Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قوله تعالى ((وجعلوا لله شركاء الجن)) الآية سورة الأنعام
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : فالأول : ما ذكرناه
من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر.
والقول الثاني ﴾ أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء يقولون
المراد من الجن الملائكة ، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم ، لأن لفظ الجن مشتق
من الاستتار ، والملائكة مستترون عن الأعين ، وكان يجب على هذا القائل أن يبين أنه كيف
يلزم من قولهم الملائكة بنات الله ؟ قولهم بجعل الملائكة شركاء لله حتى يتم انطياق لفظ الآية على
هذا المعنى ، ولعله يقال : إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال
هذا العالم وحينئذ يحصل الشرك .
﴿ والقول الثالث) وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد أن الجن دعوا
الكفار إلى عبادة الأصنام ، وإلى القول بالشرك ، فقبلوا من الجن هذا القول وأطاعوهم ،
فصاروا من هذا الوجه قائلين : يكون الجن شركاء الله تعالى . وأقول : الحق هو القول
الأول . والقولان الأخيران ضعيفان جدا . أما تفسير هذا الشرك بقول العرب الملائكة بنات
الله ، فهذا باطل من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله ( وخرقوا له بنين وبنات بغير
علم ) فالقول باثبات البنات لله ليس إلا قول من يقول الملائكة بنات الله ، فلو فسرنا قوله
( وجعلوا لله شركاء الجن ) بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة ، وأنه لا
يجوز
﴿ الوجه الثاني﴾ في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وإثبات
الولد لله غير، وإثبات الشريك له غير، والدليل على الفرق بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في
قوله ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا التفصيل
في هذه السورة عبئاً .
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن القائلین بیزدان وأهرمن يصرحون باثبات شريك لاله العالم في تدبير هذا
العالم ، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف للفظ عن حقيقته الى مجازه من غير
ضرورة وأنه لا يجوز .
وأما القول الثاني ﴾ وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة : أن الكفار قبلوا قول

١٢٢
قوله تعالى: ((وجعلوا لله شركاء الجن)) الآية سورة الأنعام
الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه
شريكا لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه ، وأيضا فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى
لزم وقوع التكريرمن غير فائدة ، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على
سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذى نصرناه
وقويناه .
وأما قوله تعالى ﴿ وخلقهم ﴾ ففيه بحثان :
البحث الأول﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله ( خلقهم ) الى ماذا يعود ؟ على
قولين :
فالقول الأول ﴾ إنه عائد الى ( الجن ) والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله، ثم إن
هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة
نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من
يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن
محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى ( وخلقهم ) إشارة الى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان
مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكا لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ،
وجعل الضعيف الناقص شريكا للقوى الكامل محال في العقول .
والقول الثاني ﴾ أن الضمير عائد الى الجاعلين، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله
تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندى ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناه على ما ذكرناه
صار ذلك اللفظ الواحد دليلا قاطعا تاما كاملا في ابطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا
الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما : أن عود الضمير الى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب
المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائدا اليه
﴿ البحث الثاني﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء (وخلقهم) أى اختلاقهم للافك.
يعني : وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم الى الله في قولهم ( والله أمرنا بها )
ثم قال ﴿ وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ وفيه مباحث :
البحث الأول ﴾ أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكا لله تعالى .
ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم
النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله
وقوله ( بغير علم ) كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه .

١٢٣
وقوله تعالى: ((وخلقوا له بنين وبنات)) الآية سورة الأنعام
﴿ الحجة الأولى﴾ أن الاله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون
واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فان كان واجب الوجود لذاته كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا
تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية
والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بايجاد واجب الوجود
لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبدا له لا ولدا له ، فثبت أن من عرف أن الاله ما هو ، امتنع
منه أن يثبت له البنات والبنين .
﴿ الحجة الثانية) أن الولد يحتاج اليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يعقل في حق
من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه .
﴿ الحجة الثالثة) ان الولد مشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد، وذلك إنما
يعقل في حق من يكون مركبا ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد
الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام ان من علم ان الاله ما حقيقته استحال ان يقول له ولد
فكان قوله ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) إشارة الى هذه الدقيقة
و البحث الثاني ﴾ قرأ نافع ( وخرقوا ) مشددة الراء . والباقون ( خرقوا ) خفيفة
الراء . قال الواحدى : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير .
﴿ البحث الثالث﴾ قال الفراء: معنى (خرقوا) افتعلوا وافتروا . قال : وخرقوا
واخترقوا وخلقوا واختلقوا ، وافتروا واحد . وقال الليث . يقال : تخرق الكذب وتخلقه ،
وحكى صاحب الكشاف : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال : كلمة عربية كانت تقولها .
كان الرجل إذا كذب كذبة في نادى القوم يقول له بعضهم قد خرقها ، والله أعلم . ثم قال :
ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه . أى شقوا له بنين وبنات .
ثم إنه تعالى ختم الآية فقال ﴿ سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ فقوله سبحانه تنزيه الله عن
كل ما لا يليق به . وأما قوله ( وتعالى ) فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود ههنا
تنزيه الله تعالى عن هذه الاقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد
ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد .
فان قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله ((سبحانه)) وبين قوله ((وتعالى)) فرق
قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فان المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه
عما لا يليق به والمراد بقوله ( وتعالى ) كونه في ذاته متعاليا متقدسا عن هذه الصفات سواء سبحه
مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع الى صفته الذاتية
التي حصلت له لذاته لا لغيره

