Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة النِّساء قوله تعالى ((أفلا يتدبرون القرآن)) الآية أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَِّلَوَجَدُ واْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًاً ◌َ بالاظهار أمامن أدغم فله فيه وجهان ، الأول : قال الفراء : جزموا لكثرة الحركات ، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء ، والثاني : أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد ، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الإدغام ، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق ، فحسن إدغام الأنقص صوتاً في الأزيد صوتاً . أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين ، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال ( بيت) بالتذكير ولم يقل : بيتت بالتأنيث ، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج . قال صاحب الكشاف (بيت طائفة ) أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة . ثم قال تعالى ﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ ذكر الزجاج فيه وجهين: أحدهما : أن معناه ينزل اليك في كتابه . والثاني : يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به . ثم قال تعالى ﴿ فأعرض عنهم ﴾ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم باسمائهم ، وإنما أمر الله بسترأمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام . ثم قال ( وتوكل على الله ) في شأنهم ، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم ( وكفى بالله وكيلا ) لمن توكل عليه . قال المفسرون : كان الأمر بالاعراض عن المنافقين في ابتداء الاسلام ، ثم نسخ ذلك بقوله ( جاهد الكفار والمنافقين ) وهذا الكلام فيه نظر ، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة ، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له . قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا کثیرا ﴾ . اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) فاحتج تعالى ٢٠٢ قوله تعالى ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً)) الآية سورة النساء بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وادبارها، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته . ﴿ المسألة الثانية ﴾ اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد ◌َّه، إذ لو لم تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها البتة، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على صدق محمد ◌ّ من ثلاثة أوجه : أحدها : فصاحته . وثانيها : اشتماله على الأخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف، وهذا هو المذكور في هذه الآية ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا : ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علنا أن ذلك ليس إلا باعلام الله تعالى ، والثاني : وهو الذي ذهب اليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله . فان قيل : أليس أن قوله ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) كالمناقض لقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) كالمناقض لقوله ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) . قلنا : قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها البتة . الوجه الثالث﴾ في تفسير قولنا : القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة ، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة ، فإذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة ، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى ، وضرب القاضي لهذا سورة النِّساء ٢٠٣ قوله تعالى ((وإذا جاءهم امر من الأمن او الخوف أذاعوا به)) الآية وَإِذَا جَاءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْبِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَبِطُونَهُ، مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْنُ لَا تَّبَعْتُمْ أَشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلاً ٨٣ مثلاً فقال : إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان ، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدوداً في الاعجاز فكذا ههنا . المسألة الثالثة﴾ دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والإمام المعصوم ، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر ، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته ، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم ، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك . المسألة الرابعة ﴾ دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد ، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته ، وإذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال ، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى . المسألة الخامسة﴾ قال أبو على الجبائي: دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف، والاختلاف والتفاوت شيء واحد ، فإذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلاً لله . والجواب أن قوله ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) معناه نفي التفاوت في أنه يقع. على وفق مشيئته بخلاف غيره ، فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الاطلاق . قوله تعالى ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ﴾ ٢٠٤ قوله تعالى ((الذين يستنبطونه منهم)) الآية سورة النّساء اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعاً آخر من الأعمال الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه ؛ الأول : أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فإذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الارجافات سبباً للفتنة من هذا الوجه . الوجه الثالث﴾ وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه ، فكل ما كان آمناً لأحد الفريقين كان خوفاً للفريق الثاني ، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم ، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه . واعلم أن قوله : أذاعه وأذاع به لغتان . ثم قال تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في ( أولى الأمر) قولان: أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمراً على الناس . ٢٠٥ قوله تعالى ((الذين يستنبطونه منهم)) الآية سورة النِّساء وأجيب عنه : بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) فأوجب الحذر بانذارهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز هذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم . ﴿ المسألة الثانية﴾ الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال: استنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطاً لاستنباطهم الماء من الأرض . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ في قوله ( الذين يستنبطونه منهم) قولان : الأول : أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر . القول الثاني﴾ أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلاً عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون مستنبطاً ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله ( منهم ) يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله ( وإلى أولي الأمر منهم ) . قَلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر ، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون ، ونظيره قوله تعالى ( وإن منكم لمن ليبطئن ) وقوله ( وما فعلوه إلا قليل منهم ) والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله ( الذين يستنبطونه منهم) صفة لأولى الأمر ، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخافوا أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها ، أولاً مع حصول النص فيها ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال : إنه استنبط الحكم ، فثبت أن اللّه أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما ٢٠٦ قوله تعالى ((لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) الآية سورة النّساء أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة ، والقياس إما استنباط أو داخل فيه ، فوجب أن يكون حجة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أمور : أحدها : أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط . وثانيها : أن الاستنباط حجة . وثالثها : أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث . ورابعها : أن النبي ◌ّ كان مكلفاً باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر . ثم قال تعالى ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط . فإن قيل : لا نسلم أن المراد بقوله ( الذين يستنبطونه منهم ) هم أولوا الأمر ، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية ، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولوا الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد فهب أن الرجوع إلى الأستنباط جائزافيها، فلحَ قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعى وإنه لا يجوز ،سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية. فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون القياس حجة؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص ، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الأصلية ، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الأكثرون : أن الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضار الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيداً للعلم بدليل قوله تعالى ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فأخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، إنما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب : أما السؤال الأول﴾ فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر وهو قوله ( ولو ردوه ) قبيح مستكره . ﴿ وأما السؤال الثاني﴾ فمدفوع لوجهين: الأول: أن قوله (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف) عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الأمن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الأمر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس .الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل ٢٠٧ سورة النِّساء قوله تعالى ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته)) الآية بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه ، فكذا ههنا . ﴿ وأما السؤال الثالث﴾ وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصاً ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطاً . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الأصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطاً بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطاً البتة . وأما السؤال الرابع ﴾ وهو قوله أن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم . قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الأصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال اللّه : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم أن في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو أن العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام ((إذا علمت مثل الشمس فاشهد)) شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم ولله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أن ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوهاً : قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله ( أذاعوا) وقال قوم : راجع إلى قوله ( لعلمه الذين يستنبطونه ) وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) . واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . ٢٠٨ قوله تعالى ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته)) الآية سورة النساء أما القول الأول ﴾ فالتقدير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) . ﴿ والقول الثاني ﴾ الاستثناء عائد إلى قوله ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكر وه يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئاً يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض ، إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والأراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . ﴿ القول الثالث﴾ انه متعلق بقوله ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته) ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واعلم أن هذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين : أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد بية، والتقدير: ولولا بعثة محمد بيئية وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا قليلاً منكم ، فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ® وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد ابن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد حمدية. ﴿ الوجه الثاني﴾ ما ذكره أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم ( فأفوز فوزاً عظيماً ) فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الذين إلا القليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا ، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً ، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلاً ، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً على الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق . المسألة الثانية﴾ دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ٢٫٩ سورة النساء قوله تعالى ((فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)) الآية فَقَدِلْ فِى سَبِلِ اللهِ لَا تُكَلِّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأَسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنِلا ورحمته ، وألا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الأصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين . والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الأصل . قوله تعالى ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً﴾ . اعلم أنه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الأمر بالجهاد فقال ( فقاتل في سبيل الله ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ الفاء في قوله (فقاتل) بماذا تتعلق ؟ فيه وجوه : الأول : أنها جواب لقوله ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ) من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون متصلاً بقوله ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله فقاتل في سبيل اللّه) والثالث : أن يكون متصلاً بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل . المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول بية اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه إلا سبعون رجلاً ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده . ﴿ المسألة الثالثة﴾ دلت الآية على أنه ي كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو ي موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا فخر الرازي ج.١ م ٤! ٢١٠ قوله تعالى ((عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا)) الآية سورة النِّساء يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء اللّه سهل ذلك عليه . ثم قال تعالى ﴿ لا تكلف إلا نفسك﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف : قرىء ( لا تكلف) باخزم على النهي . و (لا نكلف) بالنون وكسر اللام ، أي لا تكلف نحن إلا نفسك وحدها . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدي رحمه الله. انتصاب قوله (نفسك ) على مفعول ما لم يسم فاعله . المسألة الثالثة ﴾ دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فإذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) وبدليل قوله ههنا ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) و((عسى)) من اللّه جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده . ثم قال تعالى ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ والمعنى أن الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً للجهاد شيء . ثم قال ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ عسى: حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع ، وذلك على الله تعالى محال . والجواب عنه أن ((عسى)) معناها الأطماع، وليس في الأطماع أنه شك أو يقين . وقال بعضهم : إطماع الكريم إيجاب . المسألة الثانية﴾ الكف المنع ، والبأس أصله المكروه ، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله ( بعذاب بئيس ) أي مكروه ، والعذب قد يسمى بأساً لكونه مكروهاً قال تعالى ( فمن ينصرنا من بأس الله . فلما أحسوا بأسنا . فلما رأوا يأسنا) قال المفسرون : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وقد قوله تعالى ((من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)) الآية سورة النِّساء ٢١١ مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ حَسَنَّةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كفّلُ مِنْهَا وَ كَانَ اللَّهُ عَلَ كُلّ شَىْءٍ مَّقِيتَا ٨٥ كف بأسهم ، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق ، فترك الذهاب إلى محاربة رسول اللّه الخل . ثم قال تعالى ﴿والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً﴾ يقالٍ. نكلت فلاناً إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه ، قال تعالى ؛ فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها) وقال في السرقة (بما كسبانكالاً من الله ) ويقال : نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه : إذا عرفت هذا فنقول : الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله ، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائماً ، وعذاب الله دائم في الآخرة ، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه ، وأيضاً عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد ، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والأبعاض والروح والبدن : قوله تعالى ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً: الأول: أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد ، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة ، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضاً منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة ، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، والغرض منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجراً عظيماً . الثاني : أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على لجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب ، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير ، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام : حرضهم على الجهاد ، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك ، وإن ٢١٢ قوله تعالى ((من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)) الآية سورة النّساء أطاعوك حصل لك من طاعتهم اعظم الثواب ، فكان هذا ترغيباً من اللّه لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد ، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع إليه عند طاعتهم أجر عظيم ، وما كان يرجع إليه من معصيتهم شيء من الوزر ، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبم البتة في المعصية ، فلا جرم يرجع إليه من طاعتهم أجر ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر . الثالث : يجوز أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي ◌ٍ في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو ، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن إذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة اللّه ، فأما إذا كانت وسيلة إلى معصيته كانت محرمة منكرة . الرابع : يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغباً في الجهاد ، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد ، فصار غيره من المؤمنين شفيعاً له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد ، فكانت هذه الشفاعة سعياً في إقامة الطاعة ، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة ، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها . المسألة الثانية﴾ الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الانسان نفسه شفعاً لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها . إذا عرفت هذا فنقول : في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه : الأول : أن المراد منها تحريض النبي ◌ّ إياهم على الجهاد، وذلك لأنه إذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد ، وأيضاً فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد ، بل على سبيل الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة . الثاني : أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع المنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد ، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد . الثالث : نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة ههنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار ، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم : الرابع : قال مقاتل : الشفاعة إلى اللّه إنما تكون بالدعاء ، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي ◌َ﴾ قال ((من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك لهولك مثل ذلك)) فهذا هو النصيب ، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روى أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول بِيّ قالوا : السام عليكم ، والسام هو الموت ، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة ، أتقولون هذا للرسول! فقال : قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم ، ٢١٣ سورة النّساء قوله تعالى ((ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)) الآية فنزلت هذه الآية . الخامس : قال الحسن ومجاهد والكلبي واين زيد : المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض ، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة ، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة ، ثم قال الحسن : من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر ، وإن لم يشفع ، لأن الله تعالى يقول ( من يشفع ) ولم يقل : ومن يشفع ، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام ((اشفعوا تؤجروا)). وأقول : هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها ، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين ، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل ، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها ، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أهل اللغة: الكفل: هو الحظ ومنه قوله تعالى ( يؤتكم كفلين من رحمته ) أي حظين وهو مأخوذ من قولهم : كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه . وإنما قيل : كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر ، وإنما استعمل نصيباً من الظهر . قال ابن المظفر : لا يقال : هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله ، وكذا القول في النصيب ، فإن أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب . فإن قيل : لم قال في الشفاعة الحسنة ( يكن له نصيب منها ) وقال في الشفاعة السيئة ( يكن له كفل منها ) وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة ؟ قلنا : الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس ، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة ، وحمى الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به ، ويقال للضامن: كفيل. وقال عليه الصلاة والسلام ((أنا وكافل اليتيم كهاتين)) فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الانسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده ، والمقصود حصول ضد ذلك ( فبشرهم بعذاب أليم ) والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ في المقيت قولان : الأول : المقيت القادر على الشيء ، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب : ٢١٤ قوله تعالى ((واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية سورة النِّساء وَإِذَا حُُِّمْ بِيَّةٍ ◌َُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيّا ه وكنت على إساءته مقيتاً وذي ضغن كففت النفس عنه وقال آخر : ليت شعري وأشعرن إذا ما إلى الفضل أم على إذا حو قربوها منشورة ودعيت سبت أني على الحساب مقيت وأنشد النضر بن شميل : فإني على ما ساءهم لمقيت تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة الثاني ؛ المقيت مشتق من القوت ، يقال : قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته ، واسم ذلك الشيء هو القوت ، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة ، ثم قال القفال رحمه الله : وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح ، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع ، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا ، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازي كلا بما علم منه . المسألة الثانية ﴾ إنما قال (وكان الله على كل شيء مقيتاً) تنبيهاً على أن كونه تعالى قادراً على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الأزل ، وليست صفة محدثة ، فقوله ( كان ) مطلقاً من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا ، يدل على أنه كان حاصلاً من الأزل إلى الأبد . قوله تعالى ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيباً﴾ في النظم وجهان : الأول : أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضاً راضين بها ، فقوله ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) كقوله تعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) . الثاني : ان الرجل في الجهاد كان يلقاه قوله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية سورة النّساء ٢١٥ الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه ، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله ، وربما ظهر أنه كان مسلماً ، فمنع اللّه المؤمنين عنه وأمرهم إن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو أزيد ، فإنه إن كان كافراً لا يضر المسلم إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الاكرام ، أما إن كان مسلماً وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ التحية تفعلة من حييت، وكان في الأصل تحيية ، مثل التوصية والتسمية ، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة ، نحو قوله ( وتصلية جحيم ) فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضاً قالوا: حياك اللّه واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة ، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله ، فلما جاء الإِسلام أبدل ذلك بالسلام ، فجعلوا التحية اسماً للسلام . قال تعالى ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) ومنه قول المصلي : التحيات لله ، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك . قال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده وقال آخر : إنا محيوك يا سلمى فحيينا واعلم أن قول القائل لغيره : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الحي إذا كان سلماً كان حياً لا محالة ، وليس إذا كان حياً كان سليماً ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات ، فثبت أن قوله : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله . الثاني : أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ؛ بالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله : حياك الله . الثالث : أن قول الانسان لغيره : السلام عليك فيه بشارة بالسلامة ، وقوله : حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل . ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول ، أما القرآن فمن وجوه : الأول : اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعاً: أولها: أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل ، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته : الملك القدوس السلام ، وثانيها : أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيباً ، فقال ( قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) والمراد منه أمة محمد مخلية، وثالثها: سلم عليك على لسان جبريل ، فقال ٢١٦ قوله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية سورة النّساء ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر ) قال المفسرون : إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فقال الله : لا تهتم لذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا ، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك ، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني . ورابعها : سلم عليك .على لسان موسى عليه السلام حيث قال ( والسلام على من اتبع الهدى ) فإذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك . وخامسها : سلم عليك على لسان محمد ێآ ، فقال ( الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) وكل من هدى الله إلى الإيمان فقد اصطفاه، كما قال ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) وسادسها: أمر محمداً عليه بالسلام على سبيل المشافهة ، فقال ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) وسابعها : أمر أمة محمد رَّ بالتسليم عليك قال ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) وثامنها: سلم عليك على لسان ملك الموت فقال ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ) قيل : إن ملك الموت يقول في أذن المسلم : السلام يقرئك السلام ، ويقول : أجبني فإني مشتاق إليك ، واشتاقت الجنات والحور العين إليك ، فإذا سمع المؤمن البشارة، يقول الملك الموت : للبشير مني هدية ، ولا هدية أعز من روحي ، فاقبض روحي هدية لك ، وتاسعها : السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة ، قال تعالى ( وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ) وعاشرها : سلم اللّه عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمزاً ) إلى قوله ( وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ) والحادي عشر: إذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم . قال تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) والثاني عشر: السلام من الله من غير واسطة وهو قوله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وقوله ( سلام قولاً من رب رحيم ) وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق . الوجه الثاني ﴾ من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات : وقت الابتداء ، ووقت الموت ، ووقت البعث ، واللّه تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فإنما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً) وعيسى عليه السلام ذكر أيضاً ذلك فقال ( والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ) . الوجه الثالث ﴾ أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال (إن الله ٢١٧ قوله تعالى ((واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية سورة النّساء وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا : السام عليك ، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المعنى ، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال : إن كان اليهود يقولون السام عليك ، فأنا أقول من سرادقات الجلال : السلام عليك ، وأنزل قوله ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) إلى قوله ( وسلموا تسليماً ) . وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روى أن عبدالله بن سلام قال : لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس ، فأول ما سمعت منه (( يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)). وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول: قالوا : تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع ، وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضعم لبعض أن يقولوا : حياك الله، وللملوك أن يقولوا : أنعم صباحاً ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها : الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث : أن الوعد بالنفع يقدر الانسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادراً عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه . فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية . المسألة الثالثة ﴾ من الناس من قال: من دخل داراً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) وقال عليه الصلاة والسلام ((أفشوا السلام)) والأمر للوجوب . الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فإذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام ((المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه)) فوجب أن يكون السلام واجباً . الثالث : أن السلام من شعائر أهل الإِسلام ، وإظهار شعائر. الإِسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي. وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله ٢١٨ قوله تعالى ((واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية سورة انّاء تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) الثاني : أن ترك الجواب إهانة ، والاهانة ضرر والضرر حرام . المسألة الرابعة ﴾ منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد . واعلم أنه تعالى قالٍ ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) فقال العلماء : الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة ، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة ، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب . روى أن رجلاً قال للرسول وهي: السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وآخر قال: السلام عليك ورحمة الله ، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، وجاء ثالث فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، قال الرجل : نقصتني ، فأين قول الله ( فحيوا بأحسن منها) فقال ◌ِيّ: إنك ما تركت لي فضلاً فرددت عليك ما ذكرت . ﴿ المسألة الخامسة﴾ المبتدىء يقول: السلام عليك والمجيب، يقول: وعليكم السلام ، هذا هو الترتيب الحسن ، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال : السلام عليكم كان الابتداء واقعاً بذكر الله ، فإذا قال المجيب : وعليكم السلام كان الاختتام واقعاً بذكر الله ، وهذا يطابق قوله ( هو الأول والآخر ) وأيضاً لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فإنه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولاً ببركته كما في قوله ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ) فلو خالف المبتدىء فقال : وعليكم السلام فقد خالف السنة ، فالأولى للمجيب أن يقول : وعليكم السلام ، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله ، فهذا لا ينبغي أن يترك الأختتام بذكر الله . المسألة السادسة ﴾ ان شاء قال : سلام عليكم ، وإن شاء قال: السلام علیکم قال تعالى في حق نوح ( يا نوح اهبط بسلام منا ) وقال عن الخليل ( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ) وقال في قصة لوط ( قالوا سلاماً قال سلام) وقال عن يحيى ( وسلام عليه ) وقال عن محمد بتخليّة (وقل الحمد لله وسلام على عباده) وقال عن الملائكة ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) وقال عن رب العزة ( سلام قولاً من رب رحيم ) وقال ( فقل سلام عليكم ) وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام ( فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى ) وقال عن عسى عليه السلام ( والسلام ٢١٩ سورة النّساء قوله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها)) الآية علي يوم ولدت ويوم أموت ) فثبت أن الكل جائز ، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق ، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف؟ فقيل التنكير أفضل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل . الثاني : أن كل ما ورد من اللّه والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات ، وأما بالألف واللام فإنما ورد في تسليم الانسان على نفسه قال موسى مَيّ ( والسلام على من اتبع الهدى ) وقال عيسى عليه الصلاة والسلام ( والسلام علي ) والثالث : وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية ، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال ، فكان هذا أولى : المسألة السابعة﴾ قال : (( السنة أن يسلم الراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقائم على القاعد )). وأقول : أما الأول فلوجهين : أحدهما : أن الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني : أن التكبر به أليق ، فأمر بالأبتداء بالتسليم كسراً لذلك التكبر ، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل إليه ، فلا بد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير . المسألة الثامنة ﴾ السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب . المسألة التاسعة ﴾ السنة في السلام الافشاء والتعميم لأن في التخصيص إيحاشا. المسألة العاشرة﴾ المصافحة عند السلام عادة الرسول عليه، قال عليه الصلاة والسلام ((إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر)). ﴿ المسألة الحادية عشرة ﴾ قال أبو يوسف: من قال لآخر : اقرى فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل . ﴿ المسألة الثانية عشرة ﴾ إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله . ﴿ المسألة الثالثة عشرة﴾ إذا دخلت بيتاً خالياً فسلم، وفيه وجوه: الأول: إنك تسلم من اللّه على نفسك ، والثاني : إنك تسلم على من فيه من مؤمني الجن . والثالث : أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات . ٢٢٠ قوله تعالى ((فإذا حییتم بتحية فحيوا بأحسن منها» الآية سورة النّساء المسألة الرابعة عشرة ﴾ السنة أن يكون المبتدي بالسلام على الطهارة ، وكذا المجيب . روى أن واحداً سلم على الرسول ◌َم وهو كان في قضاء الحاجة ، فقام وتيمم ثم رد السلام . ﴿ المسألة الخامسة عشرة﴾ السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام إظهاراً للتواضع. المسألة السادسة عشرة﴾ لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها ، وهي ثمانية : الأول : روى أن النبي ◌َّ قال: لا يبدأ اليهودي بالسلام، وعن أبي حنيفة أنه قال لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره ، وعن أبي يوسف : لا تسلم عليهم ولا تصافحهم ، وإذا دخلت فقل : السلام على من اتبع الهدى، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذادعت إلى ذلك حاجة ، وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء : ينبغي أن يقال وعليك ، والأصل فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول: السام عليك، فكان النبي ◌ّ يقول وعليكم ، فجرت السنة بذلك ، ثم ههنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم : وعليكم السلام ، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه ؟ قال الحسن يجوز أن يقال للكافر : وعليكم السلام ، لكن لا يقال ورحمة اللّه لأنها استغفار . وعن الشعبي أنه قال النصراني : وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه ، فقال : أليس في رحمة الله يعيش . الثاني : إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب ، فلا ينبغي أن يسلم ؟ الاشتغال الناس بالاجتماع ، فإن سلم فرد بعضهم فلا بأس ؛ ولو اقتصروا على الاشارة كان أحسن . الثالث : إذا دخل الحمام فرأى الناس متزرين يسلم عليهم ، وإن لم يكونوامتزرين لم يسلم عليهم ، الرابع : الأولى ترك السلام على القارىء ، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم ، الخامس : لا يسلم على المشتغل بالأذان والإقامة للعلة التي ذكرناها . السادس : قال أبو يوسف . لا يسلم على لاعب النرد ، ولا على المغني ، ومطير الحمام ، وفي معناه كل من كان مشتغلاً بنوع معصية ، السابع : لا يسلم على من كان مشتغلاً بقضاء الحاجة ، مرّ على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي حاجته ، فسلم عليه ، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم رد الجواب ، وقال (( لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم على فإنك إن سلمت على لم أرد عليك)) الثامن : إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته ، فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليهما . المسألة السابعة عشرة ﴾ في أحكام الجواب وهي ثمانية : الأول : رد الجواب واجب لقوله تعالى ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ولأن ترك الجواب إهانة وضرر وحرام ، وعن ابن عباس : ما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا