Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
قوله تعالى (( فان لم يكن له ولد وورثه ابواه فلامه )) الآية سورة النِّساء
هذه الصورة وجب أن يكون الأب إذا انفرد أن يأخذ كل المال ، لأن خاصية العصبة هو أن
يأخذ الكل عند الانفراد ، هذا كله إذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين ، أما إذا ورثه
أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة إلى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي
إلى الأم ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال ابن عباس : يدفع إلى الزوج نصيبه ، وإلى الأم
الثلث ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال : لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي ، وعن ابن سيرين
أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين ، وخالفه في الزوج والأبوين ، لأنه يفضي إلى أن
يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وأما في الزوجة فإنه لا يفضي إلى ذلك ، وحجة الجمهور
وجوه : الأول ؛ أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل
حظ الأنثيين ، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر
مثل حظ الأنثيين ) وأيضاً الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى ( وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء
فللذكر مثل حظ الأنثيين ) وأيضاً الأم مع الأب كذلك ، لأننا بينا أنه إذا كان لا وارث غيرهما
فللأم الثلث ، وللأب الثلثان ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى
الباقي بين الأبوين أثلاثاً، للذكر مثل حظ الأنثيين . الثاني : أن الأبوين يشبهان شريكين
بينهما مال ، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول ،
الثالث : أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة ، فأشبه الوصية في
قسمة الباقي، الرابع أن المرأة إذا خلفت زوجاً وأبوين فللزوج النصف، فلو دفعنا الثلث إلى
الأم والسدس إلى الأب لزم أن یکون للأنثى مثل حظ الذکرین، وهذا خلاف قوله (للذكر مثل
حظ الأنثيين).
واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول : يرجع حاصلها إلى تخصيص عموم القرآن بالقياس .
﴿ وأما الوجه الرابع ﴾ فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني.
المسألة الثانية﴾ قرأ حمزة والكسائي ( فلأمه ) بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز
هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفاً مكسوراً أو ياء .
أما الأول﴾ فكقوله ( في بطون أمهاتكم) .
﴿ وأما الثاني﴾ فكقوله (في أمها رسولاً) وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم
كقوله ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) وأما الباقون فإنهم قرؤا بضم الهمزة ، أما وجه من قرأ
بالكسرقال الزجاج : إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله ( فلأمه ) وذلك لأن اللام لشدة
اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة ، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم

٢٢٢
قوله تعالى ((فان كان له اخوة فلامة السدس)) الآية
سورة النِّساء
فَإِن كَانَ لَهُ ◌َ إِخْوَةٌ فَلِأَمِّهِ السُّدُسُ
+
العين ، فلا جرم جعلت الضمة كسرة ، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على
الأصل ، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللام في حكم المنفصل والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ .
اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الاخوة ،
والأخوات وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى
السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون من الصحابة
على القول باثبات الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا يحجبان كما في حق الواحدة ،
حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الأخوة ، ولفظ الأخوة جمع
وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فإذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط
الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب . روى أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الأخوان
يردان الام من الثلث إلى السدس ؟ وإنما قال الله تعالى (فإن كان له إخوة ) والأخوان في لسان
قومك ليسا بإخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في
الأمصار .
واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع
عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء اللسان ، فكان اتفاقهما
حجة في ذلك .
واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : الأول : أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي
أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه ، واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى ( فقد صغت
قلوبكما ) ولا يكون للانسان الواحد أكثر من قلب واحد ، وثانيها : قوله تعالى (فإن كن نساء
فوق اثنتين ) والتقييد بقوله فوق اثنتين إنما يحسن لوكان لفظ النساء صالحاً للثنتين ، وثالثها :
قوله ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) والقائلون بهذا المذهب، زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب
الحجب بالأخوين ، إلا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا
التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره
أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضاً ، إنما

٢٢٣
قوله تعالى ((من بعد وصية يوصي بها اودين)) الآية سورة النِّساء
مِن بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ
قلنا إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في
باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضاً نصيب الأختين
من الام ونصيب الثلاثة هو الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما
أنه حصل بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ، وإذا ثبت ذلك في الأختين لزم
ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ، وفيه
إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى ، فيكون ذلك مجرد
تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به على طريقة القياس ، بل على طريقة
الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم ، واعلم
أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس . والأصح في أصول الفقه أن
الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ الإخوة إذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا يرثون شيئاً
البتة، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس، سدس بالفرض، والباقي بالتعصيب،
وقال ابن عباس: الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فلأب، وحجته
الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكاً للأبوين، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى
إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يلزم من كونه حاجباً كونه وارثاً، فوجب أن
يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين، كما كان قبل ذلك والله أعلم .
فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾.
إعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين ، قال (من بعد وصية
يوصي بها أودين ) أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين ، وذلك
لأن أول ما يخرج من التركة الدين ، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة
فيه حق ، فأما إذا لم يكن دين ، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فإن أوصى الميت

٢٢٤
قوله تعالى ((من بعد وصية يوصي بها اودين )) الآية سورة النساء
بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله .
المسألة الثانية﴾ روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إنكم لتقرؤن
الوصية قبل الدين ، وإن الرسول مثل﴿ قضى بالدين قبل الوصية .
واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ ، وليس مراده أن الآية
تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة ((أو)) لا تفيد الترتيب البتة .
واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين : الأول : أن
الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان اخراجها شاقاً على الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط
بخلاف الدين ، فإن نفوس الورث مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على
ذكر الدين في اللفظ بعثاً على أدائها وترغيباً في إخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة
((أو)) على الوصية والدين، تنبيهاً على أنهما في وجوب الاخراج على السوية. الثاني : أن
سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث
ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر
الوصية ، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبره بعد الدين ، بل فرق بين
الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في
أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث ، وليس كذلك الدين ، فإنه لو هلك
من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة
جميعاً ، فالوصية تشبه الأرث من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا
أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث ، وأما
مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول: ما معنى ((أو)) ههنا وهلا قيل: من بعد وصية
يوصي بها ودين، والجواب من وجهين: الأول: أن ((أو)) معناها الإباحة كما لو قال قائل :
جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس ، فإن جالست الحسن
فأنت مصيب ، أو ابن سيرين ، فأنت مصيب ، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال :
جالس الرجلين فجالست واحداً منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو
قال : من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ،
أما إذا ذكره بلفظ ((أو)) كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان

قوله تعالى ((آباؤكم وابناؤكم لا تدرون ايهم اقرب لكم)) الآية سورة النساء ٢٢٥
ءَا ؤُكُمْ وَأَبْنَا ؤُكُمْ لَا تَدَرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللهَ
كَانَ عَلِيمًا حَكِيمَا ليه
كلاهما . الثاني أن كلمة ((أو)) إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله (ولا تطع
منهم آثماً أو كفوراً!) وقوله ( حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما
اختلط بعظم) فكانت ((أو)) ههنا بمعنى الواو، فكذا قوله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو
دين ) لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد
بعدهما جميعاً .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم (يوصي) بفتح الصاد
على ما لم يسم فاعله . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى
وهو الاختيار بدليل قوله تعالى ( مما ترك إن كان له ولد) .
قوله تعالى ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله ان الله كان علياً
حكماً ﴾ .
اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله ( فريضة من الله )
ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكداً ما اعترض بينه ومناسبه ، فنقول : إنه تعالى لما
ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى
كمية تلك التقديرات ، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه
كانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه ، وأنهم
كانوا يورثون الرجال الأقوياء ، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء ، فالله تعالى
أزال هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في
شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة ،
وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الامور وعواقبها ، فكأنه قيل : أيها الناس
اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه
التقديرات التي قدرها لكم . فقوله ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ) إشارة
إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة ، وقوله ( فريضة من الله ) إشارة إلى
وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها ، وذكروا في المراد من قوله (أيهم
الفخر الرازي ج٩ ١٥٢

٢٢٦
قوله تعالى (( ولكم نصف ما ترك ازواجكم )) الآية
سورة النّساء
وَلَكُرْ نِصْفُ مَاتَكَ أَزْ وَجُكُمْ إِن نَّْ يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرَّبُعُ مِمَّاً
تَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَاَ أَوْ دَبٍ وَهُنَّ الْبُ مَِّا تَحِكُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ
لَّكُمْ وَلَهُ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَهُ فَلَهُنَّ الْمُنُ مَِّّا تَرَكْثُم مِّنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا
أَوْ دَيْنِ
أقرب لكم نفعاً) وجوها : الأول : المراد أقرب لكم نفعاً في الآخرة ، قال ابن عباس : إن الله
ليشفع بعضهم في بعض ، فأطوعكم الله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة ،
وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه ، وإن
كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ، فقال ( لا تدرون أيهم أقرب لكم
نفعاً) لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك. الثاني : المراد كيفية
انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه
والثالث : المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد .
قوله تعالى ﴿ فريضة من الله﴾ هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضاً
إن الله كان عليماً حكيماً ، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل إليها
طباعكم ، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح
والمفاسد ، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن ، ومتى كان الأمر كذلك كانت
قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها ، وهذا نظير قوله للملائكة ( إني أعلم ما
لا تعلمون ) .
فإن قيل : لم قال ( كان عليماً حكيماً) مع أنه الآن كذلك .
قلنا : قال الخليل : الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال ، لأنه تعالى
منزه عن الدخول تحت الزمان ، وقال سيبويه: القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلاً وإحساناً
تعجبوا ، فقيل لهم : إن الله كان كذلك ، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات .
قوله تعالى ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع
مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم
ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾ .

٢٢٧
سورة النِّساء
قوله تعالى ((ولكم نصف ما ترك ازواجكم )) الآية
اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات ، وذلك لأن الوارث
إما أن يكون متصلاً بالميت بغير واسطة أو بواسطة ، فإن اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال
إما أن يكون هو النسب أو الزوجية ، فحصل ههنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل
ابتداء من جهة النسب ، وذلك هو قرابة الولاد ، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم
هذا القسم . وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية ، وهذا القسم متأخر في الشرف
عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي ، والذاتي أشرف من العرضي ، وهذا القسم
هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها . وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو
المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد
والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وثانيها: أن القسمين الأولين
ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء
أشرف من الثابت بواسطة، وثالثها: أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة
أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة. وكثرة المخالطة مظنة الألفة والشفقة، وذلك يوجب شدة
الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن
ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الانثيين
كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين ، واعلم أن الواحد والجماعة سواء
في الربع والثمن ، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من
الربع إلى الثمن ، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والأنثى ولا فرق بين الابن وبين ابن
الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الشافعي رحمه الله: يجوز للزوج غسل زوجته ، وقال ابه
حنيفة رضي الله عنه لا يجوز . حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها . بيان
أنها زوجته قوله تعالى ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم) سماها زوجة حال ما أثبت للزوج
نصف مالها عند موتها ، وإنما ثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، فوجب أن تكون زوجة له
بعد موتها ، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها ،
وعند حصول الزوجية حل له غسلها ، والدوران دليل العلية ظاهراً . وحجة أبي حنيفة أنها
ليست زوجته ولا يحل له غسلها : بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت
وطؤها لقوله (إلا على أزواجهم) وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل، لأنه لو ثبت

٢٢٨
قوله تعالى ((وان كان رجل يورث كلالة او امرأة)) الآية سورة النِّساء
وَ إِن كَانَ رَجُلٌ يُورَتُ كَلَةٌ أَوِ آمْرَأَةٌ وَلَهُ رَأْخُ أَوْ أَنْتُ فَلِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّهُسُ
فَإِنْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَهُ فِ الْلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوَصَى بِهَآ أَو دَبْنٍ
غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةُ مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (3ـ
أثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام ((غض بصرك إلا عن زوجتك)) أو بدون
حل النظر وهو باطل بالإجماع .
والجواب : لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول: لولم
تكن زوجة لكان قوله ( نصف ما ترك أزواجكم ) مجازاً ، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها
لزم التخصيص ، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى ، فكان الترجيح من جانبنا ،
وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض
والنفاس ومثل نهار رمضان ، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض ، وعند
كونها في العدة عن الوطء بالشبهة ، وأيضاً فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف
الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة ، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح ، فعاد إلى أصل
الخامة ، أما حل الغسل فإن ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر
الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة ، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل
المغايبة ، وأيضاً خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات ، وذكر النساء فيها على سبيل
الغيبة أقل من ذلك ، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء ، وما أحسن ما راعى هذه
الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب ، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم
عليهن .
قوله تعالى ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس
فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله
والله عليم حليم ﴾ .
اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم

٢٢٩
سورة النّساء
قوله تعالى ((وان كان رجل يورث كلالة )) الآية
الذين ينسبون إلى الميت بواسطة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة ، واختيار أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد ، وهذا هو المختار والقول الصحيح ،
وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يقول : الكلالة من سوى الولد ، وروى أنه لما طعن قال :
كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له ، وأنا أستحي أن أخالف أبا بكر ، الكلالة من عدا
الوالد والولد . وعن عمر فيه رواية أخرى : وهي التوقف ، وكان يقول : ثلاثة ، لأن يكون
بينها الرسول ◌َ ل# لنا أحب إلى من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والخلافة ، والربا . والذي يدل
على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه : الأول : التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه
وجوه : الأول : يقال : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة ، وحمل فلان على
فلان ، ثم كل عنه إذا تباعد . فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه . الثاني :
يقال : كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته ، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من
القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة ، وذلك لأنا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير
فيكون فيها ضعف ، وبهذا يظهر أنه يبعد أدخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت
بغير واسطة . الثالث : الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الاحاطة ، ومنه الاكليل لاحاطته
بالرأس ، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه ، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطاً بالجوانب ،
إذا عرفت هذا فنقول : من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة ، لأنه كالدائرة المحيطة
بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه : أما قرابة الولادة فليست كذلك فإن فيها يتفرع البعض عن
البعض : ويتولد البعض من البعض ، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد ، ولهذا قال
الشاعر :
کالرمح أنبوباً على أنبوب
نسب تتابع کابراً عن كابر
فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة ، وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات ، فإنما
يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب إليه ، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة
عمن عدا الوالدين والولد .
الحجة الثانية ) أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين ، في هذه السورة :
أحدهما في هذه الآية ، والثاني في آخر السورة وهو قوله ( قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ
هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ) واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن
الكلالة من لا ولد له فقط، قال : لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة : هو أنه ليس له ولد ،

٢٣٠
قوله تعالى (( وان کان رجل یورث كلالة او)) الآية
سورة النِّساء
إلا أنا نقول : هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد. وذلك لأن الله تعالى
حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة ، ولا شك أن الأخوة والأخوات لا
يرثون حال وجود الأبوين، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين .
الحجة الثالثة﴾ إنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها
بذكر الكلالة ، وهذا الترتيب يقتضى أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد .
الحجة الرابعة ﴾ قول الفرزدق :
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة ، ودل على أنهم ورثوها عن
آبائهم ، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلاً في الكلالة والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ الكلالة قد تجعل وصفاً للوارث وللمورث، فإذا جعلناها وصفاً
للوارث فالمراد من سوى الاولاد والوالدين ، وإذا جعلناها وصفاً للمورث ، فالمراد الذي يرثه
من سوى الوالدين والأولاد ، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى
جابر قال : مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي ◌َّ فقلت: يا رسول الله إني
رجل لا يرثني إلا كلالة ، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد ، وأما أنه مستعمل في المورث
فالبيت الذي رويناه عن الفرزدق ، فإن معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام ، بل عن الآباء
فسمي العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث . إذا عرفت هذا فنقول : المراد من الكلالة في
هذه الآية الميت ، الذي لا يخلف الوالدين والولد ، لأن هذا الوصف إنما كان معتبراً في الميت
الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسبب أن له ولداً أو والداً أم لا .
المسألة الثالثة ﴾ يقال رجل كلالة؛، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع
لأنه مصدر كالدلالة والوكالة .
إذا عرفت هذا فنقول : إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة ، كما
يقول : فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي ، قال صاحب الكشاف : ويجوز أن يكون
صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله (يورث) فيه احتمالان: الأول: أن يكون ذلك مأخوذاً من
ورثه الرجل يرثه ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه ، وفي انتصاب كلالة
وجوه : أحدها : النصب على لحال ، والتقدير : يورث حال كونه كلالة ، والكلالة مصدر
٠

٢٣١
سورة النّساء
قوله تعالى (( وله اخ او اخت فلكل واحد منهما.)) الآية
موقع الحال تقديره : يورث متكلل النسب ، وثانيها : أن يكون قوله ( يورث) صفة لرجل ،
و ( كلالة ) خبر كان ، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة ، وثالثها : أن يكون مفعولا
له ، أي یورث لأجل كونه كلالة .
الاحتمال الثاني ﴾ في قوله ( يورث ) أن يكون ذلك مأخوذاً من أورث يورث ، وعلی
هذا التقدير يكون الرجل هو الوارث ، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضاً يكون على
الوجوه المذكورة .
المسألة الخامسة ﴾ قرأ الحسن ، وأبو رجاء العطاردي : يورث ويورث بالتخفيف
والتشديد على الفاعل .
أما قوله تعالى ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ههنا سؤال : وهو أنه تعالى قال ( وإن کان رجل يورث كلالة أو
امرأة ) ثم قال ( وله أخ ) فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه ؟
والجواب قال الفراء : هذا جائز فإنه إذا جاء حرفان في معنى واحد (( بأو )) جاز إسناد
التفسير إلى أيهما أريد ، ويجوز إسناده إليهما أيضاً، تقول : من كان له أخ أو أخت
فليصله ، يذهب إلى الأخ ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ، وإن قلت فليصلهما جاز أيضاً .
﴿المسألة الثانية﴾ أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت
من الأم ، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ : وله أخ أو أخت من أم ، وإنما حكموا بذلك لأنه
تعالى قال في آخر السورة ( قل الله يفتيكم في الكلالة ) فأثبت للأختين الثلثين ، للأخوة) كل
المال ، وههنا أثبت للأخوة والأخوات الثلث ، فوجب أن يكون المراد من الأخوة والأخوات
ههنا غير الأخوة والأخوات في تلك الآية ، فالمرادههنا الاخوة والأخوات من الام فقط ، وهناك
الأخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب .
ثم قال تعالى ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبين أن نصيبهم كيفما
كانوا لا يزداد على الثلث .
ثم قال تعالى ﴿ من وبعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضى جواز الوصية بكل المال وبأي بعض
أريد، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله له

٢٣٢
قوله تعالى ( من بعد وصية يوصي بها اودين )) الآية
· سورة النِّساء
« ما حق امرىء مسلم له مال یوصي به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده )» فهذا
الحديث أيضاً يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد ، إلا أنا نقول : هذه العمومات
مخصوصة من وجهين : الأول : في قدر الوصية ، فإنه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن
والسنة ، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملاً ومفصلاً ، أما المجمل فقوله تعالى
( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا
النص ، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) ويدل عليه أيضاً
قوله تعالى ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ) وأما السنة فهي
الحديث المشهور في هذا الباب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام ((الثلث والثلث كثير إنك ان
تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس )) .
واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام : أحدها : أن الوصية غير جائزة في أكثر من
الثلث ، وثانيها: أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله ((والثلث كثير)) وثالثها: أنه إذا ترك
القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصى بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام (إن
تترك ورثتك أغنياء خيرمن أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) ورابعها : فيه دلالة على جواز
الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب
الجواز .
الوجه الثاني﴾ تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز
الوصية لوارث، قال عليه الصلاة والسلام ((ألا لا وصية لوارث)).
المسألة الثانية﴾ قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب
إخراجها من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب . حجة الشافعي : أن الزكاة
الواجبة والحج الواجب دين فيجب اخراجه بهذه الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل
عليه ، والشرع أيضاً يدل عليه ، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد ،
قيل في الدعوات المشهورة : يا من دانت له الرقاب ، أى انقادت ، وأما الشرع فلأنه روى
أن الخثعمية لما سألت الرسول ويل عن الحج الذي كان على أبيها، فقال عليه الصلاة والسلام
(( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزىء ؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة
والسلام فدين الله أحق أن يقضي)) إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى ( من
بعد وصية يوصي بها أودين ) قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي
وَل* سمى الحج ديناً لله، والاسم المطلق لا يتناول المقيد .
قلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم
١

٢٣٣
سورة النساء
قوله تعالى ((غير مضار وصية من الله)) الآية
على الميراث لزم المقصود لا محالة ، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا
المطلوب والله أعلم .
المسألة الثالثة﴾) اعلم أن قوله تعالى ( غير مضار) نصب على الحال، أي يوصي بها
وهو غير مضار لورثته .
واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه : أحدها : أن يوصي بأكثر من الثلث .
وثانيها : أن يقر بكل ما له أو ببعضه لأجنبي . وثالثها : أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعاً
للميراث عن الورثة . ورابعها : أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل
إليه . وخامسها : أن يبيع شيئاً بثمن بخس أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا
يصل المال إلى الورثة وسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق
الورثة، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية .
واعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصي بأقل من الثلث ، قال علي : لأن أوصى بالخمس
أحب إلى من الربع . ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث . وقال النخعي : قبض
رسول الله وَل﴿ ولم يوص، وقبض أبو بكر فوصى، فإن أوصى الانسان فحسن، وإن لم يوص
فحسن أيضاً .
واعلم أن الأولى بالإِنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل وصيته بحسب
ذلك فإن كان ماله قليلاً وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال
وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم.
المسألة الرابعة ) روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الاضرار في الوصية من
الكبائر . واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى (تلك
حدود الله ومن يطع الله ورسوله ) قال ابن عباس في الوصية ( ومن يعص الله ورسوله ) قال في
الوصية، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر ((الإضرار في
الوصية من الكبائر)) وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َله((إن الرجل
ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصية ختم له بشر عمله فيدخل النار وان الرجل
ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة )) وقال
عليه الصلاة والسلام ((من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة )) ومعلوم أن الزيادة في
الوصية قطع من الميراث ، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على

٢٣٤
قوله تعالى ((تلك حدود الله)) الآية
سورة النِّساء
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخَيْهَا الْأُنْهَُ
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتْعَدْ حدوده.
١٣
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ( ١٨)
جراءة شديدة على الله تعالى ، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه ، وذلك من أكبر الكبائر .
ثم قال تعالى ( وصية من الله ) وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول ﴾ كيف انتصاب قوله ( وصية ).
والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية ،
كقوله ( فريضة من الله ) الثاني : أن تكون منصوبة بقوله ( غير مضار ) أي لا تضار وصية الله
في أن الوصية يجب أن لا تزاد على الثلث . الثالث : أن يكون التقدير : وصية من الله بالأولاد
وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية ، وينصر هذا الوجه قراءة
الحسن : غير مضار وصية بالاضافة .
﴿ السؤال الثاني﴾ لم جعل خاتمة الآية الأولى (فريضة من الله) وخاتمة هذه الآية
( وصية من الله ) .
الجواب : إن لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية ، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر
الفريضة ، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل ، وإن كان واجب
الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى ، ثم قال ( والله عليم حليم ) أي
عليم بمن جار أو عدل في وصيته ( حليم ) على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله
عذاب مهين ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيباً في

٢٣٥
قوله تعالى ((تلك حدود الله)) الآية
سورة النِّساء
الطاعة وترهيباً عن المعصية فقال ( تلك حدود الله ) وفيه بحثان :
البحث الأول﴾ أن قوله (تلك) إشارة إلى ماذا؟ فيه قولان: الأول : أنه إشارة إلى
أحوال المواريث .
القول الثاني ﴾ أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة الى ههنا من بيان أموال
الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ، حجة القول أن الضمير يعود إلى
أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد
مانغ يوجب عوده إلى الكل .
البحث الثاني ﴾ أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد الشيء
طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً
له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره هو كل ما سواه .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال بعضهم: قوله (ومن يطع الله ورسوله) وقوله (ومن يعص الله
ورسوله ) مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة ، وقال
المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل .
أقصى ما في الباب أن هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي
تخصيص العموم ، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم
يقول : احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون ومقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا
ههنا والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ نافع وابن عامر ( ندخله جنات. ندخله ناراً) بالنون في
الحرفين ، والباقون بالياء .
أما الأول ﴾ فعلى طريقة الالتفات كما في قوله ( بل الله مولاكم) ثم قال (سنلقي)
بالنون .
﴿ وأما الثاني ﴾ فوجهه ظاهر .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ههنا سؤال وهو أن قوله (يدخله جنات) إنما يليق بالواحد ثم قوله
بعد ذلك ( خالدين فيها ) إنما يليق بالجمع فكيف بالتوفيق بينهما ؟
الجواب : أن كلمة ( من) في قوله ( ومن يطع الله ) مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا

٢٣٦
قوله تعالى (( تلك حدود الله)) الآية
سورة انّاء
صح الوجهان .
﴿ المسألة الخامسة﴾ انتصب ((خالدين)) و((خالداً)) على الحال من الهاء في ((ندخله))
والتقدير : ندخله خالداً في النار .
المسألة السادسة ) قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون
مخلدين في النار ، وذلك لأن قوله ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ) إما أن يكون
مخصوصاً بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك
وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن
تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ،
وعلى أن الوعيد مخلد . ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله ، وذلك لا يتحقق
إلا في حق الكافر ، فإنه هو الذي تعدى جميع حدود الله . فأنا نقول : هذا مدفوع من
وجهين : أنا لو حملنا هذه الآية على تعدى جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله
تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية ، فتعدى جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه
النواهي . ، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معاً وذلك محال ، فثبت
أن تعدي جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ،
فعلمنا أن المراد منه أي حد كان من حدود الله . الثاني : هو أن هذه الآية مذكورة عقيب
آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله ( ويتعد حدوده) تعدى حدود الله في الأمور
المذكورة في هذه الآيات ، وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال . هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد
ذكرنا هذه المسألة على سبيل الأستقصاء في سورة البقرة . ولا بأس بأن نعيد طرفاً منها في هذا
الموضع فنقول : أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه إذا
حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد ، فكذا يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العفو ، فإن بتقدير قيام
الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل
الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول : هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان :
الأول : انا إذا قلنا لكم : ما الدليل على أن كلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم :
الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه والأستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، فنقول :
إن صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله ( ومن يعص الله ورسوله مختص بالكافر: لأن جميع
المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال : ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر ، والا في
الفسق ، وحكم الأستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فهذا يقتضى أن قوله ( ومن يعص الله ) في
جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر ، وقوله : الأتيان بجميع

قوله تعالى ((واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم)) الآية سورة النِّساء ٢٣٧
وَالَّتِى يَأْتِنَ الْفَِشَةَ مِنْ نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُرْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأْسِكُوهُنَّ فِ الُْيُوتِ حَتَّى يَوَقَُّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُلَهُنَّ سَبِلًا
المعاصي محال لأن الأتيان باليهودية والنصرانية معاً محال ، فنقول : ظاهر اللفظ يقتضى العموم
إلا إذا قام مخصص عقلى أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوى ما ذكرناه .
الوجه الثاني ﴾ في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر : أن قوله (ومن يعص الله
ورسوله ) يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب ، وقوله : ( ويتعد حدوده) لو كان المراد منه عين
ذلك للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل ، فوجب حمله على الكفر ، وقوله : بأنا نحمل هذه
الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث .
قلنا : هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام ، لأن التعدي في
حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه
يتركها ، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب ، فيكون هذا هو
الغاية في تعدي الحدود ، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله ، وإلا لزم
وقوع التكرار كما ذكرناه ، فعلمنا ان هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في
هذه الآية من قسمة المواريث ، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث ، وأما بقية الأسئلة فقد
تقدم ذكرها في سورة البقرة والله أعلم .
قوله تعالى : ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان
شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالأحسان الى النساء ومعاشرتهن
بالجميل ، وما يتصل بهذا الباب ، ضم الى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة ، فان
ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن ، وأيضاً ففيه فائدة أخرى : وهو أن لا
يجعل أمر الله الرجال بالأحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن ، فيصير ذلك سببا
لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك ، وأيضاً فيه فائدة ثالثة ، وهي بيان أن الله تعالى كما
يستوفى لخلقه فكذلك يستوفى عليهم ، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة ،

٢٣٨
قوله تعالى (( واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم )) الآية
سورة النِّساء
وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الأفراط والتفريط ، فقال :
( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اللاتي: جمع التي، وللعرب في جمع ((التي)) لغات: اللاتي
واللات واللواتي واللوات . قال أبو بكر الأنباري : العرب تقول في الجمع من غير الحيوان :
التي ، ومن الحيوان : اللاتي ، كقوله ( أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) وقال في هذه :
اللاتي واللائي ، والفرق هو ان الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ، وأما جمع
الحيوان فليس كذلك ، بل كل واحدة منهاغيرمتميزة عن غيرها بخواص وصفات ، فهذا هو
الفرق ، ومن العرب من يسوى بين البابين ، فيقول : ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا ،
وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا ، والأول هو المختار .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( يأتين الفاحشة) أي يفعلنها يقال: أتيت أمراً قبيحاً، أي
فعلته قال تعالى ( لقد جئت شيئاً فرياً) وقال : (لقد جئتم شيئاً إدا ) وفي التعبير عن الأقدام
على الفواحش بهذه العبارة لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي ،
فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها ، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه ، واختارها
بمجرد طبعه ، فلهذه الفائدة يقال : إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها ، إلا أن هذه
الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة . وفي قراءة ابن مسعود : يأتين بالفاحشة ، وأما الفاحشة
فهي الفعلة القبيحة وعي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال فحش الرجل يفحش فحشا
وفاحشة ، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل . وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا
الزنا ، وإنما اطلق على الزنا أسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح .
فأن قيل : الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمى ذلك فاحشة .
قلنا : السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الأنسان ثلاثة ؛ القوة الناطقة ، والقوة
الغضبية والقوة الشهوانية ، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوة
الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما ، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما
أشبهها ، وأخس هذه القوى الثلاثة : القوة الشهوانية ، فلا جرم كان فسادها أخس انواع
الفساد ، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده .
المسألة الثالثة ﴾ في المراد بقوله ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) قولان :
الأول: المراد منه الزنا، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد
أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا ، فإذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى

٢٣٩
قوله تعالى ((واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم)) الآية سورة النِّساء
أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلاً ، وهذا قول جمهور المفسرين .
والقول الثاني﴾ وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد بقوله (واللاتي يأتين
الفاحشة) السحاقات ، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله ( واللذان يأتيانها منكم ) أهل
اللواط ، وحدهما الأذى بالقول والفعل ، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور : الزنا بين
الرجل والمرأة ، وحده في البكر الجلد ، وفي المحصن الرجم ، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه :
الأول : أن قوله ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) مخصوص بالنسوان ، وقوله ( واللذان
يأتيانها منكم ) مخصوص بالرجال ، لأن قوله ( واللذان ) تثنية الذكور .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ( واللذان ) الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ
المذكر .
قلنا : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل ، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله
( واللذان يأتيانها منكم) سقط هذا الاحتمال . الثاني : هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى
التزام النسخ في شيء من الآيات ، بل يكون حكم كل واحدة منها باقياً مقرراً ، وعلى التقدير
الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ ، فكان هذا القول أولى . والثالث : أن على الوجه الذي
ذكرتم يكون قوله ( واللاتي يأتين الفاحشة ) في الزنا وقوله ( واللذان يأتيانها منكم ) يكون
أيضاً في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى
الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى . الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في
الزنا فسروا قوله ( أويجعل الله لهن سبيلاً) بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه
الأشياء تكون عليهن لا لهن. قال تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) وأما نحن فأنا نفسر
ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح . ثم قال أبو مسلم ومما يدل على صحة ما
ذكرناه قوله ◌َّة ((إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان))
واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين
المتقدمين فكان باطلاً ، والثاني: أنه روى في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال (( قد
جعل الله لهن سبيلاً الثيب ترجم والبكر تجلد )) وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق
الزناة . الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه
الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل
على أن هذه الآية ليست في اللواطة .
والجواب عن الأول : أن هذا الاجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد ، وهو من

٢٤٠
قوله تعالى ((واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم)) الآية
سورة النساء
أكابر المفسرين ، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره
المتقدمون جائز ،
والجواب عن الثاني: أن هذا يقتضى نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز
والجواب عن الثالث : أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي ؟ وليس في
هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات ، فلهذا لم يرجعوا إليها .
﴿ المسألة الرابعة﴾ زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، وقال أبو مسلم :
إنها غير منسوخة ، أما المفسرون : فقد بنوا هذا على أصلهم ، وهو أن هذه الآية في بيان حكم
الزنا ،ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً
على قولين : فالأول أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت
أن النبي ◌َّ قال (( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر والثيب بالثيب
البكر تجلد وتنفي والثيب تجلد وترجم)) ثم إن هذا الحديث صار منسوخاً بقوله تعالى ( الزانية
والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ
بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي : لا ينسخ واحد منهما بالآخر .
والقول الثاني ﴾ أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجدد .
واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال : القول الأول أولى
لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله ((خذوا عني)) لما كان لقوله ((خذوا عني)) فائدة
فوجب أن يكون قوله ((خذوا عني)) متقدماً على آية الجلد ، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس
منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخاً بآية الجلد ، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد
واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين : الأول :
ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال : لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا
الحديث البتة ، وذلك لأن قوله تعالى ( فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله
لهن سبيلاً) يدل على أن امساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً وذلك
السبيل كان مجملاً، فلما قال ◌َّ ((خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى)) صار هذا
الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها وصار أيضاً مخصصاً لعموم قوله تعالى ( الزانية والزاني
فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لأحدى الآيتين
ومخصصاً للآية الأخرى ، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة
قطعاً فإنه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو؟ فلا بد لها من المبين ، وآية الجلد