Indexed OCR Text

Pages 221-240

قوله تعالى ((إن الله كان على كل شىء حسيبا)) الآية سورة النساء ٢٢١
نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة . الثاني : رد الجواب فرض على الكفاية إذا قام
به البعض سقط عن الباقين ، والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهاراً للاكرام ومبالغة فيه ،
الثالث : أنه واجب على الفور ، فإن أخر حتى انقضى الوقت فإن أجاب بعد فوت الوقت
كان ذلك ابتداء سلام ولا يكون جواباً . الرابع : إذاوردعليه سلام في كتاب فجوابه بالكتبة
أيضاً واجب ، لقوله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) الخامس : إذا
قال السلام عليكم ، فالواجب أن يقول: وعليكم السلام ، إلا أن السنة أن يزيد فيه الرحمة
والبركة ليدخل تحت قوله ( فحيوا بأحسن منها ) أما إذا قال : السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته ، فظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز الاقتصار على قوله وعليكم السلام . السادس :
روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال : لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير . السابع : إن
سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد ، بل
الأولى أن لا يفعل . الثامن : حيث قلنا أنه لا يسلم ، فلوسلم لم يجب عليها الرد ، لأنه أتى
بفعل منھی عنه فکان وجوده کعدمه .
المسألة الثامنة عشرة﴾ اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الاكرام ،
فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية .
إذا عرفت هذا فنقول : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : من وهب لغير ذي رحم محرم فله
الرجوع فيها ما لم يثب منها ، فإذا أثيب منها فلا رجوع فيها . وقال الشافعي رضي الله عنه :
له الرجوع في حق الولد ، وليس له الرجوع في حق الأجنبي ، احتج أبو بكر الرازي بهذه
الآية على صحة قول أبي حنيفة فإن قوله ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )
يدخل فيه التسليم ، ويدخل فيه الهبة ، ومقتضاه وجوب الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن ،
فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز ، وقال الشافعي : هذا الأمر محمول على الندب ،
بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع ، مع أن ظاهر الآية يقتضى أن
يأتي بالأحسن ، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي ◌َّ أنه قال
((لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده )) قال وهذا نص
في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها ، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها .
ثم قالى تعالى ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ في الحسيب قولان: الأول : أنه بمعنى المحاسب على العمل،
كالأكليل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس . الثاني : أنه بمعنى الكافي في

٢٢٢
قوله تعالى ((الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة)) الآية سورة النِّساء
اللّه لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ
حَدِيثاً
٨٧
قولهم : حسبي كذا ؛ أي كافي ، ومنه قوله تعالى ( حسبي الله).
﴿ المسألة الثانية﴾ المقصود منه الوعيد، فإنا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على
الرجل المسلم ، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله ، بل ربما قتله طمعاً منه في
سلبه ، فاللّه تعالى زجر عن ذلك فقال ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )
وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل .
ثم قال ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً﴾ أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في
إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة
العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها .
ثم قال تعالى ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله
حديثاً ﴾ .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجهان : الأول : أنا بينا أن المقصود من قوله (وإذا
حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) أن لا يصير الرجل المسلم مقتولاً ، ثم إنه تعالى
أكد ذلك بالوعيد في قوله ( إن الله كان على كل شيء حسيباً ) ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه
الآية ، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان ، فقوله ( لا إله إلا هو ) إشارة إلى
التوحيد ، وقوله ( ليجمعنكم إلى يوم القيامة ) إشارة إلى العدل ، وهو كقوله ( شهد الله أنه لا
إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط) وكقوله في طه ( انني أنا الله لا إله إلا أنا
فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها
لتجزي كل نفس بما تسعى ) وهو إشارة إلى العدل ، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه
وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا
شك أنه تهديد شديد . الثاني : كأنه تعالى يقول : من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه
وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما

٢٢٣
قوله تعالى ((ومن أصدق من الله حديثاً)) الآية مورا فًّاء
تنكشف بواطن ق للخلق في يوم القيامة ؛
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: قوله ( لا إله إلا هو ) إما خبر للمبتدا ،
وإما اعتراض والخبر ( ليجمعنكم ) واللام لام القسم ، والتقدير : والله ليجمعنكم.
المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول : لم لم يقل: ليجمعنكم في يوم القيامة ؟
والجواب من وجهين : الأول : المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى يوم القيامة .
الثاني : التقدير : ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه .
المسألة الرابعة﴾ قال الزجاج؛ يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون
من قبورهم . ويجوز أيضاً أن يقال : سميت بهذا الاسم لأن الناس يقومون للحساب قال
تعالى ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) قال صاحب الكشاف: القيام القيامة ، كالطلاب
والطلابة .
و المسألة الخامسة ﴾ اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ستوجد لا
محالة ، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه ، وهذا حق ، وذلك لأن المسائل
الأصولية على قسمين : منها ما العلم بصحة النبوة يكون محتاجا إلى العلم بصحته، ومنها ما لا يكون
كذلك . والأول مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل
الممكنات ، فأنا ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء ، فكل مسألة هذا شأنها فإنه
يمتنع اثباتها بالقرآن واخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وإلا وقع الدور .
﴿ وأما القسم الثاني ﴾ وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم
بصحتها فكل ذلك مما يمكن إثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك ، فلا جرم
أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله ، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة بإخبار الله عنه استدلال
صحيح .
المسألة السادسة ﴾ قوله (ومن أصدق من الله حديثاً) استفهام على سبيل
الانكار ، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقاً وأن الكذب والخلف في قوله محال . وأما
المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم ، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحاً ، وعالم بكونه
غنياً عنه ، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب . إنما قلنا : إنه عالم بقبح الكذب ،
وعالم بكونه غنياً عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذباً ، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلاً ،
وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالماً بهذين الأمرين ، وأما أن كل من

٢٢٤
قوله تعالى ((فما لكم في المنافقين فئتين)) الآية
سورة النّساء
قَالَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِثَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ
M
اللَّهُ وَمَن يَضْلِلِ اللَّهُ فَلَن ◌َجِدَ لَهُ, سَبِيلاً
كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء ، فإذا خلا عن
معارض الحاجة بقي ضاراً محضاً فيمتنع صدور الكذب عنه ، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو
كان كاذباً لكان كذبه قديماً ، ولو كان كذبه قديماً لأمتنع زوال كذبه لا متناع العدم على القديم ،
ولو امتنع زوال كذبه قديماً لامتنع كونه صادقاً ، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد
الآخر ، فلو كان كاذباً لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع ، لأنا نعلم بالضرورة أن كل من علم
شيئاً فإنه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه ، والعلم بهذه الصحة
ضروري ، فإذا كان إمكان الصدق قائماً كان امتناع الكذب حاصلاً لا محالة ، فثبت أنه لا بد
من القطع بكونه تعالى صادقاً .
المسألة السابعة﴾ استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث ، قالوا
لأنه تعالى وصفه بكونه حديثاً في هذه الآية وفي قوله تعالى ( الله نزل أحسن الحديث )
والحديث هو الحادث أو المحدث ، وجوابنا عنه : إنكم إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي
هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه
الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء البتة بالاتفاق منا ومنكم ، فأما منا
فظاهر ، وأما منكم فإنكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات ، فكيف يمكنكم
أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من
أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً: الأول : أنها نزلت في قوم
قدموا على النبي عليه وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله: نريد أن
نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه ، فأذن لهم ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة
حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم ، فقال بعضهم ، لو كانوا مسلمين مثلنالبقوامعنا
وصبروا كما صبرنا وقال قوم : هم مسلمون ، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر

٢٢٥
سورة النساء
قوله تعالى ((اتريدون أن تهدوا من أضل الله)) الآية
١
أمرهم ، فبين اللّه تعالى نفاقهم في هذه الآية . الثاني : نزلت الآية في قوم أظهروا الإسلام
بمكة ، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين ، فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا ، فنزلت
الآية . وهو قول ابن عباس وقتادة . الثالث : نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول
اللّه بي﴿ وقالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول # فيهم، فمنهم فرقة
يقولون كفروا ، وآخرون قالوا : لم يكفروا ، فنزلت هذه الآية . وهو قول زيد بن ثابت ،
ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال : في نسق الآية ما يقدح فيه ، وإنهم من أهل مكة ، وهو
قوله تعالى ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ) الرابع : نزلت الآية في قوم
ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم ، فنزلت الآية :
وهو قول عكرمة . الخامس: هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يساراً مولى الرسول اليه .
السادس : قال ابن زيد : نزلت في أهل الافك .
﴿المسألة الثانية﴾ في معنى الآية وجهان: الأول: أن ((فئتين)) نصب على الحال: كقولك:
مالك قائما ، أي مالك في حال القيام، وهذا قول سيبويه . الثاني: أنه نصب على خبر كان،
والتقدير: مالكم صرتم في المنافقين فئتين، وهو استفهام على سبيل الانكار، أي لم تختلفون في
كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن
تقطعوا بكفرهم.
﴿المسألة الثالثة﴾ قال الحسن: إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر لأنهم وصفوا
بالصفة التي كانوا عليها من قبل، والمراد بقوله (فئتين) ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم
وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على
نهج واحد في التباين والتبري والتكفير، والله أعلم.
ثم قال الله تعالى مخبرا عن كفرهم ﴿والله اركسهم بما كسبوا﴾، وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾: الركس: رد الشيء من آخره إلى أوله، فالركس والنكس والمركوس
والمنكوس واحد ، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة، وهي حالة النجاسة،
ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا، وفيه لغتان: ركسهم وأركسهم فارتكسوا، أي ارتدوا. وقال
أمية .
فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا
المسألة الثانية ﴾ معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي
فخر الرازي ج.١ م ١٥

٢٢٦
قوله تعالى ((ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكون سواء)» الآية
سورة النّساء
وَدُّوْلَوْ تَكْفُرُونَ كَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٍ فَلاَ تَغْخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ خَّى يُّهَبِرُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ
والقتل بما كسبوا، أي بما أظهروا من الارتداد بعد ما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام
يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري
الله تعالى عليه أحكام الكفار.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قرأ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود (والله أركسهم) وقد ذكرنا أن
أركس وركس لغتان .
ثم قال تعالى (اتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) قالت
المعتزلة المراد من قوله (أضل الله) ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة، ولأنه تعالى
قال قبل هذه الآية (والله اركسهم بما كسبوا) فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم
وفعلهم، وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله (من أضل
الله ) على وجوه: الأول : المراد منه ان الله تعالی حکم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر
فلانا ويضله : بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه. الثاني: أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة
من أضله اللّه عن طريق الجنة، وذلك لانه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى
طريق الجنة. الثالث : ان يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الألطاف.
واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه، ثم نقول: هب
أنها صحيحة، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم، وانهم لا يدخلون الجنة فقد توجه
الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال، والمفضى الى المحال محال، ومما يدل على أن
المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) فالمؤمنون
في الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه.
ثم قال تعالى (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) فوجب ان يكون معناه أنه تعالى لما
أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا الى ادخاله في الايمان، وهذا ظاهر.
ثم قال تعالى (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى
يهاجروا في سبيل الله ).
وفيه مسألتان

قوله تعالى ((فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا)) الآية سورة النساء ٢٢٧
المسألة الأولى﴾ انه تعالى لما قال قبل هذه الآية (أتريدون أن تهدوا من أضل الله)
وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال: بلغوا في الكفر الى أنهم
يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر الى هذا الحد فكيف
تطمعون فى ايمانهم .
﴿ المسألة الثانية) قوله (فتكونون سواء﴾ رفع بالنسق على (تكفرون) والمعنى: ودوا لو
تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني، ولو أراد ذلك على تأويل إذا
كفروا استووا لكان نصبا، ومثله قوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) ولو قيل (فيدهنوا) على الجواب
لكان ذلك جائزا في الاعراب ، ومثله (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم
فيميلون عليكم) ومعنى قوله (فتكونون سواء) أي في الكفر، والمراد فتكونون أنتم وهم
سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم، واعلم
أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر، فبعد ذلك شرح للمؤمنين
كيفية المخالطة معهم فقال (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) وفيه مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين
بالزندقة والالحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم
أولياء) والسبب فيه أن أعز الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الامر
الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به الى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت
العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في
الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم.
المسألة الثانية ﴾ قوله (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا) قال أبو بكر الرازي:
التقدير حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام، فقد دلت
الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد
الهجرة، ونظيره قوله (مالكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا).
واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال ﴿ ﴿﴾ ((أنا
بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم من مشرك)) فكانت الهجرة

٢٢٨
قوله تعالى ((فإن تولوافخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم)) الآية سورة النساء
فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَُّوهُمْ وَلَ تْحِدُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ◌َّ
إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْفَقُ
واجبة إلى أن فتحت مكة، ثم نسخ فرض الهجرة. عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول
الله ◌َلّ يوم فتح مكة ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)) وروي عن الحسن أن حكم الآية
ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما .
﴿المسألة الثالثة﴾ اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان
وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين، قال ملة ((المهاجر من هجر ما
نهي الله عنه)) وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل
منهياته، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال (حتى
يهاجروا في سبيل الله) فانه تعالى لم يقل: حتى يهاجروا عن الكفر، بل قال (حتى يهاجروا في
سبيل الله) وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر، ثم لم يقتصر تعالى على
ذكر الهجرة، بل قيده بكونه في سبيل الله، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار
الاسلام، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا، إنما المعتبر وقوع تلك
الهجرة لأجل أمر الله تعالى.
ثم قال تعالى ﴿ فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولیا ولا
نصيرا﴾ والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا
قدرتم عليهم واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة ولياً
يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم.
واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين.
الأول: قوله تعالى (الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (يصلون) قولان: الأول: ينتهون اليهم ويتصلون بهم،
والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم . قال
القفال رحمه الله: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول بي فيتعذر عليهم ذلك
المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه.
﴿ القول الثاني﴾ أن قوله (يصلون) معناه ينتسبون، وهذا ضعيف لأن أهل مكة

٢٢٩
قوله تعالى ((او جاؤكم حصرت صدورهم)) الآية سورة النّساء
أَوْ جَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُلَسَلَّطَهُمْ
عَلَيْكُمْ فَلَقَدْتَلُوكُمْ فَإِنِ آْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُرُ السَّمَ فَ جَعَلَ اللهُ
لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من
هم؟ قال بعضهم هم الأسلميون فانه كان بينهم وبين رسول الله بية عهد فانه عليه الصلاة والسلام
وادع وقت خروجه الى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه، وعلى أن
كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال. وقال ابن عباس : هم بنو بكر بن
زيد مناة، وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة .
واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الإيمان، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ
إلى من التجأ إلى المسلمين، فأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله
كان أولى والله أعلم.
( الموضع الثاني في الأستثناء﴾ قوله تعالى (أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو
يقاتلوا قومهم ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم
السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وفي الآية مسائل.
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (أو جلؤكم) يحتمل أن يكون عطفا على صلة ((الذين))
والتقدير: إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، ويحتمل
أن يكون عطفا على صفة ((قوم)) والتقدير: إلا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم عهد، أو
يصلون الى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، والاول أولى لوجهين: أحدهما : قوله
تعالى (فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وانما
ذكر هذا بعد قوله (فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم) وهذا يدل على ان السبب الموجب لترك
التعرض لهم هو تركهم للقتال، وهذا انما يتمشى على الاحتمال الاول، وأما على الاحتمال الثاني
فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال. الثاني: أن جعل ترك القتال
موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، لان على

٢٣٠
قوله تعالى ((او جاؤكم حصرت صدورهم)) الآية
سورة النساء
التقدير الاول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، وعلى السبب الثاني يصير سببا
بعیدا .
﴿المسألة الثانية) قوله (حصرت صدورهم) معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا
يريدون قتالكم لانكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لانهم أقاربهم. واختلفوا في موضع قوله
(حصرت صدورهم) وذكروا وجوها: الاول: أنه في موضع الحال باضار ((قد)) وذلك لان ((قد))
تقرب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، ويقال أتاني فلان ذهب عقله،
أي أتاني فلان قد ذهب عقله: وتقدير الآية ، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم.
الثاني: انه خبر بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال (حصرت صدورهم) وعلى
هذا التقدير يكون قوله (حصرت صدورهم) بدلا من (جاؤكم) الثالث: أن يكون التقدير:
جاؤكم قوما حصرت صدورهم او جاؤكم رجالا حصرت صدورهم، فعلى هذا التقدير قوله
(حصرت صدورهم) نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال، الا انه حذف الموصوف
المنتصب على الحال. وأقيمت صفته مقامه، وقوله (أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم) معناه
ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم.
﴿المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من
المؤمنين؟ فقال الجمهور: هم من الكفار، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان
معاهدا أو تاركا للقتال فانه لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر
وان ترك القتال فإنه يجوز قتله، وقال أبو مسلم الاصفهاني: انه تعالى لما أوجب الهجرة على كل
من أسلم استثنى من له عذر فقال (إلا الذين يصلون) وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول
للهجرة والنصرة، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك
الكفار، فصاروا الى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم الى أن يمكنهم الخلاص ،
واستثنى بعد ذلك من صأر إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله تعالى
فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لانهم أقاربه، أو لانه أبقى اولاده وأز واجه بينهم فيخاف لو قاتلهم
أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وان كان لم يوجد منهم
الهجرة ولا مقاتلة الكفار .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) التسليط في اللغة مأخوذ
من السلاطة وهي الحدة، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين،
والمعنى: أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه تعالى
قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم. قال أصحابنا: وهذا يدل على انه لا يقبح من

٢٣١
قوله تعالى ((ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم)) الآية سورة النساء
سَتِجِدُونَ ءَ انَخِرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَارُدُوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أَرِْكِسُواْ فِيَهَا فَإِن لَّْ يَعْرِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُ السَّمَ وَيَكُفُوَاْ أَيْدِيَهُمْ بَحُذُوهُمْ
وَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ نَقِفْتُهُمْ وَأَكُمْ جَعَلَنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا
٩١
اللّه تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين:
الأول : قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى
هذا فمعنى الآية: ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن انفسهم ان اقدمتم
على مقاتلتهم على سبيل الظلم والثاني: قال الكلبي: انه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل، وهذا لا
يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم ، وهذا مذهبنا إلا انا نقول: إنه تعالى لا يفعل الظلم، وليس
في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده.
﴿ المسألة الخامسة﴾ اللام في قوله (فلقاتلوكم) جواب ((للو)) على التكرير أو البدل، على
تأويل ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم ولو شاء اللّه لقاتلوكم. قال صاحب الكشاف: وقرىء
(فلقتلوكم ) بالتخفيف والتشديد .
ثم قال (فان اعتزلوكم) أي فان لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم، أي الانقياد
والاستسلام، وقرىءبسكون اللام مع فتح السين (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) فما أذن
لكم في أخذهم وقتلهم. واختلف المفسرون فقال بعضهم : الآية منسوخة بآية السيف، وهي
قوله (اقتلوا المشركين) وقال قوم: انها غير منسوخة، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين
فذلك ظاهر على قولهم، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم: إذا حملنا الآية
على المعاهد فكيف يمكن أن يقال انها منسوخة .
ثم قال تعالى (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة
أركسوا فيها ).
قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا اذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا،
وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودكم (كلما ردوا إلى
الفتنة) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أركسوا فيها) أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها،
وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منکوسا يتعذر

٢٣٢
قوله تعالى ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ)) الآية
سورة النساء
وَمَا كَانَ لِمُؤْمٍِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلََّةُ إِلَّ أَهْلِةَ إِلَّ أَنِ يَصِّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدٍُ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَتَحْرِيرُ رَقََّةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُ قَدِيَةٌ مُسَلََّةٌ إَِ أَهْلِهِ
وَرِبرُرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَ لَّْ يَدْ فَصِيَامُ شَهْرَينٍ مُتَتَِعَيْنِ قَوْبَةً مِنَ اللّهِ وَكَانَ اللهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا.
٩٢
خروجه منه .
ثم قال تعالى (فان لم يعتزلوكم ويلفوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم
حيث ثقفتموهم) .
والمعنى : فان لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم
واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح
منا وكفوا ايديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى (لا ينهاكم الله عن
الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) وقوله (وقاتلوا في سبيل الله
الذين يقاتلونكم) فخص الامر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. واعلم ن هذا الكلام
مبني على أن المعلق بكلمة ((إن)) على الشرط عدم عند عدم الشرط، وقد شرحنا الحال فيه في قوله
تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه).
ثم قال (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا).
وفي السلطان المبين وجهان: الأول: أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرةم)
وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الاسلام. الثاني:
أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار.
قوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة
ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد
فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله حكيماً .
اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار ،وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه

٢٣٣
قوله تعالى ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ)) الآية سورة النّاء
المحاربة ، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه
كافرا حربيا فيقتله ، ثم يتبين انه كان مسلما ، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية
وههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى عروة بن الزبير أن
حذيفة ابن اليمان كان مع الرسول # يوم أحد فاخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من
الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: انه أبى فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه،
فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول في ذلك ازداد وقع حذيفة
عنده، فنزلت هذه الآية :
﴿ الرواية الثانية﴾ أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى
شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال الرجل : لا إله إلاَّ اللّه ،
فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئاً ، فذكر الواقعة للرسول صلىَّ اللّه عليه وسلم فقال عليه
الصلاة والسلام (( هلا شففت عن قلبه )) وندم أبو ادرداء فنزلت الآية .
﴿الرواية الثالثة﴾ روى أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم
وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول ية ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا
تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة
فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل: أليس أن محمداً يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى
أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة
جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث: هذا أخي فمن انت يا حرث، لله على إن
وجدتك خاليا أن أقتلك. وروى أن الحرث قال لعياش حين رجع: ان كان دينك الأول هدى
فقد تركته وان كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما
دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد
ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خالياً ولم يشعر باسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه
كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله ﴾ وقال: قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت هذه
الآية .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى (وما كان) فيه وجهان: الأول: أي وما كان له فيما أتاه من
ربه وعهد اليه . الثاني: ما كان له في شيء من الازمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل
كانت ثابتة من أول زمان التكليف.
المسألة الثالثة ﴾ قوله (إلا خطأ) فيه قولان: الأول: أنه استثناء متصل، والذاهبون
إلى هذا القول ذكروا وجوها: الأول : ان هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله (وما
كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) معناه أنه يؤاخذ الانسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل

٢٣٤
"قوله تعالى ((ومن قتل مؤمناً خطأ)) الآية
سورة النِّساء
خطأ فانه لا يؤاخذ به. الثاني: أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ ، والمعنى أنه ليس
لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا عند الخطأ. وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في
عسكرهم فظنه مشركا، فههنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ ، فانه ظن أنه كافر مع أنه ما
كان كافرا. الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا
خطأ، ومثله قوله تعالى (ما كان لله أن يتخذ من ولد) تأويله: ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه
تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى (ما كان لكم أن تنبتوا
شجرها) معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن
يمكنهم إنباتها، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر. الرابع: أن وجه الاشكال في حمل هذا
الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال: الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي
الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا
أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الاصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن
الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، واذا كان تأثير الاستثناء في
صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات، وحنيئذ يندفع
الاشكال. ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام ((لا
صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي)) ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال،
والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم.
الخامس: قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة: تقدير الآية: وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا
فيبقى مؤمنا، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال: المراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه
عن كونه مؤمنا، الا أن يكون خطأ فانه لا يخرجه عن كونه مؤمنا. واعلم أن هذا الكلام بناء
على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.
القول الثاني﴾ ان هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير. قال
تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة) وقال (الذين يجتنبون كبائر الاثم
والفواحش إلا اللمم) وقال ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) والله أعلم.
﴿ المسألة الرابعة﴾ في انتصاب قوله (خطأ) وجوه: الأول: أنه مفعول له، والتقدير ما
ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ. الثاني: أنه حال، والتقدير: لا يقتله البتة إلا
حال كونه خطأ. الثالث: أنه صفة للمصدر، والتقدير: إلا قتلا خطأ.
قوله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن
يصدقوا) وفي الآية مسائل :

٢٣٥
قوله تعالى ((ومن قتل مؤمناً خطأ)) الآية
سورة النساء
المسألة الأولى﴾ قال الشافعي رحمه الله: القتل على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ،
وشبه عمد .
اما العمد: فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك
جارحاً أو لم يكن، وهذا قول للشافعي.
وأما الخطأ فضربان: أحدهما: أن يقصد رمى المشرك أو الطائر فأصاب مسلما .
والثاني: أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في
القصد .
أما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه. قال الشافعي
رحمه الله: هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب .
المسألة الثانية ﴾ قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه
عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص. وقال
الشافعي رحمه الله: إنه عمد محض يجب فيه القصاص. أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن
والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه،
ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكي أن القبطي قال في اليوم الثاني (أتريد أن
تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالامس ليس إلا الوكز،
فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضا ان موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال (رب اني
قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك
الوكز، وأيضا ان اللّه تعالى سماه قتلا حيث قال (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا)
فثبت ان الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله الله تعالى، وأما الخبر فقوله بصر خة ((ألا إن
قتيل الخطا العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل)) فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه
حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فان من ضرب رأس إنسان بحجر
الرحا، أو صلبه أو غرقه ، أو خنقه ثم قال: ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا او مجنونا،
وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص
بالنص والمعقول .
أما النص: فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله (كتب عليكم
القصاص في القتلى. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس. ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه
سلطاناً. وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) .

٢٣٦
قوله تعالى ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ)) الآية
سورة النِّساء
وأما المعقول: فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار
قال تعالى (ولكم في القصاص حياة) واذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس
والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في
إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس
الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر،
والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك
التقليد، واحتجوا بقوله: ((ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل))
وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا.
والجواب: أن قوله (قتيل الخطأ) يدل على أنه لا بد وان يكون معنى الخطأ حاصلا فيه،
وقد بينا أن من خنق إنساناًا وضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال: ما كنت أقصدقتله، فان كل
عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا
الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه. والله اعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة. وقال الشافعي:
يوجب . إحتج أبو حنيفة بهذه الآية ، فقال قوله ( ومن قتل مؤمناً خطأ ) شرط لوجوب الكفارة
وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط ، فيقال له : إنه تعالى قال ( ومن لم يستطع منكمٍ طولاً
أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم ) فقوله (ومن لم يستطع ) ما كان شرطاً لجواز
نكاح الأمة على قولكم ، فكذلك ههنا . ثم نقول : الذي يدل على وجوب الكفارة في
القتل والعمد والخبر والقياس .
أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول اللّه به﴾ في صاحب لنا أوجب
النار بالقتل ، فقال : اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار .
وأما القياس : فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة إلى
هذا المعنى في القتل العمد أتم ، فكانت الحاجة فيه إلى إيجاب الكفارة أتم والله أعلم .
وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال : لما وجبت الكفارة في
قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطىء إلا في الاثم ، فكذا في قتل المؤمن ،
ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال : نص الله تعالى هناك في العامد ، وأوجبنا على الخاطىء .
فههنا نص على الخاطىء ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد إلى الاعتاق المخلص له
عن النار أشد كان ذلك أولى .

٢٣٧
قوله تعالى ((ومن قتل مؤمنا خطأ)) الآية سورة النساء
المسألة الرابعة﴾ قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزي الرقبة إلا إذا
صام وصلى . وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنهم : يجزي الصبي إذا
كان أحد أبويه مسلماً . حجة ابن عباس هذه الآية ، فإنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة ،
والمؤمن من يكون موصوفاً بالإيمان ، والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع ، وعلى
التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمناً ، فوجب أن لا يجزى . حجة الفقهاء أن
قوله ( ومن قتل مؤمناً خطأ ) يدخل فيه الصغير ، فكذا قوله ( فتحرير رقبة مؤمنة ) فوجب أن
يدخل فيه الصغير .
المسألة الخامسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: الدية في العمد المحض وفي شبه العمد
مغلظة مثلثة ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة في بطونها أولادها .
وأما في الخطأ المحض فمخففة ؛ عشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون ،
وعشرون بنولبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وأما أبو حنيفة فهو أيضاً هكذا يقول
في الكل إلا في شيء واحد فإنه أوجب بني مخاض بدلاً عن بنات لبون . حجة الشافعي رحمه الله
أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة
والقياس ، فلم نجد في السنة ما يدل عليه .
وأما القياس فإنه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين الأسباب وتعيين
الأعداد ، فلم يبق ههنا مطمع إلا في قياس الشبه ، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من
السبب الموجب للزكاة ، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلاً في باب الزكاة ،
فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضاً . وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة ،
والأصل في الثابت البقاء ، فكانت البراءة الأصلية باقية ، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل
أقوى فنقول : الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه : وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على
النفي الأصلي .
والجواب : أن الذمة مشغولة بوجوب الدية ، والأصل في الثابت البقاء ، وقد رأينا
حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه ، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند
أداء أقل ما فيه ، والله أعلم .
المسألة السادسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: إذا لم توجد الابل، فالواجب إما ألف
دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم . وقال أبو حنيفة : بل الواجب عشرة آلاف درهم . حجة
الشافعي : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . قال : كانت قيمة الدية في عهد
٠
i

٢٣٨
قوله تعالى ((ومن قتل مؤمناً خطأ)) الآية
سورة النِّساء
رسول الله بحيث ثمانمائة دينار. وثمانية آلاف درهم، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام
خطيباً . وقال : إن الابل قد غلت أثمانها ، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار ،
وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً ، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر
عليه أحد فكان إجماعاً . حجة أبي حنيفة : أن الأخذ بالأقل أولى ، وقد سبق جوابه .
﴿ المسألة السابعة ﴾ قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل ،
قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله ( فتحرير رقبة مؤمنة ) لا شك أنه إيجاب هذا
التحرير ، والإيجاب لا بد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل ، والمذكور قبل هذه الآية هو
القاتل ، وهو قوله ( ومن قتل مؤمناً خطأ ) فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما
أوجبه الله تعالى عليه لا على غيره ، والثاني : أن هذه الجناية صدرت منه ، والمعقول هو أن
الضمان لا يجب إلا على المتلف، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ .
ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلا
على المتلف، فكذا ههنا . الثالث : أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين : تحرير الرقبة
المؤمنة ، وتسليم الدية الكاملة ، ثم انعقد الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني ، فكذا
الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل ، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين . الرابع : أن
العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية ، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر ،
أما القرآن فقوله تعالى ( لا تزر وازرة وزر أخرى) وقال تعالى ( ولا تكسب كل نفس إلا
عليها ) وقال ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) وأما الخبر فما روى أن أبا رمثة دخل على
النبي ◌ِّ ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام : من هذا فقال ابني ، قال انه لا يجني عليك
ولا تجني عليه ، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر
جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس ، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى
من إيجابها على الغير . الخامس : أن النصوص تدل على أن مال الانسان معصوم وأنه لا سبيل
لأحد أن يأخذه منه . قال تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ) وقال
عليه الصلاة والسلام (( كل امرىء أحق بكسبه)) وقال ((حرمة مال المسلم كحركة دمه )) وقال
(( لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه)) تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا
بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في الزكوات ، وكما قلنا في أخذ الضمانات .
وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر
الواحد لا يجوز، لأن القرآن معلوم ، وخبر الواحد مظنون ، وتقديم المظنون على المعلوم غير
جائز ، ولأن هذا خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى فيرد ، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع

٢٣٩
قوله تعالى ((ومن قتل مؤمناً خطأ)) الآية سورة النساء
أصول الشرائع ، فوجب رده ، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية ، أما
الخبر : فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنيناً ميتاً ، فقضى رسول
اللّه ◌َيّ على عاقلة الضاربة بالغرة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندى من لا شرب ولا
أكل ، ولا صاح ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ، فقال النبي ◌ُّ: هذا من سجع الجاهلية ،
وأما الأثر : فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد
المطلب حين جنى مولاها ، وعلي كان ابن أخي صفية ، وقضى للزبير بميراثها ، فهذا يدل على
أن الدية إنما تجب على العاقلة والله أعلم .
المسألة الثامنة ﴾ مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل . وقال الأصم
وابن عطية : ديتها مثل دية الرجل . حجة الفقهاء أن علياً وعمر وابن مسعود قضوا بذلك ،
ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل ، فكذلك في الدية . وحجة الأصم قوله
تعالى ( ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) وأجمعوا على أن هذه
الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة ، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتاً بالسوية والله أعلم .
المسألة التاسعة ﴾ انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين : الثلث في السنة ،
والثلثان في السنتين ، والكل في ثلاث سنين . استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من
السلف فكان إجماعاً
المسألة العاشرة﴾ لا فرق في هذه الدية بين أن يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية ،
ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى . روى أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية
الزوج فقال عمر : لا أعلم لك شيئاً ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض من
الصحابة أن الرسول # أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها ، فقضى عمر بذلك، وإذقد
ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله ( فتحرير رقبة مؤمنة ) معناه فعليه
تحرير رقبة ، والتحرير عبارة عن جعله حراً، والحر هو الخالص ، ولما كان الانسان في أصل
الخلقة خلق ليكون مالكاً للأشياء كما قال تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) فكونه مملوكاً
يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها ، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريراً ، أي.
تخليصاً لذلك الانسان عما يكدر إنسانيته ، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس
أيضاً عبارة عن نسمة في قولهم : فلان يملك كذاراً ساًمن الرقيق ، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على
حكم الاسلام عند الفقهاء ، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت ، وقد ذكرنا
هذه المسألة - وقوله ( ودية مسلمة إلى أهله) قال الواحدي : الدية من الودي كالشية من
الوشي ، والأصل ودية فحذفت الواو یقال : ودي فلان فلاناً ، أي أدی دیته إلی ولیه ، ثم إن

٢٤٠
قوله تعالى ((فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن)) الآية سورة النساء
الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدي في بدل النفس دون ما يؤدي في بدل المتلفات ، ودون ما
يؤدي في بدل الاطراف والأعضاء .
ثم قال تعالى ( إلا أن يصدقوا ) أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى التصدق
الاعطاء قال اللّه تعالى ( وتصدق علينا إن اللّه يجزي المتصدقين) والمعنى: إلا أن يتصدقوا
بالدية فيعفوا ويتركوا الدية . قال صاحب الكشاف : وتقدير الآية ، ويجب عليه الدية
وتسليمها إلى حين يتصدقون عليه ، وعلى هذا فقوله ( أن يصدقوا ) في محل النصب على
الظرف، ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين .
ثم قال تعالى ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ .
فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى : أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمناً فعليه تحرير
الرقبة وتسليم الدية ، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمناً من قوم عدو لنا
فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية ، ثم ذكر بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم
ميثاق وجبت الدية ، والسكوت عن إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية ،
وفيما بعدها يدل على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة .
إذا ثبت هذا فنقول: كلمة ((من)) في قوله ( من قوم عدولكم ) إما أن يكون المراد منها
كون هذا المقتول من سكان دار الحرب، أو المرادكونهذا نسب منهم، والثاني باطل لإنعقاد الاجماع على
أن المسلم الساكن في دار الإسلام، وجميع أقاربه يكونون كفاراً ، فإذا قتل على سبيل الخطأ
وجبت الدية في قتله ، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد : وإن كان المقتول خطأ من
سكان دار الحرب وهو مؤمن ، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة ،
فأما وجوب الدية فلا . قال الشافعي رحمه الله : وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس
يقويه ، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج
من يريد غزودار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا ، وذلك مما
يصعب ويشق فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو ، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه
هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكني في دار الحرب ، وأما الكفارة فإنها حق الله
تعالى ، لأنه لما صار ذلك الانسان مقتولاً فقد هلك إنسان كان مواظباً على عبادة الله تعالى ،
والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله ، فإذا اعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على
العبادات ، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية ، ويقتضي بقاء الكفارة والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة