Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
قوله تعالى: ((فالق الإصباح وجعل الليل سكناً) الآية سورة الأنعام.
الشمس مقابلا لجزء من أجزاء وجه الأرض ، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض ،
وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس ، فوجب أن يكون ذلك
بتخليق الفاعل المختار .
فان قالوا : لم لا يجوز أن يقال : الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك
الهواء المقابل له ، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض ، فيصيره ضوء الهواء الواقف
تحت الأرض سببا لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى
هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو على بن
الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه بالمناظر الكثة .
والجواب : أن هذا العذر باطل من وجهين : الأول : أن الهواء جرم شفاف عديم
اللون ، وما كان كذلك فانه لا يقبل النور ، واللون في ذاته وجوهره ، وهذا متفق عليه
الفلاسفة . واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه . ولو كان
كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه ، ولصار إبصاره مانعا عن إبصار ما وراءه ، فحيث لم يكن
كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره ، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس
النور منه إلى غيره ، فامتنع أن يصير ضوءه سببا لضوء هواء آخر مقابل له .
فان قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه حصل في الافق أجزاء كثيفة من الأبخرة
والأدخنة ؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس . ثم إن بحصول الضوء فيها يصير
سببا لحصول الضوء في الهواء المقابل لها ، فنقول : لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت
الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر ، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك ،
بل على العكس منه فبطل هذا العذر .
الوجه الثاني ﴾ في ابطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم ان الدائرة التي هي دائرة
الافق لنا ، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين ، فاذا كان كذلك ، فالدائرة التي هي
نصف النهار في بلدنا ، وجب كونها دائرة الافق لأولئك الاقوام
اذا ثبت هذا فنقول : اذا وصل مركز الشمس الى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها ،
فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام ، واستنار نصف العام هناك ، والربع من الفلك الذي
هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك
فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذيا لهواء الربع الشرقي لأهل
بلدنا . فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء

١٠٢
قوله تعالى: ((فالق الإصباح وجعل الليل)) الآية سورة الأنعام
الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل . وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الاضاءة
والانارة بعد نصف الليل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في
ذاته . وإذا بطل هذا العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنابرهانين دقيقين عقليين محضين على
أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس والله أعلم .
والوجه الثالث﴾ هب أن النور الحاصل في العالم انما كان بتأثير الشمس . إلا أنا
نقول : الاجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الامر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص
الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول : فهو أن الأجسام متماثلة
في كونها أجساما ومتحيزة ، فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعا في مفهوم
مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول : ذلك الأمر إما أن
يكون محلا للجسمية أو حالا فيها أو لا محلا لها ولا حالا فيها . والأول : باطل لأنه يقتض كون
الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزا ومختصا بحيز كان
محل الجسم غير الجسم وهو محال ، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالا في محل لا
تعلق له بشيء من الاحياز والجهات ، وذلك مدفوع في بديهة العقل . والثاني : أيضا باطل
لأن على هذا التقدير : الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما
يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل
واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب . والثالث : وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة
ليس محلا للجسم ولا حالا فيه وفساد هذا القسم ظاهر . فثبت بهذا البرهان أن الاجسام
متماثلة .
وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما يصح على أحد المثلين فانه يصح أيضاً على المثل الثاني .
وإذا استوت الأجسام باسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس
لهذه الاضاءة وهذه الانارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار . وإذا ثبت هذا كان فالق
الاصباح في الحقيقة هو الله تعالى وذلك هو المطلوب ، والله أعلم .
الوجه الرابع ﴾ في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم . بل البرهان القاطع
قد دل على أنه مفهوم عدمى والنور محض الوجود . فاذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في
قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات
ورفعت التفعيلات فاذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة
الأدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور . وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان

١٠٣
قوله تعالى: ((فالق الأصباح وجعل الليل)) الآية سورة الأنعام
ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل . ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة
الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلى لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله
تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم .
إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقا للاصباح في كونه دليلا على كمال قدرة الله تعالى أجل
أقسام الدلائل ، وفي كونه فضلا ورحمة وإحساناً من الله تعالى على الخلق أجل الاقسام وأشرف
الانواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى ( فالق الاصباح ) على وجود الصانع القادر
المختار الحكم . والله أعلم .
ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول : إنه تعالى فالق العدم بصباح التكوين والايجاد
وفالق ظلمة الجهادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل
والادراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم
الافلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر
المحدثات والمبدعات .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في تفسير ( الاصباح) وجوه: الأول: قال الليث: الصبح والصباح
هما أول النهار وهو الاصباح أيضا . قال تعالى ( فالق الاصباح ) يعني الصبح . قال
الشاعر :
أفني رياحاً وبني رياح تناسخ الإمساء والإِصباح
﴿والقول الثاني﴾ أن ( الإِصباح) مصدر سمي به الصبح .
فان قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الامر كذلك فان الحق أنه
تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : أن يكون المراد فالق
ظلمة الاصباح ، وذلك لأن الافق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة .
والنور وانما ظهر في الجانب الشرقي فكان الافق كان بحراً مملوءاً من الظلمة . ثم إنه تعالى شق
ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولا من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الاصباح
بنور الاصباح ولما كان المراد معلوما حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة
عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله ( فالق الإصباح ) أي فالق
الإِصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في الصباح انما كان لأجل أن الله تعالى فلق
تلك الظلمة فقوله ( فالق الاصباح) أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الاظهار

١٠٤
قوله تعالى: ((والشمس والقمر حسباناً)) الآية سورة الأنعام
هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو
الخالق فكان المعنى خالق الاصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿وجاعل الليل سكناً﴾ فأعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع
من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها : ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها :
قوله ( وجاعل الليل سكنا ) وفيه مباحث :
﴿ المبحث الأول﴾ قال صاحب الكشاف : السكن ما يسكن اليه الرجل ويطمئن اليه
استئناسا به واسترواحاً اليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا
تراهم سموها المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الانسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى
زمان يستريح فيه وذلك هو الليل .
فان قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك
ليل ؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا : كلامنا في
أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير
باقية فيه فظهر الفرق .
﴿ المبحث الثاني﴾ قرأ عاصم والكسائي (وجعل الليل ) على صيغة الفعل ، والباقون
جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو
قوله ( فالق الحب . وفالق الأصباح ) وجاعل أيضاً اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركا
للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله ( والشمس والقمر ) منصوبان ولا بد
لهذا النصب من عامل ، وما ذاك إلا أن يقدر قوله ( وجعل ) بمعنى وجاعل الشمس والقمر
حسبانا وذلك يفيد المطلوب .
وأما قوله تعالى ﴿ والشمس والقمر حسبانا ﴾ ففيه مباحث .
؟
﴿ المبحث الأول﴾ معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في
سورة يونس في قوله ( وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد
السنين والحساب ) وقال في سورة الرحمن ( والشمس والقمر بحسبان ) وتحقيق الكلام فيه أنه
تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر
حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول
الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج اليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ، ولو قدرنا كونها

١٠٥
قوله تعالى: ((وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها)) الآية سورة الأنعام
وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ◌ْلَيَتِ
لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ
أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله ( والشمس والقمر
حسباناً )
﴿ المبحث الثاني﴾ في الحسبان قولان : الأول: وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب
مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني أن الحسبان كالرجحان والنقصان . وقال
صاحب الكشاف : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب ،
ونظيره الكفران والغفران والشكران .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى جعل الشمس والقمر حسبانا جعلهما على حساب ، لأن
حساب الأوقات لا يعلم الا بدورهما وسيرهما .
﴿ المبحث الثالث﴾ قال صاحب الكشاف (والشمس والقمر ) قرئا بالحركات
الثلاث ، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله ( جاعل الليل ) أي وجعل الشمس والقمر
حسبانا ، والجر عطف على لفظ الليل ، والرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره ،
والشمس والقمر مجعولان حسبانا : أي محسوبان .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله ﴿ ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ والعزيز إشارة إلى كمال
قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة
وهيئاتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا
بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ،
وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص
الفاعل المختار . والله أعلم
قوله تعالى ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات البر والبحر قد فصلنا
الآيات لقوم يعلمون ﴾
هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة ، وهو أنه
تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه :

١٠٦
٠
قوله تعالى: ((وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها)) الآية سورة الأنعام
﴿ الوجه الأول﴾ أنه تعالى خلقها لتهتدي الخلق بها إلى الطرق والمسالك في ظلمات البر
والبحر حيث لا يرون شمسا ولا قمرا لأن عند ذلك يهتدون بها إلى المسالك والطرق التي
يريدون المرور فيها
الوجه الثاني ﴾ وهو أن الناس يستدلون بأحوال حركة الشمس على معرفة أوقات
الصلاة ، وانما يستدلون بحركة الشمس في النهار على القبلة ، ويستدلون بأحوال الكواكب في
الليالي على معرفة القبلة
الوجه الثالث ﴾ أنه تعالى ذكر هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء ، فقال
( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) وقال تعالى ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) وقال
( والسماء ذات البروج )
الوجه الرابع ﴾ أنه تعالى ذكر في منافعها كونها رجوما للشياطين .
﴿ الوجه الخامس﴾ يمكن أن يقال: لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي في ظلمات
التعطيل والتشبيه ، فان المعطل ينفي كونه فاعلا مختارا ، والمشبه يثبت كونه تعالى جسما مختصا
بامكان فهو تعالى خلق هذه النجوم ليهتدي بها في هذين النوعين من الظلمات ، أما الاهتداء بها
في ظلمات بر التعطيل ، فذلك لأنا نشاهد هذه الكواكب مختلفة في صفات كثيرة فبعضها سيارة
وبعضها ثابتة ، والثوابت بعضها في المنطقة وبعضها في القطبين ، وأيضا الثوابت لامعة
والسيارة غير لامعة ، وأيضاً بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء ، وبعضها صغيرة خفية قليلة
الضوء ، وأيضاً قدروا مقاديرها على سبع مراتب .
إذا عرفت هذا فنقول : قد دللنا على أن الأجسام متماثلة ، وبينا أنه متى كان الأمر كذلك
كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلا على أن ذلك ليس إلا بتقدير الفاعل المختار
فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل . وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه
فلأنا نقول إنه لا عيب يقدح في إلهية هذه الكواكب إلا أنها أجسام فتكون مؤلفة من الأجزاء
والأبعاض ، وأيضا إنها متناهية ومحدودة ، وأيضاً إنها متغيرة ومتحركة ومتنقلة من حال إلى حال
فهذه الأشياء إن لم تكن عيوبا في الالهية امتنع الطعن في إلهيتها ، وإن كانت عيوبا في الالهية
وجب تنزيه الاله عنها بأسرها فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمية
والأعضاء والأبعاض والحد والنهاية والمكان والجهة ، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب في بر
التعطيل وبحر التشبيه ، وهذا وان كان عدولا عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا أنه قريب مناسب
لعظمة كتاب الله تعالى

١٠٧
قوله تعالى: ((وهو الذي انشأكم من نفس واحدة)) الآية سورة الأنعام
وَهُوَ الَّذِىَ أَّأَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ فَمُسْتَفَرُ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا أَلْأَبَتِ لِقَوْمٍ
٠
يَفْقَهُونَ
الوجه السادس ﴾ في منافع هذه الکواکب ما ذكره الله تعالى في قوله ( ویتفکرون في
خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ) فنبه على سبل الاجمال على أن في وجود كل
واحد منها حكمة عالية ومنفعة شريفة ، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل وجب نفيه
فمن أراد أن يقدر حكمة الله تعالى في ملكه وملكوته بمکیال خياله ومقیاس قياسه فقد ضل
ضلال بينا ، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم . قال ( قد فصلنا الآيات لقوم
يعملون ) وفيه وجوه الأول : المراد أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في
ظلمات البر والبحر ، فكذلك يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم ، وكمال قدرته
وعلمه . الثاني : أن يكون المراد من العلم ههنا العقل فقوله ( قد فصلنا الآيات لقوم
يعملون ) نظير قوله تعالى في سورة البقرة ( إن في خلق السموات والأرض ) إلى قوله (لآيات
لقوم يعقلون ) وفي آل عمران في قوله ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل وانهار
لآيات لأولى الألباب ) والثالث : أن يكون المراد من قوله ( لقوم يعملون ) لقوم يتفكرون
ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .
قوله تعالى ﴿ وهو الذي انشأکم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات
لقوم يفقهون ﴾
هذا نوع رابع من دلائل وجود الاله وكمال قدرته وعلمه ، وهو الاستدلال بأحوال
الانسان فنقول لا شبهة في أن نفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي نفس واحدة . وحواء
مخلوقة من ضلع من أضلاعه . فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم .
فان قيل : فما القول في عيسى ؟
قلنا : هو أيضاً مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها .
فان قالوا : أليس أن القرآن قد دل على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها
فکیف یصح ذلك ؟
قلنا: كلمة ((من)) تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء تكون عيسى عليه السلام كان

١٠٨
قوله تعالى: ((وهو الذي انشأكم من نفس واحدة)) الآية سورة الأنعام
من مريم وهذا القدر كاف في صحة هذا اللفظ . قال القاضي : فرق بين قوله ( أنشأكم ) وبين
قوله ( خلقكم ) لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء . ولكن على وجه النمو والنشوء لا من
مظهر من الأبوين ، كما يقال : في النبات إنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت
الانتهاء . وأما قوله ( فمستقر ومستودع ) ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( فمستقر ) بكسر القاف والباقون بفتحها
قال أبو علي الفارسي . قال سيبويه ، يقال : قر في مكانه واستقر فمن كسر القاف كان المستقر
بمعنى القار وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر ((منكم)) أي منكم مستقر . ومن فتح
القاف فليس على أنه مفعول به لأن استقر لا يتعدى فلا يكون له مفعول به فيكون اسم مكان
فالمستقر بمنزلة المقر. وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر ((منكم)) بل يكون خبره
((لكم)) فيكون التقدير لكم وأما المستودع فان استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول استودعت
زيداً ألفاً وأودعت مثله ، فالمستودع يجوز أن يكون اسما للانسان الذي استودع ذلك المكان
ويجوز أن يكون المكان نفسه .
إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ مستقراً بفتح القاف جعل المستودع مكاناً ليكون مثل
المعطوف عليه والتقدير فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن قرأ ( فمستقر ) بالكسر،
فالمعنى : منكم مستقرومنكم مستودع ، والتقدير : منكم من استقرومنكم من استودع . والله
أعلم .
﴿ المبحث الثاني﴾ الفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى النبات من
المستودع فالشيء الذي حصل في موضع ولا يكون على شرف الزوال يسمى مستقراً فيه ، وأما
إذا حصل فيه وكان على شرف الزوال يسمى مستودعا لأن المستودع في معرض أن يسترد في كل
حين وأوان .
إذا عرفت هذا فنقول : كثر اختلاف المفسرين في تفسير هذين اللفظين على أقوال :
فالأول : وهو المنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام والمستودع
الأصلاب قال كريب : كتب جرير إلى ابن عباس يسأله عن هذه الآية فأجاب المستودع
الصلب والمستقر الرحم ثم قرأ ( ونقر في الأرحام ما نشاء ) ومما يدل أيضاً على قوة هذا القول
أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلا والجنين يبقى في رحم الأم زمانا طويلا ،
ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم
أولى .

١٠٩
قوله تعالى: ((قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون)) الآية سورة الأنعام
﴿ والقول الثاني﴾ أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم ، لأن النطفة حصلت
في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير ، فحصول تلك النطفة
في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله ( فمستقر ومستودع ) يقتضي كون المستقر
متقدماً على المستودع وحصول النطفة في صلب الأب مقدم على حصولها في رحم الأم ، فوجب
أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء ، والمستودع ما في أرحام الأمهات .
والقول الثالث ﴾ وهو قول الحسن المستقر حاله بعد الموت لأنه إن كان سعيداً فقد
استقرت تلك السعادة ، وإن كان شقيا فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الانسان
بعد الموت وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة . فالكافر قد ينقلب مؤمنا والزنديق قد ينقلب
صديقاً ، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة التي تكون
مشرفة على الزوال والذهاب .
والقول الرابع﴾ وهو قول الأصم . إن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل
الدنيا واستقر فيها ، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق .
والقول الخامس ﴾ للأصم أيضاً المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع من في
القبور حتى يبعث . وعن قتاده على العكس منه فقال مستقر في القبر ومستودع في الدنيا .
﴿ القول السادس﴾ قول أبي مسلم الأصبهاني أن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس
واحدة فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى إلا أنه تعالى عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة
إنما تتولد في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك
النطفة . والله أعلم .
﴿ المبحث الثالث﴾ مقصود الكلام أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه
السلام ، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول . الأشخاص
الانسانية متساوية في الجسمية ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر
والمستودع والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من سبب ومؤثر وليس السبب هو الجسمية
ولوازمها وإلا لامتنع حصول التفاوت في تلك الصفات ، فوجب أن يكون السبب هو
الفاعل المختار الحكيم ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم )
ثم قال تعالى ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾ والمراد هذا التفصيل أنه بين هذه

١١٠
قوله تعالى ((وهو الذي أنزل من السماء ماء)) الآية سورة الأنعام
وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ الَّمَآءِ مَآءَ فَأْرَجْنَابِ نَبَتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَنْرَ جْنَا مِنْهُ خَضِرً اأُخْرِجُ
مِنْهُ حََُّّ كِبًا وَمِنَ الَّعْلِ مِنْ طَلِهَ قِنْوَنُ دَائَِةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالَّيْتُونَ
وَالْمَّانَ مُثْقَبِهَا وَغَيْرَ مُتَّشَبِهِ أَنْظُرُواْ إِلَى تَرِةٍ إِذَا أَعْمَرَ وَيَنْعِهِةٍ إِنَّ فِى ذَلِكُ
لَآَيْتِ لِقَوْرِ يُؤْمِنُونَ ﴾
الدلائل على وجه الفصل للبعض عن البعض . ألا ترى أنه تعالى تمسك أولا بتكوين النبات
والشجر من الحب والنوى ، ثم ذكر بعده التمسك بالدلائل الفلكية من ثلاثة وجوه ، ثم ذكر
بعده التمسك بأحوال تكوين الانسان فقد ميز تعالى بعض هذه الدلائل عن بعض ، وفصل
بعضها عن بعض لقوم يفقهون ، وفيه ابحاث : الأول : قوله ( لقوم يفقهون ) ظاهرة مشعر
بأنه تعالى قد يفعل الفعل لغرض وحكمة .
وجواب أهل السنة : أن اللام لام العاقبة ، أو يكون ذلك محمولا على التشبيه بحال من
يفعل الفعل لغرض . والثاني : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه ،
والفهم والايمان . وما أراد بأحد منهم الكفر . وهذا قول المعتزلة .
وجواب أهل السنة : أن المراد منه كأنه تعالى يقول : إنما فصلت هذا البيان لمن عرف
وفقه وفهم ، وهم المؤمنون لا غير . والثالث : أنه تعالى ختم الآية السابقة ، وهي الآية التي
استدل فيها بأحوال النجوم بقوله ( يعلمون ) وختم آخر هذه الآية بقوله ( يفقهون ) والفرق أن
إنشاء الانس من واحدة ، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً ، فكان
ذكر الفقه ههنا لأجل أن الفقيه يفيد مزيد فطنة وقوة ذكاء وفهم . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه
خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون
والرمان مشتبها - وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم
يؤمنون ﴾
أعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته
ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه .

قوله تعالى: ((وهو الذي أنزل من السماء ما)) الآية سورة الأنعام
وأعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضاً نعم بالغة ، وإحسانات كاملة ،
والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه ، وكان إنعاما وإحسانا من سائر الوجوه . كان تأثيره في
القلب عظيما ، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن
هذه الطريقة . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ظاهر قوله تعالى (وهو الذي أنزل من السماء ماء) يقتضى نزول
المطر من السماء ، وعند هذا اختلف الناس ، فقال أبو علي الجبائي في تفسيره : أنه تعالى ينزل
الماء من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول
المطر من السماء والعدول عن الظاهر إلى التأويل ، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء
اللفظ على ظاهره غير ممكن ، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء ،
فوجب إجراء اللفظ على ظاهره .
وأما قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض . ثم تصعد وترتفع
إلى الهواء ، فينعقد الغيم منها ويتقاطر ، وذلك هو المطر ، فقد احتج الجبائي على فساده من
وجوه : الأول : أن البرد قد يوجد في وقت الحر ، بل في صميم الصيف، ونجد المطر في أبرد
وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم .
ولقائل أن يقول : إن القوم يجيبون عنه فيقولون : لا شك أن البخار أجزاء مائية
وطبيعتها البرد ، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب ، فيهرب البرد إلى باطنه ،
فيقوي البرد هناك بسبب الاجتماع ، فيحدث البرد ، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على
ظاهر السحاب ، فلا يقوى البرد في باطنه ، فلا جرم لا ينعقد جمدا بل ينزل ماء ، هذا ما
قالوه . ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جدا عندكم ، فاذا كان اليوم يوما
باردا شديد البرد في صميم الشتاء ، فتلك الطبقة باردة جدا ، والهواء المحيط بالأرض أيضاً بارد
جدا ، فوجب أن يشتد البرد ، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة ، وحيث شاهدنا أنه قد
يحدث فسد قولكم ، والله أعلم .
﴿ الحجة الثانية) مما ذكره الجبائي أنه قال: إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت
تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء ، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل
أملس كسقوف الحمامات المزججة . أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير ، فاذا
تصاعدت البخارات في الهواء ، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات ، وجب
أن لا يحصل منها شيء من الماء . ولقائل أن يقول : القوم يجيبون عنه : بأن هذه البخارات إذا

١١٢
قوله تعالى: ((وهو الذي انزل من السماء ماء)) الآية سورة الأنعام
تصاعدت وتفرقت ، فاذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ،
والبرد يوجب الثقل والنزول ، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول ، والعالم
كروي الشكل ، فلما رجعت من الصعود إلى النزول ، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق
المركز ، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت ، فحصل من اتصال بعض تلك
الذرات بعض قطرات الأمطار .
﴿ الحجة الثالثة) ما ذكره الجبائي قال: لو كان تولد المطر من صعود البخارات،
فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار ، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ، وحيثٍ لم يكن
الأمر كذلك ، علمنا فساد قولهم . قال : فثبت بهذه الوجوه ، أنه ليس تولد المطر من بخار
الأرض ، ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول ، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة ،
وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا
اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في
تكوين كل شيء عن مادة معينة ، وأما المسلمون . فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة ، وأن
خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الاجسام كيف شاء وأراد ، فعند هذا لا حاجة إلى
استخراج هذه التكلفات ، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء انما ينزل من
السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما
قلناه : أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء . قال تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء
طهورا) وقال ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) وقال ( وينزل من السماء من جبال
فيها من برد ) فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الاجسام في
السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض .
﴿ والقول الثاني﴾ المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء
﴿ والقول الثالث﴾ أنزل من السحاب ماء وسمي الله تعالى السحاب سماء ، لأن
العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب .
﴿ المسألة الثانية﴾ نقل الواحدي في البسيط عن ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر ولا
ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك
الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السموات ، فالقول به
مشكل والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( فأخرجنا به نبات كل شيء ) فيه أبحاث :

١١٣
قوله تعالى: ((فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً)) الآية سورة الأنعام
البحث الأول﴾ ظاهر قوله ( فأخرجنا به نبات كل شيء ) يدل على أنه تعالى إنما
أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه ، وقد بالغنا في
تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقا لكم ) فلا فائدة في الاعادة .
﴿ البحث الثاني ﴾ قال الفراء : قوله ( فأخرجنا به نبات كل شيء ) ظاهره يقتضى أن
يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات ،
فاذا کان کذلك ، فالذي لا نبات له لا یکون داخلا فيه .
والبحث الثالث ) قوله ( فأخرجنا به ) بعد قوله ( أنزل ) يسمى التفاتا . وبعد ذلك
من الفصاحة .
وأعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من أي
الوجوه يعد من هذا الباب ؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى ( حتى إذا كنتم في
الفلك وجرين بهم بريح طيبة ) فلا فائدة في الاعادة .
﴿والبحث الرابع ﴾ قوله (فأخرجنا) صيغة الجمع . والله واحد فرد لا شريك له ، إلا
أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فانما يكنى بصيغة الجمع ، فكذلك ههنا . ونظيره قوله
( إنا أنزلناه . إنا أرسلنا نوحا . إنا نحن نزلنا الذكر )
أما قوله ﴿ فأخرجنا منه خضرا ﴾ فقال الزجاج: معنى خضر، كمعنى أخضر، يقال
اخضر فهو أخضر وخضر، مثل اعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر في كتاب الله هو
الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر، وأقول انه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في
قسمين : حيث قال : ( ان الله فالق الحب والنوى ) فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي
ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضاً في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو
المراد بقوله ( فأخرجنا منه خضرا ) وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس :
يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج
أولا ويكون السنبل في اعلاه وقوله ( نخرج منه حبا متراكبا ) يعني يخرج من ذلك الخضر حبا
متراكبا بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الاخضر وتكون
السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة
أجسام دقيقة حادة كأنها الابر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.
الفخر الرازي ج١٣ م٨

١١٤
قوله تعال: ((وجنات من اعناب والزيتون)) الآية سورة الأنعام
ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال (ومن
النخل من طلعها قنوان دانية ) وههنا مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل، وهذا يدل على أن
الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفا مطولا
﴿ البحث الثاني﴾ روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال: أطلعت النخل إذا
أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الاغريض ، والاغريض يسمى طلعا أيضا .
قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما ( قنوان ) فقال الزجاج .
القنوان جمع قنو. مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا
الجمع على لفظ الاثنين والاعراب في النون للجمع
إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله ( قنوان دانية ) قال ابن عباس : يريد العراجين
التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنبها . وروي عنه أيضا أنه قال : قصار النخل اللاصقة
عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على
الثاني كما قال ( سرابيل تقيكم الحر ) ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل
على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضا : ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في
القريبة أكمل وأكثر .
والبحث الثالث ﴾ قال صاحب الكشاف (قنوان) رفع بالابتداء ( ومن النخل )
خبره ( ومن طلعها ) بدل منه كأنه قيل : وحاصله من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون
الخبر محذوفا لدلالة أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجة من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه
( حب متراكب ) كان ( قنوان ) عنده معطوفا على قوله ( حب ) وقرىء ( قنوان ) بضم القاف
وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير .
ثم قال تعالى ﴿ وجنات من أعناب والزيتون والرمان ﴾ وفيه أبحاث .
﴿ البحث الأول﴾ قرأ عاصم (جنات ) بضم التاء ، وهي قراءة على رضى الله عنه :
والباقون ( جنات ) بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان : الأول : أن يراد ، وثم
جنات من أعناب أي مع النخل والثاني : أن يعطف على ( قنوان ) على معنى وحاصله أو
ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله
( نبات كل شيء) والتقدير : وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله ( والزيتون

١١٥
قوله تعالى: ((وجنات من أعناب والزيتون والرمان)) الآية سورة الأنعام
والرمان ) قال صاحب الكشاف : والاحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى
( والمقيمين الصلاة ) لفضل هذين الصنفين .
البحث الثاني ﴾ قال الفراء : قوله ( والزيتون والرمان ) يريد شجر الزيتون ،
وشجر الرمان كما قال ( واسأل القرية ) يريد أهلها .
﴿ البحث الثالث﴾ أعلم أنه تعالى ذكرههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل
والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار
فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى
الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة
بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام
((أكرموا عمتكم النخلة، فانها خلقت من بقية طينة آدم)) وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن
العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال فأول ما
يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائع
منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، وهو طعام شريف للاصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة
لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة ،
ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر ،
وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات ، وهي الزبيب
والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلا في المجلدات، والخمر وإن
كان الشرع قد حرمها ، ولكنه تعالى قال في صفتها ( ومنافع للناس ) ثم قال ( واثمهما أكبر من
نفعهما ) فأحسن ما في العنب عجمه . والاطباء يتخذون منه جوار شنات عظيمة النفع للمعدة
الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع
لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضا عنه دهن كثير عظيم النفع في الاكل وفي سائر وجوه
الاستعمال . وأما الرمان فحاله عجيب جدا ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام :
قشره وشحمه وعجمه وماؤه
أما الأقسام الثلاثة الأول وهي : القشر والشحم والعجم ، فكلها باردة يابسة أرضية
كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات ، وأما ماء الرمان ، فبالضد من هذه الصفات . فانه
ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج
الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، فاذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة

١١٦
قوله تعالى ((إنظروا إلى ثمره .. )) الآية سورة الأنعام
موقوفة بالكثافة التامة الأرضية ، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفا باللطافة
والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين ، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه
أكمل وأتم .
وأعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فهذا السبب ذكر الله تعالى
هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفى بذكرها تنبيها على البواقي ، ولما
ذكرها قال تعالى ( مشتبها وغير متشابه ) وفيه مباحث : الأول : في تفسير ( مشتبها ) وجوه :
الأول : أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل ، مع أنها تكون مختلفة في الطعم
واللذة ، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل ، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، فان
الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل . ثم إنهما تكون مختلفة في
الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني : أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم
متشابها في الطعم والخاصية . وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فانه يكون مختلفا في الطعم ،
والثالث : قال قتادة : أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ،
ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من
العنب فترى جميع حباته مدركة نصيجه حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على اول حالها
من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة
وبعضها غیر متشابه.
﴿ والبحث الثاني ﴾ يقال: اشتبه الشيان وتشابها كقولك استويا وتساويا، والافتعال
والتفاعل يشتر كان كثيرا ، وقرىء ( متشابها وغير متشابه )
والبحث الثالث﴾ إنما قال مشتبها ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو
على تقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك كقوله :
رماني بأمر كنت منه ووالدي
بريا ومن أجل الطوى رماني
ثم قال تعالى ﴿ انظر وا إلى ثمره اذا أثمر وينعه﴾ وفيه مباحث:
﴿ البحث الأول﴾ قرأ حمزة والكسائي (ثمره) بضم الثاء والميم، وقرأ أبو عمرو
( ثمره ) بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها
وجهان :
الوجه الأول﴾ وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب .

١١٧
قوله تعالى: ((إنظروا إلى ثمره)) الآية سورة الأنعام
قال تعالى (كأنهم خشب مسندة) وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال
الشاعر :
ترى الأكم فيها سجداً للحوافر
﴿ والوجه الثاني﴾ أن يكون جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارا على ثمر فيكون ثمر جمع
الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة
الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز .
والبحث الثاني ﴾ قال الواحدي: الينع النضج . قال أبو عبيدة: يقال ينع بينع ،
بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر، وأينعت فهي تينع
وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب
الكشاف : وقرىء ( وينعه ) بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن ( ويانعه )
﴿ والبحث الثالث ) قوله (انظروا إلى ثمره اذا أثمر ) أمر بالنظر في حال الثمر في أول
حدوثها . وقوله ( وينعه ) أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال
والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول
حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى
أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون
السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في
أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه
التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول
والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتبانة متساوية
متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل
إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار
الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على
ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال ( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) قال القاضي : المراد
لمن يطلب الايمان بالله تعالى، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص
المؤمنين بالذكر أنهم الذين إنتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله ( هدى للمتقين )
ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الاله القادر المختار

١١٨
قوله تعالى: ((إنظروا الى ثمره)) الآية سورة الأنعام
وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَاءَ آلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَرَقُواْلَهُوبَنِينَ وَبَتٍ بِغَيْرِ عِلْمِ سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى
عَمَّا يَصِفُونَ
:
ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل
هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا اذا قدر الله
للعبد حصول الايمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله
في حقه بالايمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلا ، فكان
المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . والله أعلم ،
قوله تعالى ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه
وتعالى عما يصفون ﴾
فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم
الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الالهية ، وكمال القدرة والرحمة . ذكر بعد ذلك أن من الناس
من أثبت لله شركاء ، وأعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم
ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف .
فالطائفة الأولى ﴾ عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية ، ولكنهم
معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق الايجاد والتكوين .
﴿ والطائفة الثانية ﴾ من المشركين الذين يقولون ، مدبر هذا العالم هو الكواكب ،
وهؤلاء فريقان منهم من يقول؛ إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم من يقول : أنها ممكنة
الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل
اليها وهؤلاء هم الذين حكي الله عنهم أن الخليل وت ثير ناظرهم بقوله ( لا أحب الآفلين ) وشرح
هذا الدليل قد مضى .
﴿ والطائفة الثالثة ﴾ من المشركين الذين قالوا الجملة هذا العالم بما فيه من السموات
والأرضين إلهان :
أحدهما فاعل الخير . والثاني فاعل الشر، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء

.١١٩
قوله تعالى: ((وجعلوا لله شركاء الجن)) الآية سورة الأنعام
فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد . فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال قوله تعالى ( وجعلوا لله شركاء الجن) نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان
فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق السباع والحيات
والعقارب والشرور.
وأعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك
لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، قال ابن
عباس : والذي يقوى هذا الوجه قوله تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) وإنما وصف بكونه
من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت
كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول : هذا مذهب
المجوس وإنما قال : أبن عباس هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب
الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند والمنسوب اليه يسمى زندى . ثم
عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل زنادقة .
واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه
من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بابليس في شرعنا ، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على
أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم
ازلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من
الله تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما .
فان قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس ، فكيف حكي
الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ؟
والجواب : أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة ، عسكر إبليس هم الشياطين والملائكة
فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات
والطاعات . والشياطين أيضاً فيهم كثرة عظيمة وهي تلقى الوساوس الخبيثة إلى الأرواح
البشرية ، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين . فلهذا
السبب حكي الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول .
إذا عرفت فنقول : قوله ( وخلقهم ) إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون
ابليس شريكا لله تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين : الأول : أنا نقلنا عن المجوس أن
الاکثرین منهم معترفون بأن ابلیس لیس بقدیم بل هو محدث.

١٢٠
قوله تعالى: ((وجعلوا لله شركاء الجن)) الآية سورة الأنعام
إذا ثبت هذا فنقول : أن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى
فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق ابليس هو الله تعالى ، ولما كان أبليس أصلا لجميع
الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى ، فحينئذ قد
سلموا إن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع
عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلا للخيرات ، والثاني يكون فاعلا للشرور
لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الاعظم فقوله تعالى
( وخلقهم ) إشارة إلى أنه تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان
خالقا لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلا لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك سقط قولهم :
لا بد للخيرات من إله ، وللشرور من إله آخر .
والوجه الثاني﴾ في استنباط الحجة من قوله (وخلقهم ) ما بينا في هذا الكتاب وفي
كتاب الأربعين في أصول الدين أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث ،
ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، فيلزم القطع بأن ابليس وجميع جنوده يكونون
موصوفين بالحدوث . وحصول الوجود بعد العدم ، وحينئذ يعود الالزام المذكور على ما
قررناه ، فهذا تقرير المقصود الأصلى من هذه الآية وبالله التوفيق . .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (وجعلوا لله شركاء الجن ) معناه : وجعلوا الجن شركاء
لله .
فان قيل : فما الفائدة في التقديم ؟
قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعني ، فالفائدة في هذا
التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك. فهذا هو
السبب في تقديم اسم الله على الشركاء .
إذا عرفت هذا فنقول : قرىء ( الجن ) بالنصب والرفع والجر ، أما وجه النصب
فالمشهور أنه بدل من قوله ( شركاء ) قال بعض المحققين : هذا ضعيف لأن البدل ما يقوم مقام
المبدل ، فلو قيل : وجعلوا لله الجن لم يكن كلاما مفهوما بل الأولى جعله عطف بيان . وأما
وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل ( وجعلوا لله شركاء) فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح
أن يراد به الجن والأنس والحجر والوثن فكانه قيل ومن أولئك الشركاء ؟ فقيل : الجن . وأما
وجه القراءة بالجر فعلى الاضافة التي هي للتتبيين.