Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ قوله تعالى ((اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم)) الآية : سورة الأعراف أولياء من شياطين الجن والانس فيحملُوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل ان يقول : الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذى أنزله الله تعالى أو غيره . أما الأول : فهو الذى أمر الله باتباعه . وأما الثاني : فهو الذى نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذى أنزله الله تعالى فانه لا يجوز اتباعه . إذا ثبت هذا فنقول : ان نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس . فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز فان قالوا : لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملا بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو كان عملا بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملا بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل . وأجاب عنه مثبتو القياس : بأن كون القياس حجة ثبت باجماع الصحابة الاجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم ، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون . وأجاب : الأولون بأنكم أثبتم أن الاجماع حجة بعموم قوله ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) وعموم قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وعموم قوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام ((لا تجتمع أمتي على الضلالة )) وعلى هذا فاثبات كون الاجماع حجة ، فرع عن التمسك بالعمومات ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل . فأجاب مثبتو القياس : بأن الآيات والأحاديث والاجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح . والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الحشوية الذين ينكرون النظر العقلى والبراهين العقلية، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية ، فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل . ٢٢ قوله تعالى ((وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا)) الآية سورة الأعراف وَكَ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا فَجَآءَها بَأْسُنَا بَعًا أَوْهُمْ قَآبِلُونَ (*) فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَ هُم بَأْسُنَآَ إِلَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن عامر (قليلا ما يتذكرون ) بالياء تارة والتاء أخرى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال ، والباقون بالتاء وتشديد الذال . قال الواحدي رحمه الله : تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة ، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن ادغام الانقص في الازيد ، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر . فالمعنى : قليل تذكركم ، وأما قراءة ابن عامر ( يتذكرون) بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي يعلو ، أي قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب ، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص ، خفيفة الذال شديدة الكاف، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله اعلم . قال صاحب الكشاف: وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا ) قوله تعالى ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون. فما كان دعواهم إذا جاءهم بأسنا إلا إن قالوا إنا كنا ظالمين﴾ أعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالانذار والتبليغ ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والاعراض عنها من الوعيد ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها . قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيدا ضربته، والنصب جيد عربي أيضا كقوله تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) . ﴿ المسألة الثانية) قيل: في الآية محذوف والتقدير: وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله ( فجاءها بأسنا ) والبأس لا يليق إلا بالأهل . وثانيها : قوله ( أوهم قائلون ) فعاد الضمير إلى أهل القرية . وثالثها : أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا باهلاكهم . ورابعها : أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم . ٢٣ قوله تعالى (( فما كان دعواهم اذ جاءهم بأسنا)) الآية سورة الأعراف فان قيل : فلماذا قال أهلكناها ؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى ( وكأين من قرية عتت ) فرده على اللفظ. ثم قال ( أعد الله لهم) فرده على المعنى دون اللفظ ، ولهذا السبب قال الزجاج : ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صوابا ، وقال بعضهم : لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في أهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها ، ولأن على هذا التقدير يكون قوله ( فجاءها بأسنا) محمولا على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول: قوله ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) يقتضي أن يكون الاهلاك متقدما على مجيء البأس وليس الأمر كذلك ، فان مجىء البأس مقدم على الاهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه : الأول : المراد بقوله ( أهلكناها ) أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا . وثانيها : كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) وثالثها : أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم أهلاكنا لم يكن السؤال واردافكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الاهلاك بلفظ البأس . فأن قالوا : السؤال باق ، لأن الفاء في قوله ( فجاءها بأسنا ) فاء التعقيب ، وهو يوجب المغايرة . فنقول : الفاء قد تجىء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعة فيغسل وجهه ويديه)) فالفاء في قوله فيغسل للتفسير، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه . فكذلك ههنا البأس جار مجرى التفسير ، لذلك الاهلاك ، لأن الاهلاك ، قد