Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
قوله ( ثم استوى على العرش ) من المتشابهات التي يجب تأويلها ، وهذه نكته لطيفة ، ونظير
هذا انه تعالى قال في أول سورة الأنعام ( وهو الله في السموات ) ثم قال بعده بقليل ( قل لمن ما
في السموات والأرض قل الله ) فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السموات ، فهو ملك
الله فلو كان الله في السموات لزم كونه ملكا لنفسه ، وذلك محال فكذا ههنا ، فثبت بمجموع هذه
الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله (ثم استوى على العرش ) على الجلوس
والأستقرار وشغل المكان والحيز وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن
نقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض
علمها الى الله، وهو الذي قررناه في تفسير قوله (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
يقولون آمنا به) وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه .
والقول الثاني ﴾ أن نخوض في تأويله على التفصيل ، وفيه قولان ملخصان :
الأول: ما ذكره القفال رحمه الله عليه فقال (العرش) في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه
الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك، يقال: ثل عرشه أي انتقض ملكه وفسد. واذا
استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه، واستقر على سرير ملكه،
هذا ما قاله القفال . وأقول : إن الذى قاله حق وصدق وصواب ، ونظيره قولهم للرجل
الطويل : فلان طويل النجاد وللرجل الذى يكثر الضيافة كثير الرماد ، وللرجل الشيخ فلان
اشتعل رأسه شيبا ، وليس المراد في شيء من هذه الالفاظ اجراؤها على ظواهرها ، انما المراد منها
تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا ههنا يذكر الاستواء على العرش ، والمراد نفاذ القدرة
وجريان المشيئة ، ثم قال القفال رحمه الله تعالى : والله تعالى لما دل على ذاته وعلى صفاته وكيفية
تدبيره العالم على الوجه الذى الفوه من ملوكهم ورؤسائهم استقر في قلوبهم عظمة الله وكمال
جلاله ، إلا أن كل ذلك مشروط بنفي التشبيه ، فاذا قال : إنه عالم فهموا منه أنه لا يخفي عليه
تعالى شيء ، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة ولا روية ولا باستعمال
حاسة ، وإذا قال : قادر علموا منه أنه متمكن من ايجاد الكائنات ، وتكوين الممكنات ثم
علموا بعقولهم أنه غني في ذلك الايجاد ، والتكوين عن الآلات والأدوات ، وسبق المادة والمدة
والفكرة والروية ، وهكذا القول في كل صفاته ، وإذا أخبر أن له بيتا يجب على عباده حجه
فهموا منه أنه نصب لهم موضعا يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت
الملوك والرؤساء لهذا المطلوب ، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ، وانه لم يجعل ذلك البيت
مسكنا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد بعينه عن نفسه ، فاذا أمرهم بتحميده وتمجيده
فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم

١٢٢
قوله تعالى ((يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا)) الآية سورة الأعراف
ولا يغتم بتركه والاعراض عنه .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد
وشاء من غیر منازع ولا مدافع ، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش ، أی حصل له تدبیر
المخلوقات على ما شاء وأراد ، فكان قوله ( ثم استوى على العرش ) أى بعد أن خلقها استوى
على عرش الملك والجلال . ثم قال القفال : والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس
( إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر )
فقوله ( يدبر الأمر ) جرى مجرى التفسير لقوله ( استوى على العرش ) وقال في هذه الآية التي
نحن في تفسيرها ( ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر
والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر ) وهذا يدل على أن قوله ( ثم استوى على
العرش ) إشارة إلى ما ذكرناه .
فان قيل : فإذا حملتم قوله ( ثم استوى على العرش ) على أن المراد : استوى على
ألملك، وجب أن يقال : اللّه لم يكن مستويا قبل خلق السموات والأرض .
قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادرا على تخليقها وتکوینها . وما کان مکونا
ولا موجدا لها بأعيانها بالفعل ، لأن إحياء زيد ، وإماتة عمرو، وإطعام هذا وإرواء ذلك لا
يحصل إلا عند هذه الأحوال ، فاذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال ، صح أن يقال :
إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه
الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السموات والأرض ، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع .
﴿ والوجه الثاني﴾ في الجواب أن يقال: استوى بمعنى. استولى، وهذا الوجه قد
أطلنا في شرحه في سورة طه فلا نعيده هنا .
والوجه الثالث ﴾ أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى: علا واستعلى على
الملك فيكون المعنى : أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك
والملكوت ، واعلم أنه تعالى ذكر قوله ( استوى على العرش ) في سور سبع . إحداها ههنا .
وثانيها : في يونس . وثالثها : في الرعد . ورابعها : في طه . وخامسها : في الفرقان .
وسادسها : في السجدة . وسابعها : في الحديد ، وقد ذكرنا في كل موضع فوائد كثيرة ، فمن
ضم تلك الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغا كثيرا وافيا بازالة شبه التشبيه عن القلب
والخاطر .

١٢٣
قوله تعالى ((والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره)) الآية سورة الأعراف
أما قوله ﴿ يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص
( يغشى ) بتخفيف الغين وفي الرعد هكذا ، وقرأ حمزه والكسائي وعاصم برواية أبي بكر
بالتشديد ، وفي الرعد هكذا . قال الواحدى رحمه الله : الاغشاء والتغشية الباس الشيء
بالشيء ، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمن التشديد قوله تعالى ( فغشاها ما غشى )
ومن اللغة الثانية قوله ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) والمفعول الثاني محذوف على معنى
فأغشيناهم العمى وفقد الرؤية .
المسألة الثانية ) قوله ( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا) يحتمل أن يكون المراد يلحق
الليل بالنهار ، وأن يكون المراد النهار بالليل ، واللفظ يحتملهما معا وليس فيه تغيير ، والدليل
على الثاني قراءة حميد بن قيس ( يَغْشِى الليلَ النهارِ ) بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أى
يدرك النهار الليل ويطلبه قال القفال رحمه الله : أنه سبحانه لما أخبر عباده باستوائه على العرش
عن استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته ، أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه منها ليضم
العيان الى الخبر ، وتزول الشبه عن كل الجهات ، فقال ( يغشى الليل النهار ) لأنه تعالى أخبر
في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة ، والفوائد الجليلة ، فان
بتعاقبهما يتم أمر الحياة ، وتكمل المنفعة والمصلحة .
المسألة الثالثة ) قوله ( يطلبه حثيثا) قال الليث : الحث : الاعجال ، يقال: حثثت
فلانا فأحتث ، فهو حثيث ومحثوث أى مجد سريع .
واعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة ، وذلك هو الحق ، لأن تعاقب
الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفتلك الأعظم ، وتلك الحركة اشد الحركات سرعة ، وأكملها
شدة ، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات . قالوا : الانسان اذا كان في العذو الشديد
الكامل ، فالى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل ، وإذا كان الأمر
كذلك كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة ، فلهذا السبب قال تعالى ( يطلبه حثيثا )
ونظير هذه الآية قوله سبحانه ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل
في فلك يسبحون ) فشبه ذلك السير وتلك الحركة بالسباحة في الماء ، والمقصود : التنبيه على
سرعتها وسهولتها وكمال إيصالها .
ثم قال تعالى ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ وفيه مسائل :

١٢٤
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر (والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) بالرفع على
معنى الابتداء والباقون بالنصب على معنى وجعل الشمس والقمر ، قال الواحدى والنصب هو
الوجه لقوله تعالى ( واسجدوا لله الذى خلقهن ) فكما صرح في هذه الآية أنه سخر الشمس
ولقمر كذلك يجب أن يحمل على أنه خلقها في قوله ( إن ربكم الله الذى خلق السموات
والأرض والشمس والقمر والنجوم) وهذا النصب على الحال أى خلق هذه الأشياء حال كونها
موصوفة بهذه الصفات والآثار والأفعال وحجة ابن عامر قوله تعالى ( وسخر لكم ما في
السموات وما في الأرض ) ومن جملة ما في السماء الشمس والقمر فلما أخبر أنه تعالى سخرها
حسن الاخبار عنها بأنها مسخرة كما أنك إذا قلت ضربت زيدا استقام أن تقول زيد مضروب .
﴿ المسألة الثانية﴾ في هذه الآية لطائف: فالأولى : أن الشمس لها نوعان من الحركة.
﴿ أحد النوعين﴾ حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة وبسبب هذه الحركة
تحصل السنة .
﴿ والنوع الثاني﴾ حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم وهذه الحركة تتم في اليوم
بليلة .
إذا عرفت هذا فنقول : الليل والنهار لا يحصل بسبب حركة الشمس وإنما يحصل بسبب
حركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش فلهذا السبب لما ذكر العرش بقوله ( ثم استوى على
العرش ) ربط به قوله ( يغشى الليل النهار ) تنبيها على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة
الفلك الأقصى لا حركة الشمس والقمر وهذه دقيقة عجيبة . والثانية : أنه تعالى لما شرح كيفية
تخليق السموات . قال ( فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ) فدلت
تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الأمر .
ثم قال بعده ﴿ ألا له الخلق والأمر﴾ وهو إشارة الى ان كل ما سوى الله تعالى اما من
عالم الخلق أو من عالم الأمر ، أما الذى هو من عالمٍ الخلق ، فالخلق عبارة عن التقدير ،
وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين ، فكان من عالم الخلق ، وكل ما كان
بريئا عن الحجمية والمقدار كان من عالم الأرواح ومن عالم الأمر ، فدل على انه سبحانه خص
كل واحد من أجرام الافلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك من الملائكة ، وهم من
عالم الأمر والأحاديث الصحيحة مطاقة لذلك ، ، وهي ما روى في الاخبار ان لله ملائكة
يحركون الشمس والقمر عند الطلوع وعند الغروب ، وكذا القول في سائر الكواكب ، وأيضا
قوله سبحانه ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) إشارة الى ان الملائكة الذين يقومون

١٢٥
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية : سورة الأعراف
بحفظ العرش ثمانية . ثم إذا دققت النظر علمت ان عالم الخلق في تسخير الله وعالم الأمر في
تدبير الله واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله فلهذا المعنى قال ( ألا له الخلق
والأمر )
ثم قال بعده ﴿ تبارك الله رب العالمين ) والبركة لها تفسيران: أحدهما : البقاء والثبات
والثاني : كثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه ، فان
◌َملتَ على الثبات والدوام ، فالثابت والدائم هو الله تعالى لأنه الموجود الواجب لذاته العالم لذاته
القائم بذاته الغنى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، فهو سبحانه مقطع
الحاجات ومنهى الافتقارات وهو غنى عن كل ما سواه في جميع الأمور وأيضا إن فسرنا البركة
بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى ، لأن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن
لذاته وكل الخيرات منه وكل الكمالات فائضة من وجوده وإحسانه ، فلا خير إلا منه ولا إحسان
إلا من فيضه ، ولا رحمة إلا وهي حاصلة منه ، فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه ، لا جرم كان
الثناء المذكور بقوله ( فتبارك الله رب العالمين ) إلا بکبر یائه وكمال فضله ونهاية جوده ورحمته .
﴿ المسألة الثالثة ) كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه يحتمل
وجوها : أحدها : أنا قد دللنا في هذا الكتاب العالي الدرجة أن الأجسام متماثلة ومتى كان
كذلك ، كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخير
· الشديد والتأثير القاهر والتدبيرات العجيبة ، في العالم العلوى والسفلى ، لا بد وأن يكون
لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات وهذه الأحوال ،
فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص ، عن قدرة
المدبر الحكيم ، الرحيم العليم . وثانيها : أن يقال : إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر
والكواكب ، سيرا خاصا بطيئا من المغرب الى المشرق وسيرا آخر سريعاً بسبب حركة الفلك
الاعظم ، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر الأفلال باعتبارها
صارت مستولية عليها ، قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق الى المغرب فأجرام
الأفلال والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر والقسر ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر
العرش بقوله ( ثم استوى على العرش ) رتب علیه حکمین : أحدهما : قوله ( يغشى الليل
النهار ) تنبيها على أن حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش . والثاني : قوله
( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) تنبيها على أن الفلك الأعظم الذى هو العرش
يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق الى المغرب وأنه تعالى أودع في جرم
العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب وتحريكها على خلاف مقتضى

١٢٦
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
طبائعها ، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها والعلم عند الله . وثانيها : أن أجسام
العالم على ثلاثة أقسام ، منها ما هي متحركة الى الوسط وهي الثقال . ومنها ما هي متحركة عن
الوسط، وهي الخفاف، ومنها ما هي متحركة معمن الوسط، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية ،
فانها مستديرة حول الوسط فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ولا
اليه ، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره ، حيث خص كل واحد من هذه الأجسام بخاصة معينة
وصفة معينة وقوة مخصوصة فلهذا السبب قال ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره )
ورابعها : أن الثوابت تتحرك في كل ستة وثلاثين ألف سنة دورة واحدة ، فهذه الحركة تكون
في غاية البطء . ثم ههنا دقيقة أخرى وهي أن كل كوكب من الكواكب الثابتة ، كان أقرب الى
المنطقة كانت حركته أسرع ، وكل ما كان أقرب الى القطب كانت حركته ابطأ ، فالكواكب
التي تكون في غاية القرب من القطب . مثل كوكب الجدى وهو الذى تقول العوام إنه هو
القطب ، يدور في دائرة في غاية الصغر ، وهو إنما يتمم تلك الدائرة الصغيرة جدا في مدة ستة
وثلاثين ألف سنة . فاذا تأملت أن تلك الحركة بلغت في البطء الى حيث لا توجد حركة في
العالم تشاركها في البطء ، فذلك الكوكب اختص بأبطأ حركات هذا العالم وجرم الفلك
الأعظم اختص بأسرع حركات العالم ، وفيما بين هاتين الدرجتين درجات لا نهاية لها في البطء
والسرعة ، وكل واحد من الكواكب والدوائر والحوامل والممثلات يختص بنوع من تلك
الحركات ، وأيضا فلكل واحد من تلك الكواكب مدارات مخصوصة ، فأسرعها هو المنطقة وكل
ما كان أقرب اليه فهو أسرع حركة مما هو أبعد منه ، ثم انه سبحانه رتب مجموع هذه الحركات
على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها سببا لحصول المصالح في هذا العالم . كما قال في أول
سورة البقرة ( ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات ) أى سواهن على وفق مصالح هذا
العالم ، وهو بكل شيء عليم ، أى هو عالم بجميع المعلومات . فيعلم أنه كيفينبغي ترتيبها
وتسويتها حتى تحصل مصالح هذا العالم ، فهذا أيضا نوع عجيب في تسخير الله تعالى هذه
الأفلاك والكواكب ، فتكون داخلة تحت قوله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره )
وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم ،
وذلك على خلاف المعتاد . فيقال لهذا المسكين إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت
فساد ما ذكرته ، وتقريره من وجوه : الأول : أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم
والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض ، وتعاقب الليل والنهار ، وكيفية أحوال الضياء
والظلام ، وأحوال الشمس والقمر والنجوم ، وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها
وأعادها مرة بعد أخرى ، فلولم يكن البحث عنها ، والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه

١٢٧
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
منها . والثاني : أنه تعالى قال ( أولم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من
فروج ) فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف
بناها وكيف خلق كل واحد منها . والثالث : أنه تعالى قال ( لخلق السموات والأرض أكبر من
خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام
السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس ، ثم انه تعالى رغب في التأمل في أبدان
الناس بقوله ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) فما كان أعلى شأنا وأعظم برهانا منها أولى بأن
يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع الله فيها من العجائب والغرائب . والرابع : أنه تعالى
مدح المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا
ما خلقت هذا باطلا ) ولو كان ذلك ممنوعا منه لما فعل . والخامس : أن من صنف كتابا شريفا
مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق فالمعتقدون في
شرفه وفضيلته فريقان : منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما
فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين ، ومنهم من وقف على تلك الدقائق على
سبيل التفصيل والتعيين ، واعتقاد الطائفة الأولى وان بلغ الى اقصى الدرجات في القوة والكمال
إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى . وأيضا فكل من كان وقوفه على دقائق
ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل .
إذا ثبت هذا فنقول : من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث فله
محدث ، فحصل له بهذا الطريق اثبات الصانع تعالى وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من
ضم الى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوى والعالم السفلي على سبيل التفصيل
فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريا
مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان
الى برهان آخر ، ومن دليل الى دليل آخر ، فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في تقوية اليقين
وإزالة الشبهات . فاذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد
والأسرار لا لتكثير النحو الغريب والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل
الله العون والعصمة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ الأمر المذكور في قوله ( مسخرات بأمره ) قد فسرناه بما سبق ذكره ،
وأما المفسرون فلهم فيه وجوه : أحدها : المراد نفاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبيين
عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر الكلام ، ونظيره في قوله تعالى ( ثم قال لها وللأرض
ائنيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) وقوله ( إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن

١٢٨
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
فيكون ) ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر الثاني الذى هو الكلام ، وقال : إنه تعالى أمر هذه
الأجرام بالسير الدائم والحركة المستمرة .
﴿ المسألة الخامسة﴾ أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ذكر
النجوم والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلها سببا لعمارة هذا العالم ، والاستقصاء في
تقريره لا يليق بهذا الموضع ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، والشمس
تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في الترطيب ، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات
والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة . ثم انه تعالى خص كل كوكب بخاصة
عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى ، وجعله معينا لهما في تلك التأثيرات والمباحث
المستقضاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان ، والقمر كالنائب ، وسائر
الكواكب كالخدم ، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه بذكر الشمس وثني بالقمر ثم أتبعه بذكر
سائر النجوم .
أما قوله تعالى ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ ففيه مسائل :
١
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله سبحانه
والدليل عليه أن كل من أوجد شيئا وأثر في حدوث شيء . فقد قدر على تخصيص ذلك الفعل
بذلك الوقت فكان خالقا ، ثم الآية دلت على أنه لا خالق إلا الله لأنه قال ( ألا له الخلق
والأمر ) وهذا يفيد الحصر بمعنى أنه لا خالق إلا الله، وذلك يدل على أن كل أمر يصدر عن
فلك أوملك أوجنى أو إنسى فخالف ذلك الأمر في الحقيقة هو الله سبحانه لا غير . وإذا ثبت
هذا الأصل تفرعت عليه مسائل : إحداها : انه لا إله إلا الله إذ لو حصل إلهان لكان الآله
الثاني خالقا ومدبرا وذلك يناقض مدلول هذه الآية في تخصص الخلق بهذا الواحد . وثانيها :
أنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم ، وإلا لحصل خالق سوى الله ، وذلك ضد مدلول
هذه الآية . وثالثها : أن القول باثبات الطبائع ، وإثبات العقول والنفوس على ما يقوله
الفلاسفة وأصحاب الطلسمات باطل ، وإلا لحصل خالق غير الله : ورابعها : خالق أعمال
العباد هو الله ، وإلا لحصل خالق غير الله . وخامسها : القول بأن العلم يوجب العالمية
والقدرة توجب القادرية باطل . وإلا لحصل مؤثر غير الله ، ومقدر غير الله ، وخالق غير الله ،
وانه باطل .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية غلى أن كلام الله قديم. قالوا : انه تعالى
ميز بين الخلق وبين الأمر ، ولو كان الأمر مخلوقا لما صح هذا التمييز . أجاب الجبائي : عنه بأنه

١٢٩
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر داخلا في الخلق فانه تعالى قال
( تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ) وآيات الكتاب داخلة في القرآن وقال ( إن الله يأمر بالعدل
والاحسان ) مع أن الاحسان داخل في العدل وقال ( من کان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل
وميكال ) وهما داخلان تحت الملائكة . وقال الكعبي : ان مدار هذه الحجة على أن المعطوف
يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فان صح هذا الكلام بطل مذهبكم لأنه تعالى قال
( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته ) فعطف الكلمات على الله فوجب أن
تكون الكلمات غير الله وكل ما كان غير الله فهو محدث مخلوق ، فوجب كون كلمات الله محدثة
مخلوقة . وقال القاضي : أطبق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام التنزيل ، بل المراد
به نفاذ إرادة الله تعالى لأن الغرض بالآية تعظيم قدرته ، وقال آخرون : لا يبعد أن يقال :
الأمر وان كان داخلا تحت الخلق إلا أن الأمر بخصوص كونه أمرا يدل على نوع آخر من
الكمال والجلال فقوله ( له الخلق والأمر ) معناه : له الخلق والايجاد في المرتبة الأولى ، ثم بعد
الايجاد والتكوين فله الأمر والتكليف في المرتبة الثانية . ألا ترى انه لو قال له الخلق وله التكليف
وله الثواب والعقاب ، كان ذلك حسنا مفيدا مع أن الثواب والعقاب داخلان تحت الخلق فكذا
ههنا . وقال آخرون : معنى قوله ( ألا له الخلق والأمر ) هو انه ان شاء خلق وان شاء لم يخلق
فكذا قوله ( والأمر ) يجب أن يكون معناه : انه ان شاء أمر وان شاء لم يأمر ، وإذا كان
حصول الأمر متعلقا بمشيئته لزم أن يكون ذلك الأمر مخلوقا كما أنه لما كان حصول المخلوق
متعلقا بمشيئته كان مخلوقا ، أما لو كان أمر الله قديما لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته ، بل
كان من لوازم ذاته . فحينئذ لا يصدق عليه أنه ان شاء أمر وان شاء لم يأمر ، وذلك ينفي
ظاهر الآية .
والجواب : انه لو كان الأمر داخلا تحت الخلق كان إفراد الأمر بالذكر تكريرا محضا ،
والأصل عدمه ، أقصى ما في الباب أنا تحملنا ذلك في صور لأجل الضرورة إلا ان الأصل عدم
التكرير . والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد ان يلزم غيره شيئا إلا الله سبحانه.
وإذا ثبت هذا فنقول : فعل الطاعة لا يوجب الثواب ، وفعل المعصية لا يوجب
العقاب ، وإيصال الألم لا يوجب العوض وبالجملة فلا يجب على الله لأحد من العبيد شيء
البتة ، إذ لو كان فعل الطاعة يوجب الثواب لتوجه على الله من العبد مطالبة ملزمة والزام جازم ،
وذلك ينافي قوله ( ألا له الخلق والأمر )
الفخر الرازي ج١٤ م٩

١٣٠
قوله تعالى ((ألاله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
﴿ المسألة الرابعة﴾ دلت هذه الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد اليه،
وأن الحسن لا يجوز أن يحسن لوجه عائد اليه لأن قوله ( ألا له الخلق والأمر ) يفيد انه تعالى له
ان يأمر بما شاء كيف شاء ، ولو كان القبيح يقبح لوجه عائد اليه لما صح من الله أن يأمر إلا لما
حصل منه ذلك الوجه ، ولا أن ينهي إلا عما فيه وجه القبح فلم يكن متمكنا من الأمر والنهي
كما شاء وأراد مع أن الآية تقتضي هذا المعنى .
﴿ المسألة الخامسة﴾ دلت هذه الآية على أنه سبحانه قادر على خلق عوالم سوى هذا
العالم كيف شاء وأراد وتقريره : انه قال ( إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض
والشمس والقمر والنجوم ) والخلق إذا أطلق أريد به الجسم المقدر أو ما يظهر تقديره في الجسم
المقدر ، ثم بين في آية أخرى انه أوحى في كل سماء أمرها وبين في هذه الآية انه تعالى خصص
كل واحد من الشمس والقمر والنجوم بأمره ، وذلك يدل على أن ما حدث بتأثير قدرة الله تعالى
فتميز الأمر والخلق ، ثم قال بعد هذا التفصيل والبيان ( ألا له الخلق والأمر ) يعني له القدرة
على الخلق وعلى الأمر على الاطلاق فوجب أن يكون قادرا على إيجاد هذه الأشياء وعلى تكوينها
كيف شاء وأراد ، فلو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والشمس والقمر
والنجوم في أقل من لحظة ولمحة لقدر عليه لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات
ولهذا قال المعرى في قصيدة طويلة له :
يأيها الناس كم الله من فلك
ثم قال في أثناء هذه القصيدة :
تجرى النجوم به والشمس والقمر
هنا على الله ماضینا وغابرنا
فما لنا في نواحي غيره خطر
﴿ المسألة السادسة﴾ قال قوم (الخلق) صفة من صفات الله وهو غير
المخلوق ، واحتجوا عليه بالآية والمعقول . أما الآية فقوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر )
قالوا : وعند أهل السنة ( الأمر ) لله لا بمعنى كونه مخلوقا له ، بل بمعنى كونه صفة له فكذلك
يجب أن يكون ( الخلق ) لله لا بمعنى كونه مخلوقا له بل بمعنى كونه صفة له ، وهذا يدل على أن
الخلق صفة قائمة بذات الله تعالى . وأما المعقول فهو أنا إذا قلنا : لم حدث هذا الشيء ولم
وجد بعد ان لم يكن ؟ فنقول : في جوابه لأنه تعالى خلقه وأوجده فحينئذ يكون هذا التعليل
صحيحا ، فلو كان كونه تعالى خالقا له نفس حصول ذلك المخلوق لكان قوله انه انما حدث
لأنه تعالى خلقه وأوجده جاريا مجرى قولنا : انه انما حدث لنفسه ولذاته لا لشيء آخر ، وذلك
محال باطل ، لأن صدق هذا المعنى ينفي كونه مخلوقا من قبل الله تعالى . فثبت أن كونه تعالى

١٣١
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
خالقا للمخلوق مغايرا لذات ذلك المخلوق ، وذلك يدل على أن الخلق غير المخلوق وجوابه :
لو كان الخلق غير المخلوق لكان ان كان قديما لزم من قدمه قدم المخلوق . وان كان حادثا افتقر
الى خلق آخر ولزم التسلسل وهو محال .
﴿ المسألة السابعة) ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله، فكذلك لا أمر إلا لله
وهذا يتأكد بقوله تعالى ( إن الحكم إلا الله) وقوله ( فالحكم الله العلى الكبير ) وقوله ( للّه الأمر
من قبل ومن بعد ) إلا أنه مشكل بالآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون
عن أمره) وأما الخبر فقوله عليه السلام ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم))
والجواب : أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن أمر الله قد حصل ،
فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره . والله أعلم .
﴿ المسألة الثامنة ) قوله ( ألا له الخلق والأمر ) يدل على أن الله أمرا ونهيا على عباده.
وأن له تكليفا على عباده ، والخلاف مع نفاة التكليف. واحتجوا عليه بوجوه : أولها : أن
المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع . فكان الأمر به بما يمتنع وقوعه وهو محال ،
وثانيها : أنه تعالى إن خلق الداعي الى فعله ، كان واجب الوقوع ، فلا فائدة في الأمر ، وإن
لم يخلق الداعي اليه كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الأمر به . وثالثها : أن أمر الكافر
والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض ، لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع ، امتنع أن يصدر
عنه الايمان والطاعة . إلا اذا صار علم الله جهلا ، والعبد لا قدرة له على تجهيل الله، واذا
تعذر اللازم تعذر الملزوم . فوجب أن يقال : لا قدرة للكافر والفاسق على الايمان والطاعة
أصلا ، واذا كان كذلك لم يحصل من الأمر به إلا مجرد استحقاق العقاب ، فيكون هذا الأمر
والتكليف إضرارا محضا من غير فائدة البتة ، وهو لا يليق بالرحيم الحكيم ، ورابعها : أن الأمر
والتكليف إن لم يكن لفائدة فهو عبث ، وإن كان لفائدة عائدة الى المعبود فهو محتاج وليس
باله ، وإن كان لفائدة عائدة الى العابد . فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل النفع ، ودفع
الضرر، والله تعالى قادر على تحصيلها بالتمام والكمال من غير واسطة التكليف، فكان توسيط
التكليف إضرارا محضا من غير فائدة ، وأنه لا يجوز .
واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنه يحسن منه أن يأمر عباده ، وأن يكلفهم بما شاء .
واحتج عليه بقوله ( ألا له الخلق والأمر ) يعني لما كان الخلق منه ثبت أنه هو الخالق لكل
العبيد ، واذا كان خالقا لهم كان مالكا لهم ، واذا كان مالكا لهم حسن منه أن يأمرهم
وينهاهم ، لأن ذلك تصرف من المالك في ملك نفسه ، وذلك مستحسن ، فقوله سبحانه ( ألا

١٣٢
قوله تعالى ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) الآية سورة الأعراف
له الخلق والأمر ) يجري مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء
كيف شاء .
﴿ المسألة التاسعة﴾ دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد
كونه خالقا لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل صلاحا ، ولا كما يقولونه أيضا من
حيث العوض والثواب ، لأنه تعالى ذكر أن الخلق له أولا ، ثم ذكر الأمر بعده ، وذلك يدل
على أن حسن الأمر معلل بكونه خالقا لهم موجدا لهم ، واذا كانت العلة في حسن الأمر
والتكليف، هذا القدر سقط اعتبار الحسن ، والقبح ، والثواب ، والعقاب في اعتبار حسن
الأمر والتكليف .
﴿ المسألة العاشرة﴾ دعت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر، وكان
من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل ، إلا أنه إنما خطرت بالبال في هذا الوقت ،
والدليل عليه قوله تعالى ( ألا له الخلق والأمر ) فدل ذلك على أن له الأمر ، واذا ثبت هذا
وجب أن يكون له النهي ، والخبر ، والاستخبار ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق .
﴿ المسألة الحادية عشرة﴾ أنه تعالى بين كونه تعالى خالقا السموات والأرض والشمس
والقمر والنجوم .
ثم قال ﴿ ألا له الخلق والأمر﴾ أى لا خالق إلا هو .
ولقائل أن يقول : لا يلزم من كونه تعالى خالقا لهذه الأشياء أن يقال : لا خالق على
الاطلاق إلا هو، فلم رتب على إثبات كونه خالقا لتلك الأشياء إثبات أنه لا خالق إلا هو على
الاطلاق ؟ فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقا لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقا
لكل الممكنات ، وتقريره : أن افتقار المخلوق الى الخالق لا مكانه ، والامكان واحد في كل
الممكنات ، وهذا الامكان إما أن يكون علة للحاجة الى مؤثر متعين ، أو الى مؤثر غير متعين .
والثاني باطل ، لأن كل ما كان موجودا في الخارج ، فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ما لا
يكون متعينا في نفسه لم يكن موجودا في الخارج . وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون
· علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الامكان علة للحاجة الى موجد ومعين ، فوجب أن
يكون جميع الممكنات محتاجا إلى ذلك المعين . فثبت أن الذى يكون مؤثرا في وجود شيء
واحد ، هو المؤثر في وجود كل الممكنات .

١٣٣
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية)) الآية سورة الأعرافى
أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرَّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (® وَلَا تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَئِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (
أما قوله تعالى ﴿ تبارك الله رب العالمين﴾ فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقا
للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، والنجوم وبين
كون الكل مسخرا في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له الحكم والأمر والنهي والتكليف ، بين
أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، فقال ( تبارك الله رب العالمين) وقد تقدم تفسير
( تبارك ) فلا نعيده .
واعلم أنه تعالى بدأ في أول الآية : رب السموات والأرضين ، وسائر الأشياء
المذكورة ، ثم ختم الآية بقوله ( تبارك الله رب العالمين) والعالم كل موجود سوى الله تعالى ،
فبین کونه رباً وإلهاً وموجودا ومحدثا لكل ما سواه ، ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن
ومتفضل ، وهذا آخر الكلام في شرح هذه الآية .
قوله تعالى ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد
إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة ، وعند هذا تم
التكليف المتوجه الى تحصيل المعارف النفسانية ، والعلوم الحقيقية ، أتبعه بذكر الاعمال اللائقة
بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع ، فان الدعاء مخ العبادة ، فقال ( ادعوا ربكم
تضرعا وخفية ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( ادعو ربكم) فيه قولان: قال بعضهم (اعبدوا) وقال
آخرون : هو الدعاء ، ومن قال :الاول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من الله تعالى ، وهذه
صفة العبادة ، لأنه يفعل تقربا ، وطلبا للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله ( وادعوه خوفا
وطمعا) والمعطوف ينبغي أن يكون مغايرا للمعطوف عليه . والقول الثاني هو الاظهر ، لأن
الدعاء مغاير للعبادة في المعنى .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الدعاء فمنهم من أنكره ، واحتج على صحة

١٣٤
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية)) الآية سورة الأعراف
قوله باشياء : الأول : ان المطلوب بالدعاء ان كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع
وقوع التغيير في علم الله تعالى ، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة ، وان كان معلوم
اللا وقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضا في طلبه . الثاني : أنه تعالى ان كان قد أراد في
الأزل إحداث ذلك المطلوب ، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أولم يحصل ، وان كان قد
أراد في الأزل ان لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب ، وإن قلنا انه ما أراد في الأزل
إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه ، ثم انه عند ذلك الدعاء ، صار مريدا له لزم وقوع
التغير في ذات الله وفي صفاته ، وهو محال . لأن على هذا التقدير : يصير إقدام العبد على
الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله تعالى ، فيكون العبد متصرفا في صفة الله بالتبديل
والتغيير ، وهو محال . والثالث : ان المطلوب بالدعاء ان اقتضت الحكمة والمصلحة اعطاءه ،
فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلا وان اقتضت الحكمة منعه ،
فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه . والرابع : ان الدعاء غير الأمر ،
ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة ، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر
الله سوء أدب ، وانه لا يجوز. الخامس: الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على ارشاد ربه وإلهه
الى فعل الأصلح والأصوب ، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الاله على شيء ما كان منتبها له ،
وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الاحسان والفضل فانت بهذا تحمله على الاقدام على الاحسان
والفضل ، وذلك جهل . السادس : ان الاقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ
لو رضى بما قضا- اللّه عليه لترك تصرف نفسه ، ولما طلب من الله شيئا على التعيين وترك الرضا
بالقضاء أمر من المنكرات . السابع : كثيرا ما يظن العبد بشيء كونه نافعا وخيرا . ثم انه عند
دخوله في الوجود يصير سببا للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة ، وإذا كان كذلك كان طلب
الشيء المعين من الله غير جائز ، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير، وذلك حاصل من الله
تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه . فلم يبق في الدعاء فائدة . الثامن : ان الدعاء
عبارة عن توجه القلب الى طلب شيء من الله تعالى ، وتوجه القلب الى طلب ذلك الشيء المعين
يمنع القلب من الاستغراق في معرفة الله تعالى ، وفي محبته ، وفي عبوديته ، وهذه مقامات عالية
شريفة ، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموما . التاسع : روى أنه عليه
الصلاة والسلام. قال حاكيا عن الله سبحانه ((من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما
أعطى السائلين)) وذلك يدل على أن الأولى ترك الدعاء . العاشر: ان علم الحق محيط بحاجة
العبد ، والعبد إذا علم ان مولاه عالم باحتياجه ، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك
أدخل في الأدب ، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة ، ويطلب ما يدفع تلك
الحاجة ، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد ، وجب اعتبار مثله في حق الله سبحانه ،

