Indexed OCR Text

Pages 61-80

قوله تعالى (( ولئن متم او قتلتم لالى الله تحشرون )) الآية سورة آل عِمْران ٦١
اشراقها بالأنوار الالهية ، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لا نهاية لها من الوجوه الدالة على
صحة قوله سبحانه وتعالى (لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون ) .
فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون ، ولا خير فيما تجمعون
أصلاً .
قلنا : أن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً ، وأيضاً هذا
وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات ، فقيل : المغفرة خير من هذه
الأشياء التي تظنونها خيرات .
ثم قال: ﴿ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون ﴾ .
وأعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة الله ، وفي
هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم ههنا بالحشر إلى الله ، يروى أن عيسى بن مريم
صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم آثار
العبادة ، فقال ماذا تطلبون ؟ فقالوا نخشى عذاب الله ، فقال هو أكرم من أن لا يخلصكم من
عذابه ، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ، فقالوا نطلب الجنة والرحمة ،
فقال هو أكرم من أن يمنعكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر ، فسألهم
فقالوا نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون
والمتعبدون المحقون ، فأنظر في ترتيب هذه الآيات فأنه قال في الآية الأولى ( لمغفرة من الله )
وهو إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه ، ثم قال ( ورحمة ) وهو إشارة إلى من يعبده لطلب
ثوابه ، ثم قال في خاتمة الآية ( لآلى الله تحشرون ) وهو إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية
والعبودية ، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة ، ألا ترى أنه لما
شرف الملائكة قال : ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) وقال للمقربين من أهل الثواب
( عند مليك مقتدر ) فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه
يكون حشرهم إليه ، وأستئناسهم بكرمه ، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته ، وهذا مقام فيه
إطناب ، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه .
ولنرجع إلى التفسير: كأنه قيل أن تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياماً
قليلة في الدنيامع تلك اللذات الخسيسة ، ثم تتركونها لا محالة ، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها
عليكم ، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها ، وبذلتم النفس والمال للمولى يكون
حشركم إلى الله ، ووقوفكم على عتبة رحمة الله، وتلذذكم بذكر الله، فشتان ما بين هاتين
الدرجتين والمنزلتين .

٦٢
قوله تعالى ((فبما رحمة من الله لنت لهم )) الآية
سورة آل عِمْران
فَبِمَا رََّةٍ مِنَ اللَّهِلِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَا نَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَمِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ لَّهَيُحِبُ
الْمُتَّوْكِلِينَ (
١٥٠
وأعلم أن في قوله ( لالى الله تحشرون ) دقائق : أحدها : أنه لم يقل : تحشرون إلى الله
بل قال : لإلى الله تحشرون ، وهذا يفيد الحصر، معناه إلى الله يحشر العالمون لا إلى غيره ، وهذا
يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو، قال تعالى: ( لمن الملك اليوم الله
الواحد القهار ) وقال تعالى ( والأمر يومئذ لله) وثانيها : أنه ذكر من أسماء الله هذا الأسم ،
وهذا الأسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال
الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر اشد أنواع الوعيد . وثالثها : إدخال لام
التأكيد في اسم الله حيث قال : ( لا لي الله ) وهذا ينبهك على أن الألهية تقتضى هذا الحشر
والنشر، كما قال : ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) ورابعها : أن
قوله (تحشرون) فعل مالم يسم فاعله ، مع أن فاعل ذلك الحشرهو الله ، وإنما لم يقع التصريح
به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي ، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدىء ويعيد، ومنه
الانشاء والاعادة ، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة ، ونظيره قوله تعالى
(وقيل يا أرض ابلعي ماءك) وخامسها: انه أضاف حشرهم إلى غيرهم، وذلك ينبه العقل على
أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة ، فهم سواء كانوا أحياء أو أمواتا لا
يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الالهية . وسادسها : أن قوله ( تحشرون ) خطاب مع
الكل ، فهو يدل على أن أميع العالمين يحشرون ويوقفون في عرصة القيامة وبساط العدل ،
فيجتمع المظلوم مع الظالم ، والمقتول مع القاتل ، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده
بالعدل المبرأ عن الجور ، كما قال ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) فمن تأمل في قوله تعالى
(لا لى الله تحشرون) وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار
الأسرار المودعة في هذه الآية ، وتمسك القاضى بهذه الآية على أن المقتول ليس بميت ، قال :
لأن قوله (ولئن متم أو قتلتم) يقتضى عطف المقتول على الميت، وعطف الشيء على نفسه ممتنع .
قوله تعالى ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف
عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾.
وأعلم أن القوم لما أنهزموا عن النبي ◌َّ يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول وَل

٦٣
قوله تعالى ((فبما رحمة من الله لنت لهم)) الآية سورة آل عِمْران
بالتغليظ والتشديد ، وإنما خاطبهم بالكلام اللين ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات
المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك عفا عنهم، زاد في الفضل
والأحسان بأن مدح الرسول ◌َّير على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم فقال (فبما رحمة من الله
لنت لهم ) ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام وفي الآية مسائل .
﴿المسألة الأولى﴾ أعلم أن لينه ◌َ ير مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى
( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) وقال : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن
الجاهلين)، وقال ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وقال (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه
ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم ) وقال عليه الصلاة والسلام ((لا حلم أحب إلى
الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه)) فلما كان عليه
الصلاة والسلام إمام العالمين ، وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً . وروى ان امرأة
عثمان دخلت عليه ◌َّ ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح ، فقالت : ما فعل أبن عفان ؟ أما
والله لا تجدونه أمام القوم ، فقال لها على : ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم ، فقال عليه الصلاة
والسلام ((مه)) وروى أنه قال حينئذ: اعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا ، ولما دخل عليه
عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال ((لقد ذهبتم فيها عريضة)) وروي عن بعض الصحابة أنه
قال : لقد أحسن الله إلينا كل الأحسان ، كنا مشركين ، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين
جملة ، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا ، فما كنا ندخل في الأسلام ، ولكنه دعانا إلى
كلمة واحدة ، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق
إلى أن تم الدين وكملت الشريعة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنما أنا لكم مثل
الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )) واعلم أن سر الأمر في
حسن الخلق أمران : أعتبار حال القائل ، وأعتبار حال الفاعل ، أما أعتبار حال القائل فلأن
جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما قال عليه الصلاة والسلام ((الأرواح جنود مجندة )) وقال:
((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)) وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة
والمهانة والنذالة ، واستيلاء الشهوة والغضب عليها وأستيلاء حب المال واللذات ، فكذلك في
جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة ، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله
تعالى بقوله ( نور على نور ) وقوله (علمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) وأما في
القوة العملية ، فكما وصفه الله بقوله ( وإنك لعلى خلق عظيم) كأنها من جنس أرواح
الملائكة ، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب ، ولا تتأثر من حب المال والجاه ، فإن من
تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر ، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت
روحانياتها أضعف من الجسمانيات ، وإذا لم تمل اليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها

٦٤
قوله تعالى ((فبما رحمة من الله لنت لهم)) الآية
سورة آل عِمْران
مستعلية على الجسمانيات ، وهذه الخواص نظرية ، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة
والكمال في هذه الخصال. وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام ((من عرف سر
الله في القدر هانت عليه المصائب)) فأنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب
الألهية ، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر ، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب ، واذا حصل له
محبوب لم يأنس به ، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات ، فلا
ينازع أحداً من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها ، ولا يغضب على أحد بسبب
فوت شيء من مطالبها ، ومتى كان الأنسان كذلك كان حسن الخلق ، طيب العشرة مع
الخلق ، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق،
لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق .
﴿ المسألة الثانية﴾ أحتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله (فبما رحمة من الله لنت
لهم) وجه الأستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق ، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى ،
فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين ، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة
والسلام من الهداية والدعوة والبيان والأرشاد ، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان
وأبي جهل وأبي لهب ، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله اللّه تعالى مع المكلفين في هذا الباب
مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء ، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن
الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله ، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول
عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا ، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع افعال العباد بقضاء
الله وبقدره ، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد ، لأن كل ما كان
ممكناً من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين ، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من
مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله ، لأنه متى فعل الطاعة استحق
ذلك المزيد من اللطف ، ووجب إيصاله اليه ، ومتى لم يفعل أمتنع إيصاله ، فكان ذلك للعبد
من نفسه لا من الله .
المسألة الثالثة) ذهب الأكثرون إلى أن ( ما) في قوله ( فبما رحمة من الله ) صلة زائدة
ومثله في القرآن كثير ، كقوله ( عما قليل ) و( جند ما هنالك. فبما نقضهم . مما خطاياهم )
قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد ما يستغنى عنه ، قال تعالى ( فلما أن جاء البشير )
أراد فلما جاء . فأكد بأن ، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم
الحاكمين غير جائز، وههنا يجوز أن تكون ( ما) أستفهاما للتعجب تقديره : فبأي رحمة من
الله لنت لهم ، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم أنه ما أظهر البتة ، تغليظا في القول ،

٦٥
قوله تعالى ((فبما رحمة من الله لنت لهم)) الآية سورة آل عمران
ولا خشونة في الكلام ، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك
موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا
هو الأصوب عندى .
المسألة الرابعة) أعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد
عليه الصلاة والسلام رحيماً بالأمة ، فاذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة
الا لله سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية
الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال
لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : وثانيها : أن كل رحيم سوى الله تعالى فإنه
يستفيد برحمته عوضاً، إما هرباً من العقاب، أو طلباً للثواب ، أو طلباً للذكر الجميل ، فاذا
فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فإن من رأى حيواناً في الألم
رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم ، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن
قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم البتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي
يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ، وثالثها ، إن كل من رحم غيره فأنه إنما يرحمه
بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سبباً من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك
المال إلا مع سلامة الأعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، وأما
في الظاهر فكل من أعانة الله على الرحمة سمي رحيماً، قال عليه السلام ((الراحمون يرحمهم
الرحمن )) وقال في صفة محمد عليه السلام ( بالمؤمنين رؤف رحيم ) ثم قال تعالى ( ولو كنت فظاً
غليظ القلب لانفضوا من حولك ) .
واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد ◌َّر أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه
مسائل .
المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي رحمه الله تعالى: الفظ، الغليظ الجانب السيء
الخلق ، يقال فظظت تفظ فظاظة وفظاظاً فأنت فظ، وأصله فظظ ، كقوله حذر من حذرت ،
وفرق من فرقت ، إلا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحو رجل صب ، وأصله
صبب، وأما ((الفض)) بالضاد فهو تفريق الشيء، وأنفض القوم تفرقوا، قال تعالى: ( واذا
رأوا تجارة أو لهواً أنفضوا إليها) ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك.
فإن قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟
قلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ،
الفخر الرازي ج٩ م٥

٦٦
قوله تعالى ((فاعف عنهم واستغفر لهم.)) الآية سورة آل عِمْران
فقد لا يكون الأنسان سيء الخلق ولا يؤذى أحد أً ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر
الفرق من هذا الوجه .
﴿ المسألة الثانية﴾ إن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق، وهذا
المقصود لا يتم إلا اذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا
كان رحيماً كريماً ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ويخصهم بوجوه البر والمكرمة
والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك
وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بأعانة
الفقراء ، كثير التجاوز عن سيأتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : ( ولو كنت
فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ولو أنفضوا من حولك فات المقصود من البعثة
والرسالة . وحمل القفال رحمة الله هذه الآية على واقعة أحد قال : ( فبما رحمة من الله لنت لهم )
يوم أحد حين عادوا إليك بعد الأنهزام ( ولو كنت فظاً غليظ القلب ) وشافهتهم بالملامة على
ذلك الأنهزام لانفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الأنهزام ، فكان
ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم .
المسألة الثالثة ﴾ اللين والرفق إنما يجوز اذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله،
فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز، قال تعالى ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ
عليهم ) وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ).
وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظ في هذه الآية ، وأمره بالغلظ في قوله
( وأغلظ عليهم ) فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو
كقوله ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) وقوله أشداء على الكفار رحماء بينهم ) وتحقيق
القول فيه أن طرفي الأفراط والتفريط مذمومان ، والفضيلة في الوسط ، فورود الأمر بالتغليظ
تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الأفراط والتفريط ، فيبقى على الوسط
الذي هو الصراط المستقيم ، فلهذا السرمدح الله الوسط فقال (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) .
ثم قال تعالى : ﴿فاعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) وأعلم أنه تعالى أمره
في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل .
المسألة الأولى ﴾ أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، قال
عليه السلام ((تخلقوا بأخلاق الله)) ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضاً
أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله .

٦٧
سورة آل عمران
قوله تعالى (( وشاورهم في الأمر)) الآية
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف (فأعف عنهم ) فيما يتعلق بحقك ( وأستغفر
لهم ) فيما يتعلق بحق الله تعالى .
المسألة الثالثة﴾ ظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى (فأعف عنهم ) يدل على
التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال ، وهذا يدل على كمال
الرحمة الالهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم .
وأعلم أن قوله ( فاعف عنهم ) إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ولما آل الأمر إلى
الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه فقال تعالى ( والعافين عن الناس) ليعلم أن حسنات
الأبرار سيات المقربين . وثانيها : قوله تعالى ( واستغفر لهم ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر،
وذلك لأن الأنهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى ( ومن يولهم يومئذ دبره ) إلى قوله ( فقد باء
بغضب من الله ) فثبت أن إنهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم أنه تعالى نص في الآية المتقدمة
على أنه عفا عنهم وأمر رسوله بحث ، في هذه الآية بالعفو عنهم ، ثم أمره بالأستغفار لهم ،
وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا .
المسألة الثانية ﴾ قوله تعالى (واستغفر لهم ) أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر،
وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه ، لأن ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية
على أنه تعالى يشفع محمداً بِيةٍ ، في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في
القيامة كان أولى .
المسألة الثالثة ﴾ أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولاً بقوله (ولقد عفا الله عنهم ) ثم أمر
محمد أَّ، في هذه الآية بالأستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له : يا محمد استغفر لهم فأني قد
غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فأني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا
يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها: قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ يقال: شاورهم مشاورة وشواراً ومشورة، والقوم شورى، وهي
مصدر سمي القوم بها كقوله ( وإذ هم نجوى ) قيل : المشاورة مأخوذة من قولهم : شرت
العسل اشوره اذا اخذته من موضعه واستخرجته وقيل مأخوذة من قولهم شرت الدابة ، شرت
الدابة شوراً إذا عرضتها ، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً ، كأنه بالعرض
يعلم خيره وشره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها .
المسألة الثانية ﴾ الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه: الأول : أن

٦٨
قوله تعالى ((وشاورهم في الأمر)) الآية
سورة آل عِمْران
مشاورة الرسول مثل إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم ، وذلك يقتضى شدة محبتهم له
وخلوصهم في طاعته ، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك اهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة .
الثاني : إنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلاً إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن
يخطر ببال إنسان من وجه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فأنه عليه
السلام قال ((ما تشاور قوم قط الاهدوا لأرشد أمرهم)) الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما
أمر بذلك ليقتدى به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته . الرابع : أنه عليه السلام شاورهم
في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى أن يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، فلو
ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقى في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر .
فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق فى قلبه أثر من تلك
الواقعة . الخامس: وشاورهم في الأمر ، لا لتستفيد منهم رأياً وعلما، لكن لكى تعلم مقادير
عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من
المفضول فبين لهم على قدر منازلهم . السادس: وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم ،
ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في
تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق
الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا هو السرعند الأجتماع في
الصلوات. وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلات المنفرد. السابع : لما أمر الله
محمداً عليه السلام بمشاورتهم دل ذلك على أن لهم عند الله قدراً وقيمة ، فهذا يفيد أن لهم قدراً
عند الله وقدراً عند الرسول وقدراً عند الخلق . الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات
العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم ، فربما خطر ببالهم أن الله
تعالى وأن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة ، فبين الله تعالى أن تلك
الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل أنا أزيد فيها ، وذلك ان قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي
بمشاورتكم ، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم
قبل ذلك ، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، والآن
تعولون على فضلى وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل
ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي اكثر من طاعتكم . والوجوه الثلاثة الأول
مذكورة ، والبقية ما خطر ببالي عند هذا الموضع والله أعلم بمراده وأسرار كتابه .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن
يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز
المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال الكلبي وكثير من العلماء : هذا الأمر مخصوص

سورة آل عمران ٦٩
قوله تعالى ((فاذا عزمت فتوكل على الله)) الآية
بالمشاورة في الحروب وحجته أن الألف واللام في لفظ ((الأمر)) ليسا للأستغراق ، لما بين أن
الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه ، فوجب حمل الألف واللام ههنا على المعهود
السابق ، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو ، فكان قوله
( وشاورهم في الأمر ) مختصاً بذلك ، ثم قال القائلون بهذا القول : قد أشار الحباب بن المنذر
يوم بدر على النبي ◌َّ بالنزول على الماء فقبل منه، فأشار عليه السعدان : سعد بن معاذ وسعد
بن عبادة ، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا ، فقبل منهما
وخرق الصحيفة ، ومنهم من قال : اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في
الباقي ، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولى الأبصار بالأعتبار فقال ( فأعتبروا يا أولى
الأبصار ) وكان عليه السلام سيد أولى الأبصار، ومدح المستنبطين فقال : ( لعلمه الذين
يستنبطون منهم ) وكان أكثر الناس عقلاً وذكاءً ، وهذا يدل على أنه كان مأموراً بالأجتهاد إذا
لم ينزل عليه الوحي ، والأجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأموراً بالمشاورة . وقد
شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين ، والدليل على أنه لا يجوز
تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم ، ثم أن أبليس خص
نفسه بالقياس وهو قوله ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فصار ملعوناً ، فلو كان تخصيص
النص بالقياس جائزاً لما أستحق اللعن بهذا السبب .
المسألة الرابعة﴾ ظاهر الأمر للوجوب فقوله ( وشاورهم)
يقتضي الوجوب ، وحمل الشافعي رحمة الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة
والسلام ((البكر تستأمر في نفسها)) ولواكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييباً
لنفسها فكذا ههنا .
: المسألة الخامسة) روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن أبن عباس أنه
قال: الذي أمر النبي ◌ّ بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعندي فيه
أشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم
ويستغفر لهم وهم المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية ، إلا أن أبا
بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية والله أعلم .
ثم قال ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع
الأعتماد عليه بل يجب أن يكون الأعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته ، والمقصود أن لا
يكون للعبد أعتماد على شىء إلا على الله في جميع الأمور .
﴿ المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الأنسان نفسه، كما يقوله

٧٠
قوله تعالى ((ان ينصركم الله فلا غالب لكم)) الآية سورة آل عِمْران
إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَلِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ أَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُ كُم مِّنْ
بَعْدِهِ، وَعَلَى اللهِ فَلْبَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (3)
بعض الجهال ، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل ، بل التوكل هو أن يراعي
الأنسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعول بقلبه عليها ، بل يعول على عصمة الحق .
المسألة الثالثة ﴾ حكى عن جابر بن زيد أنه قرأ (فأذا عزمت ) بضم التاء ، كأن الله
تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل ، وهذا ضعيف من وجهين : الأول : وصف الله بالعزم
غير جائز ، ويمكن أن يقال : هذا العزم بمعنى الإِيجاب والالزام ، والمعنى وشاورهم في الأمر ،
فأذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه . فتوكل على ، ولا تشاور بعد ذلك أحداً .
والثاني : أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله يحب المتوكلين﴾ والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع إلى الله
تعالى والأعراض عن كل ما سوى الله .
. قوله تعالى ﴿ أن ينصركم الله فلا غالب لكم وأن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده
وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ .
قال أبن عباس : أن ينصركم الله كما نصركم يوم بدر . فلا يغلبكم أحد ، وأن يخذلكم
كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد . وفيه مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية،
وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله ، وهو قوله ( بلى أن
تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) ثم بين في
هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له ، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين ، أن من اتقى
الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه ، ويصير
غالباً لا يغلبه أحد ، وأما من أتى بالمعصية فأن الله يخذله ، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا
سعادة معها ،وذل لاعز معه .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بأعانة الله،
والكفر لا يحصل ألا بخذلانه ، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله .
المسألة الثالثة﴾ قرأ عبيد بن عمير (وأن يخذلكم ) من أخذله اذا جعله مخذولاً .

٧١
قوله تعالى (( وما كان لنبي أن يغل )) الآية
سورة آل عِمْران
وَمَا كَانَ لِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ بَأْتِ ◌ِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَّْمَةِ ثُمَّتُوَفَّى كُلُّ نَفْسِ مَّ
كَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلُونَ.
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( من بعده) فيه وجهان : الأول : يعني من بعد خذلانه ،
والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان .
ثم قال ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله، وأنه لاراد
لقضائه ولا دافع لحكمه ، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه ، وقوله ( وعلى الله فليتوكل
المؤمنون ) يفيد الحصر، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره .
قوله تعالى ﴿ وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما
کسبت وهم لا يظلمون
أعلم أنه تعالى لما بالغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد . ومن جملتها المنع
من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الغلول هو الخيانة، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل
الجزار والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في
الصدر ، والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة
لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء: إذا تخلل وخفى ، وقال عليه الصلاة والسلام ((من بعثناه
على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه)) وقال (( هدايا الولاة غلول)) وقال (( ليس
على المستعير غير المغل ضمان)) وقال ((لا إغلال ولا إسلال)) وأيضاً يقال: أغله اذا وجده
غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك .
المسألة الثانية ﴾ قرأ أبن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل) بفتح الياء وضم الغين ،
أي ما كان للنبي أن يخون، وقرأ الباقون من السبعة ((يغل)) بضم الياء وفتح الغين ، أي ما
كان للنبي أن يخان .
واختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى . وبعضها يوافق القراءة
الثانية .
أما النوع الأول﴾ ففيه روايات: الأولى: أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض

٧٢
قوله تعالى ((وما كان لنبي أن يغل. )) الآية سورة آل عِمْران
الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم وقالوا : ألا تقسم
غنائمنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام ((لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهماً
أتحسبون أني أغلكم مغنمكم)) فأنزل الله هذه الآية . الثاني : أن هذه الآية نزلت في أداء
الوحي ، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم ، فسألوه أن
يترك ذلك فنزلت هذه الآية . الثالث : روى عكرمة وسعيد بن جبير : أن الآية نزلت في قطيفة.
حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي لر أخذها فنزلت هذه الآية . الرابع :
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي
عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية . الخامس : روى أنه عليه
الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية .
السادس : قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلباً للغنيمة
وقالوا نخشى أن يقول النبي وَلّر: من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم
بدر، فقال عليه الصلاة والسلام ((ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم)) فنزلت هذه الآية .
واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئاً من الغنيمة
عن اصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول ، بأن يعطي
البعض دون البعض .
وأما ما يوافق القراءة الثانية: فروي أن النبي ◌َلقره ، لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم
حنين، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية. وأعلم أن النبي ◌َّل ، عظم أمر الغلول وجعله من
الكبائر ، عن ثوبان عن رسول الله(پڼ ، أنه قال« من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث
دخل الجنة الكبر والغلول والدين)) وعن عبدالله بن عمرو: أن رجلاً كان على ثقل النبيل وَله ،
يقال له : كركرة فمات، فقال النبي وَ لّ: هو في النار ، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء
وعباءة قد غلهما ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم
القيامة)) وروى رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي ◌َّر، أنه قال (( لا يحل لأحد يؤمن بالله
واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لأمرىء يؤمن بالله
واليوم الآخر أن يلبس ثوباً حتى إذا أخلقه رده)) وروى أنه وَ ليره، جعل سلمان على الغنيمة
فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل على
جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم القاه في المتاع ، وروي
أن رجلاً جاء النبي ◌َ له بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر، فقال النبي
﴿ 1 ((شراك أو شراكان من نار)) ورمى رجل بسهم في خيبر، فقال القوم لما مات: هنيئاً له

٧٣
قوله تعالى ((وما كان لنبي أن يغل))، الآية سورة آلْ عِمْران
الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام (( كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة التي أخذها من
الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه ناراً)) وأعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان .
الحالة الأولى﴾ أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبدالله بن أبي
أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف، وعن
سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا على
أسم الله .
الحالة الثانية﴾ إذا أحتاج إليه، روى عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلاً من
المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به .
المسألة الثالثة﴾ أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ،
فله تأويلان الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب
للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى
المناصب الأنسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف، والجمع بين
الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله
( ما كان الله أن يتخذ من ولد) يعني : الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ،
والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) أي ما كان الله ليتخذ
ولداً .
﴿ الوجه الثاني﴾ في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال: أن القوم قد التمسوا
منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل
الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك )
وقوله ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنامنه باليمين) فقوله ( وما كان لنبي أن يغل ) أي ما
كان يحل له ذلك ، وإذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره ، قوله ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون
لنا أن نتكلم بهذا) أي ما يحل لنا .
وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : أحدها :

٧٤
قوله تعالى ((وما كان لنبي أن يغل)) الآية سورة آل عِمْران
أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول محلية إلى الغلول ، فبين الله بهذه
الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه
إلى الفاعل كقوله ( ما كان لنا أن نشرك بالله ) و( ما كان ليأخذ أخاه . وما كان لنفس أن تموت
إلا بأذن الله . وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم . وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) وقل
أن يقال ما كان زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ، ويؤكده
ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال ليس في الكلام ما كان لك أن
تضرب ، بضم التاء وثالثها : أن هذه القراءة أختيار أبن عباس : فقيل له ان أبن مسعود يقرأ
( يغل ) فقال أبن عباس : كان النبي يقصدون قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما
القراءة الثانية وهي ( يغل ) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون
المعنى : ما كان للنبي أن يخان .
وأعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد :
أحدها : أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش ،
والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها : أن الوحي كان يأتيه حالاً
فحالاً ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها
أن المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش .
الوجه الثاني ﴾ في التأويل: أن يكون من الاغلال: أن يخون ، أي ينسب إلى
الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته الى الكفر ، قال
العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : كما قيل : يفسق ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال :
أنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك . قال
صاحب الكشاف: وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن هذا
المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالاً، لأنه لا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.
المسألة الرابعة ﴾ قد ذكرنا أن الغلول هو الخيانة ، إلا أنه في عرف الأستعمال صار
مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة، وقد جاء هذا أيضاً في غير الغنيمة، قال ◌َلّ ((ألا أنبئكم بأكبر
الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فأن اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة
طوقها من الأرضين السبع)) وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ
عن جميع الخيانات وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء
الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أميناً لله في الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات
أن يخون الناس .

٧٥
قوله تعالى ((ثم توفى كل نفس ما كسبت)) الآية سورة آل عِمْران
ثم قال تعالى ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) وفيه وجهان : الأول : وهو قول أكثر
المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها ، قالوا وهي نظير قوله في مانع الزكاة ( يوم يحمى عليها
في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما کنز تم لأنفسكم فذوقوا ) ويدل
عليه قوله (( لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها
ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك)) وعن ابن عباس أنه
قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ثم يقال له : انزل اليه فخذه فينزل اليه ، فاذا انتهى
اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه . قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى
رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته .
﴿ الوجه الثاني ﴾ أن يقال: ليس المقصود منه ظاهره، بل المقصود تشديد الوعيد على
سبيل التمثيل والتصوير، ونظيره قوله تعالى (إنها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة
أو في السموات او في الأرض يأت بها الله) فأنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر: بل المقصود
إثبات أن الله تعالى لا يغرب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فكذا
ههنا المقصود تشديد الوعيد، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين: الأول: قال أبو مسلم:
المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه، لأنه لا يخفي عليه
خافية . الثاني: قال أبو القاسم الكعبي : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك
الشيء ، واعلم ان هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب اجراء
اللفظ على الحقيقة ، إلا إذا قام دليل يمنع منه ، وههنا لا مانع من هذا الظاهر ، فوجب اثباته .
ثم قال تعالى ﴿ ثم تو فی کل نفس ما کسبت ﴾ وفيه سؤالان :
﴿ السؤال الأول ﴾ هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله ؟
والجواب : الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا مجازيا يجازي
كل أحد على عمله سواء كان خيراً أو شراً، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما
اكتسب .
﴿ السؤال الثاني ﴾ المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا ، وفي اثبات وعید
الفساق .
أما الأول : فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه ، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى
يجازيه على ما خلقه فيه .
وأما الثاني : فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد ( فجزاؤه جهنم ) وأثبت في هذه الآية أن
كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساق .
والجواب : أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم

٧٦
قوله تعالى ((اومن اتبع رضوان الله)) الآية
سورة آل عمران
أَنِ أَتََّعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَنَّ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ الَهِ وَمَأْوَنُ جَهَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (لا)
مخصوص في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصاً في صورة العفو للدلائل الدالة
على العفو .
ثم قال تعالى: ﴿وهم لا يظلمون﴾ قال القاضي: هذا يدل على أن الظلم ممكن في
أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال ولا يتأتى إلا على قولنا دون
قول من يقول من المجبرة : أن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك .
الجواب : نفى الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما ان قوله ( لا تأخذه سنة ولا
نوم ) لا يدل على صحتهما عليه .
قوله تعالى ﴿ أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس
المصير ﴾ .
أعلم أنه تعالى لما قال : ﴿ثم توفي كل نفس ما كسبت ﴾ أتبعه بتفصيل هذه الجملة ،
وبين أن جزاء المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو، فقال ( أفمن أتبع رضوان الله ) وفي
الآية مسائل .
المسألة الأولى ﴾ للمفسرين فيه وجوه: الأول ( أفمن أتبع رضوان الله) في ترك
الغلول ( كمن باء بسخط من الله ) في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي والضحاك . الثاني
( أفمن أتبع رضوان الله) بالأيمان به والعمل بطاعته ، كمن باء بسخط من الله بالكفر به
والأشتغاال بمعصيته ، الثالث ( أفمن اتبع رضوان الله ) وهم المهاجرون ، ( كمن باء
بسخط من الله) وهم المنافقون ، الرابع: قال الزجاج : لما حمل المشركون على المسلمين دعا
النبي وَّ اصحابه إلى أن يحملوا على المشركين، ففعله بعضهم وتركه آخرون فقال: (افمن اتبع
"رضوان الله) وهم الذين أمتثلوا أمره ( كمن باء بسخط من الله) وهم الذين لم يقبلوا قوله ،
وقال القاضى: كل واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ
عام ، فوجب أن يتناول الكل ، لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله ( آفمن اتبع
رضوان الله ) وكل من أخلد إلى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله (كمن باء بسخط
من الله ) أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل
لأجل خصوص السبب .

٧٧
قوله تعالى ((هم درجات عند الله)) الآية سورة آل عِمْران
هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
﴿ المسألة الثانية) قوله (أفمن أتبع) الهمزة فيه للأنكار، والفاء للعطف على محذوف
تقديره : أمن أتقى فأتبع رضوان الله .
المسألة الثالثة ) قوله ( باء بسخط) أي أحتمله ورجع به ، وقد ذكرناه في سورة
البقرة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه (رضوان الله) بضم الراء،
والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان .
المسألة الخامسة﴾ قوله (ومأواه جهنم) من صلة ما قبله والتقدير : كمن باء
بسخط من الله وكان مأواه جهنم ، فأما قوله ( وبئس المصير ) فمنقطع عما قبله وهو كلام
مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها .
المسألة السادسة ﴾ نظير هذه الآية قوله تعالى (أم حسب الذين أجترحوا السيئات أن
نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) وقوله ( أفمن كان مؤمناً كمن
كان فاسقاً لا يستوون) وقوله ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض
أم نجعل المتقين كالفجار ) واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجور من الله تعالى أن يدخل
المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الأستبعاد ،
ولولا أنه ممتنع في العقول ، والا لما حسن هذا الأستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في
الحكمة ان يسوى المسيء بالمحسن ، فأن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالاً للطاعات .
ثم قال تعالى ﴿ هم درجات عند الله ﴾ وفيه مسائل .
المسألة الأولى ﴾ تقدير الكلام: لهم درجات عند الله. إلا أنه حسن هذا الحذف،
لأن اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها، فكان هذا المجاز أبلغ من
الحقيقة والحكماء يقولون : أن النفوس الأنسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية
وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها
نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لأختلاف الأمزجة البدنية، بل لاختلاف ماهيات النفوس ،
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)) وقال ((الأرواح
جنود مجندة)) واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات.
المسألة الثانية ﴾ هم: عائد إلى لفظ ((من)) في قوله: ( أفمن أتبع رضوان الله) ولفظ

٧٨
قوله تعالى ((والله بصير بما يعملون)) الآية سورة آل عِمْران
((من)) يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن يكون قوله (هم ) عائداً إليه ، ونظيره قوله
( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً لا يستوون ) فأن قوله ( يستوون ) صيغة الجمع وهو عائد
إلى ((من)) .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ هم: ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من أتبع
رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائداً إلى الأول ، أو
إلى الثاني ، أو اليهما معاً، والأحتمالات ليست إلا هذه الثلاثة .
الوجه الأول﴾ أن يكون عائداً إلى (من أتبع رضوان الله) وتقديره : أفمن أتبع
رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، والذي يدل على أن هذا
الضمير عائد إلى من أتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : الأول : أن الغالب في العرف أستعمال
الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . الثاني : أنه تعالى وصف من باء
بسخط من الله ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير، فوجب أن يكون قوله ( هم درجات )
وصفالمن اتبع رضوان الله . الثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب
والرحمة فأن الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، قال تعالى (كتب
ربكم على نفسه الرحمة ) وقال ( كتب عليكم القصاص كتب عليكم الصيام ) فلما أضاف هذه
الدرجات إلى نفسه حيث قال (هم درجات عند الله) علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب .
ورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى ( أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات
وأكبر تفضيلا .
﴿ والوجه الثاني ﴾ أن يكون قوله ( هم درجات ) عائدا على ( من باء بسخط من الله)
والحجة أن الضمير عائد الى الأقرب وهو قول الحسن قال : والمراد أن أهل النار متفاوتون في
مراتب العذاب، وهو كقوله (ولكل درجات مما عملوا) وعن رسول الله وَّة ((ان أهون أهل
النار عذابا يوم القيامة رجل یحذي له نعلان من نار یعلی من حرهما دماغه ینادی یارب وهل أحد
یعذب عذابي )»
﴿والوجه الثالث) أن يكون قوله (هم) عائداً إلى الكل، وذلك لأن درجات
أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضاً متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ،
لأنه تعالى قال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره ومن يعمل مثقال ذرة شرايره ) فلما تفاوتت مراتب
الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله (عند الله) أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما يقال هذه المسألة
عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله ( ومن
عنده لا يستكبرون ) وقوله ( عند مليك مقتدر ) .

٧٩
سورة آل عِمْران
قوله تعالى ((لقد من الله على المؤمنين)) الآية
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ◌َايَتِهِ»
وَيُزَكِِّمْ وَيُعلُّهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَّالِ مُبِينٍ (3)
ثم قال تعالى ﴿ والله بصير بما يعملون﴾ والمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفي لكل أحد يقدر
عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا اذا كان عالماً بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالى عن الظن
والريب والحسبان ، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيداً لذلك المعنى ، وهو قوله ( والله بصير
بما يعملون ) وذكر محمد بن إسحق صاحب المغازي في تأويل قوله ( وما كان لنبي أن يغل )
وجهاً آخر ، فقال : ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به اليهم
رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال (أفمن اتبع رضوان الله ) يعني رجح رضوان الله على
رضوان الخلق ، وسخط الله على سخط الخلق ، ( كمن باء بسخط من الله ) فرجح سخط الخلق
على سخط الله ، ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما
قال: (فأعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) بين أن ذلك إنما يكون معتبراً إذا كان
على وفق الدين ، فأما إذا كان على خلاف الدين فأنه غير جائز، فكيف يمكن التسوية بين من
اتبع رضوان الله وطاعته ، وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن
الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة
فهو عرف حادث .
قوله تعالى ﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾.
أعلم أن في وجه النظم وجوهاً: الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى
الغلول والخيانة اكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ،
ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والأعراض عن الدنيا ، فكيف
يليق بمن هذا حاله الخيانة .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال: لا أقنع بذلك
ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : أن وجوده فيكم من
أعظم نعمتي عليكم فأنه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم
وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الأنسان إلى الخيانة .
﴿ الوجه الثالث﴾ كأنه تعالى يقول: أنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم، وأنتم
أرباب الخمول والدناءة ، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والأحسان من جميع

٨٠
قوله تعالى ((لقد من اللّه على المؤمنين)) الآية
سورة آل عمران
العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح
إليه على خلاف العقل .
﴿ الوجه الرابع ﴾ أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل
عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم ، أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد
واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود الى ترغيب المسلمين في مجهدة الكفار وفي الآية
مسائل .
المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي رحمه الله: للمن في كلام العرب معان : أحدها :
الذي يسقط من السماء وهو قوله ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) وثانيها : أن تمن بما أعطيت
وهو قوله ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) وثالثها القطع وهو قوله ( لهم أجر غير ممنون .
وإن لك لأجرا غير ممنون ) ورابعها : الأنعام والأحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله
( هذا عطلؤنا فأمنن أو أمسك ) وقوله ( ولا تمنن تستكثر ) والمنان في صفة الله تعالى : المعطى
ابتداء من غير أن يطلب منه عوضاً وقوله ( لقد من الله على المؤمنين ) أي أنعم عليهم وأحسن
إليهم ببعثة هذا الرسول .
المسألة الثانية﴾ أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الأحسان في
بعثته كونه داعياً لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله، وهذا عام في حق
العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى ( وما أرسلناك الا كافة للناس ) إلا أنه لما لم
ينتفع بهذا الأنعام ألا أهل الإِسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله
تعالى ( هدى للمتقين ) مع أنه هدى للكل ، كما قال ( هدى للناس ) وقوله ( إنما أنت منذر من
يخشاها ) .
المسألة الثالثة ﴾ أعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم أنه لما كان
الأنتفاع بالرسول أكثر كان وجه الأنعام في بعثة الرسل أكثر، وبعثة محمد له، كانت مشتملة
على الأمرين : أحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسببّ ما
فيه ، من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره .
اما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله ( رسلا مبشرين
ومنذرين لئلايكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) قال أبو عبدالله الحليمي : وجه الأنتفاع
ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان
وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما