Indexed OCR Text

Pages 101-120

قوله تعالى ((الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل)) الآية سورة النساء ١٠١
الَّذِينَ يَخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُهْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآءَاتَنُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال : مشت رجلك ، وأخذت يدك ، قال عليه
الصلاة والسلام ((على اليد ما أخذت)) وقال تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما) ولما ذكر تعالى
هذه الأصناف قال ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخوراً) والمختال ذو الخيلاء والكبر . قال
ابن عباس : يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد . قال الزجاج : وإنما
ذكر الأختيال ههنا ، لأن المختال يأنف من أقار به إذا كانوا فقراء ، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء
فلا يحسن عشرتهم . وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله ( والخيل المسومة ) ومعنى الفخر
التطاول ، والفخور الذي يعدد مناقبه كبراً وتطاولاً . قال ابن عباس : هو الذي يفخر على عباد
الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع ،
لأن المختال هو المتكبر ، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق ، ثم أضاف إليه ذم
الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة ، بل لمحض أمر الله تعالى .
قوله تعالى ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله
وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي (بالبخل) بفتح الباء والخاء ، وفي الحديد
مثله ، وهي لغة الأنصار ، والباقون ( بالبخل ) بضم الباء والخاء وهي اللغة العالية .
﴿ المسألة الثانية﴾ الذين يبخلون: بدل من قوله (من كان مختالاً فخوراً) والمعنى :
أن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ولا يحب الذين يبخلون ، أو نصب على الذم ، ويجوزّ ان
يكون رفعاً على الذم ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : الذين يبخلون ويفعلون
ويصنعون : أحقاء بكل ملامة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الواحدي: البخل فيه أربع اللغات : البخل . مثل القفل،
والبخل مثل الكرم ، والبخل مثل الفقر ، والبخل بضمتين . ذكره المبرد ، وهو في كلام العرب
عبارة عن منع الاحسان ، وفي الشريعة منع الواجب .

١٠٢
قوله تعالى: ((والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس)) الآية. سورة النِّساء
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِعَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ آلْآَخِرِ وَمَن يَكُنِ
الشَّيْطَنُ لَهُ، قَرِينًا فَسَآءَ قَرِيْنًا ﴾
المسألة الرابعة ﴾ قال ابن عباس : أنهم اليهود ، بخلوا أن يعترفوا بما عرفوا من نعت
محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة ، وأمروا قومهم أيضا بالكتمان ( ويكتمون ما
آتاهم الله من فضله) يعني من العلم بما في كتابهم من صفة محمد ، (وأعتدنا ) في الآخرة
لليهود ( عذابامهينا ) واحتج من نصر هذا القول بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل على أن المراد
بأولها الكافر . وقال آخرون : المراد منه البخل بالمال ، لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب
فيها رعاية حقوق الناس بالمال ، فأنه قال ( وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين
والجارذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل ) ومعلوم أن الأحسان إلى
هؤلاء إنما يكون بالمال ، ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان فقال : ( أن الله لا يحب من كان
مختالا فخوراً) ثم عطف عليه ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) فوجب أن يكون هذا
البخل بخلا متعلقا بما قبله ، وما ذاك إلا البخل بالمال .
﴿ والقول الثالث﴾ أنه عام في البخل بالعلم والدين ، وفي البخل بالمال، لأن اللفظ
عام ، والكل مذموم ، فوجب كون اللفظ متناولا للكل .
المسألة الخامسة ﴾ أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثاً: أولها :
كون الانسان بخيلا وهو المراد بقوله ( الذين يبخلون ) وثانيها : كونهم آمرين لغيرهم
بالبخل ، وهذا هو النهاية في حب البخل ، وهو المراد بقوله ( ويأمرون الناس بالبخل )
وثالثها : قوله ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) فيوهمون الفقر مع الغني ، والاعسار مع
اليسار ، والعجز مع الامكان ، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر ، مثل أن
يظهر الشكاية عن الله تعالى ، ولا يرضى بالقضاء والقدر ، وهذا ينتهي إلى حد الكفر ، فلذلك
قال : ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهيناً) ومن قال : الآية مخصوصة باليهود ، فكلامه في هذا
الموضع ظاهر ، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر ، ويمكن أيضاً أن يكون المراد من هذا
الكافر ، من يكون كافراً بالنعمة ، لا من يكون كافراً بالدين والشرع .
ثم قال تعالى ﴿ والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن
يكن الشيطان له قريناً فساء قرينا
٠
وفيه مسائل :