١٢٤
قوله تعالى: ((بديع السموات والأرض)) الآية سورة الأنعام
يَدِيعُ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ، وَلَهٌ وَلَمْتَكُنْ لَّهُ صَدِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ
وَهُوَ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ (ێ﴾
قوله تعالى ﴿ بديع السموات والأرض أنی یکون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل
شيء وهو بكل شيء عليم ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع في إقامة الدلائل
على فساد قول من يثبت له الولد فقال ( بديع السموات والأرض )
واعلم ان تفسير قوله ( بديع السموات والأرض ) قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير
ههنا الى ما هو المقصود الأصلى من هذه الآية . فنقول : الابداع عبارة عن تكوين الشيء من
غير سبق مثال ، ولذلك فان من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال : إنه
أبدع فيه
إذا عرفت هذا فنقول : ان اللّه تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا
نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن الله تعالى أخرجه الى الوجود من غير سبق الأب
إذا عرفت هذا فنقول : المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه ولدا لله
تعالى انه أحدثه على سبيل الابداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما أن تريدوا بكونه ولد الله
تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الانسان ولدا لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولدا لله مفهوما
ثالثا مغايرا لهذين المفهومين
أما الأحتمال الأول : فباطل ، وذلك لأنه تعالى وان كان يحدث الحوادث في مثل هذا
العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة الا أن النصارى يسلمون أن العالم
الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر كذلك . لزمهم الاعتراف بأنه تعالى خلق السموات والأرض
من غير سابقة مادة ولا مدة ، واذا كان الأمر كذلك . وجب أن يكون إحداثه للسموات
والأرض ابداعا فلو لزم من مجرد كونه مبدعا لاحداث عيسى عليه السلام كونه والدا له لزم من
كونه مبدعا السموات والأرض كونه والدا لهما . ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن
مجرد كونه مبدعا لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والدا له ، فهذا هو المراد من قوله ( بديع
السموات والأرض ) وانما ذكر السموات والأرض فقط ولم يذكر ما فيهما لأن حدوث ما في
السموات والأرض ليس على سبيل الابداع ، أما حدوث ذات السموات والأرض فقد كان على
سبيل الابداع ، فكان المقصود من الالزام حاصلا بذكر السموات والأرض . لا بذكر ما في
السموات والأرض ، فهذا إبطال الوجه الأول

١٢٥
قوله تعالى: ((بديع السموات والأرض)) الآية سورة الأنعام
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من
الولادة في الحيوانات ، فهذا أيضا باطل ويدل عليه وجوه
﴿ الوجه الأول﴾ أن تلك الولادة لا تصح الا ممن كانت له صاحبة وشهوة، وينفصل
عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة ، وهذه الاحوال انما تثبت في حق الجسم
الذى يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة ، وكل
ذلك على خالق العالم محال . وهذا هو المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة .
والوجه الثاني ﴾ أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادرا
على الخلق والايجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عدل
الى تحصيله بالطريق المعتاد . أما من كان خالقا لكل الممكنات قادرا على كل المحدثات ، فاذا
أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، ومن كان هذا الذى ذكرنا صفته ونعته ، امتنع منه
احداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله ( وخلق كل شيء )
والوجه الثالث ﴾ وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديما أو محدثا ، لا جائز أن يكون
قديما لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته . وما كان واجب الوجود لذاته كان غنيا عن
غيره فامتنع كونه ولدا لغيره ، فبقي أنه لو كان ولدا لوجب كونه حادثا ، فنقول إنه تعالى عالم
بجميع المعلومات فاما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالا ونفعا أو يعلم أنه ليس الأمر
كذلك ، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله تعالى خلق هذا الولد فيه إلا والداعي الى ايجاد
هذا الولد كان حاصلا قبل ذلك ، ومتى كان الداعي الى ايجاده حاصلا قبله وجب حصول الولد
قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا وهو محال، وان كان الثاني فقد ثبت أنه تعالى
عالم بانه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الالهية، وإذا كان الأمر كذلك
وجب أن لا يحدثه البتة في وقت من الأوقات ، وهذا هو المراد من قوله ( وهو بكل شيء عليم )
وفيه وجه آخر وهو أن يقال الولد المعتاد انما يحدث بقضاء الشهوة ، وقضاء الشهوة يوجب
اللذة ، واللذة مطلوبة لذاتها ، فلو صحت اللذة على الله تعالى مع انها مطلوبة لذاتها ، وجب
أن يقال إنه لا وقت إلا وعلم اللّه بتحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت لأنه
تعالى لما كان عالما بكل المعلومات وجب أن يكون هذا المعنى معلوما ، واذا كان الأمر كذلك ،
وجب أن يحصل تلك اللذة في الأزل ، فلزم كون الولد أزليا ، وقد بينا أنه محال فثبت أن كونه
نعالى عالما بكل المعلومات مع كونه تعالى أزليا يمنع من صحة الولد عليه ، وهذا هو المراد من
قوله ( وهو بكل شيء عليم ) فثبت بما ذكرنا أنه لا يمكن اثبات الولد لله تعالى بناء على هذين
الأحتمالين المعلومين ، فاما إثبات الولد لله تعالى بناء على احتمال ثالث فذلك باطل ، لأنه غير
متصور ولا مفهوم عند العقل ، فكان القول باثبات الولادة بناء على ذلك الاحتمال الذى هو غير

١٢٦
قوله تعالى: ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو)) الآية سورة الأنعام
ذَِّكُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
وَكِيلٌ ﴾﴾
متصور خوضا في محض الجهالة وأنه باطل ، فهذا هو المقصود من هذه الآية ولو ان الأولين
والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاما يساويه في القوة والكمال لعجزوا عنه ،
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قوله تعالى ﴿ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شيء
وكيل ﴾
اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الاله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد
قول من ذهب الى الاشراك بالله ، وفصل مذاهبهم على احسن الوجوه وبین فساد كل واحد منها
بالدلائل اللائقة به . ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات ، وبين بالدلائل القاطعة
فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد
والند ، ومنزه عن الاولاد والبنين والبنات ، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال : ذلكم الله ربكم لا
إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحدا فانه هو المصلح لمهمات جميع العباد ،
وهو الذى يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم ، ويعلم حاجتهم ، وهو الوكيل لكل أحد
على حصول مهماته ، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة الى التوحيد والتنزيه ،
وإظهار فساد الشرك ، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف ((ذلكم)) إشارة الى الموصوف بما تقدم من
الصفات وهو مبتدا وما بعده اخبار مترادفة ، وهي ( الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شيء )
أى ذلك الجامع لهذه الصفات فاعبدوه على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو
الحقيق بالعبادة فاعبدوه ، ولا تعبدوا احداً سواه
﴿ المسألة الثانية) اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق الى
خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبر ، ولم يذكر دليلا منفصلا يدل على نفي الشركاء ،
والاضداد والانداد ، ثم انه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله
شريكا ، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن ، ثم أبطله ، ثم إنه تعالى بعد
ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال ( ذلكم الله ربكم لا اله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه )
وعند هذا يتوجه السؤوال وهو ان حاصل ما تقدم اقامة الدليل على وجود الخالق ، وتزییفدلیل
من أثبت لله شريكا ، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض ؟ فنقول : للعلماء في

١٢٧
قوله تعالى: ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو)) الآية سورة الأنعام
إثبات التوحيد طرق كثيرة ، ومن جملتها هذه الطريقة . وتقريرها من وجوه : الأول : قال
المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد . فالقول فيه متكافيء ، فوجب القول
بالتوحيد أما قولنا : الصانع الواحد كاف فلان الاله القادر على كل المقدورات العالم بكل
المعلومات كاف في كونه إالها للعالم ، ومدبرا له . وأما ان الزائد على الواحد ، فالقول فيه
متكافىء ، فلان الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من
إثبات عند آخر ، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه
ليس ذلك العدد أولى من سائر الاعداد ، وهو أيضا محال ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق
إلا القول بالتوحيد .
﴿ الوجه الثاني ﴾ في تقرير هذه الطريقة أن الاله القادر على كل الممكنات العالم بكل
المعلومات كاف في تدبير العالم ، فلو قدرنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلا
وموجود لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون ، والأول باطل ، لأنه لما كان كل واحد منهما
قادرا على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر
عن تحصيل مقدوره ، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر . وهو محال . وإن
كان الثاني لا يفعل فعلا ولا يوجد شيئا كان ناقصا معطلا ، وذلك لا يصلح للالهية .
والوجه الثالث ﴾ في تقرير هذه الطريقة أن نقول: إن هذا الاله الواحد لا بد وأن
يكون كاملا في صفات الالهية ، فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركا
للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون ، فان كان مشاركا للأول في جميع صفات الكمال فلا
بد وأن يكون متميزا عن الأول بأمر ما ، اذ لو لم يحصل الامتياز بأمرٍ من الأمور لم يحصل
التعدد والاثنينية ، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات
الكمال أو لا يكون . فان كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع
صفات الكمال مشتركا فيه بينهما ، وان لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به
يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نقصان . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن
الاله الواحد كاف في تدبير العالم والايجاد ، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها
الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد . وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ تمسك أصحابنا بقوله ( خالق كل شيء﴾ على أنه تعالى هو الخالق
لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء ، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية .
فوجب كونه تعالى خالقا لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب الجبر والقدر ،
ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة . قالت المعتزلة : هذا اللفظ ، وان كان عاما إلا
انه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . فأحدهما :
أنه تعالى قال ( خالق كل شيء فاعبدوه ) فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله ( خالق كل شيء )

١٢٨
قوله تعالى: ((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو)) الآيـ سورة الأنعام
لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى . ومعلوم أن ذلك
فاسد . وثانيها : أنه تعالى إنما ذكر قوله ( خالق كل شيء ) في معرض المدح والثناء على نفسه ،
فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق
الزنا واللواط والسرقة والكفر ، وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( قد جاءكم بصائر من
ربكم فمن أبصر فلنفسه ) ومن عمى فعليها ، وهذا تصريح يكون العبد مستقلا بالفعل
والترك ، وأنه لا مانع له البتة من الفعل والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق الله
تعالى إذ لو كان مخلوقا لله تعالى لما كان العبد مستقلا به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه
الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية على كون العبد
مستقلا بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن
ذكر قوله ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ) يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها : ان
هذه الآية مذكورة عقيب قوله (وجعلوا لله شركاء الجن ) وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب
المجوس في إثبات الهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام
والآفات فقوله بعد ذلك ( لا إله إلا هو خالق كل شيء ) يجب أن يكون محمولا على ابطال ذلك
المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا انه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع
والحشرات والأمراض والآلام ، فاذا حملنا قوله ( خالق كل شيء ) على هذا الوجه لم يدخل تحته
أعمال العباد . قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم
قوله تعالى ( خالق كل شيء )
والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية .
وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع القدرة مع
الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقا لأفعال العباد ، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا
البرهان العقلى القاطع زالت الشكوك والشبهات .
﴿ المسألة الرابعة) قوله تعالى (خالق كل شيء فاعبدوه) يدل على ترتيب الأمر بالعبادة
على كونه تعالى خالقا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر
بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقا للأشياء هو الموجب لكونه معبودا على
الاطلاق ، والاله هو المستحق للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن
الاله عبارة عن القادر على الخلق والابداع والايجاد والاختراع
المسألة الخامسة) احتج كثير من المعتزلة بقوله ( خالق كل شيء ) على نفي
الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقا . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو كان تعالى عالما
بالعلم قادرا بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان . أو محدثان ،
والأول باطل . لأن عموم قوله ( خالق كل شيء ) يقتضي كونه خالقا لكل الأشياء أدخلنا

١٢٩
قوله تعالى ((وذلكم الله ربكم لا إله إلا هو)) الآية سورة الأنعام
التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه ، فوجب
ان يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول باثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في
هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني : وهو القول بحدوث علم الله وقدرته . فهو باطل
بالاجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن
ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا . فقالوا : القرآن شيء وكل شيء
فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم ، فلزم كون القرآن مخلوقا لله تعالى أقصى ما في هذا
الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى ، إلا أن العام المخصوص حجة في
غير محل التخصيص ، ولذلك فان دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة
من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
وجواب أصحابنا عنه : أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالما
بالعلم قادرا بالقدرة ، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم .
﴿ المسألة السادسة) قوله تعالى (وهو على كل شيء وكيل ) المراد من أن يحصل للعبد
كمال التوحيد وتقريره ، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو، وأنه لا مدبر إلا الله
تعالى ، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب .
وسمعت الشيخ الامام الزاهد الوالد رحمه الله يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب .
واذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة ، فتارة يعتمد على الأمير ،
وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير ، ، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير
الأحزان ، والحق تعالى قال (وهو على كل شيء وكيل ) والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ
إلا الله، ولا مصلح للمهمات إلا الله ، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ، ولا يرجع في
مهم من المهمات إلا اليه .
﴿ المسألة السابعة) أنه قال: قبل هذه الآية بقليل (وخلق كل شيء ) وقال ههنا
( خالق كل شيء ) وهذا كالتكرار .
والجواب من وجوه : الأول : أن قوله ( وخلق كل شيء ) إشارة إلى الماضي .
أما قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فهو اسم الفاعل ، وهو يتناول الأوقات كلها ، والثاني:
وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله ( وخلق كل شيء ) ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد ،
وههنا ذكر قوله ( خالق كل شيء ) ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو ، والحاصل أن
هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاما كثيرة ونتائج مختلفة ، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة ، ليفرع
الفخر الرازي ج١٣ م٩

١٣٠
قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اَلَّطِيفُ الْخَسِيرُ
١٠٢
٠
عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة .
﴿ المسألة الثامنة ﴾ لقائل أن يقول: الاله هو الذي يستحق أن يكون معبودا، فقوله
( لا إله إلا هو ) معناه لا يستحق العبادة إلا هو، فما الفائدة في قوله بعد ذلك ( فاعبدوه ) فان
هذا يوهم التكرير .
والجواب : قوله ( لا إله إلا هو) أي لا يستحق العبادة إلا هو، وقوله ( فاعبدوه ) أي
لا تعبدوا غيره .
﴿ المسألة التاسعة﴾ القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال ( ولئن سألتهم من
خلق السموات والأرض ليقولن الله ) وما أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه ، كما قال
تعالى ( هل تعلم له سميا ) فقال ( ذلكم الله ربكم ) أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم
ذكرها هو الله تعالى ، ثم قال بعده ( ربكم ) يعني الذي يربيكم ويحسن اليكم بأصناف التربية
ووجوه الاحسان ، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها ، كما قال
( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )
ثم قال ﴿ لا إله إلا هو ﴾ يعني أنكم لما عرفتم وجود الاله المحسن المتفضل المتكرم
فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه .
ثم قال ﴿ خالق كل شيء﴾ يعني أنما صح قولنا : لا إله سواه ، لأنه لا خالق للخلق
سواه ، ولا مدبر للعالم إلا هو ، فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد .
قوله تعالى ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾
في هذه الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته المؤمنين . يرونه
يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى
تجوز رؤيته .
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة .

١٣١
قوله تعالى: لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
أما المقام الأول ﴾ فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله ( لا تدركه الأبصار ) وذلك مما
يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية .
واذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله ( لا تدركه
الأبصار ) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلم والقدوة والارادة والروائح والطعوم لا
يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيءمنھافی کونها بحيث لا تصح رؤیتها ، فثبت أن قوله ( لا
تدركه الأبصار ) يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل
على أن قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن
الشيء اذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم
للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن
إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه
تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته .
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل
قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته .
فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من
الأمة فكان باطلا . فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت
أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه . فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية
على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية .
﴿ الوجه الثاني﴾ أن نقول المراد بالابصار في قوله ( لا تدركه الابصار ) ليس هو نفس
الأبصار فان البصر لا يدرك شيئاً البتة في موضع من المواضع . بل المدرك هو المبصر فوجب القطع
بأن المراد من قوله ( لا تدركه الأبصار ) هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله
( وهو يدرك الأبصار ) المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى
يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله (وهو يدرك الابصار ) يقتضي كونه تعالى
مبصرا لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه .
وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه
الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا
• •ستدلال اختصارا قلنا: قوله تعالى (وهو يدرك الأبصار) المراد منه إما نفس البصر أو
المبصر، وعلى التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا لا بصار نفسه ، وكونه مبصرا لذات نفسه .

١٣٢
قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام"
وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق .
﴿ الوجه الثالث ﴾ في الاستدلال بالآية أن لفظ ( الابصار ) صيغة جمع دخل عليها
الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله ( لا تدركه الابصار ) يفيد أنه لا يراه جميع الابصار ،
فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب .
إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض
أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس فانه يفيد أنه ضربه
بعضهم .
فاذا قيل : إن محمدًّ ، ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله
( لا تدركه الأبصار ) معناه : أنه لا تدركه جميع الابصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض
الابصار . أقص ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك
إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الادراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب
بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب .
﴿ الوجه الرابع﴾ في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول :
إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج
عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص
الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون ادراك الله بغير البصر جائزا
في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى
يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذا وجوه أربعة مستنبطة
من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية.
أعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الادراك بالبصر عبارة
عن الرؤية ، بدليل أن قائلا لو قال أدركته وما رأيته ، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فانه
يكون كلامه متناقضا ، فثبت أن الادراك بالبصر عبارة عن الرؤية .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) يقتضى أنه لا يراه شيء من
الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان : الأول : يصح استثناء
جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة

١٣٣
قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله . فثبت أن عموم هذه الآية يفيد
عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الاحوال . وذلك يدل على أن أحد لا يرى الله تعالى في
شيء من الاحوال .
﴿ الوجه الثاني﴾ في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت
قول ابن عباس في أن محمدا همة رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه
الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الاشخاص وكل الاحوال لما تم ذلك
الاستدلال ، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب . فثبت أن هذه الآية دالة
على النفي بالنسبة إلى كل الاشخاص وذلك يفيد المطلوب .
الوجه الثاني﴾ في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما قبل هذه الآية
إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك ( وهو يدك الابصار ) أيضا مدح
وثناء فوجب أن يكون قوله ( لا تدركه الأبصار ) مدحا وثناء ، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس
بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله .
إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته
نقصا في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ، لقوله ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) وقوله
( لیس کمثله شيء ) وقوله ( لم يلد ولم يولد ) إلی غیر ذلك . فوجب أن يقال كونه تعالى مرئیا
محال .
وأعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم:
عن نفسه في قوله ( وما الله يريد ظلما للعالمين) وقوله ( وما ربك بظلام للعبيد ) مع أنه تعالى،
قادر على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعنا لهذا النقض عن كلامهم . فهذه غاية تقرير)
كلامهم في هذا الباب .
والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن
الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الادراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى
( قال أصحاب موسى أنا لمدركون ) أي لملحقون وقال ( حتى إذا أدركه الغرق ) أي لحقه ،
ويقال : أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت .
فثبت أن الادراك هو الوصول إلى الشيء .
إذا عرفت هذا فنقول : المرئى إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده

١٣٤
قوله تعالى ((لا تدركه الابصار)) الآية سورة الأنعام
وجوانبه ونهاياته . صار كان ذلك الابصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكا ، أما إذا لم يحط
البصر بجوانب المرئى لم تسم تلك الرؤية إدراكا . فالحاصل أن الرؤية جلس تحتها نوعان :
رؤية مع الاحاطة . ورؤية لا مع الاحاطة . والرؤية مع الاحاطة هي المسماة بالادراك فنفى
الادراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفى النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم
من نفي الادراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض
على كلام الخصم .
فان قالوا لما بينتم أن الادراك أمر مغاير الرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة
التي تمسكتم بها في هذه الأية في إثبات الرؤية على الله تعالى .
قلنا : هذا بعيد لأن الادراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب الأعم . وأما نفي
الأخص لا يوجب نفي الأعم . فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا .
﴿الوجه الثاني﴾ في الاعتراض أن نقول : هب أن الادراك بالبصر عبارة عن الرؤية ،
لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال
وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء
عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ،
وعموم النفي غير ، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم
يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال . وأما قوله إن عائشة رضي
الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء
اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل
على أن قوله ( لا تدركه الأبصار ) يفيد نفي العموم وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير
لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على
المعهود السابق أيضاً ، وإذا كان كذلك فقوله ( لا تدركه الأبصار ) يفيد أن الأبصار المعهودة في
الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه فان هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه
الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى ، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت
صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله ؟
الوجه الرابع ﴾ سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك

١٣٥
قوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به ؟ وعلى هذا
التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة .
﴿ الوجه الخامس ﴾ هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله
تعالى خاصة والخاص مقدم على العام ، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك
الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا ؟
﴿ الوجه السادس ﴾ أن نقول بموجب الآية فنقول: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله
تعالى ، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون بحث الله تعالى ؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه
الأول . وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته
تمتنع رؤيته ، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته ، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار
عن رؤيته، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية ، ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سبباً
لحصول المدح والثناء . وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والثناء
والعلم به ضروري ، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء .
قيل: بأن ذلك النفي يوجب المدح . ومثاله أن قوله ( لا تأخذه سنة ولا نوم) لا يفيد المدح نظراً
إلى هذا النفي . فان الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على
كونه تعالى عالما بجميع المعلومات أبداً من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله ( وهو يطعم ولا
يطعم ) يدل على كونه قائما بنفسه غنياً في ذاته لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم .
إذا ثبت هذا فنقول: قوله(لا تدركه الأبصار) يمتنع أن یفید المدح والثناء إلا إذا دل علی
معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلناه، فانه یفید كونه تعالى قادراً على حجب
الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته. وبهذا التقرير فان الكلام ينقلب عليهم حجة. فسقط
استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه.
﴿ المسألة الثالثة﴾ أعلم أن القاضي ذكر في تفسيره وجوهاً أخرى تدل على نفي الرؤية
وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم
الأصول ، ولما فعل القاضى ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها . ثم نذكر لأصحابنا وجوها دالة
على صحة الرؤية . أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها : أن الحاسة إذا كانت سليمة
وكان المرئى حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد

١٣٦
قوله تعالى ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئى مقابلا أو في الحكم المقابل فانه يجب حصول الرؤية ،
إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات
ولا نسمعها ولا نراها . وذلك يوجب السفسطة .
قالوا إذا ثبت هذا فنقول : إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول
المقابلة في حق الله تعالى ممتنع ، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك
الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئى بحيث تصح رؤيته . وهذان المعنيان حاصلان في هذا
الوقت . فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت . وحيث لم تحصل
هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية
والحجة الثانية ﴾ أن كل ما كان مرئياً كان مقابلا أو في حكم المقابل والله تعالى ليس
كذلك ، فوجب أن تمتنع رؤيته .
﴿ والحجة الثالثة﴾ قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟ إما
أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز
عليه القرب والبعد والحجاب .
والحجة الرابعة ﴾ قال القاضي: إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال متى عند
الجماع وغيره فهو باطل ، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل ، لأن ذلك يوجب أنه
تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد : وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات ، وإذا كان كذلك وجب أن
يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبدا . فاذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك
لا يليق بصفات أهل الجنة . فهذا مجموع ما ذكره في كتاب التفسير . وأعلم أن هذه الوجوه في
غاية الضعف .
أما الوجه الأول ﴾ فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة
الحاسة وحضور المرئى وحصول سائر الشرائط واجبة ، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله
تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئى بحيث يصح رؤيته واجبة ؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى
مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ،
والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة

١٣٧
قوله تعالى ((ولا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام .
وأما الوجه الثاني ﴾ فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الدي لا يكون
مختصا بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا ؟ فاما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود
الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولو أنه علم استدلالي ، والأول باطل . لأنه لو كان
العلم به بديهيا لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء . وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهيا كان
الاشتغال بذكر الدليل عبثا فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة . وان كان الثاني فنقول :
قولكم المرئى يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل إعادة لعين الدغوى ، لأن حاصل
الكلام أنكم قلتم : الدليل على أن ما لا يكون مقابلا ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته ، أن
كل ما كان مرئيا فانه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل ، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا
الكلام إلا اعادة الدعوى
وأما الوجه الثالث ) فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا
يرونه؟ لا لاجل القرب والبعد كما ذكرت، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا
يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن
يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها، كان هذا رجوعا إلى الطريقة الأولى ،
وقد سبق جوابها .
﴿ وأما الوجه الرابع﴾ فيقال لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال
دون حال . أما قوله فهذا يقتضي أن يقال : إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد ، فيقال هذا عود إلى
أن الأبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة ، وهو عود إلى الطريق الأول ، وقد سبق
جوابه ، وقوله ثانيا : الرؤية أعظم اللذات ، فيقال له إنها وان كانت كذلك إلا أنه لا يبعد
أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال ، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة لذيذة ثم
أنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا. فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في
هذا الباب .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن نعدها
هنا عدا ، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها . فالأول : أن موسى عليه السلام طلب
الرؤية من الله تعالى ، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى . والثاني : أنه تعالى علق الرؤية

١٣٨
قوله تعالى ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
على استقرار الجبل حيث قال ( فان استقر مكانه فسوف تراني ) واستقرار الجبل جائز والمعلق
على الجائز جائز ، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الاعراف .
الحجة الثالثة ﴾ التمسك بقوله ( لا تدركه الأبصار ) من الوجوه المذكورة .
﴿ الحجة الرابعة ﴾ التمسك بقوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى ) وزيادة وتقريره قد
ذكرناه في سورة يونس .
﴿ الحجة الخامسة﴾ التمسك بقوله تعالى ( فمن كان يرجوا لقاء ربه) وكذا القول في
جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مرارا وأطوارا
﴿ الحجة السادسة ﴾ التمسك بقوله تعالى ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) فان
إحدى القرآآت في هذه الآية ( ملكا ) بفتح الميم وكسر اللام ، وأجمع المسلمون على أن ذلك
الملك ليس إلا لله تعالى . وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها .
﴿ الحجة السابعة ﴾ التمسك بقوله تعالى ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)
وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لايكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل .
﴿ الحجة الثامنة ﴾ التمسك بقوله تعالى (ولقدرآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى)
وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم .
﴿ الحجة التاسعة﴾ أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل
الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد ،
وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم )
الحجة العاشرة ) قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات
الفردوس نزلا ) دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين ،
والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من
ذلك النزل ، وما ذاك إلا الرؤية .
﴿الحجة الحادية عشرة) قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) وتقرير كل واحد

١٣٩
قوله تعالى ((لا تدركه الأبصار)) الآية سورة الأنعام
من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب. وأما الأخبار فكثير منها الحديث
المشهور وهو قوله عليه السلام ( سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته))
واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح . لا في تشبيه المرئى
بالمرئى ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه ◌َّ قرأ قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى
وزيادة ) فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله ، ومنها أن الصحابة رضي الله
عنهم اختلفوا في أن النبي ◌َّيؤ هل رأى ليلة المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب؟
وما نسبه إلى البدعة والضلالة . وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في
رؤية الله تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية .
المسألة الخامسة) دل قوله تعالى (وهو يدرك الأبصار ) على أنه تعالى يرى الأشياء
ويبصرها ويدركها . وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار . أو المراد منه
المبصرين ، فإن كان الأول . وجب الحكم بكونه تعالى رائيا لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين ،
وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات . وإن كان الثاني وجب الحكم
بكونه تعالى رائيا للمبصرين ، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصرا
للمبصرات رائيا للمرئيات .
﴿ المسألة السادسة ) قوله تعالى (وهو يدرك الأبصار ) يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو
يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى ، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائيا للمرئيات
ومبصرا للمبصرات ومدركا للمدركات ، أمر عجيب وماهية شريفة ، لا يحيط العقل بكنهها
ومع ذلك فان الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها ، فيكون المعنى من قوله ( لا تدركه
الأبصار ) هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وان عقلا من العقول لا يقف على
كنه صمديته ، فكلت الأبصار عن إدراكه ، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته ،
وكما أن شيئاً لا يحيط به ، فعلمه محيط بالكل ، وإدراكه متناول للكل ، فهذا كيفية نظم هذه
الآية .
﴿ المسألة السابعة) قوله (وهو اللطيف الخبير) اللطافة ضد الكثافة ، والمراد منه
الرقة ، وذلك في حق الله ممتنع ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه :
﴿ الوجه الأول ﴾ المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة.،
والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى .

١٤٠ قوله تعالى ((قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه)) الآية سورة الأنعام
قَدْ جَاءَ كُ بَصَآَبِرُ مِن رَّبِّكُمْ ثَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا وَمَ أَنَاْ عَلَيْكُم
تحفيظ
١٠٤
مے
الوجه الثاني ﴾ أنه سبحانه لطيف في الانعام والرأفة والرحمة.
﴿ والوجه الثالث ﴾ أنه لطيف بعباده ، حيث يثنى عليهم عند الطاعة ، ويأمرهم
بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة .
الوجه الرابع﴾ إنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم ، وينعم عليهم بما هو
فوق استحقاقهم . وأما الخبير : فهو من الخبر وهو العلم ، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه
عالما بماهم عليه من ارتكاب المعاصي والاقدام على القبائح ، وقال صاحب الكشاف
(اللطيف) معناه : أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار ( الخبير ) بكل لطيف، فهو يدرك
الأبصار ، ولا يلطف شيء عن ادراكه ، وهذا وجه حسن .
قوله تعالى ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا
علیکم بحفيظ ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة، والدلائل القاهرة في
هذه المطالب العالية الشريفة الالهية . عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال ( قد
جاءكم بصائر من ربكم ) والبصائر جمع البصيرة ، وكما أن البصراسم للادراك التام الكامل
الحاصل بالعين التي في الرأس ، فالبصيرة اسم للادراك التام الحاصل في القلب . قال تعالى
( بل الانسان على نفسه بصيرة ) أي له من نفسه معرفة تامة ، وأراد بقوله ( قد جاءكم بصائر
من ربكم ) الآيات المتقدمة ، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا إنهاا لقوتها وجلالتها توجب
البصائر لمن عرفها ، ووقف على حقائقها ، فلما كانت هذه الآيات أسبابا لحصول البصائر .
سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر ، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا
يتعلق به .
﴿ أما القسم الأول﴾ وهو الذي يتعلق بالرسول ، فهو الدعوة إلى الدين الحق ، وتبليغ
الدلالة والبينات فيها ، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات
عنها ، وهو المراد من قوله ( قد جاءكم بصائر من ربكم )