يكون بالموت المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم ، فكان ذكر البأس تفسيرا لذلك الاهلاك . الرابع : قال الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معا كما يقال : أعطيتني فاحسنت ، وما كان الاحسان بعد الاعطاء ولا قبله ، وإنما وقعا معا فكذا ههنا ، وقوله ( بياتا ) قال الفراء يقال : بات الرجل يبيت بيتا ، وربما قالوا بياتا قالوا : وسمي البيت بيتا لأنه يبات فيه . قال صاحب الكشاف : قوله ( بياتا ) مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله ( أوهم قائلون ) فيه بحثان : ﴿ البحث الأول ﴾ أنه حال معطوفة على قوله ( بياتا) كأنه قيل : فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين . قال الفراء : وفيه واو مضمرة ، والمعنى : أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون ، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف، ولو قيل : كان صوابا ، وقال الزجاج : أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف ، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وانه لا يجوز ، ولو قلت : جاءني زيد راجلا وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف . ٢٤ قوله تعالى (( فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين)) الآية سورة الأعراف فَلَنَفُصَّنَّ عَلَيْهِمِ بِعِلْمٍ وَمَامٌ فَلَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْعَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( غَابِينَ (® البحث الثاني ﴾ كلمة ((أو)) دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا ، وفي القيلولة قولان : قال الليث : القيلولة نومة نصف النهار . وقال الأزهري : القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، وأن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل عليه : أن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له ، أما ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم قائلون ، والمقصود : أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم إمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب ، فكأنه قيل : للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فان عذاب الله إذا وقع ، دفعة وقع دفعة من غير سبق إمازة فلا تغتروا بأحوالكم . ثم قال تعالى ﴿ فما كان دعواهم﴾ قال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء ، ومقام الدعاء . حكي سيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ، ودعوى المسلمين . قال ابن عباس : فما كان تضرعهم إذا جاءهم بأسنا إلا أن قالوا أنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك . قال ابن انباري : فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والاقرار بالاساءة وقوله ( الا أن قالوا ) الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعا بكان ويكون قوله ( دعواهم ) نصبا كقوله ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ) وقوله ( فكان عاقبتهما أنهما في النار ) وقوله ( وما كان حجتهم إلا أن ) قال ويجوز أن يكون أيضاً على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعا ، وان قالوا نصبا كقوله تعالى ( ليس البر أن تولوا ) على قراءة من رفع البر ، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فانت بالخيار في رفع أيهما شئت ، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وأن شئت كان زيدا أخوك . قال الزجاج : إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله ( دعواهم ) في موضع رفع أن يقول ( فما كانت دعواهم ) فلما قال : کان دل على أن الدعوى في موضع نصب ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز . تذكير الدعوى ، وأن كانت رفعا فنقول : كان دعواه باطلا ، وباطلة ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ﴾ ٢٥ قوله تعالى ((فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين)) الآية سورة الأعراف في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تقرير وجه النظم وجهان : ﴿ الوجه الأول﴾ أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة ، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا ، أتبعه بنوع آخر من التهديد ، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة . ﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى لما قال ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف . بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم ، وبين أن هذا السؤال لا يختص بأهل العقاب . بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب . ﴿ المسألة الثانية﴾ الذين أرسل إليهم. هم الأمة، والمرسلون هم الرسل، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ، ونظير هذه الآية قوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) ولقائل أن يقول : المقصود من السؤال أن يخبر المسؤل عن كيفية أعماله ، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين ، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده ؟ وأيضاً قال تعالى بعد هذه الآية ( فلنقصن عليهم بعلم ) فاذا كان يقصه عليهم بعلم ، فما معنى هذا السؤال . والجواب : أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين ، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير ، والمقصود منه التقريع والتوبيخ فان قيل : فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة ؟ قلنا : لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة التحق التقصير بكليته بالأمّة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ، ويتضاعف أسباب الخزى والاهانة في الكفار ، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم ثم قال تعالى ﴿ فلنقصن عليهم بعلم﴾ والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم ، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال ، ثم بين تعالى أنه أنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائبا عن أحوالهم بل كان عالما بها . وما خرج عن علمه شيء منها ، وذلك يدل على أن الالهية لاتكتمل إلا إذا كان الاله عالما ٢٦ قوله تعالى ((فلنقصن عليهم بعلم)) الآية ، سورة الأعراف بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي ، والمحسن عن المسيء ، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالما بالجزئيات ، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرا ناهيا مثيبا معاقبا ، ولهذا السبب فانه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالما بجميع المعلومات ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (فلنقصن عليهم بعلم﴾ يدل على أنه تعالى عالم بالعلم ، وأن قول من يقول : إنه لا علم اللّه قول باطل فان قيل : كيف الجمع بين قوله ( فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين ) وبين قوله ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) وقوله ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) قلنا فيه وجوه : أحدها : أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصوارف التي صرفتهم عنها . وثانيها : أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد الاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والاهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى ( ألم أعهد اليكم يا بني آدام ) قال الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ، ونظيره قوله تعالى ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) ثم قال ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) فان الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضاً، والدليل عليه قول ( وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ) وقوله ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضا على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والاكرام والوجه الثالث ﴾ في الجواب : أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال، وعن بعضها بعدم السؤال . ﴿ المسألة الرابعة) الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسلا اليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار . ﴿المسألة الخامسة﴾ الآية تدل على كونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، لأنه تعالى قال ( وما كنا غائبين ) ولو كان تعالى على العرش لكان غائبا عنا فإن قالوا : نحمله على أنه تعالى ما كان غائبا عنهم بالعلم والاحاطة . ٢٧ قوله تعالى ((والوزن يومئذٍ الحق)) الآية سورة الأعراف وَمَنْ خَفَّتْ وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ أَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®) مَوَّذِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُواْ بِعَايَتِنَا يَظْلُونَ قلنا : هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة . فأن قالوا : فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الاحياز والجهات ، فقد قلتم أيضا بكونه غائبا . قلنا : هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط بكونه مختصا بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة وكان ذلك محالا في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم . قوله تعالى ﴿ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسر وا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ﴾ أعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب ، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ (الوزن) مبتدأ و( يومئذ) ظرف له و( الحق ) خبر المبتدا ، ويجوز أن يكون ( يومئذ ) الخبر و( الحق ) صفة للوزن ، أي والوزن الحق ، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل ، ﴿ المسألة الثانية﴾ في تفسير وزن الأعمال قولان: الأول: في الخبر أنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ، ثم قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ) الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً ) وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه : أحدهما : أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة ، وأعمال الكافر قبيحة ، فتوزن تلك الصورة : كما ذكره ابن عباس : والثاني : أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة ، وسئل رسول الله بكثير عما يوزن يوم القيامة فقال ٢٨ قوله تعالى (( والوزن يومئذ الحق )) الآية سورة الأعراف . ((الصحف)) وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية، وعن عبدالله بن السلام ، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن اولأنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة ، وأخرى على جهنم ، ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن ، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه ، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَ ل﴾ (( يؤتي برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتي له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح)) وعن الحسن: بينما الرسول مَّ ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفي فسالت الدموع من عينها فقال ما أصابك ما أبكاك ؟ فقالت: ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحداً، فقال لها ((يحشرون حفاة عراة غرلا)) ( لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ) لا يذكر أحداً عند الصحف، وعند وزن الحسنات والسيئات ، وعن عبيد بن عمير يؤتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة . والقول الثاني ﴾ وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش ، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير اليه . وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة ، فلأن العدل في الأخذ والاعطاء ، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ، ومما يقوى ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال : إن فلاناً لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ويقال أيضاً فلان استخفبفلان ، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي يعادله ويساویه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا قوة عندي لكل مخاصم ميزانه أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلا للعدل. إذا ثبت هذا فنقول : وجب ان يكون المراد من هذه الآية المعنى فقط والدليل عليه ان الميزان، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان ، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت، ووزن المعدوم محال، وأيضاً فبتقدير بقائها كان وزنها محالا، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال او صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال. ٢٩ قوله تعالى ((ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا » الآية سورة الأعراف فنقول: المكلف يوم القيامة، إما أن يكون مقراً بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقراً بذلك فان كان مقراً بذلك ، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقراً بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات او بالعكس حصول الرجحان لاحتمال انه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والانصاف. فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه البتة ، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور ، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة، فان كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ، أزداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن کان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله ( ونضج الموازين القسط ليوم القيامة ) وقال في هذه الآية ( فمن ثقلت موازينه ) وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ، ولأفعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر . قال الزجاج : إثما جمع الله الموازين ههنا ، فقال ( فمن ثقلت موازينه ) ولم يقل ميزانه لوجهين : الأول : أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد . فيقولون : خرج فلان إلى مكة على البغال . والثاني : أن المراد من الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار اليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة ، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل . وأما قوله تعالى ﴿ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ﴾ أعلم أن هذه الآية فيها مسائل : المسألة الأولى ﴾ أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته،، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته ، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية فأنه غير موجود . المسألة الثانية ﴾ قال أكثر المفسرين المراد من قوله ( ومن خفت موازينه) الكافر ٣٠ قوله تعالى ((ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم)) سورة الأعراف والدليل عليه القرآن والخبر والأثر . أما القرآن فقوله تعالى ( فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) ولا معنى لكون الانسان ظالما بآيات الله إلا كونه كافراً بها منكراً لها ، فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر ، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله وسلّم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ملة بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت ؟ فيقول أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي على قد وفيتك أحوج ما تكون اليها ، وهذا الخبر رواه الواحدي في البسيط ، وأما جمهور العلماء فرووا ههنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقي في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . قال القاضي : يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات ، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتي بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره ، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى . ولقائل أن يقول : العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر ، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة ، وجب أن يكون أكثر ثوابا ، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأنا ، وأعظم درجة من سائر الأعمال ، فوجب أن يكون أوفى ثوابا ، وأعلى درجة من سائر الأعمال . وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر . وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضرمع الايمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين : أحدهما : الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح . والثاني : الذين رجحت كفة سيئاتهم، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله ، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب البتة . ونحن نقول في الجواب : أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) والمنطوق راجح على المفهوم ، فوجب المصير إلى إثباته ، وأيضاً فقال تعالى في هذا القسم ( فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فانه يعذب أياما ثم يعفى عنه ، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى ، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع. والله أعلم . ٣١ قوله تعالى ((ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها)) الآية سورة الأعراف وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِ الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ قوله تعالى ﴿ ولقد مکناکم في الأرض وجعلنا لكم فيها معایش قليلا ما تشکر ون في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا ، وهو قوله ( وكم من قرية أهلكناها ) ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين : أحدهما : السؤال ؛ وهو قوله ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) والثاني ؛ بوزن الأعمال ، وهو قوله ( والوزن يومئذ الحق ) رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت نعم الله عليهم ، وكثرة النعم توجب الطاعة ، فقال ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ) فقوله ( مكناكم في الأرض ) أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ومكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش، والمراد من المعايش: وجوه المنافع وهي على قسمين ، منها ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثله خلق الثمار وغيرها ، ومنها ما يحصل بالاكتساب وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه ، فيكون الكل إنعاما من الله تعالى ، وكثرة الانعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد ، ثم بين تعالى أنه مع هذا الافضال والانعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي ، فقال ( قليلا ما تشكرون ) وهذا يدل على أنهم قد يشكرون والأمر كذلك ، وذلك لأن الاقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل ، ونعم الله على الانسان كثيرة ، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون كثير الشكر ، وبعضهم يكون قليل الشكر . ﴿ المسألة الثانية﴾ روي خارجة عن نافع أنه همز (معائش) قال الزجاج: جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ( معائش ) خطأ ، وذكروا أنه إنما يجوز جعل الياء همزة. إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف، فاما ( معايش ) فمن العيش ، والياء أصلية ، وقراءة نافع لا أعرف لها وجها ، إلا أن لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة أسكن أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا صحيفة ، فجعل قوله ( معائش ) شبيها لقولنا صحائف فكما أدخلوا الهمزة في قولنا - صحائف- فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيه ، إلا أن الفرق ما ذكرناه أن الياء في - معيشة - أصلية وفي - صحيفة - زائدة . ٣٢ قوله تعالى (( ولقد خلقناكم ثم صورناكم)) الآية سورة الأعراف وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُرْ ثُمَ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لَآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيَسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السِّجِدِينَ قوله تعالى ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابلیس لم یکن من الساجدین ﴾ وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولا ثم بالترغيب ثانيا على ما بيناه ، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق ، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ) ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجودا للملائكة ، وانعام على الأب يجري مجرى الانعام على الأبن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات ، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) فمنع تعالى من المعصية بقوله ( كيف تكفرون بالله ) وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق ، وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعا من المنافع ، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجودا للملائكة ، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم عى أحسن الوجوه : ﴿ المسألة الثانية﴾ أعلم أنه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن في سبعة مواضع : أولها : في سورة البقرة ، وثانيها : في هذه السورة ، وثالثها : في سورة الحجر ، ورابعها : في سورة بني إسرائيل ، وخامسها : في سورة الكهف ، وسادسها ـ في سورة طه ، وسابعها : في سورة ص . إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية سؤال ، وهو أن قوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناکم ) یفید أن المخاطب بهذا الخطاب نحن ثم قال بعده ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وكلمة ( ثم ) تفيد التراخي ، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير هذه الآية على اربعة أقوال : الأول : أن قوله ٣٣ قوله تعالى (( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)) الآية سورة الأعراف ( ولقد خلقناكم ) أي خلقنا أباكم آدم وصورناكم ، أي صورنا آدم ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) وهو قول الحسن ويوسف النحوي وهو المختار ، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره ، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيرة قوله تعالى ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ) أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ، ويقال : قتلت بنو أسد فلانا ، وإنما قتله أحدهم . قال عليه السلام ، ثم أنتم ياخزاعة قد قتلتم هذا القتيل ، وإنما قتله أحدهم ، وقال تعالى مخاطبا لليهود في زمان محمد دية ( وإذ أنجيناكم من آل فرعون . وإذ قتلتم نفسا ) والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم ، فكذا ههنا . الثاني : أن يكون المراد من قوله ( خلقناكم ) آدم ( ثم صورناكم ) أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره ، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، وهذا قول مجاهد . فذكر أنه تعالى خلق آدم أولا ، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم . ﴿ الوجه الثالث ﴾ خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فهذه العطف يفيد ترتيب خبر على خبر ، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر . والوجه الرابع ﴾ أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير ، كما قررناه في هذا الكتاب ، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين فقوله ( خلقناكم ) إشارة إلى حكم الله وتقديره لاحداث البشر في هذا العالم . وقوله ( صورناكم ) إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبر أنه تعالى قال : أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فخلق الله عبارة عن حكمه ومشيئته ، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ، ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال : أحدها أن المراد منها مجرد التعظم لا نفس السجدة . وثانيها : أن المراد هو السجدة ، إلا أن المسجود له هو الله تعالى . فآدم كان كالقبلة . وثالثها: أن المسجود له هو آدم، وأيضاً ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السموات