قوله تعالى ((وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر)) الآية سورة النّساء ١٠٣
وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ آلْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْمَّا رَزَقَهُمُ الَهُ وَكَانَ اللَّهُبِهِمْ
عَلِياً ټ
﴿ المسائل الأولى﴾ إن شئت عطفت (الذين) في هذه الآية على ( الذين ) في الآية التي
قبلها ، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله ( للكافرين عذاباً مهيناً ) .
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي : نزلت في المنافقين ، وهو الوجه لذكر الرثاء ، وهو
ضرب من النفاق .
وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول رسله، والأولى أن يقال: إنه
تعالى لما أمر بالاحسان إلى أرباب الحاجات ، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان : فالأول : هو
البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال البتة ، وهم المذمومون في قوله ( الذين يبخلون ويأمرون
الناس بالبخل ) والثاني : الذين ينفقون أموالهم ، لكن لا لغرض الطاعة ، بل لغرض الرياء
والسمعة ، فهذه الفرقة أيضا مذمومة ، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم
الأول وهو إنفاق الأموال لغرض الأحسان .
ثم قال ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً﴾ والمعنى: أن الشيطان قرين
لأصحاب هذه الأفعال كقوله ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) وبين
تعالى أنه بئس القرین ، إذ کان یضله عن دار النعيم ویورده نار السعیر وهو کقوله ( ومن الناس
من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى
عذاب السعير ) .
ثم أنه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الايمان .
فقال: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم علياً ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله ( وماذا عليهم ) استفهام بمعنى الأنكار ، ويجوز أن يكون
((ماذا)) اسماً واحداً، فيكون المعنى: وأي الشيء عليهم، ويجوز أن يكون ((ذا)) في معنى
الذي ، ويكون ((ما )) وحدها اسماً ، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا .
المسألة الثانية ﴾ احتج القائلون بأن الايمان يصح على سبيل التقليد بهذه الآية

١٠٤
قوله تعالى ((ان الله لا يظلم مثقال ذره)) الآية .
سورة النِّساء
إِنَّاللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَُّنّهُ أَبْرًا عَظِيماً (:
٤٠
فقالوا : إن قوله تعالى ( وماذا عليهم لو آمنوا ) مشعر بأن الاتيان بالايمان في غاية السهولة ، ولو
كان الإستدلال معتبرا لكان في غاية الصعوبة ، فانا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم
استدلالهم ، فدل هذا على أن التقليد كاف .
أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل ، فأما الدلائل على سبيل الجملة فهي
سهلة ، واعلم أن في هذا البحث غوراً .
المسألة الثالثة﴾ احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثله ، قال الجبائي : ولو
كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول الله ذلك ، كما لا يقال لمن هو في النار معذب : ماذا عليهم لو
خرجوا منها وصاروا إلى الجنة ، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام : ماذا عليه لو
أكل . وقال الكعبي : لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول : ماذا عليه لو آمن . كما لا يقال
لمن أمرضه : ماذا عليه لو كان صحيحاً ، ولا يقال للمرأة : ماذا عليها لو كانت رجلاً ،
وللقبيح : ماذا عليه لو كان جميلاً ، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من الله
تعالى ، فبطل بهذا ما يقال : إنه وإن قبح من غيره ، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه . وقال
القاضي عبد الجبار : إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا
يتمكن من مفارقة الحبس ، ثم يقول له : ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة ، وإذا كان من
يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله تعالى ، فهذا جملة ما ذكروه من
الأمثلة .
واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة ،
ومعارضتهم بمسئلتي العلم والداعي قد كثرت ، فلا حاجة إلى الأعادة .
ثم قال تعالى ﴿وكان الله بهم علياً﴾ والمعنى أن القصد إلى الرثاء إنما يكون باطناً غير
ظاهر ، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها ، فان الأنسان متى اعتقد
ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب : مثل داعية النفاق والرياء
والسمعة .
قوله تعالى ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً
عظياً ﴾ .

١٠٥
سورة النِّساء
قوله تعالى ((إن الله لا يظلم مثقال ذره)) الآية .
اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا
مما رزقهم الله ) فكأنه قال : فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة
يضاعفها ، فرغب بذلك في الأيمان والطاعة .
واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة : الأول : قوله تعالى ( إن الله لا
يظلم مثقال ذرة ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة. وروى عن ابن
عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ، ثم قال : كل واحد من هذه الأشياء
ذرة و(مثقال ) مفعال من الثقل يقال : هذا على مثقال هذا ، أي وزن هذا ، ومعنى ( مثقال
ذرة ) أي ما يكون وزنه وزن الذرة .
واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلاً ولا كثيراً ، ولكن الكلام خرج على
أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى ( إن الله لا يظلم الناس شيئاً ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقاً لأعمال
العباد ، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضاً ، فلو كان موجد ذلك الظلم هو
الله تعالى لكان الظالم هو الله ، وأيضاً لو خلق الظلم في الظالم ، ولا قدرة لذلك الظالم على
تحصيل ذلك الظلم عند عدمه ، ولا على دفعه بعد وجوده ، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه
وصفته : لم ظلمت ثم يعاقبه عليه ، كان هذا محض الظلم ، والآية دالة على كونه تعالى منزها
عن الظلم .
والجواب : المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مراراً لا حد لها ، وقد ذكرنا أن
استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت ، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد ، وهو التمسك
بالمدح والذم والثواب والعقاب ، والسؤال على هذا الحرف معين ، وهو المعارضة بالعلم
والداعي ، فكلما أعادوا ذلك الإستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قالت المعتزلة : الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه ،
ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح ، إلا إذا كان هو قادراً عليه ، ألا ترى أن
الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة .
والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه ،
وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار ، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار .

١٠٦
قوله تعالى ((وان تك حسنة يضاعفها)) الآية
سورة النِّساء
المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة : الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته
وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما ، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لولم يثبهم على أعمالهم لكان
قد ظلمهم ، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم .
والجواب : أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال ، فلو لم یشھم علیها لکان ذلك .
في صورة ظلم ، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم ، والذي يدل على أن الظلم محال من الله ، أن
الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم ، وهما محالان على الله ، ومستلزم المحال محال ، والمحال
غير مقدور . وأيضاً الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير ، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في
ملك نفسه ، فيمتنع كونه ظالماً . وأيضاً : الظالم لا يكون إلها ، والشيء لا يصح إلا إذا كانت
لوازمه صحيحة ، فلوصح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحاً ، ولو كان كذلك لكانت إلهيته
جائزة الزوال ، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الإلهية إلى مخصص وفاعل ، وذلك على الله
محال .
المسألة الخامسة﴾ قالت المعتزلة: إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الإيمان
والطاعة مدة مائة سنه . وقال أصحابنا : هذا باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك
الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة ، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة . فاسقاط ذلك
الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم ، وإنه منفى بهذه الآية .
المسألة السادسة ﴾ قال الجبائي : إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات ، ولا
ينحبط من ذلك العقاب شيء . وقال ابنه أبو هاشم: بل ينحبط . واعلم أن هذا المشروع صار
حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط ، فانا نقول : لو انحبط ذلك الثواب لكان إما
أن يحبط مثله من العقاب أو لا يحبط . والقسمان باطلان. فالقول بالأحباط باطل . إنما قلنا إنه
لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر ، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر ،
فلو حصل العدمان معا لحصل الوجودان معاً ، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع
المعلول ، وذلك محال . وإنما قلنا : أنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا
تنحبط بالطاعة ، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها البتة ، لا في جلب ثواب ، ولا في دفع
عقاب وذلك ظلم ، وهو ينافى قوله تعالى ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) ولما بطل القسمان ثبت
القول بفساد الأحباط على ما تقوله المعتزلة .
﴿ المسألة السابعة ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى
الجنة ، فقالوا لا شك أن ثواب الأيمان ، والمداومة على التوحيد ، والأقرار بأنه هو الموصوف
بصفات الجلال والأكرام ، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة : أعظم
ثواباً من عقاب شرب الجرعة من الخمر ، فاذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر

١٠٧
سورة النِّساء
قوله تعالى)) وإن تك حسنة يضاعفها)) الآية
عقاب هذه المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم ، فاذا أدخل النار
بسبب ذلك القدر من العقاب ، فلو بقى هناك لكان ذلك ظلماً وهو باطل ، فوجب القطع بأنه
يخرج الى الجنة .
﴿ النوع الثاني﴾ من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية:
قوله تعالى ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير (حسنة) بالرفع على تقديره ((كان)) التامة،
والمعنى: وإن حدثت حسنة ، أو وقعت حسنة، والباقون بالنصب على تقدير ((كان))
الناقصة والتقدير : وإن تك زنة الذرة حسنة . وقرأ ابن كثير وابن عامر ( يضعفها ) بالتشديد
من غير ألف من التضعيف والباقون ( يضاعفها ) بالألف والتخفيف من المضاعفة .
المسألة الثانية﴾ تك: أصله من ((كان يكون)) وأصله ((تكون)) سقطت الضمة
للجزم، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار ((تكن)) ثم حذفوا النون أيضاً لأنها ساكنة.
وهي تشبه حروف اللين ، وحروف اللين إذا وقعت طرفاً سقطت للجزم . كقولك : لم أدر ،
أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والأثبات ، أما الحذف فههنا ، وأما الأثبات ، فکقوله ( إن
يكن غنياً أو فقيراً) .
المسألة الثالثة ﴾ أن الله تعالى بين بقوله ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) أنه لا يبخسهم
حقهم أصلاً ، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم .
واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة ، لأن مدة الثواب غير
متناهية ، وتضعيف غير المتناهى محال ، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار : مثلا
يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب ، فيجعله عشرين جزءاً ، أو ثلاثين جزءاً، أو
أزيد . روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على
رؤس الأولين والآخرين : هذا فلان أبن فلان ، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ، ثم
يقال له : أعط هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله
لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فأن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله
تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته . مصداق ذلك في كتاب الله تعالى ( وإن تك حسنة
يضاعفها) وقال الحسن : قوله (وإن تك حسنة يضاعفها) هذا أحب إلى العلماء مما لو قال :
في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة ، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوما ، أما على هذه
العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلا الله تعالى ، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف
شهر. وقال أبو عثمان النهدي : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله ليعطي عبده المؤمن
بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجاً أو معتمراً فألفيته

١٠٨
قوله تعالى ((فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد)) الآية
سورة النّساء
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أَمَّةٍ بِشَهِدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى مَنَؤُلاءِ شَهِيدًا له يومِذٍ يود
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (
٤٢٠
فقلت : بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة
قال أبو هريرة لم أقل ذلك ، ولكن قلت : إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف ، ثم تلا هذه
الآية وقال : إذا قال الله ( أجراً عظيماً ) فمن يقدر قدره .
النوع الثالث ﴾ من الأمور التي اشتملت هذه الآية علیها قوله تعالى ( ویؤت من لدنه
أجراً عظيماً ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ لدن: بمعنى ((عند)) إلا أن ((لدن)) اكثر تمكيناً، يقول الرجل:
عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر ، ولا يقال : لدى مال ولا لدني ، إلا ما كان حاضراً .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله ( وإن تك حسنة
يضاعفها ) والذي يخطر ببالي والعلم عند الله ، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك
الثواب ، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب ، والظاهر أن ذلك
التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من
لدنه ، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية ، وعند الأستغراق في المحبة والمعرفة ، وإنما خص هذا
النوع بقوله ( من لدنه) لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال ، لا ينال
بالأعمال الجسدانية ، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الأشراق والصفاء
والنور ، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية ، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى
السعادة الروحانية .
قوله تعالى ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً يومئذ يود الذين
كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ .
وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم ، وأنه تعالى يجازي
المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه ، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة
الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق ، لتكون الحجة على المسيء أبلغ ، والتبكيت له

١٠٩
سورة النِّساء
قوله تعالى (ولا یکتمون الله حدیثا» الآية
أعظم وحسرته أشد ، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم ، ويكون
هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم (إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) ووعداً للمطيعين الذين قال
الله فيهم ( وإن تك حسنة يضاعفها ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى) روى أن النبي ◌َلل، قال لأبن مسعود ((إقرأ القرآن علي)) قال فقلت
يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال: ((أحب أن أسمعه من غيري)) قال ابن مسعود:
فأفتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صل# ، قال ابن مسعود :
فأمسكت عن القراءة . وذكر السدى أن أمة محمد ◌ٍ يشهدون للرسل بالبلاغ ، والرسول
بَيّ يشهد لأمته بالتصديق ، فلهذا قال ( جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس
ويكون الرسول عليكم شهيداً) وحكى عن عيسى عليه السلام أنه قال (وكنت عليهم شهيداً
ما دمت فيهم ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا
كان كذا وكذا ، وإذا فعل فلان كذا ، وإذا جاء وقت كذا ، فمعنى هذا الكلام : كيف ترون
يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها ، واستشهدك على هؤلاء ، يعني قومه
المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم . ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم
ممن شاهدوا أحوالهم ، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت
فيهم ) .
ثم أنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : ( يؤمئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى
بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( الذين كفروا وعصوا الرسول) يقتضي كون عصيان الرسول
مغايراً للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على
المعاصي المغايرة للكفر . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع
الأسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضاً على تلك المعاصي . لأنه لو
لم يكن لتلك المعصية اثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر .
المسألة الثانية ﴾ قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( تسوى ) مضمومة التاء خفيفة
السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر ( تسوى ) مفتوحة التاء مشددة السين
بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه
القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله ( اطيرنا بك . وازينت . وتذكرون ) وفي هذه القراءة

١١٠
قوله تعالى ((ولا يكتمون الله حديثا)) الآية
سورة النِّساء
اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي ( تسوى ) مفتوحة التاء والسين
خفيفة ، حذفا التاء التي أدغمها نافع ، لأنها كما اعتلت بالأدغام اعتلت بالحذف .
﴿ المسالة الثالثة﴾ ذكروا في تفسير قوله ( لو تسوي بهم الأرض) وجوها: الأول : لو
يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا
والأرض سواء . الثالث : تصبر البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : ( يا ليتني كنت ترابا ) .
﴿ المسألة الرابعة) قوله (ولا يكتمون الله حديثاً) فيه لأهل التأويل طريقان :
الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فاذا جعلناه متصلا احتمل
وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم
يكونوا كتموا أمر محمد له ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول: الكتمان عائد الى ما
كتموا من امر محمد رَّة، الثاني: أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل
الإِسلام ولا يغفر شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، رجاء أن
غفر الله لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ،
هنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثاً .
الطريق الثاني في التأويل ﴾ أن هذا الكلام مستأنف، فان ما عملوه ظاهر عند الله ،
کیف يقدر ون على كتمانه ؟
﴿ المسألة الخامسة) فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله (والله ربنا ما كنا
شركين )
والجواب من وجوه : الأول : أن مواطن القيامة كثيرة ، فموطن لا يتكلمون فيه وهو
قوله ( فلا تسمع إلا همساً) وموطن يتكلمون فيه كقوله ( ما كنا نعمل من سوء ) وقولهم ( والله
ربنا ما كنا مشركين ) فيكذبون في مواطن ، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون
الرجعة وهو قولهم ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ) وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم
وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم . الثاني : أن هذا
الكتمان غير واقع ، بل هو داخل في التمنى على ما بينا . الثالث : أنهم لم يقصدوا الكتمان ،
وإنما أخبروا على حسب ماتوهموا ، وتقديره : والله ما كنا مشركين عند أنفسنا بل مصيبين في
ظنوننا حتى تحققنا الآن . وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى .
النوع العاشر﴾ من التكاليف المذكورة في هذه السورة .

١١١
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا)) الآية
سورة النِّساء
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكْثَرَى حَتَّى تَعْلُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُبًا
إِلَّ ◌َبِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْقَسِلُواْ
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا
جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ .
فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب النزول وجهين : الأول : أن جماعة من أفاضل
الصحابة صنع لهم عبدالرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا ،
فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلى بهم . فقرأ : أعبد ما تعبدون وأنتم
عابدون ما أعبد ، فنزلت هذه الآية . فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات ، فاذا صلوا
العشاء شربوها ، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها
على الأطلاق في سورة المائدة . وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال : اللهم إن الخمر
تضر بالعقول والأموال ، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المادة . الثاني : قال ابن
عباس : نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد
به للصلاة مع الرسول مَّ ، فنهاهم الله عنه .
المسألة الثانية ) في لفظ الصلاة قولان: أحدهما : المراد منه المسجد ، وهو قول أبن
عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي .
واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه
يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة ، وحذف المضاف مجاز شائع ،
والثاني : قوله ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ) والمراد بالصلوات مواضع الصلوات ، فثبت
أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد المسجد جائز .
والقول الثاني ﴾ وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة ،
أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى .
واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي ، وهو أن على التقدير الأول يكون
المعنى : لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنباً إلا عابري سبيل ، وعلى هذا الوجه يكون
الأستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد ، وهو قول الشافعي . وأما على القول
الثاني فيكون المعنى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا تقربوها حال كونكم جنباً إلا

١١٢
قوله تعالى (( یا أيها الذين آمنوا » الآية
سورة النِّساء
عابري سبيل ، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلاً على أنه يجوز للجنب
الأقدام على الصلاة عند العجز عن الماء . قال أصحاب الشافعي : هذا القول الأول أرجح ،
ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قال ( لا تقربوا الصلاة ) والقرب والبعد لا يصحان على نفس
الصلاة على سبيل الحقيقة ، إنما يصحان على المسجد . الثاني : أنا لو حملناه على ما قلنا لكان
الأستثناء صحيحاً ، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحاً ، لأن من لم يكن عابر سبيل
وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد ، فأنه يجوز له الصلاة بالتيمم ، وإذا كان
كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى . الثالث : أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر ،
فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة البتة ، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا
الأستثناء في الآية ، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى إضمار
هذا الشرط في الآية ، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى .
الرابع : أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء ، وجواز التيمم بعد هذا ، فلا يجوز حمل هذا
على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله
( حتى تغتسلوا ) ثم يستأنف قوله (وإن كنتم مرضى ) لأنه حكم آخر . وأما إذا حملنا الآية على
ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الألحاقات فكان ما قلناه أولى . ولمن نصر القول الثاني أن
يقول : إن قوله تعالى ( حتى تعلموا ما تقولون) يدل على أن المراد من قوله ( لا تقربوا
الصلاة ) نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها
أقوال مخصوصة يمنع السكر معها ، فكان حمل الآية على هذا أولى ، وللقائل الأول أن يجيب
بأن الظاهر أن الأنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من
الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى .
المسألة الثالثة ﴾ قال الواحدي رحمه الله : السكاري جمع سكران ، وكل نعت على
فعلان فأنه يجمع على : فعالى وفعالى ، مثل كسالى وكسالى ، وأصل السكر في اللغة سد
الطريق ، ومن ذلك سكر البثق وهو سده ، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت ، ومنه قوله تعالى
( إنما سكرت أبصارنا) أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، ومن
ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري . والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من
النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه . إذا عرفت هذا فنقول : في
لفظ السكارى في هذه الآية قولان : الأول : المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو ،
وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين .
والقول الثاني ﴾ وهو قول الضحاك: وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر، إنما المراد
منه سكر النوم ، قال : ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له ، والدليل دل
عليه فوجب المصير إليه ، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين : الأول : ما ذكرنا : أن

١١٣
سورة النِّساء
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا )) الآية
لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق ، ولا شك أن عند النوم تمتلىء مجاري الروح
من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر
البدن . الثاني : قول الفرزدق :
من السير والأدلاج يحسب إنما سقاه الكرى في كل منزلة خمرا
وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول : الدليل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أن
قوله تعالى ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ظاهره أنه تعالى نهاهم
عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون ، وتوجيه التكليف على
مثل هذا الأنسان ممتنع بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الأنسان يقتضى تكليف
ما لا يطاق، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام ((رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى
يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ)) ولا شك أن هذا السكران يكون مثل
المجنون ، فوجب ارتفاع التكليف عنه .
﴿ والحجة الثانية ) قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد
حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه ) هذا تقرير
قول الضحاك .
واعلم أن الصحيح هو القول الأول ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن لفظ السكر
حقيقة في السكر من شرب الخمر ، والأصل في الكلام الحقيقة ، فأما حمله على السكر من
العشق ، أو من الغضب أو من الخوف ، أو من النوم ، فكل ذلك مجاز ، وإنما يستعمل
مقيداً ، قال تعالى ( وجاءت سكرة الموت ) وقال ( وترى الناس سكارى وما هم بسكارى )
الثاني : أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر ، وقد ثبت في
أصول الفقه أن الآية اذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين ، امتنع أن لا يكون ذلك
السبب مراداً بتلك الآية ، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهى حال كونه سكران ؟ فنقول :
وهذا أيضاً لازم عليكم ، لأنه يقال : كيف يتناوله النهى وهو نائم لا يفهم شيئاً ؟ ثم الجواب
عنه : ان المراد من الآية النهى عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة
عليهم ، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب
الموجب للسكر في وقت الصلاة . وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور
في الآية هو النوم .
المسألة الرابعة﴾ قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المائدة ، وأقول الذي يمكن
ادعاء النسخ فيه أنه يقال : نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث
يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي إنتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية ، فهذا يقتضي
جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول ، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم
فخر الرازي ج.١ م ٨

١١٤
قوله تعالى ((وإن كنتم مرضى أو على سفر)) الآية سورة النِّساء
وَإِن كُنْتُ مَّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ
النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
٤٣
الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز . فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلولات هذه
الآية . هذا خطر ببالي في تقرير هذا النسخ .
والجواب عنه: أنا بينا أن حاصل هذا النهى راجع إلى النهى عن الشرب الموجب للسكر
عند القرب من الصلاة ، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه الا على
سبيل الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخاً .
﴿ المسألة الخامسة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء (سكارى) بفتح السين و
( سكرى) على أن يكون جمعاً نحو: هلکی ، وجوعى .
ثم قال تعالى ﴿ ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ قوله (ولا جنبا) عطف على قوله ( وأنتم
سكارى) والواو ههنا للحال ، والتقدير : لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى ، وحال
ما تکونون جنبا ، والجنب یستوی فیه الواحد والجمع ، المذكر والمؤنث ، لأنه اسم جری مجری
المصدر الذي هو الأجناب . وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد ، وقيل للذي يجب عليه
الغسل : جنب ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر . ثم قال ( إلا عابري
سبيل ) وقد ذكرنا أن فيه قولين : أحدهما : أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد .
الثاني : أن المراد بقوله ( إلا عابري سبيل ) المسافرون ، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على
الآخر .
قوله تعالى ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفوراً)).
اعلم أنه تعالى ذكرههنا أصنافا أربعة : المرضى ، والمسافرين ، والذين جاؤا من
الغائط ، والذين لامسوا النساء .
فالقسمان الأولان ﴾ يلجئان إلى التيمم ، وهما المرض والسفر.

١١٥
قوله تعالى ((او لامستم النساء)) الآية
سورة النِّساء
والقسمان الأخيران ﴾ يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء ، وبالتيمم عند عدم الماء ،
ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام :
أما السبب الأول ﴾ وهو المرض، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون
بحيث لو استعمل الماء لمات ، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة ، وثانيها : أن لا
يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة . وثالثها : أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة
لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن ، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين ، وما
جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء ،
بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء ، بدليل أنه قال في آخر الآية ( فلم
تجدوا ماء ) وإذا كان هذا الشرط معتبرا في جواز التيمم ، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا
يجوز التيمم ، وهو أيضاً قول ابن عباس . وكان يقول : لو شاء اللّه لابتلاه بأشد من ذلك .
ودليل الفقهاء ، انه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء ، وليس فيه دلاله على منعه من
التيمم عند وجوده ، ثم قد دلت السنة على جوازه ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه
اصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما اغتسل مات ،
فسمع النبي رَّة ، فقال : قتلوه قتلهم الله ، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه .
﴿ السبب الثاني﴾ السفر: والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم ، طال سفره
أو قصر لهذه الآية .
السبب الثالث ﴾ قوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط) والغائط المكان المطمئن من
الأرض وجمعه الغيطان . وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يحجبه عن
أعين الناس ، ثم سمى الحدث بهذا الأسم تسمية للشيء بأسم مكانه .
السبب الرابع ﴾ قوله ( أو لا مستم النساء) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي (لمستم) بغير ألف من اللمس ، والباقون
( لامستم ) بالألف من الملامسة .
المسألة الثانية ﴾ اختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين: أحدهما : أن
المراد به الجماع ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وقول أبي حنيفة رضي الله
عنه ، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة . والثاني : أن المراد باللمس ههنا التقاء البشرتين ،
سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وقول الشافعي

١١٦
قوله تعالى ((أو لا مستم النساء)) الآية
سورة النِّساء
رضي الله عنه .
واعلم أن هذا القول أرجح من الأول ، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى ( أو
لمستم النساء) واللمس حقيقته المس باليد ، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز ، والأصل حمل
الكلام على حقيقته . وأما القراءة الثانية وهي قوله ( أو لامستم ) فهو مفاعلة من اللمس ،
وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً ، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً ، لئلا يقع التناقض بين
المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال : المراد باللمس الجماع . بأن لفظ اللمس والمس
وردا في القرآن بمعنى الجماع ، قال تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) وقال في آية
الظهار ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) وعن ابن عباس أنه قال : إن الله حي كريم يعف
ويكني ، فعبر عن المباشرة بالملامسة . وأيضاً الحدث نوعان : الأصغر ، وهو المراد بقوله
(أوجاء أحد منكم من الغائط) فلو حملنا قوله ( أو لا مستم النساء ) على الحدث الأصغر لما بقى
للحدث الأكبر ذكر في الآية ، فوجب حمله على الحدث الأكبر .
واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، فوجب أن لا يجوز . وأيضاً
فحكم الجنابة تقدم في قوله ( ولا جنباً) فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار .
المسألة الثالثة ﴾ قال أهل الظاهر : إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله ( أو
لامستم النساء ) أما الملموس فلا . وقال الشافعي رضي الله عنه: بل ينتقض وضوءهما معاً.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال ( فلم تجدوا ماء ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم
يجده وتيمم وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى . وقال أبو
حنيفة رضي الله عنه لا يجب . حجة الشافعي قوله ( فلم تجدوا ماء ) وعدم الوجدان مشعر
بسبق الطلب ، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب .
فان قيل : قولنا : وجد ، لا يشعر بسبق الطلب ، بدليل قوله تعالى ( ووجدك ضالا
فهدی ووجدك عائلا فأغنى ) وقوله ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) وقوله ( ولم نجد له عزما )
فإن الطلب على الله محال .
قلنا : الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا، إلا أنه لما أخرج محمداًبية ، من بين قومه
بما لم يكن لائقاً لقومه صار ذلك كأنه طلبه ، ولما أمر المكلفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها
صار كأنه طلب شيئاً ثم لم يجده ، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من

١١٧
سورة النِّساء
قوله تعالى ((فتيمموا صعيدا طيباً)) الآية
الوجه الذي ذكرناه .
﴿ المسألة الثانية) أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان
محترم جاز له التيمم ، أما اذا وجد من الماء ما لا يكفيه للوضوء ، فهل يجب عليه أن يجمع بين
استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم ؟ قد أوجبه الشافعي رضي الله عنه ، متمسكاً بظاهر
لفظ الآية .
ثم قال تعالى ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ التيمم في اللغة عبارة عن القصد ، يقال : أمته وتيممته وتأممته ،
أى قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد ، قال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ، تراباً
كان أو غيره .
المسألة الثانية ﴾ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو فرضنا صخراً لاتراب عليه فضرب
المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً . وقال الشافعي رضي الله عنه : بل لا بد من تراب
يلتصق بيده . احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال : التيمم هو القصد ، والصعيد هو ما
تصاعد من الأرض ، فقوله ( فتيمموا صعيداً طيباً ) أي أقصدوا أرضاً ، فوجب أن يكون هذا
القدر كافياً . وأما الشافعي فانه احتج بوجهين الأول : أن هذه الآية ههنا مطلقة ، ولكنها في
سورة المائدة مقيدة ، وهي قوله سبحانه ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وكلمة (( من ))
للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه. فان قيل: إن كلمة ((من )) لابتداء
الغاية ، قال صاحب الكشاف : لا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من
الدهن ومن الماء ومن التراب : إلا معنى التبعيض ، ثم قال : والأذعان للحق أحق من
المراء . الثاني : ما ذكره الواحدي رحمه الله ، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد
طيباً ، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله ( والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه ) فوجب
في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة ، فكان قوله ( فتيمموا صعيداً طيباً ) أمراً بالتيمم بالتراب
فقط، وظاهر الأمر للوجوب . الثالث: أن قوله ( صعيداً طيباً) أمر بإيقاع التيمم بالصعيد
الطيب ، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها ، ولا شك أن التيمم بهذا التراب
جائز بالأجماع ، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الأحتياط ، لا سيما وقد خصص
النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة، فقال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وترابها
طهوراً)) وقال ((التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء)).
المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) محمول عند كثير من

١١٨
قوله تعالى ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)) الآية سورة النساء
أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا مِنَ أُلْكِتَبٍ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُواْ
الَِّيلَ ﴿ وَالله أَعْلَمُ بِأَعْدَآَ بُكُمْ وَكَفَى ◌ِلّهِ وَلَّا وَكَفَى بِلِّ نَصِيراً
٤٥
المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين ، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين ،
وحجتهم أن أسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الأبطين ، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة
الأجماع، فبقى اللفظ متناولاً للباقى. ثم ختم تعالى الآية بقوله : ( إن الله كان عفواً غفوراً) وهو
كناية عن الترخيص، والتيسير، لأن من كان من عادته أنه يعفو عن المذنبين ، فبأن يرخص
للعاجزين كان أولى .
قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن
تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف
والأحكام الشرعية ، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية ، وذكر أحوال اعداء الدين وأقاصيص
المتقدمين ، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر ، فأما الأنتقال
من نوع من العلوم إلى نوع آخر ، فأنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (ألم تر) معناه: ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، وقد ذكرنا ما فيه
عند قوله ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ) وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية ،
فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم .
المسألة الثانية ﴾ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب : هم اليهود ، ويدل عليه وجوه :
الأول : أن قوله بعد هذه الآية ( من الذين هادوا ) متعلق بهذه الآية . الثاني : روى ابن
عباس ان هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود ، كانا يأتيان رأس المنافقين عبدالله بن
أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإِسلام . الثالث : أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة
النصارى بنص القرآن ، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لم يقل تعالى: أنهم أوتوا علم الكتاب، بل قال ( أوتوا نصيباً من
الكتاب) لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام، ولم يعرفوا منها نبوة محمد محلية ، فأما
الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ،

١١٩
قوله تعالى ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)) الآية سورة النِّساء
فقال : ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) والله اعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم انه تعالى وصفهم بأمرين: الضلال والإضلال، أما الضلال
فهو قوله ( يشترون الضلالة ) وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يؤثرون تكذيب الرسول
عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة ، وإنما ذكر ذلك بلفظ
الإشتراء لأن من اشترى شيئاً آثره . الثاني : أن في الآية إضماراً، وتأويله : يشترون الضلالة
بالهدى كقوله : ( اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي يستبدلون الضلالة بالهدى ، ولا
إضمار على قول الزجاج الثالث : المراد بهذه الآية عوام اليهود ، فانهم كانوا يعطون أحبارهم
بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها ، فكانوا جارين مجرى من
يشتري بما له الشبهة والضلالة ، ولا إضمار على هذا التأويل أيضاً، ولكن الأولى أن تكون
الآية نازلة في علمائهم ، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال :
( ويريدون ان تضلوا السبيل ) يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم ،
لكي يخرجوا عن الإسلام .
واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعنى الضلال
والإضلال ،
ثم قال تعالى ﴿ والله اعلم بأعدائكم ﴾ أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في قلوبهم
وصدورهم من العداوة والبغضاء .
ثم قال تعالى ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيراً) والمعنى أنه تعالى لما بين شدة عداوتهم
للمسلمين ، بين أن الله تعالى ولي المسلمين وناصرهم ، ومن كان الله وليا له وناصراً له لم تضره
عداوة الخلق ، وفى الآية سؤالات :
السؤال الأول﴾ ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته له ، فذكر النصير بعد ذكر الولي
تكرار .
والجواب : أن الولى المتصرف في الشيء والمتصرف في الشيء لا يجب أن يكون ناصراً له
فزال التكرار .
﴿ السؤال الثاني﴾ لم لم يقل: وكفى بالله وليا ونصيراً؟ وما الفائدة في تكرير قوله
( وكفى بالله )
والجواب : أن التكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة .
٠٠

١٢٠
قوله تعالى ((من الذين هادوا يحرفون الكلم )) الآية
سورة النِّساء
مِن الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
وَرَِنَالَّا بِأْلِهِمْ وَطَعْنَا فِ الَّذِينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ
٤٠٠ ٠٠٠٠٠١٠٠١٤
خَيْرُ هُمْ وَأَقْوَمَ وَلَنْكِن لَّعَنَهُمُ اللّه ◌ِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّ قَلِلًا
السؤال الثالث﴾ ما فائدة الباء في قوله (وكفى بالله ولياً).
والجواب : ذكروا وجوها ، الأول : لو قيل : كفى الله ، كان يتصل الفعل بالفاعل.
ثم ههنا زيدت الباء إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في الرتبة وعظم المنزلة .
الثاني : قال ابن السراج : تقدير الكلام : كفى اكتفاؤك بالله ولياً، ولما ذكرت (( كفى )) دل على
الأكتفاء ، لأنه من لفظه ، كما تقول : من كذب كان شراً له ، أي كان الكذب شراً له ،
فأضمرته لدلالة الفعل عليه . الثالث : يخطر ببالي أن الباء في الأصل للإلصاق ، وذلك إنما
يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير ، ولو قيل : كفى الله ، دل ذلك على كونه تعالى
فاعلاً لهذه الكفاية ، ولكن لا يدل ذلك على أنه تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة ، فاذا
ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل بغير واسطة ، بل هو تعالى يتكفل بتحصيل هذا المطلوب
ابتداء من غير واسطة أحد ، كما قال ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) .
قوله تعالى ﴿ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع
غير مسمع وراعناً لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان
خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً﴾ .
إعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي
أمور : أحدها : أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في متعلق قوله ( من الذين) وجوه: الأول: أن يكون بياناً
الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، والتقدير : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من
الذين هادوا، والثاني : أن يتعلق بقوله (نصيراً) والتقدير : وكفى بالله نصيراً من الذين
هادوا ، وهو كقوله ( ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ) الثالث : أن يكون خبر مبتدا