١٣٥
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية)) الآية سورة الأعرافى
ولذلك يقال ان الخليل عليه السلام لما وضع في المنجنيق ليرمى الى النار . قال جبريل عليه
السلام أدع ربك. فقال الخليل عليه السلام حسبى من سؤالي علمه بحالي ، فهذه الوجوه هي
المذكورة في هذا الباب .
واعلم ان الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع أنواع
العبادات ، فانه يقال ان كان هذا الانسان سعيدا في علم الله فلا حاجة الى الطاعات
والعبادات ، وان كان شقيا في علمه فلا فائدة في تلك العبادات ، وأيضا يقال وجب أن لا يقدم
الانسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه ان كان هذا الانسان شبعان في علم الله تعالى فلا حاجة
الى أكل الخبز ، وان كان جائعا فلا فائدة في أكل الخبز ، وكما ان هذا الكلام باطل ههنا ، فكذا
فيما ذكروه ، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية ، وهذا هو
المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه ان الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من
نفسه كونه محتاجا الى ذلك المطلوب وكونه عاجزا عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه انه يسمع
دعاءه ، ويعلم حاجته وهو قادر على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك
الحاجة ، وإذا كان كذلك فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفا بالحاجة وبالعجز
وعرف كون الاله سبحانه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فلا مقصود من جميع التكاليف
إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية ، فاذا كان الدعاء مستجمعا لهذين المقامين لا جرم كان
الدعاء أعظم أنواع العبادات . وقوله تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) اشارة الى المعنى
الذى ذكرناه لأن التضرع لا يحصل إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد العبد نقصان
نفسه وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع ، فثبت ان المقصود من الدعاء
ما ذكرناه ، فثبت ان لفظ القرآن دليل عليه والذى يقوى ما ذكرناه ما روى أنه عليه السلام قال
((ما من شيء أكرم على الله من الدعاء والدعاء هو العبادة)) ثم قرأ (إن الذين يستكبرون عن
عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) وتمام الكلام في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في
تفسير قوله ( وإذا سألك عبادي عني فاني قريب ) والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ في تقرير شرائط الدعاء.
اعلم ان المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهدا لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهدا
لكون مولاه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فكل هذه المعني دخلت تحت قوله ( ادعوا
ربكم تضرعا ) ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص ، فلا بد من صونها عن الرياء
المبطل لحقيقة الاخلاص ، وهو المراد من قوله تعالى ( وخفية ) والمقصود من ذكر التضرع تحقيق

١٣٦
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين)) الآية سورة الأعراف
الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الاخفاء صون ذلك الاخلاص عن شوائب
الرياء ، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك ان قوله سبحانه ( تضرعا وخفية ) مشتمل على كل ما
يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء ، وانه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه . وأما تفصيل
الكلام في تلك الشرائط ، فقد بالغ في شرحها الشیخ سلیمان الحليمي رحمه الله علیه في کتاب
المنهاج فليطلب من هناك .
﴿والمسألة الثالثة﴾ ((التضرع)) التذلل والتخشع ، وهو إظهار ذل النفس من قولهم:
ضرع فلان لفلان ، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال ((والخفية )) ضد العلانية .
يقال : أخفيت الشيء إذا سترته ، ويقال ( خفية ) أيضا بالكسر، وقرأ عاصم وحده في رواية
أبي بكر عنه ( خفية ) بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام ، والباقون بالضم ، وهما لغتان :
واعلم أن الأخفاء معتبر في الدعاء ، ويدل عليه وجوه : الأول : هذه الآية فانه تدل
على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونا بالاخفاء ، وظاهر الأمر لوجوب ، فان لم يحصل الوجوب ،
فلا أقل من كونه ندبا .
ثم قال تعالى بعده ﴿ إنه لا يحب المعتدين﴾ والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في
ترك هذين الأمرين المذكورين ، وهما التضرع والاخفاء ، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة
عن الثواب ، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والاخفاء ، فان الله لا يثيبه البتة ، ولا
يحسن اليه ، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة ، فظهر أن قوله تعالى ( إنه لا يحب
المعتدين ) كالتهديد الشديد على ترك التضرع والاخفاء في الدعاء .
﴿ الحجة الثانية ﴾ أنه تعالى أثنى على زكريا فقال (إذ نادى ربه نداء خفيا) أى أخفاه
عن العباد وأخلصه لله وانقطع به اليه .
﴿ الحجة الثالثة﴾ ما روى أبو موسى الأشعرى، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد
فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام ((ارفقوا على أنفسكم إنكم لا
تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قریبا وإنه لمعكم "
﴿ الحجة الرابعة) قوله عليه السلام ((دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية))
وعنه عليه السلام ((خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي)) وعن الحسن أنه كان يقول : إن
الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره ، يفقه الكثير وما يشعر به الناس ، ويصلي الصلاة
الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما كانوا يبالغون في إخفاء

١٣٧
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين)) الآية، سورة الأعراف
الأعمال ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همسا ، لأن الله تعالى
قال ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وذكر الله عبده زكريا فقال ( إذ نادى ربه نداء خفيا )
﴿ الحجة الخامسة﴾ المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء
والسمعة ، فاذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة البتة ، فكان
الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصونا عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها ،
وهي : أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها ؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صونا لها عن
الرياء وقال آخرون ، الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في اداء تلك العبادات .
وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذى فقال : إن كان خائفا على نفسه من الرياء الأولى
الاخفاء صونا لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين الى حيث صار آمنا
عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الاظهار لتحصل فائدة الاقتداء .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله، إخفاء التأمين أفضل. وقال الشافعي
رحمه الله، إعلانه أفضل، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله، قال: في قوله ((آمين))
وجهان : أحدهما : أنه دعاء . والثاني : أنه من أسماء الله ، فان كان دعاء وجب إخفاؤه
لقوله تعالى ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وإن كا اسما من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله
تعالى ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ) فان لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن
بهذا القول نقول :
أما قوله تعالى ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى، لأن
القرآن نطق باثباتها في آيات كثيرة . واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع
وطلب التلذذ بالشيء ، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق ، واختلفوا في تفسير المحبة
في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال :
فالقول الأول ﴾ أنها عبارة عن إيصال الله الثواب والخير والرحمة الى العبد.
والقول الثاني ﴾ أنها عبارة عن كونه تعالى مريدا لايصال الثواب والخير الى العبد.
وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي : أنه تعالى هل هو موصوف بصفة الارادة أم لا ؟
قال الكعبي وأبو الحسين : إنه تعالى غير موصوف بالارادة البتة ، فكونه تعالى مريدا لأفعال
نفسه أنه موجد لها وفاعل لها ، وكونه تعالى مريدا لأفعال غيره كونه آمرا بها ولا يجوز كونه تعالى

١٣٨
قوله تعالى ((ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لا يحب المعتدين)) الآية سورة الأعراف
موصوفا بصفة الارادة . وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد اثبتوا كونه تعالى موصوفا بصفة
المريدية .
إذا عرفت هذا فمن نفى الارادة حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد إيصال الثواب الى
العبد ومن أثبت الارادة الله تعالى فسر محبة الله بارادته لايصال الثواب اليه ..
والقول الثالث ﴾ أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء كونه تعالى
مريدا لايصال الثواب اليه ، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب يجب ابنه فيترتب على تلك
المحبة إرادة إيصال الخير الى ذلك الابن فكانت هذه الارادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من
ثمراتها وفائدة من فوائدها . أقصى ما في الباب أن يقال : إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن
الشهوة وميل الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال ، إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن
يقال محبة الله تعالى صفة أخرى ، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها إرادة إيصال الخير
والثواب الى العبد ؟ أقصى ما في الباب ، أنا لا نعرف ان تلك المحبة ما هي وكيف هي ؟ إلا أن
عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء . ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه
تعالى مرئيا ، ثم يقولون إن تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان ، بل هي رؤية بلا
كيف، فلم لا يقولون ههنا أيضا أن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس بل
هي محبة بلا كيف؟ فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا إرادة إيصال الثواب ليس
لهم هلى هذا المحصر دليل قاطع . بل أقصى ما في الباب أن يقال لا دليل على إثبات صفة
أخرى سوى الارادة فوجب نفيها ، لكنا بينا في كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة
ساقطة .
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (إنه لا يحب المعتدين) أى المجاوزين ما أمروا به . قال
الكلبي وابن جريج : من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه ، فقد اعتدى وتعدى.
فيدخل تحت قوله ( إنه لا يحب المعتدين ) وقد بينا أن من لا يحبه الله فانه يعذبه ، فظاهر هذه
الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه ، فانه يكون معاقباً، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية
على القطع بوعيد الفساق ، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء
وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ ( المعتدين ) لفظ عام دخله الألف واللام ، فيفيد
الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب . الثاني : أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه ،

١٣٩
قوله تعالى ((ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها)) الآية سورة الأعراف
واذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد .
والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه المعلومات لا يفيد القطع
بالوعید
ثم قال تعالى ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) معناه ولا تفسدوا شيئا
في الأرض فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الاعضاء ، وإفساد الأموال
بالغضب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الانساب بسبب
الاقدام على الزنا واللواطة وسبب القدف، وافساد العقول بسبب شرب المسكرات ، وذلك لأن
المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة : النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول .
فقوله ( ولا تفسدوا) منع عن إدخال ماهية الافساد في الوجود ، والمنع من إدخال الماهية في
الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من الافساد في هذه الأقسام
الخمسة ، وأما قوله ( بعد إصلاحها ) فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على
الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح
الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال : لما أصلحت مصالح الأرض
بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا تقدموا على
تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فان ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج
في الأرض ، فيحصل الافساد بعد الاصلاح ، وذلك مستكره في بداهة العقول .
﴿ المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الاطلاق.
إذا ثبت هذا فنقول : ان وجدنا نصا خاصا دل على جواز الاقدام على بعض المضار قضينا
به تقديما للخاص على العام وإلا بقى على التحريم الذى دل عليه هذا النص .
واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق ) أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الاباحة والحل ،
ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه
الآية أنها تدل على أن الأصل في المضار والآلام ، الحرمة .
واذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية ، وجميع ما ذكرناه
من المباحث واللطائف في تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية ، فتلك الآية دالة على أن الأصل

١٤٠
قوله تعالى ((وادعوه خوفا وطمعا)) الآية سورة الأعراف
في المنافع الحل ، وهذه الآية دالة على أن الأصل في جميع المضار الحرمة ، وكل واحدة من هاتين
الآيتين مطابقة للأخرى مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها ، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة
تحت هذه العمومات ، وأيضا هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين
الخصمين ، فانه انعقد وصح وثبت ، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفسادا بعد الاصلاح ، والنص
يدل على أنه لا يجوز .
إذا ثبت هذا فنقول : أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله ( أوفوا
بالعقود ) وبعموم قوله تعالى ( لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا
تفعلون ) وتحت قوله ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) وتحت سائر العمومات الواردة
في وجوب الوفاء بالعهود والعقود .
إذا ثبت هذا فنقول : ان وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع التراضي به من
الجانبين غير صحيح ، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على العام ، والا حكمنا فيه بالصحة
رعاية لمدلول هذه العمومات . وبهذا الطريق البين الواضح ثبت أن القرآن واف ببيان جميع
أحكام الشريعة من أولها إلى آخرها .
ثم قال تعالى ﴿ وادعوه خوفا وطمعا ﴾ وفيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ قال في أول الآية ( ادعوا ربكم) ثم قال (ولا تفسدوا ) ثم قال
( وادعوه ) وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل .
والجواب : أن الذين قالوا في تفسير قوله ( ادعوا ربكم تضرعا) أى اعبدوه إنما قالوا
ذلك خوفا من هذا الاشكال .
فان قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وان قلنا المراد من قوله ( ادعوا ربكم تضرعا ) هو
الدعاء كان الجواب ان قوله ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون
مقرونا بالتضرع وبالاخفاء ، ثم بين في قوله ( وادعوه خوفا وطمعا ) أن فائدة الدعاء هو أحد
هذين الأمرين ، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة
الدعاء ومنفعته .
﴿ السؤال الثاني﴾ أن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من العقاب
والطمع في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : منهم من قال التكاليف إنما
وردت بمقتضى الالهية والعبودية ، فكونه إلها لنا وكوننا عبيدا له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر