Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ قوله تعالى ((ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم)) الآية سورة الأعراف ﴿ المسألة الثانية ) في قوله ( لا تفتح لهم أبواب السماء) أقوال . قال ابن عباس : يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله ، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى ( اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ومن قوله ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين) وقال السدى وغيره : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ، وتفتح لأرواح المؤمنين ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روى في حديث طويل : أن روح المؤمن يعرج بها الى السماء فيستفتح لها ، فيقال مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ، ويقال لها ذلك حتى تنتهي الى السماء السابعة ، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها إرجعي ذميمة ، فانه لا تفتح لك أبواب السماء . والقول الثالث ﴾ أن الجنة في السماء فالمعنى : لا يؤذن لهم في الصعود الى السماء . ولا تطرق لهم اليها ليدخلوا الجنة . والقول الرابع ﴾ لا تنزل عليهم البركة والخير ، وهو مأخوذ من قوله ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة أما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات ، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح الى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح ، وأماكن سعادتها ، ومنها تنزل الخيرات والبركات ، واليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات ، ولما كان الأمر كذلك كان قوله ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) من أعظم أنواع الوعيد والتهديد . أما قوله تعالى ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((الولوج)) الدخول، والجمل مشهور، و((السم)) بفتح السين وضمها ثقب الأبرة قرأ ابن سيرين ( سم ) بالضم ، وقال صاحب الكشاف : يروى ( سم ) بالحركات الثلاث ، وكل ثقب في البدن لطيف فهو (( سم)) وجمعه سموم ، ومنه قيل : السم القاتل . لانه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل الى القلب ، و( الخياط) ما يخاط به . قال الفراء : ويقال خياط ومخيط ، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف، وقناع ومقنع ، وانما خص الجمل من بين سائر الحيوانات ، لأنه أكبر الحيوانات جسما عند العرب . قال الشاعر : جسم الجمال وأحلام العصافير فجسم الجمل أعظم الأجسام ، وثقب الابرة أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالا ، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط ، وكان هذا الفخر الرازي ج١٤ م٦ ٨٢ قوله تعالى ((ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم)) الآية سورة الأعراف شرطا محالا ، وثبت في العقول ان الموقوف على المحال محال ، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسا منه قطعا . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ ابن عباس ( الجمل ) بوزن القمل، وسعيد ابن جبير ( الجمل ) بوزن النغر . وقرىء ( الجمل ) بوزن القفل ، و( الجمل ) بوزن النصب ، و( الجمل ) بوزن الحبل ، ومعناها : القلس الغليظ ، لأنه حبال جمعت جملة واحدة ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل . يعني : أن الحبل مناسب للخيط الذى يسلك في سم الابرة ، والبعير لا يناسبه . إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية، فقالوا: إن الأرواح التي كانت في أجساد البشرلما عصت وأذنبت ، فانها بعد موت الأبدان ترد من بدن الى بدن ، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل الى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط ، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي ، وحينئذ تدخل الجنة وتصل الى السعادة . واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف. والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿وكذلك نجزى المجرمين﴾ أى ومثل هذا الذى وصفنا نجزى المجرمين ، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون ، لأن الذى تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله ، والاستكبار عنها . واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة البتة بين أيضا أنهم يدخلون النار ، فقال ( لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((المهاد)) جمع مهد، وهو الفراش، قال الأزهرى: أصل المهد في اللغة الفرش ، يقال للفراش مهاد لمواتاته ، والغواشى جمع غاشية ، وهي كل ما يغشاك ، أى يجللك ، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف، وقيل اشتقاقها من الجهمة ، وهي الغلط، يقال : رجل جهنم الوجه غليظه ، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب . قال المفسرون : المراد من هذه الآية الاخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب ، فلهم منها غطاء ووطاء ، وفراش ولحاف . ﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: إن غواش ، على وزن فواعل ، فيكون غير منصرف، فكيف دخله التنوين ؟ وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع ، والجمع ٨٣ قوله تعالى ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا)) الآية سورة الأعراف وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَانُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَعْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾ وَعْنَمَا فِ صُدُورِهِمٍ مِّنْ غِلٍ تَخْرِى مِنْ تَتِهِمُ اْأَنْهَدُ وَقَالُوْلَمْدُ لِلِّالَّذِىِ هَدَ مِنَاِهِمْذَا وَمَا كَّ لِنَهْتَدِىَ لَوْلاَ أَنْ هَدَ ئِنَا اللهُ لَقَدْ بَتْ رُسُلُ رَبِّنَ بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُرُ الْجَنَّةُ أُورِنْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ أثقل من الواحد ، وهو أيضا الجمع الأكبر الذى تتناهى الجموع اليه ، فزاده ذلك ثقلا ، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة ، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوها بحذف يائه ، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل ، وصار غواش بوزن جناح ، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال . أما قوله ﴿ وكذلك نجزى الظالمين﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلها وعلى هذا التقدير : فالظالمون ههنا هم الكافرون . قوله عز وجل ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون ﴾ اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس هذا الكلام ، لأنه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل اليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب . وقال قوم : موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف، كأنه قيل : لا ٨٤ قوله تعالى ((ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم)) الآية سورة الأعراف نكلف نفسا منهم إلا وسعها ، وإنما حذف العائد للعلم به . المسألة الثانية ﴾ معنى الوسع ما يقدر الانسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة ، والدليل عليه : أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها . وأما أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا ، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود . المسألة الثالثة﴾ قال الجبائي: هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك ، واذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال ، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى ، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، لأنه تعالى إن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه ، فذلك تكليفه بما لا يطاق ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير مقدور ، وإن كلفه بُه حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضا تكليف ما لا يطاق ، لأن على هذا التقدير : لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا : وأيضا اذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل ، والكافر لا قدرة له على الايمان مع أنه مأمور به . فكان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ، ثبت فساد هذين الأصلين والجواب : أنا نقول وهذا الاشكال أيضا وارد عليكم ، لأنه تعالى يكلف العبد بايجاد الفعل ، حال استواء الدواعي الى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل ، لأن الايجاد ترجيح لجانب الفعل ، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال ، والثاني باطل ، لأن حال حصول الرحجان كان الحصول واجبا ، فان وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرا بتحصيل الحاصل ، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمرا بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحا ، فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين وهو محال ، فكل ما تجعلونه جوابا عن هذا السؤال ، فهو جوابنا عن كلامكم . والله أعلم . وأما قوله تعالى ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه ، والغل الحقد . قال أهل اللغة : وهو الذى يغل بلطفه الى صميم القلب ، اى يدخل ، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة الى الذنوب الدقيقة ، ويقال : انغل في الشيء ، وتغلغل فيه اذا دخل فيه بلطافة ، كالحب يدخل في صميم الفؤاد . إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان : القول الأول ﴾ أن یکون المراد أزلنا الاحقاد التي کانت لبعضهم على بعض في دار ٨٥ قوله تعالى ((وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا)) الآية سورة الأعراف الدنيا ، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع واسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب ، فان الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لألقاء الوساوس في القلوب ، والى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضى الله عنه فقال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) ﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب الكشاف: هذا التأويل أولى من الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبرى بعض أهل النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضا ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضا مفارقة لحال أهل النار . فان قالوا : كيف يعقل أن يشاهد الانسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ، ويرى نفسه محروما عنها عاجزا عن تحصيلها ، ثم أنه لا يميل طبعه اليها ، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فان عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضا أن يعيدهم الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ، والشرب ؟ والوقاع ويغنيهم عنها ؟ قلنا: الكل ممكن، والله تعالى قادر عليه ، إلا انه تعالى وعد بازالة الحقد والحسد عن القلوب، وما وعد بازالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس، فظهر الفرق بين البابين . ثم انه تعالى قال ﴿ تجرى من تحتهم الأنهار﴾ والمعنى : أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللذات العظيمة ، وقوله ( تجرى من تحتهم الأنهار ) من رحمة الله وفضله وإحسانه ، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية . ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا ﴿ الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ وقال أصحابنا : معنى (هدانا الله) أنه أعطى القدرة وضم اليها الداعية الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبا لحصول تلك الفضيلة . فانه لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضا لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضا . أما لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجبا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى ، وتخليقه وتكوينه . وقالت المعتزلة : التحميد انما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل ، وأزال الموانع ، وعند هذا يرجع الى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال . ٨٦ قوله تعالى ((لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة)) الآية سورة الأعراف ثم قال تعالى ﴿ وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر ((ما كنا)) بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام ، والباقون بالواو ، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله ( ما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه) جار مجرى التفسير لقوله ( هدانا لهذا) فلما كان أحدهما عين الآخر ، وجب حذف الحرف العاطف . ﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله) دليل على أن المهتدى من هداه الله ، وان لم يهده الله لم يهتد ، بل نقول : مذهب المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام ، والأولياء من أنواع الهداية والارشاد ، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وانما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر ، والمحق والمبطل بسعي نفسه ، واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه ، لأنه هو الذى حصل لنفسه الايمان ، وهو الذى أوصل نفسه الى درجات الجنان ، وخلصها من دركات النيرات ، فلما لم يحمد نفسه البتة ، وانما حمد الله فقط . علمنا أن الهادى ليس إلا الله سبحانه . ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا ﴿ لقد جاءت رسل ربنا بالحق ﴾ وهذا من قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ، وقالوا : لقد جاءت رسل ربنا بالحق . ثم قال تعالى ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى، أو أن يكون من الملائكة ، والأولى أن يكون المنادى هو الله سبحانه . ﴿ المسألة الثانية) ذكر الزجاج في كلمة ((أن)) ههنا وجهين: الأول: أنها مخففة من الثقيلة ، والتقدير : أنه والضمير للشأن ، والمعنى : نودوا بانه تلكم الجنة أى نودوا بهذا القول: والثاني: قال: وهو الأجود عندى أن تكون ((أن)) في معنى تفسير النداء ، والمعنى : ونودوا . أى تلكم الجنة ، والمعنى : قيل لهم تلكم الجنة كقوله ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا) يعني أى امشوا. قال: انما قال (( تلكم )، لأنهم وعدوا بها في الدنيا . فكأنه قيل : لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله ( أورثتموها ) فيه قولان : القول الأول﴾ وهو قول أهل المعاني أن معناه: صارت اليكم كما يصير الميراث الى أهله ، والأرث قد يستعمل في اللغة ، ولا يراد به زوال الملك عن الميت الى الحي كما يقال : هذا العمل يورثك الشرف، ويورثك العار أى يصيرك اليه ، ومنهم من يقول : إنهم أعطوا ٨٧ قوله تعالى ((لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم)) الآية سورة الأعراف تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيها بالميراث . ﴿ والقول الثاني﴾ أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار. قال صلى الله عليه وسلم (( ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فاذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا الى منازلهم فيها فقيل لهم : هذه منازلكم لو غملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين اهل الجنة منازلهم )) وقوله ( بما كنتم تعملون ) فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية فان الباء في قوله ( بما كنتم تعملون ) تدل على العلية ، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذه الجزاء ، وجوابنا : أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له ، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء ، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها ، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر . المسألة الثانية﴾ طعن بعضهم فقال : هذه الآية تدل على أن العبد انما يدخل الجنة بعمله ، وقوله عليه السلام ((لن يدخل أحد الجنة بعمله وانما يدخلها برحمة الله تعالى)) وبينهما تناقض ، وجواب ما ذكرنا : أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته ، وانما يوجبه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له ، وأيضا لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى . المسألة الثالثة ﴾ قال القاضي : قوله تعالى ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) خطاب عام في حق جميع المؤمنين ، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فانما يدخلها بعمله ، واذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول : أن الفساق يدخلون الجنة تفضلا من الله تعالى . إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة او لا يدخلها ، والثاني : باطل بالاجماع ، والأول لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق ، والأول باطل ، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحدا لا يدخل الجنة بالتفضل ، والثاني أيضا باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال : إنه كان مستحقا للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقا للثواب ، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة . والجمع بينهما ٨٨ قوله تعالى ((ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)) الآية سورة الأعراف وَنَادَىَّ أَعْحَبُ الْجَنَّةِ أَعْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدَثُ مَّ وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّ قَالُواْ نَعَمَّ فَأَذَّنَ مُؤَذِّدُ بَيْنَهُمْ أَن ◌َّعْنَهُ اللهِ عَلَى الظَّلِمِينَ ـمـ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بَِثِرَةِ كَفِرُونَ ٤٥ محال . وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . والجواب : هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ﴾ إعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان والطاعات أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين . وهي الأحوال التي ذكرها في هذه الآية . واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ) دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) دل ذلك على أن هذا النداء إنما حصل بعد الاستقرار ، قال ابن عباس : وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا ؟ والغرض من هذا السؤال إظهار أنه وصل الى السعادات الكاملة وايقاع الحزن في قلب العدو وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ إذا كانت الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء ؟ والجواب : هذا يصح على قولنا : لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ليس من موانع الادراك ، والتزم القاضي ذلك وقال : إن في العلماء من يقول في الصوت خاصية إن البعد فيه وحده لا يكون مانعا من السماع . ٨٩ قوله تعالى ((أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا)) الآية سورة الأعراف ﴿ السؤال الثاني﴾ هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض ؟ والجواب : ان قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) يفيد العموم . والجمع ، إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد ، وكل فريق من أهل الجنة ينادى من كان يعرفه من الكفار في الدنيا . ﴿ السؤال الثالث﴾ ما معنى ( أن ) في قوله ( أن قد وجدنا ) والجواب : انه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة ، وان تكون مفسرة كالتي سبقت في قوله ( أن تلكم الجنة ) وكذلك في قوله ( أن لعنة الله على الظالمين ) ﴿ السؤال الرابع ﴾ هلا قيل ( ما وعدكم ربكم حقا) كما قيل ( ما وعدنا ربنا) والجواب : قوله ( ما وعدنا ربنا حقا ) يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا الوعد ، وكونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف. ومزيد التشريف لأثق بحال المؤمنين ، أما الكافر فهو ليس أهلا لأن يخاطبه الله تعالى ، فلهذا السبب لم يذكر الله تعالى انه خاطبهم بهذا الخطاب بل ذكر تعالى انه بين هذا الحكم . أما قوله تعالى ﴿ قالوا نعم ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الآية تدل على ان الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته . فان قيل : لما كانوا عارفين بذاته وصفاته ، وثبت ان من صفاته انه يقبل التوبة عن عباده ، وعلموا بالضرورة ان عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب ، فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب ؟ وليس لقائل أن يقول انه تعالى إنما يقبل التوبة في الدنيا لأن قوله تعالى ( وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ) عام في الأحوال كلها ، وأيضا فالتوبة اعتراف بالذنب واقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . أجاب المتكلمون : بان شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن الاقدام على التوبة ولقائل أن يقول إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه المناظرات ، فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة ؟ ٩٠ قوله تعالى ((ان لعنة الله على الظالمين» الآية سورة الأعراف واعلم أن المعتزلة : الذين يقولون يجب على الله قبول التوبة لاخلاص لهم عن هذا السؤال . أما أصحابنا لما قالوا ان ذلك غير واجب عقلا . قالوا الله تعالى أن يقبل التوبة في الدنيا ، وأن لا يقبلها في الآخرة ، فزال السؤال . والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال سيبويه ( نعم ) عدة وتصديق ، وقال الذين شرحوا كلامه معناه : انه يستعمل تارة عدة ، وتارة تصديقا ، وليس معناه : انه عدة وتصديق معا ألا ترى أنه اذا قال : أتعطيني ؟ وقال نعم كان عدة ولا تصديق فيه ، واذا قال : قد كان كذا وكذا . فقلت : نعم فقد صدقت ولا عدة فيه ، وأيضا إذا استفهمت عن موجب كما يقال : أيقوم زيد؟ قلت : نعم ولو كان مكان الايجاب نفيا لقلت : بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن الايجاب ، ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى ( ألست بربكم قالوا بلى ) ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ الكسائي ( نعم) بكسر العين في كل القرآن . قال أبو الحسن ؛ هما لغتان قال أبو حاتم : الکسرليس بمعروف، وأحتج الكسائي بأنه روی عن عمر أنه سأل قوماً عن شىء فقالوا : نعم . فقال عمر : أما النعم فالابل . قال أبو عبيدة : هذه الرواية عن عمر غير مشهورة . أما قوله تعالى ﴿ فأذن مؤذن بينهم ﴾ ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالاعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها ، وقالوا في ( أذن مؤذن ) نادي مناد أسمع الفريقين . قال أبن عباس : وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور . ﴿ المسألة الثانية) قوله ( بينهم) يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله ( أذن ) والتقدير: أن المؤذن أوقع ذلك الأذان بينهم ، وفي وسطهم ، ويحتمل أن يكون صفة لقوله ( مؤذن ) والتقدير : أن مؤذنا من بينهم أذن بذلك الأذان ، والأول أولى والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿ أن لعنة الله على الظالمين ﴾ ففيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم (أن) مخففة (لعنة ) بالرفع والباقون مشددة ( لعنة ) بالنصب . قال الواحدي رحمه الله : من شدد فهو الأصل ، ومن خفف ( أن ) فهي مخفقة من الشديدة على إرادة إضمار القصة والحديث تقديره أنه لعنة الله ، ومثله قوله تعالى ( وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين ) التقدير : أنه ، ولا تخفف أن إلا ويكون معها إضمار الحديث والشأن . ويجوز أيضاً أن تكون المخففة هي التي للتفسير كأنها تفسير لما أذنوا به ٩١ قوله تعالى ((وبينهما حجاب وعلى الاعراف رجال)) الآية سورة الأعراف وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلُّ بِيَمَنْهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ وَ إِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرَهُمْ ٤٦ وَهُمْ يَطْمَعُونَ الْجَنَّة أن سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا كما ذكرناه في قوله ( أن قد وجدنا ) وروي صاحب الكشاف أن الأعمش قرأ ( أن لعنة الله ) بكسر (إن) على إرادة القول، أو على إجراء ( أذن) مجرى ((قال)) المسألة الثانية ﴾ أعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن ، أوقع لعنة الله على من كان موصوفاً بصفات أربعة . الصفة الأولى﴾ كونهم ظالمين. لأنه قال ( أن لعنة الله على الظالمين ) قال أصحابنا المراد منه المشركون ، وذلك لأن المناظرة المتقدمة إنما وقعت بين أهل الجنة وبين الكفار ، بدليل أن قول أهل الجنة هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ لا يليق ذكره إلا مع الكفار . وإذا ثبت هذا فقول المؤذن بعده ( أن لعنة الله على الظالمين ) يجب أن يكون منصرفاً إليهم ، فثبت أن المراد بالظالمين ههنا، المشركون ، وأيضاً أنه وصف هؤلاء الظالمين بصفات ثلاثة . هي مختصة بالكفار وذلك يقوى ما ذكرناه ، وقال القاضي المراد منه ، كل من كان ظالماً سواء كان كافراً أو كان فاسقاً تمسكاً بعموم اللفظ . الصفة الثانية ﴾ قوله ( الذين يصدون عن سبيل الله) ومعناه: أنهم يمنعون الناس من قبول الدين الحق ، تارة بالزجر والقهر ، وأخرى بسائر الحيل . الصفة الثالثة ) قوله ( ويبغونها عوجاً) والمراد منه إلقاء الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق . ﴿والصفة الرابعة) قوله (وهم بالآخرة كافرون) وأعلم أنه تعالى لما بين أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات الثلاثة ، كان ذلك تصريحاً بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين ، وذلك يدل على فساد ما ذكره القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ و بينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم ٩٢ قوله تعالى ((وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال)» الآية سورة الأعراف تِلْقَاءَ أَعَْبِ الَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ اَلَِّنَ تلقاء أصحاب الجنة قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) . أعلم أن قوله ﴿ وبينهما حجاب ﴾ يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين، وهذا الحجاب هو المشهور المذكور في قوله ( فضرب بينهم بسور له باب ) فإن قيل : وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار ؟ وقد ثبت أن الجنة فوق السموات وأن الجحيم في أسفل السافلين . قلنا : بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب ، وأما الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع ، ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، وكل مرتفع من الأرض عرف، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه . إذا عرفت هذا فنقول : في تفسير لفظ الأعراف قولان : ﴿القول الأول﴾ وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار ، وهذا قول ابن عباس ، وروي عنه أيضاً أنه قال : الأعراف شرف الصراط . والقول الثاني ﴾ وهو قول الحسن وقول الزجاج: في أحد قوليه أن قوله ( وعلى الأعراف) أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل الجنة والنار بسيماهم . فقيل للحسن : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ؟ فضرب على فخذيه ثم قال : هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار يميزون البعض من البعض ، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا ! أما القائلون بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم؟ ولقد كثرت الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين : أحدهما : أن يقال إنهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب ، الثاني : أن يقال أنهم أقوام يكونون في الدرجة السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه : أحدها : قال أبو مجلز . هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، فقيل له : يقول الله تعالى ( وعلى الأعراف رجال ) وتزعم أنهم ملائكة ؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث . ولقائل أن يقول : الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم بالرجولية . وثانيها : قالوا إنهم الأنبياء ٩٣ قوله تعالى ((يعرفون كلا بسيماهم)) الآية سورة الأعراف عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزاً لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهاراً لشرفهم ، وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة ، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وثالثها : قالوا : إنهم هم الشهداء ، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال قوم . إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ضاحكة مستبشرة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف أختصاص بهذه المعرفة ، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من أهل الجنة ومن أهل النار ، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله ( يعرفون كلا بسيماهم ) هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والايمان والصلاح ، وأهل الشر والكفر والفساد . وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية ، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل يشهدون على كل أحد بما يليق به ، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات، وأهل العقاب إلى الدركات . فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة باطلة ، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف أنهم ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، والملائكة والشهداء . أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر ، والسبب فيه أنه تعالى ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار ، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم بمشاهده تلك الأحوال ، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة ، فثبت أن كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم . وأما قوله ( وهم يطمعون ) فالمراد من هذا الطمع اليقين . ألا ترى أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) وذلك الطمع كان طمع يقين ، فكذا ههنا . فهذا تقرير قول من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة . ٩٤ قوله تعالى ((يعرفون كلا بسيماهم)) الآية سورة الأعراف والقول الثاني ﴾ وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً : أحدها : أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة وبين النار ، ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون الجنة ، وهذا قول حذيفة . وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء ، وطعن الجبائي والقاضي في هذا القول . واحتجوا على فساده بوجهين : الأول : أن قالوا أن قوله تعالى ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) يدل على أن كل من دخل الجنة فأنه لا بد وأن يكون مستحقاً لدخولها ، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة ولا النار ، ثم أنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق . وثانيهما : أن كونهم من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة ، وأهل النار ، وذلك تشريف عظيم ، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالاشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة ، فلا يليق بهم ذلك التشريف . والجواب عن الأول : أنه يحتمل ان يكون قوله ( ونودوا أن تلكم الجنة أو رثمتوها ) خطاب مع قوم معينين ، فلم يلزم ان يكون لكل أهل الجنة كذلك . والجواب عن الثاني: انا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والاكرام ، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار ، وهل النزاع إلا في ذلك ؟ فثبت أن الحجة التي عول عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفه . ﴿ الوجه الثاني﴾ من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الاعراف. قالوا المراد من أصحاب الاعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار . واعلم ان هذا القول داخل في القول الأول : لأن هؤلاء ، إنما صاروا من أصحاب الاعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم باجهاد ، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول . وبتقدير ان يصح ذلك الوجه . فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها . . ﴿ والوجه الثالث﴾ قال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة . : ٩٥ قوله تعالى ((ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم)) الآية سورة الأعراف والوجه الرابع ﴾ قال قوم انهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الاعراف فهذا كله شرح قول من يقول : الاعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار . وأما الذين يقولون الاعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار ؛ فهذا القول أيضا غير بعيد إلا ان هؤلاء الاقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة ، وأهل النار . وحينئذ يعود هذا القول إلى الأول ، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب . والله أعلم ، ثم انه تعالى أخبران أصحاب الاعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله ( بسيماهم ) على وجوه . فالقول الأول ) وهو قول ابن عباس: أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه ، كما قال تعالى ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلا من آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها فترة ، وكون عيونهم زرقا . ولقائل أن يقول : انهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات ؟ لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس ، وذلك باطل . وأيضا فهذه الآية تدل على ان أصحاب الاعراف مختصون بهذه المعرفة ، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص ، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة ، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص . والقول الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية أن أصحاب الاعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الايمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فاذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا ، وهذا الوجه هو المختار . أما قوله تعالى ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم﴾ فالمعنى انهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها ، وعند هذا تم كلام أهل الاعراف . ثم قال ﴿ يدخلوها وهم يطمعون﴾ والمعنى انه تعالى أخبر ان أهل الاعراف لم يدخلوا الجنة ، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها ، ثم ان قلنا أصحاب الاعراف هم الاشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا انه تعالى إنما أجلسهم على الاعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار ، ثم انه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كماروى عن النبي وَلِيم انه قال ((إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق ٩٦ قوله تعالى ((ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم » سورة الأعراف وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم ◌ِسِيمَنُهُمْ قَالُواْمَآ أَغْتَ عَنَكُمْ بَجْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبُونَ ﴾ أَهَؤُلاءِالَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَهُمُ اللهُبِرَحْمَةٍ أَدْ خُلُواْالْحَنَّةَ لَاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ السماء ، وأن أبا بكر وعمر منهم)) وتحقيق الكلام ان أصحاب الاعراف هم أشراف أهل القيامة ، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس اللّه أهل الاعراف في الأعراف، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة، فهم أبدا لا يجلسون إلا في الدرجات العالية . وأما ان فسرنا أصحاب الاعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا أنه تعالى يجلسهم في الاعراف وهم يطمعون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة. وأما قوله تعالى (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار) فقال الواحدي رحمه الله التلقاء جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة، ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك ، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا، ثم نقل الواحدي رحمه الله باسناده عن ثعلب عن السكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا: لم يأت من المصادر على تفعال ((إلا)) حرفان تبيان وتلقاء، فاذا تركت هذين استوى ذلك القياس، فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء ، مثل تسيار وترسال. وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء، مثل تمثال وتقصار، ومعنى الآية: أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم. والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال ، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق، فيصل بسببه لي الثواب المذكور في هذه الآيات، ويتخلص عن العقاب المذكور . قوله تعالى ﴿ ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة لا خوف علیکم ولا أنتم تحزنون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين بقوله ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا ) أتبعه أيضا بأن أصحاب الأعراف. ينادون رجالا من أهل النار ، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق إلا بهم ، وهو قولهم ( ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ٩٧ قوله تعالى ((ونادى اصحاب النار أصحاب الجنة ان أفيضوا)) الآية سورة الأعراف وَنَادَىَّ أَعَْبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ ئِمَّا رَزَقَكُمُ الله الَّذِينَ آََّذُواْ دِيَهُمْ لَهُوًا وَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ الْحَةُ الدُّنَّا فَالْيَوْمَ نَُمْ كَ نَسُواْلِقَاءُ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِغَايَئِنَا يَجْحَدُونَ تستكبرون ) وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم ، والمراد بالجمع ، إما جمع المال ، وإما الاجتماع والكثرة ( وما كنتم تستكثرون ) والمراد : استكبارهم عن قبول الحق ، واستكبارهم على الناس المحقين . وقرىء ( تستكثرون ) من الكثرة ، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب ، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام ، ثم زادوا على هذا التبكيت ، وهو قولهم ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ) فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة ، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم ، وربما هزؤا بهم ، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم ، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية ، لمن كان مستضعفا عنده قلق لذلك ، وعظمت حسرته وندامته على ما کان منه في نفسه . وأما قوله تعالى ﴿ ادخلوا الجنة﴾ فقد اختفوا فيه. فقيل هم أصحاب الأعراف، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول . وقيل : بل يقول بعضهم لبعض . والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة ، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم ، وعلى هذا التقدير فقوله ( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم ابرحمة ) من كلام أصحاب الأعراف . وقوله ( ادخلوا الجنة ) من كلام الله تعالى ، ولا بد ههنا من إضمار، والتقدير : فقال الله لهم هذا كما قال ( يريد أن يخرجكم من أرضكم ) وانقطع ههنا كلام الملأ . ثم قال فرعون ( فماذا تأمرون ) فاتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق ، فكذا ههنا . قوله تعالى ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ الفخر الرازي ج١٤ م٧ ٩٨ قوله تعالى ((ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا)) الآية سورة الأعراف اعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار ، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة . قال ابن عباس رض الله عنهما : لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة . طمع أهل النار بفرج بعد اليأس . فقالوا : يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فأمر الله الجنة فتزحزحت ، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من من النعيم فعرفوهم ، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم ، وقد اسودت وجوههم وصاروا خلقاً آخر ، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا ( أفيضوا علينا من الماء ) وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهيب لسبب شدة حرجهنم . وقوله ( أفيضوا) كالدلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار . فان قيل : أسألوا مع الرجاء ، والجواز ، ومع اليأس ؟ قلنا : ما حكيناه عن ابن عباس يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول . وقال القاضي : بل مع اليأس ، لأنهم قد عرفوا عقابهم وأنه لا يفتر عنهم ، ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد ، وإن علم أنه لا يغيثه . وقوله ( أو مما رزقكم الله ) قيل إنه الثمار، وقيل إنه الطعام ، وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد ، والجوع الشديد لهم ، عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع . ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم ، ويستغيثون إلى أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة : إن احرمهما على الكافرين ، ويقولون لمالك ( ليقض علينا ربك ) فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام ، ويقولون ( ربنا أخرجنا منها) فيجيبهم (أخسؤا فيهاولا تكلمون ) فعند ذلك ييأسون من كل خير ، ويأخذون في الزفير والشهيق . وعن ابن عباس رضى الله عنهما : أنه ذكر في صفة أهل الجنة أنهم يرون الله عز وجل كل جمعة ، ولمنزل كل واحدمنهم ألف باب ، فاذا رأوا الله تعالى ، دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال : إن نخل الجنة خشبها الزمرد ، وترابها الذهب الأحمر ، وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة ، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء ، أشد بياضا من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل ، لا عجم له ، فهذا صفة أهل الجنة ، وصفة أهل النار ، ورأيت في بعض الكتب : أن قارئاً قرأ قوله تعالى حكاية عن الكفار ( أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ) في تذكرة الأستاذ أبي على الدقاق ، فقال الأستاذ : هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والأكل ، وفي الآخرة بقوا على هذه الحالة ، وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه ، ثم بين ٩٩ قوله تعالى ((ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم)) الآية سورة الأعراف وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِيمِ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة ( إن الله حرمهما على الكافرين ) ولا شك أن ذلك يفيد الخيبة التامة ، ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم اتخذوا دینهم لهواً ولعباً ، وفيه وجهان : الوجه الأول ﴾ ان الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم ، تلاعبوا به ، وما كانوا فيه مجدین. ﴿والوجه الثاني﴾ أنهم اتخذوا اللهو واللعب ديناً لأنفسهم ، قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد المستهزئين المقتسمين . ثم قال ( وغرتهم حياة الدنيا ) وهو مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا ، لأن الانسان يطمع في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال ، وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين . غرقاً في طلب الدنيا . ثم لما وصف الله تعالى أولئك الكفار بهذه الصفات قال ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) وفي تفسير هذا النسيان قولان : القول الأول﴾ أن النسيان هو الترك. والمعنى: نتركهم في عذابهم مما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدى والأكثرين . والقول الثاني﴾ أن معنى ننساهم كما نسوا أي نعاملهم معاملة من نسى نتركهم في النار كما فعلوا هم في الاعراض بآياتنا ، وبالجملة فسمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم ، ثم بين تعالى أن كل هذه التشديدات إنما كان لأنهم كانوا بآياتنا يجحدون وفي الآية لطيفة عجيبة . وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم كانوا كافرين ثم بين من حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهواً أولا ، ثم لعباً ثانيا ، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا ، ثم صار عاقبة هذه الأحوال والدرجات أنهم جحدوا بآيات الله ، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة كما قال عليه الصلاة والسلام ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)) وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال . قوله تعالى ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة ، وأهل النار ، وأهل الأعراف، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملا للمكلف على الحذر والاحتراز وداعيا له الى النظر والاستدلال ، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية ١٠٠ قوله تعالى ((هل ينظروا إلا تأويله يوم يأتي تأويله)) الآية سورة الأعراف هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ, يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ, يَقُولُ الَّذِينَ نَّسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَشْفَعُوْ لَنَآَ أَوْ نُرَدُّ فَتَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كَانَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتُرُونَ. منفعته فقال ( ولقد جئناهم بكتاب ) وهو القرآن ( فصلناه ) أى ميزنا بعضه عن بعض ، تمييزا يهدى الى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط، فأما قوله ( على علم ) فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة ، والمنافع المتزايدة ، وقوله ( هدى ورحمة) قال الزجاج (هدى ) في موضع نصب أى فصلناه هاديا وذا رحمة وقوله ( لقوم يؤمنون ) يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين ، والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة (هدى للمتقين) واحتج أصحابنا بقوله (فصلناه على علم) على أنه تعالى عالم بالعلم، خلافا لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم. والله أعلم . قوله تعالى ﴿ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون اعلم أنه تعالى بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة ، بين بعده حال من كذب فقال ( هل ينظرون إلا تأويله ) والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع . فان قيل : کیف یتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وإنكارهم ؟ قلنا : لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا ، فلهذا السبب انتظروه وأيضا إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث أن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة ، وقوله ( إلا تأويله.) قال الفراء الضمير في قوله ( تأويله) للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب . والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب الى قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله) أى ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله ( يوم يأتي تأويله) يريد يوم القيامة ، قال الزجاج : قوله ( يوم) نصب بقوله ( يقول ) وأما قوله