Indexed OCR Text

Pages 1-20

------. .
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَازى
الشََّّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَفَاتِعِ الَّبِ
للإمَام محمدالرَّزى مخز الّين ابن العلامة ضياءالدين عمر
الشّهر بخطيِ الرَّ فَفَعَ اللّهبالمسلمين
٥٤٤ - ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
:الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُزْءُ الرابعُ عَشْرُ
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع

حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور
هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقيا فيكسي

قوله تعالى ((وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه)) الآية| سورة الأنعام.
٣ الجزء
بِسْـ
وَأَنَّ هَذَا صِرَِّ مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَ نَِّعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ»
١
ذَلِكُمْ وَصَّنْكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ
قوله تعالى ﴿وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
في الآية مسائل :
٤
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر (وأن هذا) بفتح الألف وسكون النون وقرأ حمزة
والكسائي ( وإن ) بكسر الألف وتشديد النون أما قراءة ابن عامر فأصلها ( وإنه هذا صراطي )
والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط تخفف. قال الأعشى :
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك کل من يحفي وينتعل
أي قد علموا أنه هالك، وأما كسر (إن ) فالتقدير (أتل ما حرم) وأتل ( أن هذا
صراطي ) بمعنى أقول وقيل على الاستئناف. وأما فتح أن فقال الفراء فتح ( أن ) من وقوع
أقل عليها يعني وأتل عليكم ( أن هذا صراطي مستقيما) قال وإن شئت جعلتها خفضاً والتقدير
( ذلكم وصاكم به) وبأن هذا صراطي . قال أبوعلي . من فتح ( أن ) فقياس قول سيبويه أنه
حملها على قوله ( فاتبعوه ) والتقدير لأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كقوله ( وإن هذه امتكم أمة
واحدة ) وقال سيبويه لأن هذه أمتكم ، وقال في قوله ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله
أحدا ) والمعنى ولأن المساجد لله .
﴿ المسألة الثانية﴾ القراء أجمعوا على سكون الياء من (صراطي) غير ابن عامر فانه
فتحها وقرأ أبن كثير وابن عامر ( سراطي ) بالسين وحمزة بين الصاد والزاي والباقون بالصاد
صّافية وكلها لغات قال صاحب الكشاف : قرأ الأعمش (وهذا صراطي ) وفي مصحف عبد
الله (وهذا صراط ربكم ) وفي مصحف أبي ( وهذا صراط ربك )

البَشَامِن،٤
قوله تعالى ((ثم آتينا موسى الكتاب تماما)) الآية سورة الأنعام
نَُّءَاتَيِّنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَّمَامًا عَلَى الْذِىّ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لَّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى
وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ بِفَآءِ رَيْهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصى به أجمل في آخره إجمالا
يقتضي دخول ما تقدم فيه ، ودخول سائر الشريعة فيه فقال ( وأن هذا صراطي مستقيما ) فدخل
فيه كل ما بينه الرسول 18َّ من دين الاسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فاتبعوا جملته
. وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات . وعن ابن مسعود عن النبي مليار أنه خط خطا ،
ثم قال: هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ، ثم قال: هذه سبل علی کل
سبيل منها شيطان يدعو اليه؟ ثم تلا هذه الآية (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) وعن ابن
عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، من عمل بهن دخل الجنة ومن
ترکهن دخل النار .
ثم قال ﴿ ذلكم وصاكم به﴾ أي بالكتاب ( لعلكم تتقون ) المعاصي والضلالات .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقا فهو واحد ، ولا يلزم منه أن
يقال : إن كل ما كان واحدا فهو حق ، فإذا كان الحق واحدا كان كل ما سواه باطلا ، وما
سوى الحق أشياء كثيرة ، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل ، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل
كثيرا بعين ما قررناه في القضية الأولى .
قوله تعالى ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى
ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ﴾
أعلم أن قوله ( ثم آتينا ) فيه وجوه : الأول : التقدير : ثم إنى أخبركم بعد تعديد
المحرمات وغيرها من الأحكام ، إنا آتينا موسى الكتاب ، فذكرت كلمة ((ثم)) لتأخير الخبر عن
الخبر ، لا لتأخير الواقعة ، ونظيره قوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة
اسجدوا لآدم) والثاني : أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز
اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي أحكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام
القيامة . وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها ، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف
التسعة ، فتقدیر الآية أنه تعالى لما ذكرها قال : ذلكم وصاكم به یابني آدم قديما وحديثا ، ثم
بعد ذلك آتينا موسى الكتاب . الثالث : أن فيه حذفاً تقديره : ثم قل يا محمد أنا آتينا موسى ،
فتقديره : اتل ما أوحى إليك ، ثم أتل عليهم خبر ما آتينا موسى .

٥
قوله تعالى: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك)) الاية سورة الأنعام
وَهَذَا كَتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحُونَ (2) أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ
الْكِتَبُ عَ طَيِفَتَيْ مِن قَبْلِنَا وَ إِن كَُّ عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَفَفِينَ (ثَه أَوْ تَقُولُوْ لَوْ أَنَّ
أَنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنََّ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَ كُم بَيِّنَةٌ مِنْ زَّبِكُمْ وَهُدَّى
وَرَحْمَّةٌ فَنَّ أَعْلُ مِنْ كَذَّبَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ
عَنْ ءَايَتِنَا سُوَءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
١٥٧
أما قوله ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ ففيه وجوه : الأول : معناه تماماً للكرامة والنعمة
على الذي أحسن . أي على كل من كان محسناً صالحاً ، ويدل عليه قراءة عبد الله ( على الذين
أحسنوا) والثاني : المراد تماماً للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة بالتبليغ ، وفي
كل ما أمر به والثالث : تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع ، من أحسن الشيء
إذا أجاد معرفته ، أي زيادة على علمه على وجه التتميم ، وقرأ يحي بن يعمر ( على الذي
أحسن ) أي على الذي هو أحسن بحذف المبتدا كقراءة من قرأ ( مثلاً ما بعوضة ) بالرفع
وتقدير الآية : على الذي هو أحسن دينا وأرضاه ، أو يقال المراد : آتينا موسى الكتاب تماماً ،
أي تاماً كاملاً على أحسن ما يكون عليه الكتب ، أي على الوجه الذي هو أحسن وهو معنى
قول الكلبي : أتم له الكتاب على أحسنه ، ثم بين تعالى ما في التوراة من النعم في الدين وهو
تفصيل كل شيء، والمراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا وَّ و دينه ، !
وشرعه ، وسائر الأدلة والأحكام إلا ما نسخ منها ولذلك قال ( وهدى ورحمة ) والهدى معروف
وهو الدلالة ، والرحمة هي النعمة ( لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) أي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم ،
والمراد به لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب .
قوله تعالى ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل
الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب
لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى وحرمة فمن أضلم ممن كذب بآيات الله
وصدف عنها سنجزي الذي يصدقون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ﴾ .

٦
قوله تعالى ((أن تقولوا انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)) الآية سورة الأنعام
أعلم أن قوله ﴿ وهذا كتاب﴾ لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه
ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ، أو المراد أنه كثيرا الخير والنفع
ثم قال ﴿ فاتبعوه ﴾ والمراد ظاهر
ثم قال ﴿ واتقوا لعلكم ترحمون ﴾ أي لكي ترحموا. وفيه ثلاثة أقوال : قيل : اتقوا
مخالفته على رجاء الرحمة ، وقيل : اتقوا لترحموا ، أي ليكون الغرض بالتقوي رحمة الله ،
وقيل : اتقوا لترحموا جزاء على التقوى
ثم قال تعالى ﴿ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴾ وفيه وجوه
﴿ الوجه الأول﴾ قال الكسائي والفراء، والتقدير: أنزلناه لئلا تقولوا، ثم حذف
الجار وحرف النفي ، كقوله ( يبين الله لكم أن تضلوا ) وقوله ( رواسي أن تميد بكم ) أي لئلا
والوجه الثاني﴾ وهو قول البصريين معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون أضمار
((لا)) فانه لا يجوز أن يقال : جئت أن أكرمك بمعنى : أن لا أكرمك ، وقد ذكرنا تحقيق هذه
المسألة في آخر سورة النساء
﴿والوجه الثالث﴾ قال الفراء: يجوز أن يكون ((أن)) متعلقة باتقوا، والتأويل:
واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب
﴿ البحث الثاني ﴾ قوله ( أن تقولوا) خطاب لأهل مكة ، والمعنى : كراهة أن يقول
أهل مكة انزل الكتاب ، وهو التوراة والانجيل على طائفتين من قبلنا ، وهم اليهود
والنصارى، وأن كنا ((أن)) هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ،
والأصل وانه كنا عن دراستهم الغافلين ، والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بأنزال القرآن
على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والانجيل انزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين
عما فيهما ، فقطع الله عذرهم بانزال القرآن عليهم وقوله (وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) أي
. لا نعلم ما هي ، لأن كتابهم ما كان بلغتنا ، ومعنى أو تقولوا لو أنا انزل علينا الكتاب لكنا
أُهدى منهم ، مفسر للاول في أن معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك ، ثم بين تعالى قطع

٧
قوله تعالى ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة)) الآية سورة الأنعام
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَبِكُهُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ
يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَنْفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبُ أَوْ كَبَتْ
فى إِيمَنِهَا خَيْرًا قُلِ أَنْتَظِرُوَأْ إِنَّا مُنْتَظُرُونَ
١٥٨
ـهـ
احتجاجهم بهذا ، وقال ( فقد جاءکم بينة من ربكم ) وهو القرآن وما جاء به الرسول ( وهدى
ورحمة )
فان قيل : البينة والهدى واحد ، فما الفائدة في التكرير ؟
قلنا : القرآن بينة فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا ، فلما اختلفت الفائدة
صح هذا العطف، وقد بينا أن معنى ( رحمة ) أي أنه نعمة في الدین
ثم قال تعالى ﴿ فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ﴾ والمراد تعظيم كفر من كذب بآيات
الله ، وصدف عنها ، أي منع عنها ، لأن الأول ضلال ، والثاني منع عن الحق واضلال
ثم قال تعالى ﴿ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب ﴾ وهو كقوله ( الذين
كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب )
قوله تعالى ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك
یوم یأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل
انتظروا إنا منتظر ون ﴾
قرأ حمزة والكسائي ( يأتيهم ) بالياء وفي النحل مثله ، والباقون ( تأتيهم ) بالتاء
وأعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر ، وازاحة للعلة ، وبين أنهم لا
يؤمنون البتة وشرح أحوالا توجب اليأس عن دخولهم في الايمان فقال ( هل ينظرون إلا أن

٨
قوله تعالى ((هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة)) الآية سورة الأنعام
تأتيهم الملائكة ) ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل
من الغمام ) ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي ، وتقدير الآية : أنهم لا
يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة ، وهي مجىء الملائكة ، أو مجيء الرب ، أو
مجيء الآيات القاهرة من الرب .
فان قيل : قوله ﴿ أو يأتي ربك ﴾ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا حكاية عنهم، وهم كانوا كفارا ، واعتقاد
الكافر ليس بحجة ، والثاني : أن هذا مجاز . ونظيره قوله تعالى ( فأتى الله بنيانهم ) وقوله ( إن
الذين يؤذون الله ) والثالث : قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال ،
وأقربها قول الخليل صلوات الله عليه في الرد على عبدة الكواكب ( لا أحب الآفلين )
فان قيل : قوله ﴿ أو يأتي ربك﴾ لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار قدرته، لأن على
هذا التقدير : يصير هذا عين قوله ( أو يأتي بعض آيات ربك ) فوجب حمله على أن المراد منه
اتيان الرب .
قلنا : الجواب المعتمد أن هذا حكاية مذهب الكفار ، فلا يكون حجة ، وقيل : يأتي
ربك بالعذاب ، أو يأتي بعض يات ربك وهو المعجزات القاهرة
ثم قال تعالى ﴿ یوم یأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾
وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة ، عن البراء بن عازب قال : كنا نتذاكر أمر
الساعة إذ أشرف علينا رسول الله وَله، فقال : ما تتذاكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال :
((انها لا تقوم حتى تروا قبلها عشرآيات ، الدخان ، ودابة الأرض ، وخسفا بالمشرق، وخفسا
بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ، والدجال وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ،
ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن )) وقوله ( لم تكن آمنت من قبل ) صفة لقوله ( نفسا )
وقوله ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) صفة ثانية معطوفة على الصفة الأولى ، والمعنى : أن أشراط
الساعة إذا ظهرت ذهب أو أن التكليف عندها ، فلم ينفع الايمان نفسا ما آمنت قبل ذلك ،
وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك .
ثم قال تعالى ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ وعيد وتهديد .

٩
قوله تعالى ((ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً)) الآية سورة الأنعام
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنََّآَ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِثُمَّ
يُنَبُِّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
قوله تعالى ﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله
ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾
قرأ حمزة والكسائي ( فارقوا ) بالألف والباقون ( فرقوا ) ومعنى القراءتين عند التحقيق
واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وأنكر بعضا ، فقد فارقه في الحقيقة ، وفي الآية
أقوال ،
﴿ القول الأول﴾ المراد سائر الملل . قال ابن عباس : يريد المشركين بعضهم يعبدون
الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله ، وبعضهم يعبدون الأصنام ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا
عند الله ، فهذا معنى فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، أي فرقا وأحزابا في الضلالة . وقال مجاهد
وقتادة : هم اليهود والنصارى ، وذلك لأن النصارى تفرقوا فرقا ، وكفر بعضهم بعضا ،
وكذلك اليهود ، وهم أهل كتاب واحد ، واليهود تكفر النصارى .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن المراد من الآية أخذوا ببعض وتركوا بعضا، كما قال تعالى ( أفتؤمنون
ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) وقال أيضا ( أن الذين يكفرون بالله ورسله ویریدون أن
يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض )
﴿ والقول الثالث﴾ قال مجاهد: أن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة، هم أهل البدع
. والشبهات وأعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة ، وأن لا
يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع وقوله ( لست منهم في شيء ) فيه قولان : الأول : أنت
منهم برىء وهم منك برآء وتأويله : انك بعيد عن أقوالهم ومذاهبهم ، والعقاب اللازم على
تلك الاباطيل مقصور عليهم ولا يتعداهم . والثاني : لست من قتالهم في شيء . قال
السدى : يقولون لم يؤمر بقتالهم ، فلما أمر بقتالهم نسخ ، وهذا بعيد ، لأن المعنى لست من
قتالهم في هذا الوقت في شيء ، فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ .
ثم قال ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ أي فيما يتصل بالأمهال والانظار ، والاستئصال والاهلاك
( ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) والمراد الوعيد ..

١٠
قوله تعالى ((ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها )) الآية سورة الأنعام
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ، عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَِّئَةِ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ
قوله تعالى ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم
لا يظلمون ﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال بعضهم : الحسنة قول لا إله إلا الله، والسيئة هي الشرك ،
وهذا بعيد بل يجب أن يكون محمولا على العموم إما تمسكا باللفظ وإما لأجل أنه حكم مرتب
على صف مناسب له فيقتضي كون الحكم معللا بذلك الوصف . فوجب أن يعم لعموم العلة .
المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي رحمه الله: حذفت الهاء من عشر والامثال جمع مثل ،
والمثل مذكر لأنه أريد عشر حسنات أمثالها ، ثم حذفت الحسنات وأقيمت الامثال التي هي
صفتها مقامها وحذف الموصوف كثير في الكلام ، ويقوي هذا قراءة من قرأ عشر أمثالها بالرفع
والتنوين .
﴿ المسألة الثالثة﴾ مذهبنا أن الثواب تفضل من الله تعالى في الحقيقة، وعلى هذا التقدير
فلا إشكال في الآية ، أما المعتزلة فهم فرقوا بين الثواب والتفضل بأن الثواب هو المنفعة
المستحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة ثم أنهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا .
فقال بعضهم : هذه العشرة تفضل والثواب غيرها وهو قول الجبائي قال : لأنه لو كان الواحد
ثوابا وكانت التسعة تفضلا لزم أن يكون الثواب دون التفضل ، وذلك لا يجوز ، لأنه لوجاز أن
يكون التفضل مساويا للثواب في الكثرة والشرف، لم يبق في التكليف فائدة أصلا فيصير عبثا
وقبيحا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الثواب يجب أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من
التفضل . وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد من هذه التسعة ثوابا ، وتكون التسعة
الباقية تفضلا ، أن ذلك الواحد يكون أوفر وأعظم وأعلى شأنا من التسعة الباقية .
المسألة الرابعة ﴾ قال بعضهم : التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد ، بل أراد
الاضعاف مطلقا ، كقول القائل لئن أسديت الي معروفا لأكافئنك بعشر أمثاله ، وفي الوعيد
يقال : لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا ، ولا يريد التحديد فكذا ههنا . والدليل على أنه لا
يمكن حمله على التحديد قوله تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت
سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء )

قوله تعالى ((قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)) الآية صورة الأنعام
قُلْ إِنَِّى هَدَشِ رَبِّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِبٍ دِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
ثم قال تعالى ﴿ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ﴾ أى الاجزاء يساويها ويوازيها .
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ان الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة
واحدة أو عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره)) وقال صلى الله عليه وسلم ((يقول الله إذا هم
عبدى بحسنة فاكتبوها له حسنة وان لم يعملها فان عملها فعشر أمثالها وان هم بسيئة فلا
تكتبوها وان عملها فسيئة واحدة )) وقوله ( وهم لا يظلمون ) أى لا ينقص من ثواب طاعتهم ،
ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالان :
﴿ السؤال الأول ﴾ كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ .
جوابه : أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبدا لبقى على ذلك الاعتقاد أبدا ، فلما
كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الابد خلاف المسلم المذنب ، فانه يكون على عزم الاقلاع
عن ذلك الذنب ، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة .
السؤال الثاني ﴾ اعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما ، وهو في
كفارة الظهار ، وتارة جعل بدلا عن صيام أيام قلائل ، وذلك يدل على ان المساواة غير معتبرة .
جوابه : ان المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه .
السؤال الثالث ﴾ إذا أحدث في رأس انسان موضحتين : وجب فيه ارشان ، فان
رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة . فههنا ازدادت الجناية . وقل العقاب ،
فالمساواة غير معتبرة
وجوابه : ان ذلك من تعبدات الشرع وتحكماته .
﴿ السؤال الرابع ﴾ انه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل واحد من الأعضاء دية كاملة ،
ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء ، وجبت دية واحدة ، وذلك يمتنع القول من رعاية المماثلة .
جوابه : انه من باب تحكمات الشريعة . والله اعلم .
قوله تعالى ﴿ قل إنني هداني ربي الى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان
من المشركين :

١٢
قوله تعالى ((قل ان صلاتي ونسكي)) الآية سورة الأنعام
قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَتُكِى وَمَحْيَىَ وَمَانِى لِلِّرَبِّ الْعَالَمِينَ (وَ لَ شَرِيكَ لَهُ, وَبِذَلِكَ
١٥٤٥٤٠ ٠١٠٠
أَمْتُ وَأَنَا أُوَّلُ الْمُسْلِينَ
اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد ، والرد على القائلين بالشركاء
والانداد والاضداد وبالغ في تقرير إثبات التوحيد ، والرد على القائلين بالشركاء والانداد
والاضداد ، وبالغ في تقرير إثبات التوحيد والنافين للقضاء والقدر ، ورد على أهل الجاهلية في
أباطيلهم ، أمره أن يختم الكلام بقوله ( إنني هداني ربي الى صراط مستقيم ) وذلك يدل على
أن الهداية لا تحصل إلا بالله وانتصب دينا لوجهين : أحدهما : على البدل من محل صراط لأن
معناه هداني ربي صراطا مستقيما كما قال ( ويهديك صراطا مستقيما) والثاني : أن يكون التقدير
الزموا دينا ، وقوله : فيما قال صاحب الكشاف القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من
القائم ، وقرأ أهل الكوفة قيما مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج : هو مصدر بمعنى القيام
كالصغر والكبر والحول والشبع ، والتأويل دينا ذا قيم ووصف الدين بهذا الوصف على سبيل
المبالغة ، وقوله ( ملة ابراهيم حنيفا) فقوله ( ملة ) بدل من قوله ( دينا قيما ) وحنيفا منصوب
على الحال من إبراهيم ، والمعنى هداني ربي وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة
بالحنيفية ، ثم قال في صفة إبراهيم ( وما كان من المشركين ) والمقصود منه الرد على المشركين
قوله تعالى ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك
أمرت وأنا أول المسلمين ﴾
إعلم أنه تعالى كما عرفه الدین المستقیم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله ( قل إن صلاتي
ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين) يدل على أنه يؤديه مع الاخلاص وأكده بقوله ( لا
شريك له ) وهذا يدل على أنه لا یکفي في العبادات أن يؤتى بها کیفکانت بل يجب ان یؤتی بها
مع تمام الاخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة
بالاخلاص .
أما قوله ﴿ونسكي﴾ فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها ، يقول : من فعل كذا فعليه
نسك . أى دم يهريقه ، وجمع بين الصلاة والذبح ، كما في قوله ( فصل لربك وانحر ) وروى
ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، وقيل :

١٣
قوله تعالى ((قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)) الآية سورة الأنعام
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِأَبْغِى رَبَّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أَنْرَى ثُمْ إِلَى رَبِّكُ مَّرْجِعُكُمْ فَيُفِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَحْتَلِفُونَ
للمتعبد ناسك ، لانه خلص نفسه من دنس الآثام ، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ،
وعلى هذا التأويل ، فالنسك كل ما تقربت به الى الله تعالى . إلا أن الغالب عليه في العرف
الذبح وقوله ( محیای ومماتي ) أى حياتي وموتي لله ،
واعلم أنه تعالى قال ﴿ إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين﴾ فأثبت كون
الكل لله ، والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة الله تعالى ، فان ذلك محال ، بل
معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله تعالى ، فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله
مفسرا بكونهما واقعين بخلق الله ، وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله
تعالى . وقرأ نافع ( محياى ) ساكنة الياء ونصبها في مماتي ، وإسكان الياء في محياى شاذ غير
مستعمل ، لأن فيه جمعا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم ، ومنهم من قال :
إنه لغة لبعضهم ، وحاصل الكلام أنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته
وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى ، وتقديره وقضائه وحكمه ، ثم نص على أنه لا شريك
له في الخلق ، والتقدير : ثم يقول وبذلك أمرت أى وبهذا التوحيد أمرت .
ثم يقول ﴿وأنا أول المسلمين﴾ أى المستسلمين لقضاء الله وقدره ، ومعلوم أنه ليس
أولا لكل مسلم ، فيجب أن يكون المراد كونه أولا لمسلمي زمانه .
قوله تعالى ﴿ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا
تزر وازرة وزر أخرى ثم الی ربكم مرجعکم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾
اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحید المحض ، وهو أن يقول ( إن
صلاتي ونسكي ) إلى قوله ( لا شريك له ) أمره بأن يذكر ما يجرى الدليل على صحة هذا
التوحيد ، وتقريره من وجهين : الأول : أن أصناف المشركين أربعة ، لأن عبدة الأصنام
أشركوا بالله ، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون : بيزدان ، وأهرمن . وهم الذين قال
الله في حقهم (وجعلوا لله شركاء الجن ) أشركوا بالله والقائلون: بأن المسيح ابن الله والملائكة

١٤
قوله تعالى ((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)) الآية سورة الأنعام
وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ اْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَ كُمْ فِى
مَءَاتَّكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
بناته ، أشركوا أيضا بالله ، فهؤلاء هم فرق المشركين ، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ،
وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بان الله سبحانه هو الخالق السموات والأرض ، ولكل ما في
العالم من الموجودات ، وهو الخالق الأصنام والأوثان بأسرها . وأما عبدة الكواكب فهم
معترفون بأن الله خالقها وموجدها . وأما القائلون بيزدان ، وهرمن فهم أيضا معترفون بأن
الشيطان محدث ، وأن محدثه هو الله سبحانه . وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون
بأن الله خالق الكل ، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء
الشركاء .
إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد ( قل أغير الله أبغي ربا) مع أن هؤلاء الذين
اتخذوا ربا غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء ، وهل يدخل في العقل جعل المربوب .
شريكا للرب وجعل العبد شريكا للمولى ، وجعل المخلوق شريكا للخالق ؟ ولما كان الأمر .
كذلك ، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ، ودين باطل .
﴿ الوجه الثاني﴾ في تقرير هذا الكلام أن الموجود، إما واجب لذاته ، وإما ممكن
لذاته . وثبت أن الواجب لذاته واحد ، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن لذاته
لا يوجد إلا بايجاد الواجب لذاته ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربا لكل شيء .
وإذا ثبت هذا فنقول : صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب
وجعل المخلوق شريكا للخالق فهذا هو المراد من قوله ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل
شيء ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع اليه من
كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب ، فقال ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) ومعناه أن إثم الجاني
عليه ، لا على غيره ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أى لا تؤخذ نفس آثمة باثم أخرى ، ثم بين
تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين الى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى ، فهو قوله ( ثم الى
ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )
قوله تعالی ﴿ وهو الذی جعلکم خلائف الارض ورفع بعضکم فوق بعض درجات
ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾

١٥
قوله تعالى ((وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)) الآية سورة الأنعام
اعلم ان في قوله ( جعلكم خلائف الأرض ) وجوها : أحدها : جعلهم خلائف الأرض
لأن محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين ، فخلفت أمته سائر الأمم . وثانيها : جعلهم
يخلف بعضهم بعضا . وثالثها : أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها .
ثم قال ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ في الشرف، والعقل ، والمال ، والجاه ،
والرزق ، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل ، فانه تعالى متعال عن هذه
الصفات ، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله ( ليبلوكم فيما أتاكم ) وقد
ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال ، إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لوصدر
من الواحد منا لكان ذلك شبيها بالابتلاء والامتحان ، فسمي لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة ،
ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به ، وإما أن يكون موفرا فيه ، فان كان الأول
كان نصيبه من التخويف والترهيب ، وهو قوله ( إن ربك سريع العقاب ) ووصف العقاب
بالسرعة ، لأن ما هو آت قريب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يكون موفرا في تلك الطاعات كان
نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله ( وإنه لغفور رحيم ) أى يغفر الذنوب ويستر العيوب في
الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه ، وهذا الكلام بلغ في
شرح الأعذار والانذار والترغيب والترهيب الى حيث لا يمكن الزيادة عليه ، وهذا آخر الكلام
في تفسير سورة الأنعام ، والحمد لله الملك العلام .

١٦
قوله تعالى ((المص كتاب أنزل اليك فلا يكن في صدرك حرج» الآية سورة الأعراف
(٧) سُوَرَة الأعرافِ مَكِيَّة
وآياتهاسِّتْ وَكَانثانٍ
مكية إلا من آية : ١٦٣ إلى غاية آية ١٧٠ ، فمدنية نزلت بعد ص
بنــ
الَمَصّ ﴾ كِتَبُّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِ صَدْرِكَ حَرَجُ مِنْهُ لِتُنْذِرَبِهِ.
وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
٢.
بِسْطِ لِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس (المص ) أنا الله أفضل، وعنه أيضا: أنا الله أعلم
وأفصل : قال الواحدى : وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل ، والجمل اذا
كانت ابتداء وخبرا فقط لا موضع لها من الإعراب ، فقوله : أنا الله أعلم ، لا موضع لها من
الأعراب، فقوله ((أنا)) مبتدأ وخبره قوله ((الله)) وقوله ((اعلم)) خبر بعد خبر ، واذا كان
المعنى ( المص ) أنا الله اعلم كان اعرابها كاعراب الشىء الذى هو تأويل لها ، وقال السدى
( المص) على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور . قال القاضي : ليس هذا اللفظ على
قولنا : أنا الله أفصل ، أولى من حمله على قوله : أنا الله أصلح، أنا الله أمتحن ، أنا الله
الملك ، لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو موجود في قولنا أنا الله أصلح ، وإن كانت
العبرة بحرف الميم ، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضا موجود في الملك والامتحان ، فكان حمل
قولنا ( المص ) على ذلك المعنى بعينه محض التحكم ، وأيضا فان جاء تفسير الألفاظ بناء على ما

١٧
قوله تعالى ((المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك)) الآية سورة الأعراف
١
فيها من الحروف من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى ، انفتحت
طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق . وأما قول بعضهم : إنه من
أسماء الله تعالى فأبعد ، لأنه ليس جعله إسما لله تعالى ، أولى من جعله اسما لبعض رسله من
الملائكة ، أو الأنبياء ، لأن الاسم إنما يصير اسما للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح ،
وذلك مفقود ههنا ، بل الحق أن قوله ( المص ) اسم لقب لهذه السورة ، واسماء الألقاب لا
تفيد فائدة في المسميات ، بل هي قائمة مقام الاشارات ، ولله تعالى أن يسمي هذه السورة
بقوله ( المص ) كما أن الواحد منا اذا حدث له ولد فانه یسمیه بمحمد .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( المص ) مبتدأ ، وقوله (كتاب ) خبره ، وقوله ( أنزل،
اليك ) صفة لذلك الخبر . أى السورة المسما بقولنا ( المص كتاب أنزل اليك )
فان قيل : الدليل الذى دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هو أن الله تعالى
خصه بانزال هذا القرآن عليه ، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته ، وما لم نعرف
نبوته ، لا يمكننا أن نحتج بقوله . فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله ،
لزم الدور .
قلنا : نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل اليه من عند الله . والدليل
عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ ، ولا تعلم من معلم ، ولا طالع كتابا ولم يخالط
العلماء والشعراء وأهل الأخبار ، وانقضى من عمره اربعون سنة ، ولم يتفق له شيء من هذه
الأحوال ، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين
والآخرين ، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى .
فثبت بهذا الدليل العقلي أن ( المص ) كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه
وإلهه .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج القائلون بخلق القرآن بقوله ( كتاب أنزل إليك) قالوا إنه
تعالى وصفه بكونه منزلا ، والانزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال ، وذلك لا يليق
بالقدیم ، فدل على أنه محدث .
وجوابه : أن الموصوف بالانزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف ولا نزاع في
الفخر الرازي م٢ ج١٤

١٨
قوله تعالى (( لتنذر به وذكرى للمؤمنين)) الآية اسورة الأعرافى
كونها محدثة مخلوقة . والله أعلم .
فان قيل : فهب أن المراد منه الحروف، إلا أن الحروف أعراض غير باقية بدليل أنها
متوالية ، وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها ، واذا كان كذلك فالعرض الذى لا يبقى زمانين كيف
يعقل وصفه بالنزول .
والجواب : أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ، ثم إن الملك
يطالع تلك النقوش ، وينزل من السماء إلى الأرض ، ويعلم محمدا تلك الحروف والكلمات ،
فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة ، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها .
المسألة الثالثة﴾ الذين أثبتوا لله مكانا تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إن كلمة ((من))
لابتداء الغاية، وكلمة ((الى)) لانتهاء الغاية فقوله ( أنزل اليك ) يقتضي حصول مسافة مبدؤها
هو اللّه تعالى وغايتها محمد ، وذلك يدل على أنه تعالى مختص بجهة فوق ، لأن النزول هو
الانتقال من فوق الى أسفل .
وجوابه : لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجهة على الله تعالى محال وجب حمله على
التأويل الذى ذكرناه ، وهو أن الملك انتقل به من العلو الى أسفل .
ثم قال تعالى ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ وفي تفسير الحرج قولان : الأول :
الحرج الضيق ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ . والثاني ( فلا يكن
في صدرك حرج منه) أى شك منه ، كقوله تعالى ( فان كنت في شك مما أنزلنا إليك ) وسمی
الشك حرجا ، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح
القلب .
ثم قال تعالى ﴿لتنذر به﴾ هذه ((اللام)) بماذا تتعلق؟ فيه أقوال: الأول : قال
الفراء : إنه متعلق بقوله ( أنزل إليك ) على التقديم والتأخير ، والتقدير : كتاب أنزل اليك
لتنذر به فلا یکن في صدرك حرج منه .
فان قيل : فما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟
1
قلنا : لأن الاقدام على الانذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن
الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بازالة الحرج عن الصدر ، ثم أمره بعد ذلك بالانذار
والتبليغ . الثاني : قال ابن الانبارى : اللام ههنا بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في

١٩
قوله تعالى ((لتنذر به وذكرى للمؤمنين)) الآية سورة الأعراف
صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث : قال صاحب النظم : اللام ههنا : بمعنى : أن .
والتقدير : لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع
((ان)) قال تعالى ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) وفي موضع آخر ( يريدون ليطفؤا )
وهما بمعنى واحد . والرابع : تقدير الكلام : ان هذا الكتاب أنزله الله عليك، وإذا علمت
انه تنزيل الله تعالى ، فاعلم أن عناية الله معك، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ،
لأن من كان اللّه حافظا له وناصرا ، لم يخف أحدا ، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب ،
فاشتغل بالانذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الابطال ، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ
والضلال والابطال .
ثم قال ﴿ وذكرى للمؤمنين﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين. قال
الزجاج : وهو اسم في موضع المصدر . قال الليث ( الذكرى ) اسم للتذكرة ، وفي محل ذكرى
من الاعراب وجوه قال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى : لتنذر به ولتذكر ،
ويجوز أن يكون رفعا بالرد على قوله ( كتاب ) والتقدير : كتاب حق وذكرى ، ويجوز أيضا أن
یکون التقدير ، وهو ذکری ، ويجوز أن یکون خفضا ، لأن معنی لتنذر به ، لأن تنذر به فهو
في موضع خفض ، لأن المعنى للإنذار والذكرى .
فان قيل : لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين .
قلنا : هو نظير قوله تعالى ( هدى للمتقين ) والبحث العقلي فيه ان النفوس البشرية على
قسمين نفوس بليدة جاهلة ، بعيدة عن عالم الغيب ، غريقة في طلب اللذات الجسمانية ،
والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالانوار الالهية مستعدة بالحوادث الروحانية ، فبعثة
الانبياء والرسل في حق القسم الأول ، انذار وتخويف، فانهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة
الجهالة ، احتاجوا الى موقظ يوقظهم ، والى منبه ينبههم . وأما في حق القسم الثاني فتذكير
وتنبيه ، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب الى عالم القدس
والاتصال بالحضرة الصمدية ، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم ، فيعرض لها نوع
ذهول وغفلة ، فاذا سمعت دعوة الانبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى ، تذكرت
مركزها وأبصرت منشأها ، واشتاقت الى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان ، فثبت
انه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون انذارا في حق طائفة ، وذكرى في حق طائفة
أخرى . والله أعلم .
٠

٢٠
قوله تعالى (( اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم)) الآية سورة الأعراف
أَّعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَّبِعُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلًا مَاتَذَ كَّرُونَ
٣
قوله تعالى ﴿ اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما
تذکر ون ﴾
اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول ،
والمرسل اليه وهو الأمة ، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والانذار مع قلب قوى ،
وعزم صحيح أمر المرسل اليه . وهم الأمة بمتابعة الرسول . فقال ( اتبعوا ما أنزل اليكم من
ربكم ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الحسن: يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
واعلم أن قوله ( اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ) يتناول القرآن والسنة .
فان قيل : لماذا قال ( أنزل اليكم ) وإنما أنزل على الرسول .
قلنا : انه منزل على الكل بمعنى انه خطاب للكل .
إذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز
لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، فوجب العمل بعموم
القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، والالزم التناقض .
فان قالوا : لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله ( فاعتبروا ) كان العمل بالقياس
عملا بما أنزل الله .
قلنا : هب أنه كذلك إلا أنا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل
على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . وأما عموم القرآن ، فانه يدل
على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما وقع التعارض كان الذى دل عليه ما أنزله الله
ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذى دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح
من جانبنا . والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ) قوله تعالى ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) قالوا معناه ولا تتولوا من دونه