة ) وقوله (واكتب ) أى وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الايجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا
والآخرة كسؤال المؤمن من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله ( ومنهم من يقول
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة )
واعلم أن كونه تعالى وليا للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع
ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته ، وأيضا اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب
هذه الأشياء ، فذكر السبب الأول أولا ، وهو كونه تعالى وليا له وفرع عليه طلب هذه
الأشياء ، ثم ذكر بعده السبب الثاني ، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال ( إنا هدنا
إليك) قال المفسرون (هدنا) أى تبنا ورجعنا اليك، قال الليث ((الهود)) التوبة ، وإنما ذكر
هذا السبب أيضا لأن السبب الذى يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين
الأمرين كونه إلها وربا ووليا ، وكوننا عبيدا له تائبين خاضعين خاشعين ، فالأول : عهد عزة
الربوبية. والثاني: عهد ذلة العبودية، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما ولما حكى الله
تعالى دعاء موسى عليه السلام فكر بعده ما كان جوابا لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال
(عذابي أصيب به من أشاء) معناه إني اعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل
ملكي ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، وقرأ الحسن (من أساء) من
الاساءة، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله (ورحمتي وسعت كل شيء) فيه أقول كثيرة. قيل
المراد من قوله (ورحمتي وسعت كل شيء) هو ان رحمته في الدنيا عمت الكل، وأما في الآخرة
فهي مختصة بالمؤمنين واليه الاشارة بقوله (فسأكتبها للذين يتقون) وقيل: الوجود خير من العدم،
وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل اليه رحمته وأقل المراتب وجوده، وقيل الخير مطلوب
بالذات، والشرمطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب، وما بالعرض مرجوح مغلوب،
وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة
والخير لأنه ان كان منتفعا أو متمكنا من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وان حصل هناك
ألم فله الاعواض الكثيرة، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال (ورحمتي وسعت
كل شيء) وقال أصحابنا قوله (ورحمتي وسعت كل شيءٍ) من العام الذي أريد به الخاص كقوله
٢٤
قوله تعالى ((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)) الآية سورة الاعراف
الَّذِينَ يَّعُونَ الَّسُولَ النَِّّ الْأُمِنَّ الَّذِىِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ الثَّوْرَئِ وَالْإِنِلِ
يَأْمُ هُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُ لَهُمُ الطََّتِ وَيُحِمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَِّثَّ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغَْلَ الَّتِى كَانَتْ عَيْهِمْ فَالَّذِينَءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَتََّعُواْ النُّورَ الَّذِيّ أَنْزِلَ مَعَهُ ◌ٍ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْلِحُونَ ﴾
١٥٧
(وأوتيت من كل شىء)
أما قوله ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة هم بآياتنا يؤمنون ﴾
فاعلم ان جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك ، وهي الأشياء التي
يجب على الانسان تركها ، والاحتراز عنها والاتقاء منها ، وهذا النوع اليه الاشارة بقوله
( للذين يتقون ) والثاني : الافعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الانسان أو
على نفسه .
﴿ أما القسم الأول ﴾ فهو الزكاة واليه الاشارة بقوله ( ويؤتون الزكاة )
﴿وأما القسم الثاني﴾ فيدخل فيه ما يجب على الانسان علما وعملا أما العلم فالمعرفة،
وأما العمل فالاقرار باللسان والعمل بالاركان ويدخل فيها الصلاة والى هذا المجموع الاشارة
بقوله (والذين هم بآياتنا يؤمنون) ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة (هدى للمتقين الذين
يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)
قوله تعالى ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة
والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن النمكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث
ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصر وه واتبعوا
النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء
الزكاة والايمان بالآيات ، ضم الى ذلك أن يكون من صفته اتباع ( النبي الأمي الذى يجدونه
٢٥
قوله تعالى ((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)) الآية سورة الاعراف
مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل ) واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : المراد بذلك أن يتبعوه
باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة ، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث
إلى الخلق ، وقال في قوله ( والانجيل ) أن المراد سيجدونه مكتوبا في الانجيل ، لأن من المحال
أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الانجيل ، وقال بعضهم : بل المراد من لحق من بني اسرائيل أيام
الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي
الأمي . والقول الثاني أقرب ، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن . فكأنه تعالى بين بهذه
الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني اسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن
موسى ، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعا للنبي الأمي في شرائعه .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصف محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات
تسع .
﴿ الصفة الأولى﴾ كونه رسولا، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله.
الى الخلق لتبليغ التكاليف .
الصفة الثانية ﴾ كونه نبيا ، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى .
الصفة الثالثة﴾ كونه أميا . قال الزجاج : معنى ( الأمي ) الذى هو على صفة أمة
العرب . قال عليه الصلاة والسلام ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) فالعرب أكثرهم ما
كانوا يكتبون ولا يقرؤن والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه
أميا . قال أهل التحقيق وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه :
الأول : أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما مرة بعد أخرى من
غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فانه لا بد وأن
يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ماکان یکتب
وما كان يقرأ يتلوكتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير . فكان ذلك من المعجزات واليه
الاشارة بقوله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى ) والثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما
في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم
المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد
من قوله ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) الثالث :
أن تعلم الخط شيء سهل فان أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي ، فعدم تعلمه
يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم
٢٦
قوله تعالى ((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)) الآية سورة الاعراف
والحقائق ما لم يصل اليه أحد من البشر، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله
بحيث لم يتعلم الخط الذى يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما ، فكان الجمع بين هاتين
الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى
المعجزات .
﴿الصفة الرابعة) قوله تعالى ﴿الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل)
وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والانجيل، لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا
لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله، لأن الاصرار على
الكذب والبهتان من أعظم النفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس
عن قبول قوله: فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والانجيل
وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته .
﴿ الصفة الخامسة) قوله ( يأمرهم بالمعروف) قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله
( يأمرهم بالمعروف) استئنافا ، ويجوز أن يكون المعنى ( يجدونه مكتوبا عندهم ) أنه ( يأمرهم
بالمعروف) وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام ((التعظيم لأمر
الله والشفقة على خلق الله)) وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود
لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله . ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته
وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال مبرأ عن
النقائص والآفات منزها عن الاضداد والانداد ، وأما الممكن لذاته فان لم يكن حيوانا ، فلا
سبيل الى إيصال الخير اليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فانه يجب النظر الى كلها بعين
التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت
دليلا قاهرا وبرهانا باهرا على توحيده ونتزيهه فانه يجب النظر اليه بعين الاحترام . ومن حيث
أن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية فيجب النظر إليها بعين
الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فانه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما
يقدر الانسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه
الصلاة والسلام (( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله كلمة جامعة لجميع جهات الأمر
بالمعروف)»
﴿ الصفة السادسة) قوله (وينهاهم عن المنكر ) والمراد منه أضداد الأمور المذكورة
وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين ، وقطع
الرحم ، وعقوق الوالدين .
.
٢٧
قوله تعالى ((الذين يتبعون الرسول النبي الأمى)) الآية سورة الأعراف
الصفة السابعة ﴾ قوله تعالى ( ويحل لهم الطيبات ) من الناس من قال : المراد
بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير
الآية ويحل لهم المحالات وهذا محض التكرير . الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن
الفائدة ، لأنا لا ندرى أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي ؟ بل الواجب أن يكون المراد
من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في المنافع
الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا
لدليل منفصل .
الصفة الثامنة ﴾ قوله تعالى ( ويحرم عليهم الخبائث ) قال عطاء عن ابن عباس ،
يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله ( ذلكم فسق ) وأقول : كل ما يستخبثه الطبع
وتستقذره النفس كان تناوله سببا للألم ، الأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما
يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه
الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب
الصحیحین أنه قال « الكلب خبیٹ ، وخبيث ثمنه )) واذا ثبت أن ثمنه خبیث وجب أن يكون
حراما لقوله تعالى ( ويحرم عليهم الخبائث ) وأيضا الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله ( إنما
الخمر والميسر) إلى قوله (رجس ) والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث
حرام لقوله تعالى ( ويحرم عليهم الخبائث )
﴿ الصفة التاسعة ) قوله تعالى (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم )
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحده ( آصارهم) على الجمع ، والباقون
( إصرهم ) على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإِصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه
يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد الى الكثرة ، كما قال ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم
وأبصارهم ) ومن جمع ، أراد ضروبا من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت
ضروبها كما في قوله ( وتظنون بالله الظنونا )
﴿ المسألة الثانية ﴾ الأصر الثقل الذى يأصر صاحبه ، أى يحبسه من الحراك لثقله،
والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله ( والأغلال التي كانت
عليهم ) المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع اثر البول ، وقتل النفس في
التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالا ، لأن التحريم
٢٨
قوله تعالى ((قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)) الاية سورة الاعراف
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَميعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ
لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ يُحْيِ ، وَيُحِيْتُ فَعَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الَِّ اَلْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِلهِ
وَكَلَتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٨
يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت الى الصلاة
لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم الى أعناقهم تواضعا لله تعالى، فعلى هذا القول الاغلال غير
مستعارة .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان
ضررا كان إصرا وغلا ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة
والسلام ((لا ضرر ولا ضرار)) في الاسلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام ((بعثت بالحنيفية
السهلة السمحة )) وهو أصل كبير في الشريعة .
واعلم أنه لما وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده
( فالذين آمنوا به ) قال ابن عباس : يعني من اليهود ( وعزروه ) يعني وقروه . قال صاحب
الكشاف: أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة
القبيح .
ثم قال تعالى ﴿ونصروه﴾ أى على عدوه (واتبعوا النور الذى أنزل معه) وهو القرآن.
وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذى بيانه في القلوب كبيان النور .
فان قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما
أنزل مع جبريل .
قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن .
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات ﴿ قال أولئك هم المفلحون ﴾ أى هم الفائزون
بالمطلوب في الدنيا والآخرة .
قوله تعالى ﴿ قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا الذى له ملك السموات
والأرض لا إله إلا هو يحبي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ، الذى يؤمن بالله وكلماته
واتبعوه لعلكم تهتدون ﴾
قوله تعالى (( قل يا أيها الناس إنى رسول الله اليكم)) الآية سورة الاعراف ٢٩
اعلم أنه تعالى لما قال ( فسأكتبها للذين يتقون ) ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة
لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق
بالكلية . فقال ( قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا) وفي هذه الكلمة مسألتان :
المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث الى جميع
الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني : أن محمدا
رسول صادق مبعوث الى العرب . وغير مبعوث الى بني اسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم :
هذه الآية . لأن قوله ( يا أيها الناس ) خطاب يتناول كل الناس .
ثم قال ﴿ إني رسول الله اليكم جميعا﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثا الى جميع الناس،
وأيضا فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعى أنه مبعوث الى كل العالمين . فاما أن يقال :
إنه كان رسولاً حقا أو ما كان كذلك ، فان كان رسولا حقا ، امتنع الكذب علیه ، ووجب
الجزم بكونه صادقا في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه
مبعوثا الى جميع الخلق ، وجب كونه صادقا في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه
كان مبعوثا الى العرب فقط، لا الى بني إسرائيل .
وأما قول القائل : إنه ما كان رسولا حقا ، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولا الى العرب
والى غيرهم ، فثبت ان القول بأنه رسول الى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض.
إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعا ) من الناس من
قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما الأولون فقالوا : إنه دخله التخصيص
من وجهين : الأول : أنه رسول الى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين ، فاما اذا لم يكونوا من
جملة المكلفين لم يكن رسولا اليهم ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال (( رفع القلم عن
ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق )) والثاني : أنه
رسول الله الی کل من وصل اليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتی یمکنه عند ذلك
متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر
معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالاقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول
التخصيص في الآية من هذين الوجهين :
أما الأول : فتقريره أن قوله ( يا أيها الناس ) خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا
المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله ( يا أيها الناس ) ليسوا إلا المكلفين من
الناس ، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال : إن قوله ( يا أيها الناس ) عام دخله
٣٠
٠
قوله تعالى (( الذي له ملك السموات والارض) الآية سورة الاعراف
التخصيص .
﴿وأما الثاني﴾ فلأنه يبعد جدا أن يقال: حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم
يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام، وخبر معجزاته وشرائعه، وإذا كان ذلك
كالمستبعد لم يكن بنا حاجة الى التزام هذا التخصيص .
﴿ المسألة الثانية ﴾ هذه الآية وان دلت على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث الى
كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثا الى كل الخلق ،
بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثا الى كل الخلق ام لا ؟ الى
سائر الدلائل . فنقول : تمسك جمع من العلماء في أن أحدا غيره ما كان مبعوثا الى كل الخلق
لقوله عليه الصلاة والسلام ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، أرسلت إلى الأحمر
والأسود ، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت على عدوى بالرعب يرعب مني
مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي . وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي ))
ولقائل أن يقول : هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب ، لأنه لا يبعد أن
يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحصل لاحد
سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من
خواصه ، وأيضا قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثا الى جميع أولاده ، وعلى هذا التقدير فقد
كان مبعوثا الى جميع الناس ، وأن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة كان مبعوثا الى الذين
كانوا معه ، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم .
أما قوله تعالى ﴿ الذى له ملك السموات والأرض ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن
يقول للناس كلهم إني رسول الله اليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى .
واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة .
﴿ الأصل الأول﴾ إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا . والذى يدل عليه ما ذكره في
قوله تعالى ( الذى له ملك السموات والأرض ) وذلك لأن أجسام السموات والأرض ، تدل
على افتقارها الى الصانع الحي العالم القادر ، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ،
وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل الى
إثبات هذا الأصل ، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له
مؤثر ، لكن كان ذلك المؤثر موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء
٣١
قوله تعالى ((الذي له ملك السموات والارض)) الآية سورة الاعراف
والرسل عليهم السلام ممكنا .
﴿والأصل الثاني﴾ إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، واليه
الاشارة بقوله ( لا إله إلا هو ) وانما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل الى تقرير هذا
الأصل ، لأن بتقدير ان يكون للعالم إلهان ، وأرسل أحد الا لهين نبيا الى الخلق فلعل هذا
الانسان الذى يدعوه الرسول الى عبادة هذا الاله ما كان مخلوقا له ، بل كان مخلوقا للاله
الثاني ، وعلى هذا التقدير فانه يجب على هذا الانسان عبادة هذا الاله وطاعته ، فكان بعثة
الرسول اليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلما وباطلا . أما إذا ثبت أن الاله واحد ، فحينئذ يكون
جميع الخلق عبيدا له ، ويكون تكليفه في الكل نافذا وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازما ، فثبت
أن ما لم يثبت كون الاله تعالى واحدا لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على
التكاليف جائزا .
﴿ والأصل الثالث﴾ إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ، لأن
بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثا ولغوا ، والى تقدير
هذا الأصل الاشارة بقوله ( يحيي ويميت ) لأنه لما أحيا أولا ، ثبت كونه قادرا على الاحياء
ثانيا ، فيكون قادرا على الاعادة والحشر والنشر، وعلى هذا التقدير يكون الاحياء الأول إنعاما
عظيما ، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامة بتلك الطاعة قائما مقام الشكر عن
الاحياء الأول ، وأيضا لما دل الاحياء الأول على قدرته على الاحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادرا
على إيصال الجزاء اليه .
اعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال
الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم
سواه ، وأيضا إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، وأيضا إنه قادر على إيصال الجزاء اليهم بعد
موتهم ، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما
بحسب السبب الأول ، فانه يحسن من المولى مطالبة عبيده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب
السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما بحسب السبب
الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام الى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع
الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فانه
يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ،
فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلها حيا عالما قادرا ، وعلى أن هذا الاله واحد ،
وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب .
٠
:
٣٢
قوله تعالى ((فامنوا بالله ورسوله النبي الأمي)) الآية سورة الاعراف
واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر
بعده قوله ( فآمنوا بالله ورسوله ) وهذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه لما بين أولا أن
القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمدا رسول حق
من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولا ، ثم حصوله ثانيا ،
ثم إنه بدأ بقوله ( فآمنوا بالله ) لأنا بينا أن الايمان بالله أصل ، والايمان بالنبوة والرسالة فرع
عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله ( فآمنوا بالله ) ثم أتبعه بقوله ( ورسوله
النبي الأمي الذى يؤمن بالله وكلماته ) .
واعلم أن هذا إشارة الى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبيا حقا ، وتقريره : أن
معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على نوعين :
﴿ النوع الأول﴾ المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة ، وأجلها وأشرفها أنه كان
رجلا أميا لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتابا ، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ، لأنه
ما كانت مكة بلدة العلماء ، وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة
تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ، ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر
عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة
عليه ، مع أنه كان رجلا أميا لم يلق أستاذا ولم يطالع كتابا من أعظم المعجزات ، واليه
الاشارة بقوله ( النبي الأمي )
﴿ والنوع الثاني﴾ من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق
القمر ، ونبوع الماء من بين أصابعه . وهي تسمى بكلمات الله تعالى ، ألا ترى أن عيسى عليه
السلام ، لما كان حدوثه أمرا غريبا مخالفا للمعتاد ، لا جرم سماه الله تعالى كلمةٍ ، فكذلك
المعجزات لما كانت أمورا غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى ، وهذا النوع
هو المراد بقوله ( يؤمن بالله وكلماته ) أى يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه ،
فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبيا صادقا من عند الله .
واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجب
أن يذكر عقيبه الطريق الذى به يمكن معرفة شرعه على التفصيل ، وما ذاك إلا بالرجوع الى
أقواله وأفعاله واليه الاشارة بقوله تعالى ( واتبعوه )
واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل . أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل
المكلف كل ما يقوله في طرفي الأمر والنهي والترغيب والترهيب . وأما المتابعة في الفعل فهي
٣٣
قوله تعالى ((فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي)) الآية سورة الاعراف
عبارة عن الاتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك ، فثبت أن
لفظ ( واتبعوه ) يتناول القسمين . وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى ( واتبعوه )
.دليلا على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي ، ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه
بالدليل، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل انها من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم .
فان قيل : الشيء الذی أتی به الرسول يحتمل انه أتى به على سبيل ان ذلك كان واجباً
علیه ، ويحتمل أيضا أنه أتى به على سبيل أنذلك كان مندوبا ، فبتقدیر انه أتى به على سبيل
ان ذلك كان مندوبا ، فلو اتينا به على سبيل انه واجل علينا ، كان ذلك تركا لمتابعته ، ونقضا
لايعته . والآية تدل على وجوب متابعته ، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على
وجزبه علينا ..
قلنا : المتابعة في الفعل عبارة عن الاتيان بمثل الفعل الذى أتى به المتبوع ، بدليل أن من
أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل ، قيل : إنه تابعه عليه . ولولم يأت به ، قيل : إنه
خالفه فيه . فلما كان الاتيان بمثل فعل المتبوع متابعة، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب
على الأمة مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم . بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى
بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب . فنقول : حال الدواعي والعزائم غير معلوم ،
وحال الاتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم ، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن
حال العزائم والدواعي ، لكونها أمور مخفية عنا ، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل
الظاهر . لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها ، فزالت هذه الشبهة ، وتقريره : أن هذه الآية
دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا الاتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل .
إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال
قلنا : إن هذا العمل فعله أفضل من تركه ، وإذا كان الأمر كذلك : فحينئذ نعمل أن
الرسول قد أتى به في الجملة ، لأن العمل الضرورى حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب
طول عمره على ترك الأفضل ، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل . وأما أنه
هل أتى بالطرف الاحسن فهو مشكوك ، والمشكوك لا يعارض المعلوم ، فثبت أنه عليه السلام
أتى بالجانب الأفضل . ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية
( واتبعوه ) فهذا أصل شريف، وقانون كلي في معرفة الأحكام ، دال على النصوص لقوله تعالى
( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فوجب علينا مثله لقوله تعالى ( واتبعوه )
وأما قوله ﴿لعلكم تهتدون﴾ ففيه بحثان: أحدهما: أن كلمة ((لعل)) للترجي،
الفخر الرازي ج١٥ م٣
٣٤
قوله تعالى (( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق)) الآية سورة الاعراف
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
وذلك لا يليق بالله ، فلا بد من تأويله . والثاني : أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل
المكلفين الهداية والايمان على قول المعتزلة ، والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا
الكتاب مرارا كثيرة ، فلا فائدة في الاعادة .
قوله تعالى ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾
واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول ، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته ، ذكر أن من قوم
موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى اليه ، وبين أنهم جماعة ، لأن لفظ الأمة ينبىء عن
الكثرة ، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت ، وفي أى زمان كانت ؟ فقيل هم اليهود
الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام ، وابن
صوريا والاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد ، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة، يمكن الجواب
عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين ، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى ( إن إبراهيم
كان أمة ) وقيل : إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذى جاء به موسى ودعوا الناس اليه وصانوه
عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا
على ذلك الى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه ، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك ، وقال السدى
وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء ، بقي سبط في جملة الاثنتي عشر
فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم ، ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا
من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا ، منهم من قال : إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية الى الآن
ومنهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة ، وتركوا السبت
وتمسكوا بالجمعة ، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل اليهم منا أحد ولا الينا منهم أحد .
وقال بعض المحققين : هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال : وصل اليهم خبر محمد صلى الله
عليه وسلم ، أو ما وصل اليهم هذا الخبر .
فان قلنا : وصل خبره اليهم ، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار ، فكيف يجوز
وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ؟ وإن قلنا بأنهم لم يصل اليهم خبر محمد صلى
الله عليه وسلم ، فهذا بعيد ، لأنه لما وصل خبرهم الينا ، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل
أخبارهم ، فكيف يعقل أن لا يصل اليهم خبر محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد
امتلأت من خبره وذكره ؟
٣٥
قوله تعالى ((وقطعناهم اثني عشرة أسباطاً أمما)) الآية سورة الاعراف
وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَىْ عَثْرَةَ أَسْبَاطًا أَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ إِذْاسْتَسْقَهُ قَوْمُهُ أَنِ آَضْرِب
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَا عَثْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أَنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ
وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَثَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَ كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَارَزَقْتَكُمْ
وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (
١٦٠
فان قالوا : أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم الينا ولم يصل خبرنا اليهم ؟
قلنا : هذا ممنوع ، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا اليهم ، فهذا جملة ما قيل في هذا
الباب .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( يهدون بالحق ) أى يدعون الناس الى الهداية بالحق ( وبه
يعدلون ) قال الزجاج : العدل الحكم بالحق . يقال : هو يقضي بالحق ويعدل ، وهو حكم
عادل ، ومن ذلك قوله ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ) وقوله ( وإذا قلتم فاعدلوا )
قوله تعالى ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا الی موسی إذ استسقاه قومه أن
اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم
الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون ﴾
اعلم أن المقصود من هذه الآية ، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل : أحدهما : أنه
تعالى جعلهم اثني عشر سبطا ، وقد تقدم هذا في سورة البقرة ، او المراد أنه تعالى فرق بني
إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلا من أولاد يعقوب ، فميزهم وفعل
بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج والمرج . وقوله ( وقطعناهم ) أى صيرناهم قطعا أى
فرقا وميزنا بعضهم من بعض وقرىء ( وقطعناهم ) بالتخفيف وههنا سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعا، وهلا قيل: اثني
عشر سبطا ؟
والجواب : المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط، فوضع أسباطا
موضع قبيلة .
٣٦
قوله تعالى ((وكلوا من طيبات ما رزقناكم)) الآية سورة الأعراف
السؤال الثاني ﴾ قال ( اثنتي عشرة أسباطا ) مع ان السبط مذكر لا مؤنث .
الجواب قال الفراء : إنما قال ذلك ، لأنه تعالى ذكر بعده ( أمما ) فذهب التأنيث الى
الأمم
ثم قال : ولو قال : اثني عشر لأجل ان السبط مذكر كان جائزا . وقال الزجاج : المعنى
( وقطعناهم اثنتي عشرة ) فرقة ( أسباطا) فقوله ( أسباطا) نعت لموصوف محذوف، وهو
الفرقة . وقال أبو علي الفارسي : ليس قوله ( أسباطا) تمييزا ، ولكنه بدل من قوله ( اثنتي
عشرة )
وأما قوله ( أيما ) قال صاحب الكشاف : هو بدل من ( اثنتي عشرة ) بمعنى : وقطعناهم
أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه
الأخرى ولا تكاد تأتلف ، وقرىء ( اثنتي عشرة ) بكسر الشين .
النوع الثاني ﴾ من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى ( وأوحينا إلى موسى إذ
استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ) وهذه القصة أيضا قد تقدم ذكرها في سورة البقرة .
قال الحسن ما كان إلا حجرا اعترضه إلا عصا أخذها .
واعلم انهم كانوا ربما احتاجوا في التيه الى ماءيشربونه ، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام
أن يضرب بعصاه الحجر . وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة ، وقوله
( فانبجست ) قال الواحدى : فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره . يقال : بجس الماء وانبجس
وتبجس إذا تفجر ، هذا قول أهل اللغة ، ثم قال والانبجاس والانفجار سواء ، وعلى هذا
التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة ، وقال
آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة ، وطريق الجمع : ان الماء
ابتدأ بالخروج قليلا ، ثم صار كثيرا ، وهذا الفرق مروى عن أبي عمرو بن العلاء ، ولما ذكر
تعالى انه كيف كان يسقيهم ، ذكر ثانيا أنه ظلل الغمام عليهم . وثالثا : أنه أنزل عليهم المن
والسلوى ، ولا شك ان مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى ، لأنه تعالى سهل
عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس .
ثم قال ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك
غيره
ثم قال تعالى ﴿ وما ظلمونا﴾ وفيه حذف، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو
٣٧
قوله تعالى ((اذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية)) الآية سورة الأعراف
وَإِذْ قِيَلَ لَهُمُ أَسْكُنُوْ هَذِ الْقَرْيَةَ وَكُواْمِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَّةٌ وَأَدْخُواْ
الْبَابَ تُهْدًا نَّغْفِرْلَكُمْ خَطِيَفَاتِكُمْ سَرِيدُ الْمُحْسِينَ () فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَهُواْ
مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِىِ قِلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَ عَلَيْهِمْ رِبْامِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ
يَظْلُونَ
أنهم تعدوا ما أمرهم الله به ، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه ، أو
أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه ، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع الله منعهم منه ،
ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه ، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبه
بقوله ( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو
ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم .
قوله تعالى ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا
الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل
لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون ﴾
اعلم أن هذه القصة أيضا مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة .
بقي أن يقال : إن ألفاظ هذه الآية تخالف الفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه :
الأول : في سورة البقرة ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) وههنا قال ( وإذا قيل لهم اسكنوا هذه
القرية ) والثاني : أنه قال في سورة البقرة ( فكلوا ) بالفاء وههنا ( وكلوا ) بالواو . والثالث :
أنه قال في سورة البقرة ( رغدا) وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة . والرابع : أنه قال
في سورة البقرة ( وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) وقال ههنا على التقديم والتأخير .
والخامس : أنه قال في البقرة ( نغفر لكم خطاياكم ) وقال ههنا ( نغفر خطيئاتكم)
والسادس : أنه قال في سورة البقرة ( وسنزيد المحسنين ) وههنا حذف حرف الواو .
والسابع : أنه قال في سورة البقرة ( فأنزلنا على الذين ظلموا) وقال ههنا ( فأرسلناعليهم )
والثامن : أنه قال في سورة البقرة ( بما كانوا يفسقون ) وقال ههنا ( بما كانوا يظلمون ) واعلم
ان هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة .
٣٨
قوله تعالى ((أدخلوا الباب سجدا)) الآية سورة الاغراف
أما الأول ﴾ وهو أنه قال في سورة البقرة (ادخلوا هذه القرية) وقال ههنا ( اسكنوا)
فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ، ثم اسكنوها ثانيا .
وأما الثاني ﴾ فهو أنه تعالى قال في البقرة ( ادخلوا هذه القرية فكلوا) بالفاء . وقال
ههنا ( اسكنوا هذه القرية وكلوا ) بالواو والفرق ان الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها
ينعدم . فانه إنما يكون داخلا في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا .
إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا جرم يحسن
ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال ( ادخلوا هذه القرية ) وأما السكون فحالة مستمرة باقية .
فيكون الأكل حاصلا معه عقيبة فظهر الفرق .
وأما الثالث﴾ وهو أنه ذكر في سورة البقرة (رغدا) وما ذكره هنا فالفرق الأكل
عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة الى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك
الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله ( رغدا ) وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر انه لا يكون
في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله ( رغدا ) فيه .
وأما الرابع ﴾ وهو قوله في سورة البقرة ( وادخلوا الباب سجدا وقولو حطة ) وفي
سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين
الذكرين على الآخر ، ولا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى . وإظهار الخضوع
والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير .
وأما الخامس ﴾ وهو انه قال في سورة البقرة ( خطاياكم ) وقال ههنا ( خطيئاتكم )
فهو اشارة الى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي مغفورة عند الاتيان بهذا الدعاء
والتضرع .
﴿ وأما السادس ﴾ وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة ( وسنزيد) بالواو وههنا حذف
الواو فالفائدة في حذف الواو انه استئناف والتقدير : كان قائلا قال : وماذا حصل بعد
الغفران ؟ فقيل له ( سنزيد المحسنين )
وأما السابع ﴾ وهو الفرق بين قوله ( أنزلنا) وبين قوله (أرسلنا) فلأن الانزال لا
يشعر بالكثرة ، والارسال يشعر بها ، فكأنه تعالى بدأ بانزال العذاب القليل ، ثم جعله
كثيرا ، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله ( فانبجست ) وبين قوله ( فانفجرت )
﴿ وأما الثامن ﴾ وهو الفرق بين قوله ( يظلمون ) وبين قوله ( يفسقون ) فذلك لأنهم
٣٩
قوله تعالى ((واسألهم عن القرية)) الآية سورة الأعراف
وَسْكَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَّةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السِّبْتِ إِذْتَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ
يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرْعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَ تَأْتِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٦٢
موصوفون بكونهم ظالمين ، لأجل انهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين ، لأجل أنهم
خرجوا عن طاعة الله تعالى ، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين
الأمرين ، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام العلم بها عند الله
تعالى .
قوله تعالى ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم
حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون
اعلم ان هذه القصة أيضا مذكورة في سورة البقرة . وفيها مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (واسألهم ) المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم ، لأن
هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى ، وإنما المقصود من ذكر هذا السؤال
أحد أشياء : الأول : ان المقصودمن ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا
الذنب القبيح والمعصية الفاحشة تنبيها لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه
وسلم وبمعجزاته ليس شيئا حدث في هذا الزمان ، بل هذا الكفر والاصرار كان حاصلا في
أسلافهم من الزمان القديم .
والفائدة الثانية ﴾ أن الانسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا؟ ليعرف بذلك
أنه محيط بتلك الواقعة ، وغير ذاهل عن دقائقها ، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أميا
لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا
زيادة ولا نقصان ، كان ذلك جاريا مجرى المعجز .
﴿ المسألة الثانية ﴾ الأكثرون على أن تلك القرية أيلة. وقيل: مدين . وقيل طبرية ،
والعرب تسمي المدينة قرية ، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن
والحجاج يعني رجلين من أهل المدن ، وقوله ( كانت حاضرة البحر ) يعني قريبة من البحر
وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى ( ذلك لمن يكن أهله حاضري المسجد
٤٠
سورة الاعراف
قوله تعالى ((وإذا قالت امة منهم)) الاية
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتْقَونَ
الحرام ) وقوله ( إذ يعدون في السبت ) يعني يجاوزون حد الله فيه ، وهو اصطيادهم يوم السبت
وقد نهوا عنه ، وقرىء ( يعدون ) بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها الى
العين و(يعدون ) من الاعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا
يشتغلوا فيه بغير العبادة و ( السبت ) مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله ( إذ يعدون
في السبت ) معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم ، وكذلك قوله ( يوم سبتهم ) معناه : يوم
تعظيمهم أمر السبت ، ويدل عليه قوله (ويوم لا يسبتون ) ويؤكده أيضا قراءة عمر بن عبد
العزيز ( يوم أسباتهم ) وقرىء (لا يسبتون ) بضم الباء ، وقرأ علي رضي الله عنه ( لا
يسبتون ) بضم الياء من أسبتوا ، وعن الحسن ( لا يسبتون ) على البناء للمفعول ، وقوله ( إذ
تأتيهم حيتانهم ) نصب بقوله ( يعدون ) والمعنى : سلهم إذ عدوا في وقت الاتيان ، وقوله
( يوم سبتهم شرعا ) أى ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو
شارع ، ودار شارعة أى دنت من الطريق ، ونجوم شارعة أى دنت من المغيب . وعلى هذا
فالحيتان كانت تدنومن القرية بحيث يمكنهم صيدها ، قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا
باليوم الذى أمرتم به ، يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم
الصيد فيه وأمروا بتعظيمه ، فاذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون اليها في البحر ،
فاذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل ، وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، فذلك
معنى قوله ( ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) وقوله ( كذلك نبلوهم ) أى مثل ذلك البلاء الشديد
نبلوهم بسبب فسقهم ، وذلك يدل على ان من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا
والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا
يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير
الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر ، فلو وجب عليه رعاية الصلاح
والأصلح ، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن ذلك الكفر والمعصية .
فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا ان رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على
الله تعالى .
/ قوله تعالى ﴿ وإذ قالت أمة منهم لم تعطون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا
قالوا معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون .
١