والعرش أو المراد ملائكة الأرض ففيه خلاف . وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة . الفخر الرازي ج١٤ م٣ ٣٤ قوله تعالى ((قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك)) الآية سورة الأعراف قَالَ مَامَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ (٢® قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ نَتَكَبَِّ فِيهَا فَأَنْحُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴿ المسألة الرابعة﴾ ظاهر الآية يدل على أنه تعالى استثنى إبليس من الملائكة، فوجب كونه منهم وقد استقصينا أيضاً هذه المسألة في سورة البقرة ، وكان الحسن يقول : إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور ، والملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعصون ، وليس كذلك إبليس ، فقد عصى واستكبر ، والملائكة ليسوا من الجن ، وإبليس من الجن ، والملائكة رسل الله ، وإبليس ليس كذلك ، وإبليس أول خليفة الجن وأبوهم ، كما أن آدم ◌َلل أول خليقة الانس وأبوهم. قال الحسن: ولما كان إبليس مأمورا مع الملائكة استثناه الله تعالى، وكان اسم إبليس شيئاً آخر ، فلما عصى الله تعالى سماه بذلك وكان مؤمناً عابداً في السماء حتى عصى ربه فأهبط إلى الأرض . قوله سبحانه وتعالى ﴿ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود . فان ذلك الأمر قد تناول إبليس ، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة ، إلا أن الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك . وأما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة . ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود ، وليس الأمر كذلك . فان المقصود طلب ما منعه من السجود ، ولهذا الاشكال حصل في الآية قولان : ﴿ القول الأول﴾ وهو المشهور أن كلمة ( لا) صلة زائدة ، والتقدير : ما منعك أن تسجد ؟ وله نظائر في القرآن كقوله ( لا أقسم بيوم القيامة ) معناه : أقسم . وقوله ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) أي يرجعون . وقوله ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) أي ليعلم أهل الكتاب . وهذا قول الكسائي ، والفراء ، والزجاج ، والأكثرين . ﴿ والقول الثاني﴾ أن كلمة ( لا) ههنا مفيدة وليست لغواً وهذا هو الصحيح ، لأن ٣٥ قوله تعالى ((قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك)) الآية سورة الأعراف الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب ، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان : الأول : أن يكون التقدير أي شيء منعك عن ترك السجود ؟ ويكون هذا الاستفهام على سبيل الانكار ومعناه : أنه ما منعك عن ترك السجود ؟! كقول القائل لمن ضربه ظلما : ما الذي منعك من ضربي ، أدينك ، أم عقلك ، أم حياؤك ؟! والمعنى : أنه لم يوجد أحد هذه الأمور ، وما امتنعت من ضربي . الثاني : قال القاضي : ذكر الله المنع واراد الداعي فكأنه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد ؟! لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي اليها . ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب ، فقالوا: إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجباً للذم . فان قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب ، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب . فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك ؟ قلنا : قوله تعالى ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله ( إذ أمرتك ) مذكور في معرض التعليل ، والمذكور في قوله ( إذ أمرتك ) هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث أنه أمر موجباً للذم ، وذلك يفيد أن كل أمر فانه يقتضي الوجوب وهو المطلوب . ﴿ المسألة الرابعة﴾ أحتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال ، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذم بترك السجود في الحال . ﴿ المسألة الخامسة﴾ أعلم أن قوله تعالى ( ما منعك ألا تسجد ) طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود ، فحكي تعالى عن إبليس ذكر ذلك الدعي ، وهو إنه قال ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ومعناه : أن إبليس قال إنما لم اسجد لآدم ، لأني خير منه ، ومن كان خيراً من غيره فانه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون ! ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله ( أنا خير منه ) بأن قال ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل ، فوجب كون إبليس خيراً من آدم . أما بيان أن النار ٣٦ قوله تعالى ((قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك)) الآية سورة الأعرافى أفضل من الطين ، فلأن النار مشرف علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها ، والطين مظلم سفلى كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات ، وأيضاً فالنار قوية التأثير والفعل ، والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال . والفعل أشرف من الأنفعال ، وأيضاً فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة ، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت . والحياة أشرف من الموت ، وأيضاً فنضج الثمار متعلق بالحرارة ، وأيضاً فسن النمومن النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلا في هذين الوقتين ، وأما وقت الشيخوخة ، فهو وقت البرد واليبس المناسب الأرضية ، لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الانسان ، فأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر ، لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع ، وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الادون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحا في العقول ، فهذا هو تقرير الشبهة إبليس . فنقول : هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة . أولها : أن النار أفضل من التراب ، فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة . وأما المقدمة الثانية : وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل ، فهذا هو محل النزاع والبحث ، لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة . ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ، والنور من الظلمة والظلمة من النور ، وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر . وأيضاً التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل ، فالمعتبر بما انتهى اليه لا بما خلق منه ، وأيضا فالفضل إنما يكون بالاعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة . ألا ترى أن الحبشى المؤمن مفضل على القرشي الكافر . ﴿ المسألة السادسة﴾ احتج من قال: أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد والتوبيخ العظيم ، ولما حصل ذلك دل على أن تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز ، وبيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة ( اسجدوا لآدم) خطاب عام يتناول جميع الملائكة . ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس . وهو أنه مخلوق من النار والنار أشرف من الطين ، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، فيلزم كون إبليس أشرف من آدم عليه السلام ، ومن كان أشرف من غيره ، فانه لا يجوز أن يؤمر بخدمة الادون الأدنى . والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر ، ولا معنى للقياس إلا ذلك ، فثبت أن إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئا إلا أنه خصص عموم قوله تعالى للملائكة ( اسجدوا لآدم ) بهذا القياس ، فلو كان تخصيص ٣٧ قوله تعالى ((قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك)) الآية سورة الأعراف النص بالقياس جائزا لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل : وحيث استحق الذم الشديد عليه ، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وأيضا ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر ، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى ( اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) فوصف تعالى إبليس بكونه متكبرا بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذى يوجب تخصيص النص ، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله، ولما دلت هذه الآية على أن تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله ، ودلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد والاخراج من زمرة الأولياء ، والادخال في زمرة الملعونين ، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز . وهذا هو المراد مما نقله الواحدی في البسيط ، عن ابن عباس أنه قال : كانت الطاعة أولى بابليس من القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس ، فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس . هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدى في البسيط عن ابن عباس . فان قيل : القياس الذى يبطل النص بالكلية باطل . أما القياس الذى يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل ؟ وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقا من النار بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض ، لكان قبح أمر من كان مخلوقا من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض أولى وأقوى ، لأن النور أشرف من النار ، وهذا القياس يقتضى أن يقبح أمر أحد من الملائكة بالسجود لآدم ، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه باطل . وأما القياس الذى يقتضي تخصيص مدلول النص العام ، لم قلتم : إنه باطل ؟ فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحدا ذكر هذا السؤال ويمكن أن يجاب عنه ، فيقال : ان كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن يلجأ الى خدمة الادنى الادون ، أما لو رضى ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح ، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه ، أما الملائكة فقد رضوا بذلك ، فلا بأس به ، وأما إبليس فانه لم يرض باسقاط هذا الحق ، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود ، فهذا قياس مناسب ، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه بالكلية ولا إبطاله . فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا ، لما استوجب الذم العظيم ، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز . والله أعلم . المسألة السابعة ﴾ قوله تعالى ( ما منعك أن لا تسجد ) لا شك أن قائل هذا القول هو ٣٨ قوله تعالى ((قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها)) الآية سورة الأعراف الله لأن قوله ( إذا أمرتك ) لا يليق إلا بالله سبحانه . وأما قوله ﴿ خلقتني من نار﴾ فلا شك أن قائل هذا القول هو إبليس. وأما قوله ﴿ قال فاهبط منها﴾ فلا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ، ومثل هذه. المناظرة بين الله سبحانه وبين إبليس مذكور في سورة ( ص ) على سبيل الاستقصاء . إذا ثبت هذا فنقول : انه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام مكالمة مع الله مثل ما اتفق لابليس ، وقد عظم الله تشريف موسى بأن كلمه حيث قال ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) وقال ( وكلم الله موسى تكليما ) فان كانت هذه المكالمة ( تفيد الشرف العظيم ) فكيف حصلت على أعظم الوجوه لابليس ؟ وان لم توجب الشرف العظيم ، فكيف ذكره الله تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام ؟ والجواب : أن بعض العلماء قال : إنه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدى اليه من الملائكة ما منعك من السجود ؟ ولم يسلم أنه تعالى تكلم مع ابليس بلا واسطة . قالوا : لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله تعالى إلا بواسطة ، ومنهم من قال : انه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة ، ولكن على وجه الاهانة بدليل أنه تعالى قال له ( فاخرج انك من الصاغرين ) وتكلم مع موسى ومع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الاكرام . ألا ترى أنه تعالى قال لموسى ( وأنا اخترتك ) وقال له ( واصطنعتك لنفسي ) وهذا نهاية الاكرام . ﴿ المسألة الثامنة) قوله تعالى ( فاهبط منها) قال ابن عباس: يريد من الجنة ، وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم . وقال بعض المعتزلة : أنه انما أمر بالهبوط من السماء ، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة البقرة ( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) أى في السماء . قال ابن عباس : يريد أن أهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج انك من الصاغرين ، والصغار الذلة . قال الزجاج : إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار تنبيها على صحة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم (( من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله)) وقال بعضهم : لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار . والله أعلم . ٣٩ قوله تعالى ((قال أنظرني إلى يوم يبعثون)) الآية سورة الأعراف قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيَنِى قَالَ أَنِظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ◌َأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (َه ◌ُمْ لَتِيَنْهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ ثَمَا بِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (8) قوله سبحانه وتعالى ﴿ قال أنظرني الى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فيما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (قال أنظرني الى يوم يبعثون) يدل على أنه طلب الانظار من الله تعالى الى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين . ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك . بل قال انك من المنظرين ثم ههنا قولان : الأول : انه تعالى أنظره الى النفخة الأولى لانه تعالى قال في آية أخرى ( انك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم) والمراد منه اليوم الذى يموت فيه الأحياء كلهم ، وقال آخرون : لم يوقت الله له أجلا بل قال ( انك من المنظرين) وقوله في الأخرى ( الى يوم الوقت المعلوم ) المراد منه . الوقت المعلوم في علم الله تعالى . قالوا: والدليل على صحة هذا القول. أن ابليس كان مكلفا والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله الى الوقت الفلاني لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب قبلت توبته فاذا علم أن وقت موته هو الوقت الفلاني أقدم على المعصية بقلب فارغ ، فاذا قرب وقت أجله تاب عن تلك المعاصي. فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجرى مجرى الاغراء يالقبيح ، وذلك غير جائز على الله تعالى . وأجاب الأولون : بأن تعريف الله عز وجل كونه من المنظرين الى يوم القيامة لا يقتضي اغراءه بالقبيح لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك ، فلم يكن ذلك الاعلام موجبا اغراءه بالقبيح ، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون على الطهارة والعصمة ، ولم يكن ذلك موجبا اغراءهم بالقبيح لأجل أنه تعالى علم منهم سواء عرفهم تلك الحالة أو لم يعرفهم هذه الحالة أنهم يموتون على الطهارة والعصمة . فلما كان لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف اغراء بالقبيح فكذا ههنا ، والله أعلم . ٤٠ قوله تعالى ((قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)) الآية سورة الأعراف المسألة الثانية ﴾ قول إبليس ( فبما أغويتني) يدل على انه أضاف اغواءه الى الله تعالى ، وقوله في آية أخرى ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) يدل على أنه أضاف اغواء العباد الى نفسه . فالاول : يدل على كونه على مذهب الجبر . والثاني : يدل على كونه على مذهب القدر ، وهذا يدل على أنه كان متحيرا في هذه المسألة ، أو يقال : أنه كان يعتقد أن الاغواء لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغويا لغيره من الغاوين ، ثم زعم أن المغوى له هو الله تعالى قطعا للتسلسل ، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة ، أما أصحابنا فقالوا : الاغواء ايقاع الغي في القلب ، والغي هو الاعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل انما يقع في القلب من الله تعالى . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان : أحدهما : أن يفسروا الغي بما ذكرناه . والثاني : أن يذكروا في تفسيره وجها آخر ﴿ أما الوجه الأول﴾ فلهم فيه أعذار. الأول : ان قالوا هذا قول ابليس فهب أن ابليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى ، إلا أن قوله ليس بحجة . الثاني : قالوا : إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي الى الله تعالى بهذا المعنى ، وقد يقول القائل : لا تحملني على ضربك أى لا تفعل ما أضر بك عنده . الثالث : ( قال رب بما أغويتني لأقعدن لهم ) والمعنى : انك بما لعنتني بسبب آدم فانا لأجل هذه العداوة ألقي الوساوس في قلوبهم . الرابع : ( رب بما أغويتني ) أى خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم . ﴿ الوجه الثاني﴾ في تفسير الاغواء - الاهلاك - ومنه قوله تعالى ( فسوف يلقون غيا) أى هلاكا وويلا ، ومنه أيضا قولهم : غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ، ويشارف الهلاك والعطب ، وفسروا قوله ( ان كان الله يريد أن يغويكم ) ان كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم . الحق ، فهذه جملة الوجوه المذكورة . واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الأغواء في هذه الآية الاضلال ، لأن حاصله يرجع الى قول إبليس وأنه بحجة ، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوى لإبليس هو الله تعالى ، وذلك لأن الغاوى لا بد له من مغو، كما أن المتحرك لا بد له من محرك ، والساكن لا بد له من مسکن ، والمهتدی لا بد له من هاد . فلما كان ابليس غاويا فلا بد له من مغوی ، والمغوى له إما أن يكون نفسه أو مخلوقا آخر أو الله تعالى ، والأول : باطل . لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية . والثاني : باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور . والثالث : هو المقصود . والله أعلم .