Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَفْسِيْرَ الفَخْرِ الزَّزى
الشَّهُ بالتّغِيرِالكبيرِ ومَفَاتِ الغَيب
للإمَام محمَّ الَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر
الشّهر بخطِ الرَّ فَفَعَ اللّه بالمنيمين
هـ
٥٤٤ - ٢٠٤
الجُزْءُ التَّاسِعْ
تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

٢
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا)» الآية
الجُزءُ
سورة آل عمران
بِسْطِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُوْ الْرِبَوْ أَضْعَفًا مُّضَعَفَةً وَأَنَّقُواْلَهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (
وَأَتَّقُواْ النَّارَ الَِّيّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِ ينَ ﴿ وَطِيعُواْاللَّهَ وَالَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ (٣)
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون
واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ .
إعلم أن من الناس من قال : إنه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق
بارشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد ، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي
والترغيب والتحذير فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا) وعلى هذا التقدير تكون هذه
الآية ابتداء كلام ولا تعلق لها بما قبلها ، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك متصلا بما
تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا جمعوها بسبب الربا ، فلعل ذلك
يصير داعياً للمسلمين إلى الاقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون
من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك وفي قوله ( أضعافاً مضاعفة ) مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل ،
فاذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجداً لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما
جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ، ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك
المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله ( أضعافا مضاعفة ) .
المسألة الثانية) انتصب ((أضعافاً)) على الحال .
ثم قال تعالى ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾.
٠٠٠

٣
البَرالع قوله تعالى ((واتقوا النار التي اعدت للكافرين)) الآية سورة آل عمران
اعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب ، وان الفلاح يتوقف عليه ، فلو أكل ولم يتق
زال الفلاح وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر وتفسير قوله ( لعلكم )
تقدم في سورة البقرة في قوله ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون )
وتمام الكلام في الربا أيضاً مر في سورة البقرة .
ثم قال ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ وفيه سؤالات : الأول: أن النار التي
أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه ، فكيف قال
( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) .
والجواب : تقدير الآية : اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين .
﴿ السؤال الثاني﴾ ظاهر قوله (أعدت للكافرين) يقتضى أنها ما أعدت إلا
للكافرين ، وهذا يقتضى القطع بأن أحداً من المؤمنين لا يدخل النار وهو على خلاف سائر
الآيات .
والجواب من وجوه : الأول : أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار
وبعضها للفساق فقوله ( النار التي أعدت للكافرين ) اشارة الى تلك الدركات المخصوصة
التي أعدها اللّه للكافرين ، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها الله لغير
الكافرين . الثاني : أن كون النار معدة للكافرين ، لا يمنع دخول المؤمنين ، فيها لأنه لما كان
أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال انها معدة لهم ، كما أن الرجل يقول
لدابة ركبها لحاجة من الحوائج ، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين ، فيكون صادقاً في
ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا ههنا .
الوجه الثالث﴾ في الجواب : أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن
النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضاً على أنها معدة لمن سرق وقتل وزنى وقذف ،
ومثاله قوله تعالى ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ) وليس لجميع الكفار
يقال ذلك ، وأيضاً قال تعالى ( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) الى قوله ( اذ نسويكم برب
العالمين ) وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور ، كانت
كالمذكورة ههنا ، فكذا فيما ذكرناه والله أعلم .
الوجه الرابع﴾ أن قوله ( أعدت للكافرين ) إثبات كونها معدة لهم ولا يدل على
الحصر كما أن قوله في الجنة ( أعدت للمتقين ) لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان
والمجانين والحور العين .

٤
قوله تعالى (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)) الآية سورة آل عِمْران
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَنَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِيْرَ
الوجه الخامس ﴾ أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر ،
وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي اذا علموا بأنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار
المعدة للكافرين ، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار ، كان انزجارهم عن المعاصي
أتم ، وهذا بمنزلة أن يخوف الوالد ولده بأنك ان عصيتني أدخلتك دار السباع ، ولا يدل ذلك
على أن تلك الدار لا يدخلها غيرهم فكذا ههنا .
السؤال الثالث ﴾ هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا ؟
الجواب : نعم لأن قوله ( أعدت ) إخبار عن الماضي فلا بد أن يكون قد دخل ذلك
الشيء في الوجود .
ثم قال تعالى ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ ولما ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده
على ما هو العادة المستمرة في القرآن ، وقال محمد بن إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين
عصوا الرسول ◌َّ حين أمرهم بما أمرهم يوم أحد ، وقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن
حصول الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول 18 ، وهذا عام فيدل الظاهر على أن من
عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء أنه ليس أهلاً للرحمة وذلك يدل على قول أصحاب
الوعيد .
قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت
للمتقين ﴾ .
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن عامر ((سارعوا)» بغير واو، وكذلك هو في مصاحف
أهل المدينة والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق ومصحف
عثمان ، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها والتقدير أطيعوا الله والرسول وسارعوا ، ومن ترك
الواو فلأنه جعل قوله (سارعوا) وقوله ( أطيعوا الله ) كالشيء الواحد ، ولقرب كل واحد منها
من الآخر في المعنى أسقط العاطف .

قوله تعالى ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)) الآية
سورة آل عمران
المسألة الثانية ) روى عن الكسائي الأمالة في ( سارعوا وأولئك يسارعون ،
ونسارع ) وذلك جائز لمكان الراء المكسورة ، ويمنع كما المفتوحة الامالة ، كذلك المكسورة
يميلها .
﴿ المسألة الثالثة) قالوا في الكلام حذف والمعنى: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من
ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات ، فكان هذا أمراً
بالمسارعة إلى فعل المأمورات وترك المنهيات ، وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر
الأمر يوجب الفور ويمنع من التراخي ووجهه ظاهر ، وللمفسرين فيه كلمات : إحداها : قال
ابن عباس هو الإِسلام أقول وجهه ظاهر ، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير ، والمراد منه
المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الإِسلام . الثاني : روى
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هو أداء الفرائض ، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب
أن يعم الكل . والثالث : انه الاخلاص وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ووجهه أن
المقصود من جميع العبادات الاخلاص ، كما قال ، ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له
الدين ) الرابع : قال أبو العالية هو الهجرة . والخامس : أنه الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد
بن اسحاق ، قال لأن من قوله ( وإذ غدوت من أهلك ) إلى تمام ستين آية نزل في يوم أحد
فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد . السادس : قال سعيد بن
جبير : انها التكبيرة الأولى . والسابع : قال عثمان: انها الصلوات الخمس . والثامن : قال
عكرمة : إنها جميع الطاعات . لأن اللفظ عام فيتناول الكل . والتاسع : قال الأصم :
سارعوا ، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب ، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولاً عن الربا ،
ثم قال ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم
النهي عنه ، والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات ،
لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه ، ثم انه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة
فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة ، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب ، والجنة
معناها إيصال الثواب ، فجمع بينهما للأشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين ، فأما
وصف الجنة بأن عرضها السموات: فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة لأن نفس السموات لا تكون
عرضا للجنة ، فالمراد كعرض السموات والأرض وههنا سؤالات .
السؤال الأول ﴾ ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه :
الأول : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك
الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك

٦
قوله تعالى ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)) الآية سورة آل عِمْران
مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله . والثاني : أن الجنة التي يكون
عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الانسان إنما يرغب فيما
يصير ملكاً ، فلا بد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا . الثالث : قال أبو
مسلم : وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمناً
للجنة ، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر : عرضته عليه وعارضته به ، فصار العرض
يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر ، وكذا أيضاً معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة
الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلاً للآخر . الرابع : المقصود المبالغة في وصف
سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله ( خالدين فيها ما دامت السموات
والأرض ) فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما
عرفناه ، فكذا ههنا .
السؤال الثاني ﴾ لم خص العرض بالذكر .
والجواب فيه وجهان : الأول : أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم
ونظيره قوله ( بطائنها من إستبرق ) وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من
الظهارة ، فإذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة ؟ فكذا ههنا إذا كان العرض هكذا فكيف
الطول والثاني : قال القفال : ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن
السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة ، أي واسعة عظيمة ،
والأصل فيه ان ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن
السعة .
السؤال الثالث ﴾ أنتم تقولون : الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض
السماء ؟
والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من قولنا أنها فوق السموات وتحت العرش ،
قال عليه السلام في صفة الفردوس ((سقفها عرش الرحمن)) وروى أن رسول هرقل سأل النبي
وَّه وقال انك تدعو الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ؟ فقال النبي
وَلّ: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار. والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار
في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة
السفل ، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء ؟ فقال وأي أرض وسماء
تسع الجنة ، قيل فأين هي ؟ قال فوق السموات السبع تحت العرش .

قوله تعالى ((الذين ينفقون في السراء والضراء)) الآية سورة آل عِمْران //٧
الَّذِينَ يُنِّقُونَ فِ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينُ
والوجه الثاني ﴾ أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، بل الله تعالى
يخلقهما بعد قيام القيامة ، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات
والنار في مكان الأرض والله أعلم .
أما قوله ﴿ أعدت للمتقين﴾ فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق
تقرير ذلك قوله تعالى ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
والله يحب المحسنين ﴾
اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الانسان
من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات .
فالصفة الأولى ﴾ قوله (الذين ينفقون في السراء والضراء) وفيه وجوه : الأول : أن
المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الانفاق ، وبالجملة فالسراء هو
الغنى ، والضراء هو الفقر . يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة
رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، والثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في
حزن أو في عسر أو في يسر فانهم لا يدعون الاحسان إلى الناس ، الثالث : المعنى أن ذلك
الاحسان والانفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان على خلاف
طبعهم فانهم لا يتركونه ، وإنما افتتح الله بذكر الانفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك
الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين .
الصفة الثانية ﴾ قوله تعالى ( والكاظمين الغيظ) وفيه مسئلتان .
﴿ المسألة الأولى﴾ يقال كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل ، قال
المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه يقال كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه ، ويقال فلان
لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل شيئاً ، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو
كظم ، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة ، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض
كظامة ، لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة ، ويقال أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ

٨
قوله تعالى ((والكاظمين الغيظ)) الآية
سورة آل عمران
بمجرى نفسه ، لأنه موضع الامتلاء بالنفس ، وكظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه
ولم يجتر ، ومعنى قوله ( والكاظمين الغيظ) الذين يكفون غيظهم عن الامضاء ويردون
غيظهم في أجوافهم ، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله ( وإذا ما غضبوا هم
يغفرون ) .
﴿المسألة الثانية﴾ قال النبي ◌َّة ((من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً
وإيماناً)) وقال عليه السلام لأصحابه ((تصدقوا)) فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام، وأتاه
الرجل بقشور التمر فتصدق به ، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به ، ولكن أتصدق
بعرضي فلا أعاقب أحداً بما يقوله في حديثه، فوفد إلى رسول الله صل ◌ّ من قوم ذلك الرجل
وفد، فقال عليه السلام ((لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه ))
وقال عليه السلام (( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث
يشاء)) وقال عليه السلام (( ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر
وحسن عزاء ومن جرعة غيظ كظمها)) وقال عليه السلام (( ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي
يملك نفسه عند الغضب )) .
الصفة الثالثة﴾ قوله تعالى ( والعافين عن الناس ) قال القفال رحمه الله: يحتمل أن
يكون هذا راجعاً إلى ماذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهى المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى
العفوعن المعسرين . قال تعالى عقيب قصة الربا والتداين ( وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة
وأن تصدقوا خير لكم) ويحتمل أن يكون كما قال في الدية ( فمن عفى له من أخيه شيء ) الى
قوله ( وأن تصدقوا خيرلكم) ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله وَ ل حين مثلوا
بحمزة وقال ((لامثلن بهم)) فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر علية والكف عن فعل ما ذكر أنه
يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفواً، قال تعالى في هذه القصة ( وإن عاقبتم فعاقبوا
بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) قال ◌َ# (( لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل
من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه )) وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله
عليه : ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن اليك ذلك مكافأة انما الاحسان أن تحسن إلى
من أساء إليك .
أما قوله تعالى ﴿والله يحب المحسنين) فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول
كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء .
واعلم أن الاحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه . أما
،

٩
قوله تعالى ((والذين إذا فعلوا فاحشة)) الآية · سورة آل عِمْران
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَِحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الَّ فَاسْتَغَفَرُواْلِذُنُوِهِمْ وَمَنْ
أَوْ لَبِكَ جَزَآؤَهُم
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلُونَ (٣)
مَّغْفِرَةٌ مِنْ زَّيِهِمْ وَجَّدْتُ نَجْرِى مِنْ تَخَِ اْأَنْهُ تَدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَبْرُ
الْعَمِلِينَ
١٣٦
إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) ويدخل فيه انفاق العلم ،
وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات
والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة
باساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرىء ذمته عن التبعات
والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى ( والعافين عن الناس ) فصارت هذه الآية من
هذا الوجه دالة على جميع جهات الاحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة
في كونها إحساناً إلى الغير ذكر ثوابها فقال ( والله يحب المحسنين ) فإن محبة الله للعبد أعم درجات
الثواب .
ثم قال تعالى: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم
ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم
وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ﴾ .
واعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول : أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين
بين أن المتقين قسمان : أحدهما : الذين اقبلوا على الطاعات والعبادات ، وهم الذين وصفهم
الله بالانفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ ، والعفو عن الناس . وثانيهما : الذين أذنبواثم
تابوا وهو المراد بقوله ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في
كونها متقية ، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في
استحقاق المنزلة والكرامة عند الله .
والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الاحسان إلى الغير، وندب في
هذه الآية إلى الاحسان إلى النفس ، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحساناً منه
إلى نفسه ، وفي الآية مسائل :

١٠
قوله تعالى ((ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)) الآية سورة آل عِمْران
المسألة الأولى ﴾ روى ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في رجلين، انصاري
وتقفي ، والرسول ◌َّ كان قد آخى بينهما ، وكانا لا يفترقان في أحوالهما ، فخرج الثقفي مع
الرسول محلية بالقرعة في السفر ، وخلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم ، فكان يفعل ذلك .
ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها ، فندم الرجل ، فلما وافى الثقفي مع
الرسول ◌َيّ لم يرَ الأنصاري، وكان قد هام في الجبال للتوبة ، فلما عرف الرسول مَلّ سكت
حتى نزلت هذه الآية . وقال ابن مسعود: قال المؤمنون للنبي ◌ّ : كانت بنو إسرائيل أكرم
على الله منا ، فكان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : اجدع
أنفك ، افعل كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة
ذنبهم الاستغفار .
﴿ المسألة الثانية﴾ الفاحشة ههنا نعت محذوف والتقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وذكروا
في الفرق بين الفاحشة وبين ظلم النفس وجوها : الأول : قال صاحب الكشاف : الفاحشة ما
يكون فعله كاملا في القبح ، وظلم النفس : هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الانسان به .
والثاني : أن الفاحشة هي الكبيرة ، وظلم النفس . هي الصغيرة ، والصغيرة يجب الاستغفار
منها ، بدليل أن النبي ◌ّ كان مأموراً بالاستغفار وهو قوله ( واستغفر لذنبك) وما كان
استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل . الثالث : الفاحشة : هي الزنا ، وظلم
النفس : هي القبلة واللمسة والنظرة ، وهذا على قول من حمل الآية على السبب الذي
رويناه ، ولأنه تعالى سمي الزنا فاحشة ، فقال تعالى ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ).
أما قوله ﴿ ذكروا الله ﴾ ففيه وجهان : أحدهما : أن المعنى ذكروا وعيد الله أو عقابه أو
جلاله الموجب للخشية والحياء منه ، فيكون من باب حذف المضاف ، والذكر ههنا هو الذي ضد
النسيان وهذا معنى قول الضحاك ، ومقاتل ، والواقدي ، فان الضحاك قال : ذكروا العرض
الأكبر على الله، ومقاتل ، والواقدي . قال : تفكروا أن الله سائلهم ، وذلك لأنه قال بعّده
هذه الآية ( فاستغفروا لذنوبهم) وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر ، والنتيجة لذلك؛
الذكر ، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله ، ونهيه ووعيده ،
ونظير هذه الآية قوله ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم
مبصرون ) ..
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والاجلال ، وذلك
لأن من أراد أن يسأل الله مسألة ، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله ، فهنا لما

١١
قوله تعالى ((قد خلت من قبلكم سنن)) الآية سورة آل عمران
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُرْ سُنَنٌ فَبِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُكَذِّبِینَ
كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى ، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن
الذنوب .
ثم قال ﴿ فاستغفروا لذنوبهم﴾ والمراد منه الاتيان بالتوبة على الوجه الصحيح ، وهو
الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل ، فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما
الاستغفار باللسان ، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لازالة
التهمة ، ولاظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ، وقوله ( لذنوبهم ) أي لأجل ذنوبهم .
ثم قال ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرةٍ إلا منه،
وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة ذلك
العقاب عنه ، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه .
ثم قال ﴿ولم يصروا على ما فعلوا﴾ واعلم أن قوله (ومن يغفر الذنوب إلا الله) جملة
معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتقدير : فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على مافعلوا.
وقوله ﴿وهم يعلمون﴾ فيه وجهان : الأول : أنه حال من فعل الاصرار ؛ والتقدير:
ولم يصروا على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة لأنه قد يعذر من لا يعلم
حرمة الفعل ، أما العالم بحرمته فانه لا يعذر في فعله البتة . الثاني : أن يكون المراد منه
العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله ◌َّة ((رفع القلم عن
ثلاث)).
ثم قال ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار ﴾ والمعنى أن
المطلوب أمران : الأول : الأمن من العقاب وإليه الاشارة بقوله ( مغفرة من ربهم ) والثاني :
إيصال الثواب إليه وهو المراد بقوله (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) ثم بين
تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم وجزاء عليه بقوله
(ونعم أجر العاملين) قال القاضي : وهذا يبطل قول من قال ان الثواب تفضل من الله وليس
بجزاء على عملهم .
قوله تعالى ﴿ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين

١٢
قوله تعالى ((هذا بيان للناس )) الآية
سورة آل عِمْران
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
١٣٨
هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين
اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات ، أتبعه
بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من
المطيعين والعاصين فقال ( قد خلت من قبلكم سنن ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو
المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضاً في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود.
وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية ، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ، وفي اشتقاق
هذه اللفظة وجوه : الأول : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه ، والسن الصب
للماء ، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فانه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج
واحد يكون كالشيء الواحد ، والسنة فعلة بمعنى مفعول ، وثانيها : أن تكون من : سننت
النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن، فالفعل المنسوب إلى النبي وَّ
سمي سنة على معنى أنه مسنون ، وثالثها : أن يكون من قولهم : سن الابل إذا أحسن
الرعي ، والفعل الذي داوم عليه النبي ◌َّ سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن
رعايته وادامته .
المسألة الثانية ﴾ المراد من الآية : قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم
السالفة ، واختلفوا في ذلك ، فالأكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال
بدليل قوله تعالى ( فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل
للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا
والعقاب في الآخرة، عليهم، فرغب الله تعالى أمة محمد رية في تأمل أحوال هؤلاء الماضين
ليصير ذلك داعيا لهم الى الايمان بالله ورسله والأعراض عن الرياسة في الدنيا ما بقيت لا مع
المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في
العقبى، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال (فانظروا كيف
كان عاقبة المكذبين) لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر،
وأيضاً يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك انما يعرف بتأمل أحوال المكذبين
والمعاندين، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم

١٣
قوله تعالى (( ولا تهنوا ولا تحزنوا)) الآية
سورة آل عمران
وَلَا تَبِنُوا وَلَا تَخْزَنُواْ وَأَنْتُ الْأَعْلَوّنَ إِن كُنْتُ مُؤْمِنِينَ (
٠٩١٤/٠١٠٠
١٣٩
المنصورون وان جندنا لهم الغالبون) وقوله (والعاقبة للمتقين) وقوله (أن الأرض يرثها عبادي
الصالحون ).
المسألة الثالثة ﴾ ليس المراد بقوله ( فسيروا في الأرض فانظروا) الأمر بذلك لا
محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فان حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان
المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضاً : ان لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر
السماع كما قال الشاعر :
فانظروا بعدنا إلى الآثار
إن آثارنا تدل علینا
ثم قال تعالى ﴿ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ﴾ ويعني بقوله ( هذا) ما تقدم
من أمره ونهيه ووعده وذكره لأنواع البينات والآيات ، ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى
وبين الموعظة ، لأن العطف يقتضى المغايرة فنقول فيه وجهان : الأول : أن البيان هو الدلالة
التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة، فالفرق أن البيان عام في أي معنی کان،
وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي الكلام الذي
يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان : أحدهما :
الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى . الثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين
وهو الموعظة .
الوجه الثاني ﴾ أن البيان هو الدلالة، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط كونها مفضية إلى
الاهتداء ، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله ( هدى للمتقين ) في سورة البقرة .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان.
أحدهما : أنهم هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين كالمعدومة ونظيره قوله
تعالى ( إنما أنت منذر من يخشاها إنما تنذر مع اتبع الذكر ، إنما يخشى الله من عباده العلماء)
وقد تقدم تقريره في تفسير قوله ( هدى للمتقين ) الثاني : أن قوله ( هذا بيان للناس ) كلام عام
ثم قوله ( وهدى وموعظة ) للمتقين مخصوص بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها
موصلة إلى البغية ، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق المتقين ، والله أعلم
بالصواب .
قوله تعالى ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ؟

١٤
قوله تعالى ((إِن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)) الآية سورة آل عمران.
إِن يَمْسَسْكُرْ قَرْحُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْجٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ آلْأَيَّمُ نُدَاوِهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ
١٤٠
اللهُ الَّذِينَءَامُواْ وَيَخِذَ مِنْكُرْ شُهَدَاءَ وَاللهُلَيُحِبُ الطَّيْلِينَ
اعلم أن الذي قدمه من قوله ( قد خلت من قبلكم سنن ) وقوله (هذا بيان للناس )
كالمقدمة لقوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا ) كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم
أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة ، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور ، وصارت
دولة أهل الحق عالية ، وصولة أهل الباطل مندرسة ، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم
يوم أحد سبباً لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم ، بل يجب أن يقوى قلبكم فان الاستعلاء
سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم .
ثم نقول قوله ( ولا تهنوا) أي لا تضعفوا عن الجهاد . والوهن الضعف قال تعالى حكاية
عن زكريا عليه السلام (إني وهن العظم منى ) وقوله (ولا تحزنوا ) أي على من
قتل منكم أو جرح وقوله ( وأنتم الأعلون ) فيه وجوه : الأول : أن حالكم أعلى من حالهم في
القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر اكثر مما أصابوا منكم يوم أحد ، وهو كقوله تعالى ( أو لما
أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا) أو لأن قتالكم الله وقتالهم للشيطان ، أولأن
قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق ، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالاً منهم .
الثاني : أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة . الثالث :
أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث أنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا
شديد المناسبة لما قبله ، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين إلى ما
يفيدهم قوة في القلب ، وفرحا في النفس ، فبشرهم الله تعالى بذلك ، فأما قوله ( إن كنتم
مؤمنين ) ففيه وجوه : الأول : وأنتم الأعلون ان بقيتم على إيمانكم ، والمقصود بيان أن الله
تعالى إنما تكفل باعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام . الثاني : وأنتم الأعلون فكونوا
مصدقين لهذه البشارة ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة . والثالث :
التقدير : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ، فإن الله تعالى وعد بنصرة هذا
الدين ، فإن كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها ، وأن الدولة تصير
للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم .
قوله تعالى ﴿ أن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس

قوله تعالى ((ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)) الآية سورة آل عِمْران ١٥
وَلِيَمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ
وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنواويمحق
الكافرين ﴾ .
وأعلم أن هذا من تمام قوله ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) فبين تعالى أن الذي
يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدّهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما
أصابهم فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فاذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لمَ يُقْتُروا
لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي
الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( قرح ) بضم القاف
وكذلك قوله ( من بعد ما أصابهم القرح ) والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه :
الأول : معناهما واحد، وهما لغتان : كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف
والضعف. والثاني : أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث : أنه بالفتح
مصدر وبالضم إِسم . والرابع : وهو قول الفراء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم
الجراحة . والخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع قرحة .
المسألة الثانية ﴾ في الآية قولان: أحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر ،
وهو كقوله تعالى ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليهما قلتم أنى هذا) والثاني: أن الكفار
قد نالهم يوم أحد مثل مانالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب
لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار .
فان قيل كيف قال ( قرح مثله) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين ؟
قلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى .
ثم قال تعالى ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ ((تلك)) مبتدأ ((والأيام)) صفة ((ونداولها)) خبره ويجوز أن يقال:
تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول : هي الأيام تبلى كل جديد ، فقوله ( تلك الأيام ) إشارة إلى
جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال .

١٦
قوله تعالى (( وليعلم الله الذين آمنوا)) الآية
سورة آل عمران
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال تداولته
الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي تتداولونها ولا
تجعلون للفقراء منها نصيبا ، ويقال : الدنيا دول ، أى تنتقل من قوم إلى آخرين ، ثم عنهم
إلى غيرهم، ويقال دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين
الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر
بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها .
واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر
الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من
هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه :
الأول : أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع
الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل
التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان ، وأخرى على
أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة
الاسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند
الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فانه يكون غضبا من الله
عليه . والثالث : وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل
السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فانه تعالى يميت بعد الإحياء ، ويسقم بعد
الصحة ، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء، والقدرة بالعجز وروى أن أبا
سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال أين إبن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن
الخطاب، فقال عمر: هذا رسول الله صَلّه ، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر، فقال أبوسفيان:
يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا سواء، قتلانا في الجنة
وقتلاكم في النار ، فقال ان كان كما تزعمون ، فقد خبنا اذن وخسرنا .
أما قوله تعالى ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اللام في قوله ( وليعلم الله ﴾ متعلق بفعل مضمر، إما بعده أو
قبله ، أما الاضمار بعده فعلى تقدير ( وليعلم الله الذين آمنوا) فعلنا هذه المداولة ، وأما
الأضمار قبله فعلى تقدير ( وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور ) منها ليعلم الله الذين آمنوا ،
ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل
ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة .

١٧
سورة آل عِمْران
قوله تعالى (( وليعلم الله الذين آمنوا)) الآية
المسألة الثانية﴾ الواو في قوله ( وليعلم الله الذين آمنوا﴾ نظائره كثيرة في القرآن ،
قال تعالى ( وليكون من الموقنين ) وقال تعالى ( ولتصغي اليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) والتقدير:
وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه
للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك
الواقعة وإن شأنهم فيها ، فيه من وجه المصالح ما لو عرفوه لسرهم .
المسألة الثالثة ) ظاهر قوله تعالى ( وليعلم الله الذين آمنوا) مشعر بأنه تعالى إنما
فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية
في الاشكال قوله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم
الصابرين) وقوله ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)
وقوله (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً) وقوله (ولبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين ) وقوله ( إلا لنعلم من يتبع الرسول) وقوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) وقد
احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند
وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند
حدوثها .
أجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل
وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محال إلا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على
المقدور مجاز مشهور، يقال هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ،
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم .
إذا عرفت هذا ، فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الاخلاص من النفاق
والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء الله، فأضاف إلى نفسه تفخياً . وثالثها : ليحكم
بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم .
ورابعها : ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم الله أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع
دون المعلوم الذي لم يوجد .
المسألة الرابعة ﴾ العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما يقال :
علمت زيداً، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيداً
كريماً ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير :
وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالإيمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير
الفخر الرازي ج٩ ٢٢

١٨
قوله تعالى ((ويتخذ منكم شهداء)) الآية سورة آل عِمْران
الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإِسلام ، ويحتمل أن
يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما
يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ،
وهو ظهور الصبر حذف ههنا .
أما قوله ﴿ ويتخذ منكم شهداء﴾ فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه
مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما
صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فان كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية .
والثاني : المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا
يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ،
وأيضاً القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) وقال (وجيء بالنبيين والشهداء ) وقال ( فأولئك مع الذين
أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) فكانت هذه المنزلة هي المنزلة
الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا
المنصب العظيم لبعض المؤمنين .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى
فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على
المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من
لوازم تلك الشهادة ، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك
القتل مطلوباً لله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى .
المسألة الثالثة﴾ الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين
بسيف الكفار شهيداً ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء
أحياء لقوله ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ) فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ،
وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني : قال ابن الانباري ؛ لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له
بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم
القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى ( لتكونوا شهداء على الناس ) الرابع : سموا

١٩
سورة آل عمران
قوله تعالى (( ام حسبتم ان تدخلوا الجنة)) الآية
أَمْ حَسْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَ الصَِّينَ
﴿ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿
شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله ( أغرقوا
فأدخلوا نارا ) فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا
الجنة .
ثم قال تعالى ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي المشركين؛
لقوله تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه :
الأول : والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الإيمان صابراً على الجهاد . الثاني : فيه إشارة إلى
أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم .
ثم قال ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا﴾ أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم ،
والمحص : في اللغة التنقية ، والمحق في اللغة النقصان ، وقال المفضل : هو أن يذهب الشيء
كله حتى لا يرى منه شيء ، ومنه قوله تعالى ( يمحق الله الربا) أي يستأصله . قال الزجاج :
معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فان حصلت الغلبة
للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين ، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على
هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم ، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق
الكافرين ، لأن تمحيص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم ، وهذه
مقابلة لطيفة في المعنى . والأقرب أن المراد بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم
الذين حاربوا الرسول و لو يوم أحد، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار ،
بل كثير منهم بقي على كفره والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين
ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ﴾ .
اعلم أنه تعلم لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام
ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك ، فقال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) بدون
.

٢٠
قوله تعالى ((ويعلم الصابرين)) الآية سورة آل عِمْران
تحمل المشاق وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أم: منقطعة، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة . قال أبو
مسلم في (أم حسبتم ) إنه نهى وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا
تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن
يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) وافتتح الكلام بذكر ((أم)) التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة
بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه ، يقولون : أزيداً ضربت أم عمرواً، مع تيقن وقوع
الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً ، فلما قال
( ولا تهنوا ولا تحزنوا) كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به ، أم تحسبون أن تدخلوا
الجنة من غير مجاهدة وصبر ، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة ،
وأوجب الصبر على تحمل متاعبها ، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا ، فلما كان
كذلك ، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة .
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان ، فجوابه أنه لم يفعل ، وإذا قيل
قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل . لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد ، لا جرم أكد في جانب
النفي بكلمة (( لما)) .
المسألة الثالثة﴾ ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد وقوعه على نفي
المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم ، وتقريره أن العلم
متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم . حسن إقامة كل واحد منهما
مقام الآخر ، وتمام الكلام فيه قد تقدم .
أما قوله ﴿ويعلم الصابرين﴾ فاعلم أنه قرأ الحسن (ويعلم الصابرين ) بالجزم عطفاً
على ( ولما يعلم الله) وأما النصب فبإضمار أن ، وهذه الواو تسمى واو الصرف، كقولك: لا
تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا تجمع بينهما ، وكذا ههنا المراد أن دخول الجنة وترك
المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان ، وقرأ أبو عمرو ( ويعلم ) على تقدير أن الواو للحال .
كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون .
واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة ، فبقدر ما يزداد
أحدهما ينتقص الآخر ، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا ،
والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله ،
وهذان الأمران مما لا يجتمعان ، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما ،